غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري

عن الكتاب
القراآت :﴿ولنجزين﴾ بالنون : ابن كثير وعاصم ويزيد وعباس والنقاش عن ابن ذكوان. الآخرون بالياء. ﴿قرأت القرآن﴾ مثل ﴿أنشأنا﴾.
الوقوف :﴿يستعتبون﴾ ٥ ﴿ولا هم ينظرون﴾ ٥ ﴿من دونك﴾ ج لاختلاف الجملتين مع الفاء ﴿لكاذبون﴾ ٥ ج للعطف مع أنه رأس آية ﴿يفترون﴾ ٥ ﴿يفسدون﴾ ٥ ﴿على هؤلاء﴾ ط لواو الاستئناف ﴿للمسلمين﴾ ٥ ﴿والبغي﴾ ج لاحتمال ما بعده الحال والاستئناف ﴿تذكرون﴾ ٥ ط ﴿كفيلاً﴾ ٥ ط ﴿تفعلون﴾ ٥ ﴿أنكاثاً﴾ ط بناء على أن التقدير أتتخذون ﴿من أمة﴾ ط ﴿به﴾ ط ﴿تختلفون﴾ ٥ ﴿ويهدي من يشاء﴾ ط ﴿تعملون﴾ ٥ ﴿عن سبيل الله﴾ ج لانقطاع النظم مع اتصال المعنى ﴿عظيم﴾ ٥ ﴿قليلاً﴾ ط ﴿تعلمون﴾ ٥ ﴿باق﴾ ط ﴿يعلمون﴾ ٥ ﴿طيبة﴾ ج للعدول عن الوحدان إلى الجمع مع أنهما ضميراً من ﴿يعملون﴾ ٥ ﴿الرحيم﴾ ٥ ﴿يتوكلون﴾ ٥ ﴿مشركون﴾ ٥.
ثم شرف نبينا ﷺ بقوله :﴿وجئنا بك شهيداً على هؤلاء﴾، أي : على أمتك. . ولا ريب أن في تخصيصه بعد التعميم، دلالة على فضله، نظيره : قوله في سورة النساء :﴿فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيداً﴾ [النساء: ٤١]، قال الإمام فخر الدين الرازي. الأمة عبارة عن القرن والجماعة، فيعلم من الآية أنه لا بد في كل عصر من أقوام تقوم الحجة بقولهم، ويكونون شهداء على غيرهم، وهم أهل الحل والعقد، فيكون إجماعهم حجة. ولقائل أن يقول : الأمة في الآية : هي الجماعة الذين بعث النبي إليهم، وإلى من سيوجد منهم إلى آخر زمان دينه، فيكون نبي تلك الأمة وحده شهيداً عليهم. ولا دلالة للآية إلا على هذا القدر، فمن أين حل لك أن إجماع أهل الحل والعقد في كل عصر حجة ؟ ثم بين أنه أزاح علتهم فيما كلفوا فيه، فلا حجة لهم ولا معذرة، فقال :﴿ونزلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيء﴾، أي : بياناً له، والتاء للمبالغة، ونظيره من المصادر " التلقاء "، ولم يأت غيرهما، وقد مر في " الأعراف ". قال الفقهاء. إنما كان القرآن بيان جميع الأحكام ؛ لأن الأحكام المستنبطة من السنة والإجماع والقياس والاجتهاد، كلها تستند إلى الكتاب، حيث أمر فيه باتباع رسول الله ﷺ وطاعته، وورد فيه :﴿ويتبع غير سبيل المؤمنين﴾ [النساء: ١١٥]، وجاء ﴿فاعتبروا﴾ [الحشر: ٢].
وقال آخرون : إن علم أصول الدين كلها في القرآن. وأما علم الفروع : فالأصل براءة الذمة، إلا ما ورد به نص القرآن، فإذن القرآن وافٍ ببيان جميع الأحكام، والقياس شائع، ولعل التبيان إنما هو للعلماء خاصة، والهدى لجميع الخلق في أوّل أحوالهم، والرحمة في وسطه، وهو مدة العمر بعد الإسلام، والبشرى في أوان الأجل كما قال سبحانه :﴿إن الذين قالوا ربنا الله﴾ [فصلت: ٣٠]، إلى قوله :﴿وأبشروا﴾ [فصلت: ٣٠]، والله أعلم بمراده.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:التأويل :﴿ويوم نبعث﴾، فيه إشارة إلى أن لأرواح الأنبياء إشرافاً على أممهم في حال حياتهم وبعد وفاتهم، وفيه أن الدنيا مزرعة الآخرة، فلا يقبل في القيامة اعتذار. ﴿وإذا رأى الذين ظلموا﴾، أي : وضعوا الكفر وأعمال الطبيعة موضع الإيمان وأعمال الشريعة. ﴿فلا يخفف﴾، عن أرواحهم أثقال الأخلاق الذميمة. ﴿ولا هم ينظرون﴾ لتبديل مذمومها بمحمودها. ﴿وإذا رأى الذين أشركوا﴾، وهم عبدة الدنيا والهوى. ﴿إنكم لكاذبون﴾، في أنا دعوناكم إلى عبادتنا، فإنا كنا مشغولين بتسبيح الله سبحانه وطاعته. ﴿وصدوا عن سبيل الله﴾، منعوا الأرواح والقلوب عن طلب الله. ﴿زدناهم﴾ عذاب الحرمان عن الكمال فوق خسران النسيان بإفساد الاستعداد الفطري. ﴿وجئنا بك شهيداً﴾ ؛ لأن روحه شاهد على جميع الأرواح والقلوب والنفوس ؛ لقوله :" أول ما خلق الله روحي ". ﴿تبياناً لكل شيء﴾ يحتاج إليه السالك في أثناء سلوكه. ﴿إن الله يأمر بالعدل﴾ وهو وضع الآلات وأسباب تحصيل الكمال في مواضعها، بحيث يؤدي إلى مقام الوصال والكمال. ﴿والإحسان﴾ وهو أن تحسن إلى الخلق بما أعطاك الله، كقوله :﴿وأحسن كما أحسن الله إليك﴾ [القصص: ٧٧]. وفي قوله :﴿وإيتاء ذي القربى﴾، إشارة إلى أن من جملة العدالة رعاية حال الأقرب فالأقرب. فيبدأ بتكميل نفسه، ثم بما هو أقرب إليه قرباً معنوياً لا صورياً. ﴿وينهى عن الفحشاء﴾، وهو صرف ما آتاه الله في غير مصرفها. ﴿والمنكر﴾، وهو ضد المعروف، وهو أن لا يحسن إلى غيره. ﴿والبغي﴾، وهو أن لا يراعي الترتيب المذكور في باب الإرشاد والتكميل. ﴿وأوفوا بعهد الله﴾ يوم الميثاق. ﴿وقد جعلتم الله عليكم كفيلاً﴾، بجزاء وفائكم. ﴿ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها﴾، فيه إشارة إلى حال المريد المرتد. ﴿أن تكون أمة﴾، هي أهل الدنيا في الدنيا أعلى حالاً من أمتهم أهل الآخرة. ﴿ولا تتخذوا أيمانكم﴾، عهودكم مع المشايخ شبكة تصطادون بها الدنيا وقبول الخلق، فتزل أقدامكم عن صراط الطلب. ﴿من ذكر أو أنثى﴾، هما القلب والنفس. والعمل الصالح من النفس استعمال الشريعة والطريقة، ومن القلب التوجه إلى الله بالكلية، والحياة الطيبة للنفس أن تصير مطمئنة مستعدة لقبول فيض ﴿ارجعي إلى ربك﴾ [الفجر: ٢٨]، وللقلب أن يصير فانياً عن أنانيته باقياً بشهود الحق وجماله، وحينئذ يطيب عن دنس الاثنينية ولوث الحدوث. ﴿فاستعذ بالله﴾، الخطاب للنبي ﷺ وآله ظاهراً، وبالحقيقة هو لأمته ؛ لأن شيطانه أسلم على يده، فلم يحتج إلا الاستعاذة من شيطانه، بل هو وخواص أمته، كقوله :﴿إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا﴾ [النحل: ٩٩]، وفيه أن الشيطان ليس له تسلط على أولياء الله إلا بالوسوسة، وفيها صلاح المؤمن، فإن إبريز إخلاص قلبه لا يتخلص عن غش صفات نفسه إلا بنار الوسوسة ؛ لأن المؤمن يطلع على بقايا صفات نفسه بما تكون الوسوسة من جنسه، فيزيد في الرياضة وملازمة الذكر حتى تنمحي تلك البقايا، والله تعالى أعلم بالصواب.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى