اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي
عن الكتاب
قوله تعالى :﴿إِنَّ الله يَأْمُرُ بالعدل والإحسان﴾ الآية، لما شرح الوعد والوعيد، والتَّرغيب والتَّرهيب، أتبعه بقوله :﴿إِنَّ الله يَأْمُرُ بالعدل والإحسان﴾، فجمع في هذه الآية ما يتصل بالتكاليف ؛ فرضاً ونفلاً، وما يتصل بالأخلاق، والآداب : عموماً وخصوصاً.
روى ابن عباس - رضي الله عنه- : أن عثمان بن مظعون الجمحيَّ قال : ما أسلمتُ أولاً إلاَّ حياء من محمد - صلوات الله وسلامه عليه - ولم يتقرر الإسلام في قلبي، فحضرته ذات يوم، فبينما هو يحدِّثني، إذ رأيت بصره شخص إلى السماءِ، ثم خفضه عن يمينه، ثم عاد لمثل ذلك ؛ فسألته - صلوات الله وسلامه عليه - فقال :" بينما أنا أحدِّثك إذ بجبريل - صلوات الله وسلامه عليه - ينزل عن يميني، فقال : يا محمد، إنَّ الله - تعالى - يأمرك بالعدل : شهادة أن لا إله إلا الله، والإحسان : القيام بالفرائض، وإيتاء ذي القربى، أي : صلة القربى، وينهى عن الفحشاء : الزِّنا، والمنكرِ : ما لا يعرف في شريعة ولا سنة، والبغي : الاستطالة ". قال عثمان : فوقع الإيمان في قلبي، فأتيت أبا طالب ؛ فأخبرته، فقال : يا معشر قريش، اتَّبعُوا ابن أخي ترشدوا، ولئن كان صادقاً أو كاذباً، فإنه ما يأمركم إلا بمكارم الأخلاق، فلما رأى الرسول ﷺ من عمه اللِّين قال : يا عمَّاه، أتأمر الناس أن يتَّبعوني، وتدع نفسك ! وجهد عليه ؛ فأبى أن يسلم ؛ فنزل :﴿إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾(١) [القصص: ٥٦].
وعن ابن مسعود - رضي الله عنه - :" إنَّ أجمع آيةٍ في القرآن لخيرٍ وشرٍّ هذه الآية " (٢).
وعن قتادة : ليس في القرآن من خلقٍ حسنٍ، كان في الجاهلية يعمل، ويستحسن، إلاَّ أمر الله - تعالى - به في هذه الآية، وليس من خلقٍ سيِّءٍ، إلاَّ نهى عنه في هذه الآية(٣).
وعن عليٍّ - رضي الله عنه - أنه قال :" أمر الله - تعالى - نبيَّهُ أن يعرض نفسه على قبائل العرب ؛ فخرج، وأنا معه وأبو بكرٍ - رضي الله عنه - فوقفنا على مجلسٍ عليهم الوقارُ، فقال أبُو بكر - رضي الله عنه- : ممَّن القوم ؟ فقالوا : من شيبان، فدعاهم رسول الله ﷺ إلى الشهادتين إلى أن ينصروه ؛ فإنَّ قريشاً كذَّبوه، فقال مقرون بن عمرو : إلام تدعونا، أخا قريش ؟ فقال رسول الله ﷺ :﴿إِنَّ الله يَأْمُرُ بالعدل والإحسان﴾ الآية، فقال مقرون : دعوت والله إلى مكارم [ الأخلاق ] ومحاسن الأعمال، ولقد أفك قومٌ كذَّبوك، وظاهروا عليك " (٤).
قال ابن عباسٍ - رضي الله عنه- : العدلُ : التوحيدُ، والإحسانُ : أداءُ الفرائضِ، وعنه : العدلُ : الإخلاصُ في التوحيد، وهو معنى قوله ﷺ :
" أنْ تَعْبُدَ الله كأنَّكَ تَراهُ " وسمِّي هذا إحساناً ؛ لأنه محسن إلى نفسه(٥).
وقيل : العدلُ : في الأفعال، والإحسان : في الأقوال ؛ فلا تفعل إلاَّ ما هو عدلٌ، ولا تقل إلاَّ ما هو إحسانٌ.
قوله :﴿وَإِيتَآءِ ذِي القربى﴾، مصدرٌ مضافٌ لمفعوله، ولم يذكر متعلقات العدلِ والإحسان والبغي ؛ ليعمَّ جميع ما يعدل فيه، ويحسن به وإليه ويبغي فيه، ولذلك لم يذكر المفعول الثاني للإيتاء، ونصَّ على الأول حضًّا عليه ؛ لإدلائه بالقرابة، فإنَّ إيتاءه صدقة وصلة. قال - صلوات الله وسلامه عليه- :" إنَّ أعجلَ الطَّاعةِ ثَواباً صِلةُ الرَّحمِ " (٦).
وقوله :﴿وينهى عَنِ الفحشاء﴾، قيل : الزِّنا، وقيل : البُخل، وقيل : كل [ ذنب ](٧) صغيرة كانت أو كبيرة، وقيل : ما قبح من القول أو الفعل، وأما المنكر فقيل : الكفر بالله، وقيل : ما لا يعرف في شريعة ولا سنة، والبغي : التَّكبر والظُّلم.
قال ابن الخطيب(٨) - رحمه الله تعالى - كلاماً حاصله :" إنَّ في المأمورات كثرة، وفي المنهيَّات كثرة، وإنما يحسن في تفسير لفظ بمعنًى إذا كان بين ذلك اللفظ والمعنى مناسبة، وألا يكون ذلك التفسير فاسداً، فإذا فسَّرنا العدل بشيء مثلاً، وجب أن يتبيَّن مناسبة العدل لذلك المعنى، وألاَّ يكون مجرَّد تحكم، فنقول : إنه - تعالى - أمر في هذه الآية بثلاثة أشياء : وهي : العدل والإحسان وإيتاءِ ذي القربى، ونهى عن ثلاثة أشياء : وهي : الفحشاء والمنكر والبغي، فوجب أن يكون كل ثلاثة منها متغايرة ؛ لأن العطف يوجب المغايرة، فنقول : العدل : عبارة عن الأمور المتوسِّطة بين طرفي الإفراط والتَّفريط، وذلك واجب الرِّعاية في جميع الأشياء، فنقول : التَّكليف إمَّا في الاعتقادات وإما في أعمال الجوارح.
أما الاعتقاد فنذكر منه أمثلة :
أحدها : ما قاله ابن عبَّاس - رضي الله عنهما - : إن العدل هو قولنا : لا إله إلاَّ الله، وتحقيقه : أنَّ نفي الإله : تعطيلٌ محضٌ، وإثبات أكثر من إله واحد : إشراك وتشبيه، وهما مذمومان، والعدل : هو إثبات إلهٍ واحد.
وثانيها : أن القول بأنَّ الإله ليس بموجود ولا شيء : تعطيل محضٌ، والقول : بأنه جسم مركب ومتحيِّز : تشبيه محضٌ، والعدل : إثبات إلهٍ واحدٍ موجودٍ منزَّه عن الجسميَّة والأجزاء والمكان.
وثالثها : أن القول بأنَّ الإله غير موصوف بالصِّفات من العلم والقدرة تعطيل محضٌ، و القول بأنَّ صفاته حادثة متغيِّرة تشبيه محض، والعدل : إثبات أن الإله عالم قادرٌ حيٌّ، وأن صفاته ليست محدثة ولا متغيرة - سبحانه وتعالى-.
ورابعها : أن القول بأن العبد ليس له قدرة ولا اختيار : جبر محضٌ، والقول بأن العبد مستقلٌّ بأفعاله : قدر محضٌ، وهما مذمومان، والعدل أن يقال : إن العبد يفعل الفعل بواسطة قدرة وداعية يخلقهما الله فيه.
وأما رعاية العدل في أفعال الجوارح فنذكر منه أمثلة :
أحدها : قال قوم : لا يجب على العبد شيء من الطَّاعات، ولا يجب عليه الاحتراز عن شيء من المعاصي، ونفوا التَّكاليف أصلاً.
وقال المانويَّة وقوم من الهند : إنه يجب على الإنسان أن يجتنب الطيِّبات، ويحترز عن كل ما يميل الطَّبع إليه، ويبالغ في تعذيب نفسه، حتى إن المانويَّة يخصُّون أنفسهم ويحترزون عن التزوج، ويحترزون عن أكل الطَّعام الطيِّب، والهند يحرقون أنفسهم، ويرمون أنفسهم من شاهق الجبل، فهذان الطريقان مذمومان، والعدل هو شرعنا.
وثانيها : قيل : إنه كان في شرع موسى - صلوات الله وسلامه عليه - في القتلِ العمد استيفاءُ القصاص لا محالة، وفي شرع عيسى - صلوات الله وسلامه عليه - العَفو، وأمَّا في شرعنا : فإن شاء استوفى القصاص، وإن شاء عفا عن الدِّية، وإن شاء عفا مطلقاً.
وقيل : كان في شرع موسى - صلوات الله وسلامه عليه - الاحتراز العظيم عن الحائض ؛ حتَّى إنَّه يجب إخراجها من الدَّار، وفي شرع عيسى ﷺ حلُّ وطئها، والعدل ما حكم به شرعنا ؛ وهو تحريم وطئها فقط.
وثالثها : قال - تعالى- :﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً﴾ [البقرة: ١٤٣]، وقال - جل ذكره- :﴿والذين إِذَآ أَنفَقُواْ لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً﴾ [الفرقان: ٦٧]، وقال - جل ذكره- :﴿وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ البسط﴾ [الإسراء: ٢٩]، وقال ﷺ :" خَيْرُ الأمُورِ أوْسَطُهَا ".
ورابعها : أن شريعتنا أمرت بالختان، والحكمة فيه : أن رأس الذَّكر جسم شديد الإحساس، فلو بقيت القلفة، لبقي العضو على كمال قوَّته، فيعظم الالتذاذ، أمَّا إذا قطعت الجلدة، بقي العضو عارياً، فيلقى الثياب وسائر الأجسام، فيتصلب فيضعف حسُّه ويقل شعوره، فيقلُّ الالتذاذُ بالوقاع، فتقلُّ الرغبة فيه، فأمرت الشريعة بالختان ؛ سعياً في تقليل تلك اللذة، حتَّى يصير ميلُ الإنسان إلى الوقاع معتدلاً، وألاّ تصير الرَّغبة فيه داعية غالبة على الطَّبع.
فالذي ذهب إليه المانويَّة من الإخصاء وقطع الآلات مذموم ؛ لأنه إفراطٌ، وإبقاء تلك الجلدة مبالغة في تقوية تلك اللذة، والعدل الوسط : هو الختانُ.
واعلم أن الزِّيادة على العدل قد تكون إحساناً، وقد تكون إساءة ؛ فالعدل في الطاعات : هو أداءُ الواجبات، والزيادة على الواجبات : طاعاتٌ، فهي من جملة الإحسانِ ؛ ولهذا قال - صلوات الله وسلامه عليه - لجبريل - صلوات الله وسلامه عليه - حين سأله عن الإحسان :" أنْ تَعْبُدَ الله كأنَّك تَراهُ، فإن لَمْ تَكُنْ تَراهُ فإنَّه يَراكَ ".
وسمِّي هذا المعنى بالإحسان ؛ لأنه بالمبالغة في الطاعة، كأنه يحسن إلى نفسه بإيصالِ الخير والفعل الحسن، ويدخل في الإحسان التعظيم لأمر الله، والشَّفقة على خلق الله، ويدخل في الشَّفقة على خلق الله أقسامٌ كثيرة، وأعظمها : صلة الرحم ؛ فلهذا أفرده - تعالى - بالذِّكر، فقال - تعالى - :﴿وَإِيتَآءِ ذِي القربى﴾، وأما الثَّلاثة التي نهى الله عنها، وهي :" الفحشاء والمنكر والبغي "، فنقول : إنه - تعالى - أودع في النَّفس البشرية قوى أربعة : وهي : الشَّهوانيَّة البهيميَّة، والغضبية السبعيَّة، والوهميَّة الشيطانية، والعقلية الملكية.
فالعقلية الملكيَّة لا يحتاج الإنسان إلى تهذيبها ؛ لأنه من جوهر الملائكة.
وأما القوَّة الشهوانية فرغبتها في تحصيل اللذَّات الشهوانية، وهذا النَّوع مخصوص بالفحشاءِ، ألا ترى أنه - تعالى - سمى الزنا فاحشة ؛ فقال - جل ذكره - :﴿إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً﴾ [الإسراء: ٣٢]، وقوله - تعالى- :﴿وينهى عَنِ الفحشاء﴾، المراد منه : المنع من تحصيل اللذات الشهوانيَّة.
وأما القوَّة الغضبية السبعية : فهي أبداً تسعى في إيصال الشرور والأذى إلى سائر النَّاس، وهذا ممَّا ينكره الناس، فالمنكر عبارةٌ عن الإفراطِ الحاصل من آثار القوَّة الغضبيَّة.
وأما القوة الوهمية الشيطانية : فهي أبداً تسعى في الاستعلاء على الناس، والترفع وإظهار الرِّئاسة والتكبُّر، وذلك هو المراد من البغي ؛ فإنه لا معنى للبغي إلا التَّطاول على الناس والترفُّع عليهم.
قوله :" يَعِظُكمْ "، يجوز أن يكون مستأنفاً في قوَّة التعليل للأمر بما تقدم، أي : أن الوعظ سبب في أمره لكم بذلك، وجوَّز أبو البقاء أن يكون حالاً من الضمير في :" يَنْهَى ".
وفي تخصيصه الحال بهذا الفاعل فقط نظر ؛ إذ يظهر جعله حالاً من فاعل " يَأمرُ " أيضاً، بل أولى ؛ فإنَّ الوعظ يكون بالأوامر والنَّواهي، فلا خصوصية له بالنَّهي.
ثم قال تعالى :﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾، قال الكعبي : دلَّت الآية على أنَّه - تعالى - لا يخلق الجور والفحشاء من وجوه :
الأول : أنه - تعالى - كيف ينهاهم عما يخترعه فيهم، وكيف ينهى ويريد تحصيله فيهم ؟ ولو كان الأمر ما قالوه، لكان كأنَّه - تعالى - قال : إنَّما يأمركم بخلاف ما خلقه فيكم، وينهاكم عن أفعال خلقها فيكم، وذلك باطلٌ في بديهة العقل.
الثاني : أنه - تعالى - أمر بالعدل، والإحسان، وإيتاء ذي القربى، ونهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، فلو أنَّه - تعالى - أمر بتلك الثلاثة، ثم إنه - تعالى - ما فعلها، لدخل تحت قوله - تعالى - :﴿أَتَأْمُرُونَ الناس بالبر وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٤٤]، وقوله - عز
روى ابن عباس - رضي الله عنه- : أن عثمان بن مظعون الجمحيَّ قال : ما أسلمتُ أولاً إلاَّ حياء من محمد - صلوات الله وسلامه عليه - ولم يتقرر الإسلام في قلبي، فحضرته ذات يوم، فبينما هو يحدِّثني، إذ رأيت بصره شخص إلى السماءِ، ثم خفضه عن يمينه، ثم عاد لمثل ذلك ؛ فسألته - صلوات الله وسلامه عليه - فقال :" بينما أنا أحدِّثك إذ بجبريل - صلوات الله وسلامه عليه - ينزل عن يميني، فقال : يا محمد، إنَّ الله - تعالى - يأمرك بالعدل : شهادة أن لا إله إلا الله، والإحسان : القيام بالفرائض، وإيتاء ذي القربى، أي : صلة القربى، وينهى عن الفحشاء : الزِّنا، والمنكرِ : ما لا يعرف في شريعة ولا سنة، والبغي : الاستطالة ". قال عثمان : فوقع الإيمان في قلبي، فأتيت أبا طالب ؛ فأخبرته، فقال : يا معشر قريش، اتَّبعُوا ابن أخي ترشدوا، ولئن كان صادقاً أو كاذباً، فإنه ما يأمركم إلا بمكارم الأخلاق، فلما رأى الرسول ﷺ من عمه اللِّين قال : يا عمَّاه، أتأمر الناس أن يتَّبعوني، وتدع نفسك ! وجهد عليه ؛ فأبى أن يسلم ؛ فنزل :﴿إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾(١) [القصص: ٥٦].
وعن ابن مسعود - رضي الله عنه - :" إنَّ أجمع آيةٍ في القرآن لخيرٍ وشرٍّ هذه الآية " (٢).
وعن قتادة : ليس في القرآن من خلقٍ حسنٍ، كان في الجاهلية يعمل، ويستحسن، إلاَّ أمر الله - تعالى - به في هذه الآية، وليس من خلقٍ سيِّءٍ، إلاَّ نهى عنه في هذه الآية(٣).
وعن عليٍّ - رضي الله عنه - أنه قال :" أمر الله - تعالى - نبيَّهُ أن يعرض نفسه على قبائل العرب ؛ فخرج، وأنا معه وأبو بكرٍ - رضي الله عنه - فوقفنا على مجلسٍ عليهم الوقارُ، فقال أبُو بكر - رضي الله عنه- : ممَّن القوم ؟ فقالوا : من شيبان، فدعاهم رسول الله ﷺ إلى الشهادتين إلى أن ينصروه ؛ فإنَّ قريشاً كذَّبوه، فقال مقرون بن عمرو : إلام تدعونا، أخا قريش ؟ فقال رسول الله ﷺ :﴿إِنَّ الله يَأْمُرُ بالعدل والإحسان﴾ الآية، فقال مقرون : دعوت والله إلى مكارم [ الأخلاق ] ومحاسن الأعمال، ولقد أفك قومٌ كذَّبوك، وظاهروا عليك " (٤).
فصل
قال ابن عباسٍ - رضي الله عنه- : العدلُ : التوحيدُ، والإحسانُ : أداءُ الفرائضِ، وعنه : العدلُ : الإخلاصُ في التوحيد، وهو معنى قوله ﷺ :
" أنْ تَعْبُدَ الله كأنَّكَ تَراهُ " وسمِّي هذا إحساناً ؛ لأنه محسن إلى نفسه(٥).
وقيل : العدلُ : في الأفعال، والإحسان : في الأقوال ؛ فلا تفعل إلاَّ ما هو عدلٌ، ولا تقل إلاَّ ما هو إحسانٌ.
قوله :﴿وَإِيتَآءِ ذِي القربى﴾، مصدرٌ مضافٌ لمفعوله، ولم يذكر متعلقات العدلِ والإحسان والبغي ؛ ليعمَّ جميع ما يعدل فيه، ويحسن به وإليه ويبغي فيه، ولذلك لم يذكر المفعول الثاني للإيتاء، ونصَّ على الأول حضًّا عليه ؛ لإدلائه بالقرابة، فإنَّ إيتاءه صدقة وصلة. قال - صلوات الله وسلامه عليه- :" إنَّ أعجلَ الطَّاعةِ ثَواباً صِلةُ الرَّحمِ " (٦).
وقوله :﴿وينهى عَنِ الفحشاء﴾، قيل : الزِّنا، وقيل : البُخل، وقيل : كل [ ذنب ](٧) صغيرة كانت أو كبيرة، وقيل : ما قبح من القول أو الفعل، وأما المنكر فقيل : الكفر بالله، وقيل : ما لا يعرف في شريعة ولا سنة، والبغي : التَّكبر والظُّلم.
فصل
قال ابن الخطيب(٨) - رحمه الله تعالى - كلاماً حاصله :" إنَّ في المأمورات كثرة، وفي المنهيَّات كثرة، وإنما يحسن في تفسير لفظ بمعنًى إذا كان بين ذلك اللفظ والمعنى مناسبة، وألا يكون ذلك التفسير فاسداً، فإذا فسَّرنا العدل بشيء مثلاً، وجب أن يتبيَّن مناسبة العدل لذلك المعنى، وألاَّ يكون مجرَّد تحكم، فنقول : إنه - تعالى - أمر في هذه الآية بثلاثة أشياء : وهي : العدل والإحسان وإيتاءِ ذي القربى، ونهى عن ثلاثة أشياء : وهي : الفحشاء والمنكر والبغي، فوجب أن يكون كل ثلاثة منها متغايرة ؛ لأن العطف يوجب المغايرة، فنقول : العدل : عبارة عن الأمور المتوسِّطة بين طرفي الإفراط والتَّفريط، وذلك واجب الرِّعاية في جميع الأشياء، فنقول : التَّكليف إمَّا في الاعتقادات وإما في أعمال الجوارح.
أما الاعتقاد فنذكر منه أمثلة :
أحدها : ما قاله ابن عبَّاس - رضي الله عنهما - : إن العدل هو قولنا : لا إله إلاَّ الله، وتحقيقه : أنَّ نفي الإله : تعطيلٌ محضٌ، وإثبات أكثر من إله واحد : إشراك وتشبيه، وهما مذمومان، والعدل : هو إثبات إلهٍ واحد.
وثانيها : أن القول بأنَّ الإله ليس بموجود ولا شيء : تعطيل محضٌ، والقول : بأنه جسم مركب ومتحيِّز : تشبيه محضٌ، والعدل : إثبات إلهٍ واحدٍ موجودٍ منزَّه عن الجسميَّة والأجزاء والمكان.
وثالثها : أن القول بأنَّ الإله غير موصوف بالصِّفات من العلم والقدرة تعطيل محضٌ، و القول بأنَّ صفاته حادثة متغيِّرة تشبيه محض، والعدل : إثبات أن الإله عالم قادرٌ حيٌّ، وأن صفاته ليست محدثة ولا متغيرة - سبحانه وتعالى-.
ورابعها : أن القول بأن العبد ليس له قدرة ولا اختيار : جبر محضٌ، والقول بأن العبد مستقلٌّ بأفعاله : قدر محضٌ، وهما مذمومان، والعدل أن يقال : إن العبد يفعل الفعل بواسطة قدرة وداعية يخلقهما الله فيه.
وأما رعاية العدل في أفعال الجوارح فنذكر منه أمثلة :
أحدها : قال قوم : لا يجب على العبد شيء من الطَّاعات، ولا يجب عليه الاحتراز عن شيء من المعاصي، ونفوا التَّكاليف أصلاً.
وقال المانويَّة وقوم من الهند : إنه يجب على الإنسان أن يجتنب الطيِّبات، ويحترز عن كل ما يميل الطَّبع إليه، ويبالغ في تعذيب نفسه، حتى إن المانويَّة يخصُّون أنفسهم ويحترزون عن التزوج، ويحترزون عن أكل الطَّعام الطيِّب، والهند يحرقون أنفسهم، ويرمون أنفسهم من شاهق الجبل، فهذان الطريقان مذمومان، والعدل هو شرعنا.
وثانيها : قيل : إنه كان في شرع موسى - صلوات الله وسلامه عليه - في القتلِ العمد استيفاءُ القصاص لا محالة، وفي شرع عيسى - صلوات الله وسلامه عليه - العَفو، وأمَّا في شرعنا : فإن شاء استوفى القصاص، وإن شاء عفا عن الدِّية، وإن شاء عفا مطلقاً.
وقيل : كان في شرع موسى - صلوات الله وسلامه عليه - الاحتراز العظيم عن الحائض ؛ حتَّى إنَّه يجب إخراجها من الدَّار، وفي شرع عيسى ﷺ حلُّ وطئها، والعدل ما حكم به شرعنا ؛ وهو تحريم وطئها فقط.
وثالثها : قال - تعالى- :﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً﴾ [البقرة: ١٤٣]، وقال - جل ذكره- :﴿والذين إِذَآ أَنفَقُواْ لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً﴾ [الفرقان: ٦٧]، وقال - جل ذكره- :﴿وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ البسط﴾ [الإسراء: ٢٩]، وقال ﷺ :" خَيْرُ الأمُورِ أوْسَطُهَا ".
ورابعها : أن شريعتنا أمرت بالختان، والحكمة فيه : أن رأس الذَّكر جسم شديد الإحساس، فلو بقيت القلفة، لبقي العضو على كمال قوَّته، فيعظم الالتذاذ، أمَّا إذا قطعت الجلدة، بقي العضو عارياً، فيلقى الثياب وسائر الأجسام، فيتصلب فيضعف حسُّه ويقل شعوره، فيقلُّ الالتذاذُ بالوقاع، فتقلُّ الرغبة فيه، فأمرت الشريعة بالختان ؛ سعياً في تقليل تلك اللذة، حتَّى يصير ميلُ الإنسان إلى الوقاع معتدلاً، وألاّ تصير الرَّغبة فيه داعية غالبة على الطَّبع.
فالذي ذهب إليه المانويَّة من الإخصاء وقطع الآلات مذموم ؛ لأنه إفراطٌ، وإبقاء تلك الجلدة مبالغة في تقوية تلك اللذة، والعدل الوسط : هو الختانُ.
واعلم أن الزِّيادة على العدل قد تكون إحساناً، وقد تكون إساءة ؛ فالعدل في الطاعات : هو أداءُ الواجبات، والزيادة على الواجبات : طاعاتٌ، فهي من جملة الإحسانِ ؛ ولهذا قال - صلوات الله وسلامه عليه - لجبريل - صلوات الله وسلامه عليه - حين سأله عن الإحسان :" أنْ تَعْبُدَ الله كأنَّك تَراهُ، فإن لَمْ تَكُنْ تَراهُ فإنَّه يَراكَ ".
وسمِّي هذا المعنى بالإحسان ؛ لأنه بالمبالغة في الطاعة، كأنه يحسن إلى نفسه بإيصالِ الخير والفعل الحسن، ويدخل في الإحسان التعظيم لأمر الله، والشَّفقة على خلق الله، ويدخل في الشَّفقة على خلق الله أقسامٌ كثيرة، وأعظمها : صلة الرحم ؛ فلهذا أفرده - تعالى - بالذِّكر، فقال - تعالى - :﴿وَإِيتَآءِ ذِي القربى﴾، وأما الثَّلاثة التي نهى الله عنها، وهي :" الفحشاء والمنكر والبغي "، فنقول : إنه - تعالى - أودع في النَّفس البشرية قوى أربعة : وهي : الشَّهوانيَّة البهيميَّة، والغضبية السبعيَّة، والوهميَّة الشيطانية، والعقلية الملكية.
فالعقلية الملكيَّة لا يحتاج الإنسان إلى تهذيبها ؛ لأنه من جوهر الملائكة.
وأما القوَّة الشهوانية فرغبتها في تحصيل اللذَّات الشهوانية، وهذا النَّوع مخصوص بالفحشاءِ، ألا ترى أنه - تعالى - سمى الزنا فاحشة ؛ فقال - جل ذكره - :﴿إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً﴾ [الإسراء: ٣٢]، وقوله - تعالى- :﴿وينهى عَنِ الفحشاء﴾، المراد منه : المنع من تحصيل اللذات الشهوانيَّة.
وأما القوَّة الغضبية السبعية : فهي أبداً تسعى في إيصال الشرور والأذى إلى سائر النَّاس، وهذا ممَّا ينكره الناس، فالمنكر عبارةٌ عن الإفراطِ الحاصل من آثار القوَّة الغضبيَّة.
وأما القوة الوهمية الشيطانية : فهي أبداً تسعى في الاستعلاء على الناس، والترفع وإظهار الرِّئاسة والتكبُّر، وذلك هو المراد من البغي ؛ فإنه لا معنى للبغي إلا التَّطاول على الناس والترفُّع عليهم.
قوله :" يَعِظُكمْ "، يجوز أن يكون مستأنفاً في قوَّة التعليل للأمر بما تقدم، أي : أن الوعظ سبب في أمره لكم بذلك، وجوَّز أبو البقاء أن يكون حالاً من الضمير في :" يَنْهَى ".
وفي تخصيصه الحال بهذا الفاعل فقط نظر ؛ إذ يظهر جعله حالاً من فاعل " يَأمرُ " أيضاً، بل أولى ؛ فإنَّ الوعظ يكون بالأوامر والنَّواهي، فلا خصوصية له بالنَّهي.
ثم قال تعالى :﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾، قال الكعبي : دلَّت الآية على أنَّه - تعالى - لا يخلق الجور والفحشاء من وجوه :
الأول : أنه - تعالى - كيف ينهاهم عما يخترعه فيهم، وكيف ينهى ويريد تحصيله فيهم ؟ ولو كان الأمر ما قالوه، لكان كأنَّه - تعالى - قال : إنَّما يأمركم بخلاف ما خلقه فيكم، وينهاكم عن أفعال خلقها فيكم، وذلك باطلٌ في بديهة العقل.
الثاني : أنه - تعالى - أمر بالعدل، والإحسان، وإيتاء ذي القربى، ونهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، فلو أنَّه - تعالى - أمر بتلك الثلاثة، ثم إنه - تعالى - ما فعلها، لدخل تحت قوله - تعالى - :﴿أَتَأْمُرُونَ الناس بالبر وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٤٤]، وقوله - عز
١ ذكره الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٧/٥١) وعزاه إلى أحمد والطبراني وقال: رواه أحمد والطبراني وشهر وثقه أحمد وجماعة وفيه ضعف لا يضر..
٢ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٧/٦٣٥) والحاكم (٢/٣٥٦) وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ووافقه الذهبي.
وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٤/٢٤١) وزاد نسبته إلى سعيد بن منصور والبخاري في الأدب المفرد ومحمد بن نصر في "الصلاة" وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في "الشعب"..
٣ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٧/٦٣٥) وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٤/٢٤٢) وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم..
٤ ينظر: تفسير الرازي (٢٠/٨١)..
٥ ذكره الرازي في "تفسيره" (٢٠/٨١)..
٦ أخرجه ابن حبان (٢٠٣٨ – موارد) والخرائطي في "مكارم الأخلاق" رقم (٣٥)، عن أبي بكرة..
٧ في ب: الذنوب.
وله شاهد من حديث أبي هريرة.
أخرجه الطبري في "الأوسط" كما في "المجمع" (٨/١٥٥) وقال الهيثمي: وفيه أبو الدهماء النصري وهو ضعيف جدا..
٨ ينظر: الفخر الرازي ٢٠/٨٢..
٢ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٧/٦٣٥) والحاكم (٢/٣٥٦) وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ووافقه الذهبي.
وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٤/٢٤١) وزاد نسبته إلى سعيد بن منصور والبخاري في الأدب المفرد ومحمد بن نصر في "الصلاة" وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في "الشعب"..
٣ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٧/٦٣٥) وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٤/٢٤٢) وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم..
٤ ينظر: تفسير الرازي (٢٠/٨١)..
٥ ذكره الرازي في "تفسيره" (٢٠/٨١)..
٦ أخرجه ابن حبان (٢٠٣٨ – موارد) والخرائطي في "مكارم الأخلاق" رقم (٣٥)، عن أبي بكرة..
٧ في ب: الذنوب.
وله شاهد من حديث أبي هريرة.
أخرجه الطبري في "الأوسط" كما في "المجمع" (٨/١٥٥) وقال الهيثمي: وفيه أبو الدهماء النصري وهو ضعيف جدا..
٨ ينظر: الفخر الرازي ٢٠/٨٢..