فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني

عن الكتاب
﴿وَمَن جَاء بالسيئة فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النار﴾. قال جماعة من الصحابة، ومن بعدهم حتى قيل إنه مجمع عليه بين أهل التأويل : إن المراد بالسيئة هنا الشرك، ووجه التخصيص قوله :﴿فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النار﴾، فهذا الجزاء لا يكون إلاّ بمثل سيئة الشرك، ومعنى ﴿فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النار﴾ أنهم كبوا فيها على وجوههم وألقوا فيها وطرحوا عليها، يقال كببت الرجل : إذا ألقيته لوجهه فانكبّ وأكبّ، وجملة ﴿هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ بتقدير القول : أي يقال ذلك، والقائل خزنة جهنم : أي ما تجزون إلاّ جزاء عملكم.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله :﴿داخرين﴾ قال : صاغرين. وأخرج هؤلاء عنه في قوله :﴿وَتَرَى الجبال تَحْسَبُهَا جَامِدَةً﴾ قال : قائمة ﴿صُنْعَ الله الذي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْء﴾ قال : أحكم. وأخرج ابن أبي جرير وابن أبي حاتم عنه أيضاً في قوله :﴿صُنْعَ الله الذي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْء﴾ قال : أحسن كل شيء خلقه، وأوثقه.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن مردويه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ ﴿مَن جَاء بالحسنة فَلَهُ خَيْرٌ مّنْهَا﴾ قال :«هي لا إله إلاّ الله» ﴿وَمَن جَاء بالسيئة فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النار﴾ قال :«هي الشرك»، وإذا صحّ هذا عن رسول الله ﷺ فالمصير إليه في تفسير كلام الله سبحانه متعين، ويحمل على أن المراد قال : لا إله إلاّ الله بحقها، وما يجب لها، فيدخل تحت ذلك كل طاعة، ويشهد له ما أخرجه الحاكم في الكنى عن صفوان بن عسال قال : قال رسول الله ﷺ :«إذا كان يوم القيامة : جاء الإيمان والشرك يجثوان بين يدي الله سبحانه، فيقول الله للإيمان : انطلق أنت وأهلك إلى الجنة، ويقول للشرك : انطلق أنت وأهلك إلى النار». ﴿مَن جَاء بالحسنة فَلَهُ خَيْرٌ مّنْهَا﴾، يعني قول : لا إله إلاّ الله، ﴿وَمَن جَاء بالسيئة﴾ يعني الشرك ﴿فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النار﴾. وأخرج ابن مردويه من حديث أبي هريرة وأنس نحوه مرفوعاً. وأخرج أبو الشيخ وابن مردويه والديلمي عن كعب بن عجرة عن النبي ﷺ :﴿مَن جَاء بالحسنة﴾ يعني «شهادة أن لا إله إلاّ الله» ﴿فَلَهُ خَيْرٌ مّنْهَا﴾ يعني بالخير «الجنة» ﴿وَمَن جَاء بالسيئة﴾ يعني «الشرك» ﴿فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النار﴾، وقال :«هذه تنجي، وهذه تردي» وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم والحاكم وصححه، والبيهقي في الأسماء والصفات، والخرائطي في مكارم الأخلاق عن ابن مسعود ﴿مَن جَاء بالحسنة﴾ قال : لا إله إلاّ الله. ﴿وَمَن جَاء بالسيئة﴾ قال : بالشرك. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس نحوه. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم ﴿فَلَهُ خَيْرٌ مّنْهَا﴾ قال : له منها خير، يعني من جهتها. وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضاً ﴿فَلَهُ خَيْرٌ مّنْهَا﴾ قال : ثواب. وأخرج أيضاً عنه أيضاً قال : البلدة : مكة.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى