تفسير القرآن العظيم — ابن كثير

عن الكتاب
يخبر تعالى أنه يأمر عباده بالعدل، وهو القسط والموازنة، ويندب إلى الإحسان، كما قال تعالى :﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾ [النحل: ١٢٦]، وقال :﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: ٤٠]، وقال :﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾ [المائدة: ٤٥]، إلى غير ذلك من الآيات الدالة على هذا، من(١) شرعية العدل، والندب إلى الفضل.
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس :﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ﴾، قال : شهادة أن لا إله إلا الله.
وقال سفيان بن عيينة : العدل في هذا الموضع : هو استواء السريرة والعلانية من كل عامل لله عملا. والإحسان : أن تكون(٢) سريرته أحسن من علانيته. والفحشاء والمنكر : أن تكون(٣) علانيته أحسن من سريرته.
وقوله :﴿وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى﴾، أي : يأمر بصلة الأرحام، كما قال :﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾ [الإسراء: ٢٦].
وقوله :﴿وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾، فالفواحش : المحرمات. والمنكرات : ما ظهر منها من فاعلها ؛ ولهذا قيل في الموضع الآخر :﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ [الأعراف: ٣٣]. وأما البغي فهو : العدوان على الناس. وقد جاء في الحديث :" ما من ذنب أجدر أن يعجل الله عقوبته في الدنيا، مع ما يدخر لصاحبه في الآخرة، من البغي وقطيعة الرحم " (٤).
وقوله ﴿يَعِظُكُمْ﴾، أي : يأمركم بما يأمركم به من الخير، وينهاكم عما(٥) ينهاكم عنه من الشر، ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾، قال الشعبي، عن شُتَيْر بن شَكَل : سمعت ابن مسعود يقول : إن أجمع آية في القرآن في سورة النحل :﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإحْسَانِ﴾ الآية. رواه ابن جرير(٦).
وقال سعيد عن قتادة : قوله :﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإحْسَانِ﴾ الآية، ليس من خُلُق حسن كان أهل الجاهلية يعملون به ويستحسنونه إلا أمر الله به، وليس من خلق سيء كانوا يتعايرونه بينهم إلا نهى الله عنه وقدم فيه. وإنما نهى عن سفاسف الأخلاق ومذامها.
قلت : ولهذا جاء في الحديث :" إن الله يحب معالي الأخلاق، ويكره سَفْسافها " (٧).
وقال الحافظ أبو نُعَيم في كتابه " كتاب معرفة الصحابة " : حدثنا أبو بكر محمد بن الفتح الحنبلي، حدثنا يحيى(٨) بن محمد مولى بني هاشم، حدثنا الحسن بن داود المنْكَدري، حدثنا عمر بن علي المقدمي، عن علي بن عبد الملك بن عمير(٩) عن أبيه قال : بلغ أكثم بن صيفي مخرج النبي ﷺ، فأراد أن يأتيه فأبى قومه أن يدعوه وقالوا : أنت كبيرنا، لم تكن لتخف إليه ! قال : فليأته من يبلغه عني ويبلغني عنه. فانتدب رجلان، فأتيا النبي(١٠) ﷺ، فقالا : نحن رسل أكثم بن صيفي، وهو يسألك : من أنت ؟ وما أنت(١١) ؟ فقال النبي ﷺ :" أما من أنا، فأنا محمد بن عبد الله، وأما ما أنا، فأنا عبد الله ورسوله ". قال : ثم تلا عليهم هذه الآية :﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾، قالوا : اردد علينا هذا القول، فردده عليهم حتى حفظوه. فأتيا أكثم، فقالا : أبى أن يرفع نسبه، فسألنا عن نسبه، فوجدناه زاكي النسب، وسطا في مضر، وقد رمى إلينا بكلمات قد سمعناها، فلما سمعهن أكثم قال : إني قد أراه يأمر بمكارم الأخلاق، وينهى عن ملائمها، فكونوا في هذا الأمر رءوسا، ولا تكونوا فيه أذنابا(١٢).
وقد ورد في نزول هذه الآية الكريمة حديث حَسن، رواه الإمام أحمد : حدثنا أبو النضر، حدثنا عبد الحميد، حدثنا شهر، حدثني عبد الله بن عباس قال : بينما رسول الله ﷺ بفناء بيته جالس، إذ مر به عثمان بن مظعون، فكشر(١٣) إلى رسول الله ﷺ، فقال له رسول الله ﷺ :" ألا تجلس ؟ " فقال : بلى. قال : فجلس رسول الله ﷺ مستقبله، فبينما هو يحدثه إذ شَخَص رسول الله ﷺ ببصره في السماء، فنظر ساعة إلى [ السماء ](١٤)، فأخذ يضع بصره حتى وضعه على يَمْنته في الأرض، فتحرَّف رسول الله ﷺ عن جليسه عثمان إلى حيث وضع بصره، فأخذ ينغض رأسه كأنه يستفقه ما يقال له، وابن مظعون ينظر، فلما قضى حاجته واستفقه ما يقال له، شخص بصر رسول الله ﷺ إلى السماء كما شخص أول مرة. فأتبعه بصره حتى توارى في السماء. فأقبل إلى عثمان بجلسته الأولى فقال : يا محمد، فيما كنت أجالسك ؟ ما رأيتك تفعل كفعلك الغداة ! قال :" وما رأيتني فعلت ؟ " قال : رأيتك شخص بصرك إلى السماء، ثم وضعته حيث وضعته على يمينك، فتحرفت إليه وتركتني، فأخذت تنغض رأسك كأنك تستفقه شيئا يقال لك. قال :" وفطنت لذلك ؟ " فقال عثمان : نعم. قال رسول الله ﷺ :" أتاني رسول الله آنفا وأنت جالس ". قال : رسولُ الله ؟ قال :" نعم ". قال : فما قال لك ؟ قال :﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾، قال عثمان : فذلك حين استقر الإيمان في قلبي، وأحببت محمدًا صلى الله عليه وسلم(١٥).
إسناد جيد متصل حسن، قد(١٦) بُيِّن فيه السماع المتصل. ورواه ابن أبي حاتم، من حديث عبد الحميد بن بَهرام مختصرًا.
حديث آخر : عن عثمان بن أبي العاص الثقفي في ذلك، قال الإمام أحمد : حدثنا أسود بن عامر، حدثنا هُرَيْم، عن لَيْث، عن شَهْر بن حَوْشَب، عن عثمان بن أبي العاص قال : كنت عند رسول الله ﷺ جالسا، إذ شَخَصَ بَصره فقال :" أتاني جبريل، فأمرني أن أضع هذه الآية بهذا الموضع من هذه السورة :﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإحْسَانِ [ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ]﴾(١٧) (١٨).
وهذا إسناد لا بأس به، ولعله عند شهر بن حوشب من الوجهين، والله أعلم.
١ في ف: "في"..
٢ في ف: "يكون"..
٣ في ف: "يكون"..
٤ رواه أحمد في المسند (٥/ ٣٦) وأبو داود في السنن برقم (٤٩٠٢) والترمذي في السنن برقم (٢٥١١) وابن ماجه في السنن برقم (٤٢١١) من حديث أبي بكرة رضي الله عنه، وقال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح"..
٥ في ف: "عن الذي"..
٦ تفسير الطبري (١٤/ ١٠٩)..
٧ رواه الخرائطي في مكارم الأخلاق برقم (٣) وأبو نعيم في الحلية (٨/ ٢٥٥) من طريق معمر، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد مرفوعًا، وقال أبو نعيم: "غريب من حديث أبي حازم وسهل تفرد به عن أبي حازم معمر"..
٨ في ف: "حدثنا محمد بن يحيى"..
٩ في هـ، ت، أ: "علي بن عبد الله بن عمير" وهو خطأ، وانظر: معرفة الصحابة (٢/ ٤٢٠) والثقات لابن حبان (٧/ ٢٠٧) والإصابة (١/ ١١٨)..
١٠ في أ: "رسول الله"..
١١ في ف: "من أنت وصفاتك وما جئت به"..
١٢ معرفة الصحابة (٢/ ٤٢٠) قال ابن حجر: "وهو مرسل" وأورده ابن عبد البر في الاستيعاب (١/ ١٤٦) وأنكر كون أكثم بن صيفي من الصحابة وانظر: الإصابة (١/ ١١٩)..
١٣ في ف: "فكر"..
١٤ زيادة من ت، ف، أ، والمسند..
١٥ المسند (١/ ٣١٨)..
١٦ في ف: "وقد"..
١٧ زيادة من ف، أ، وفي هـ: "الآية"..
١٨ المسند (٤/ ٢١٨)..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى