تفسير القرآن العظيم — ابن كثير

عن الكتاب
يقول تعالى مخبرًا رسوله وآمرًا له أن يقول :﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ﴾، كَمَا قَالَ :﴿قُلْ(١) يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ﴾ [يونس: ١٠٤].
وإضافة الربوبية إلى البلدة على سبيل التشريف لها والاعتناء بها، كما قال :﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ. الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ [قريش: ٣، ٤].
وقوله :﴿الَّذِي حَرَّمَهَا﴾ أي : الذي إنما صارت حرامًا قدرًا وشرعًا، بتحريمه لها، كما ثبت في الصحيحين عن ابن عباس قال : قال رسول الله ﷺ يوم فتح مكة :" إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السموات والأرض، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، لا يُعضَد شوكه، ولا ينفر صيده، ولا يلتقط لُقَطَتُه إلا لِمَنْ عرفها، ولا يختلى خلاها " الحديث بتمامه. وقد ثبت في الصحاح والحسان والمسانيد من طرق جماعة تفيد القطع(٢)، كما هو مبين في موضعه من(٣) كتاب الأحكام، ولله الحمد.
وقوله :﴿وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ﴾ : من باب عطف العام على الخاص، أي : هو رب هذه البلدة، ورب كل شيء ومليكه، ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ أي : الموحدين المخلصين المنقادين لأمره المطيعين له.
١ - في هـ :"قال" والمثبت من ف، أ..
٢ - صحيح البخاري برقم (١٨٣٤) وصحيح مسلم برقم (١٣٥٣) وسنن أبي داود برقم (٢٠١٨) وسنن الترمذي برقم (١٥٩٠) وسنن النسائي (٥/٢٠٣) والمسند (١/٢٥٩)..
٣ - في ف :"في"..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى