الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — الزمخشري

عن الكتاب
﴿وَأَنْ أَتْلُوَاْ القرءان﴾ من التلاوة أو من التلوّ كقوله :﴿واتبع مَا يوحى إِلَيْكَ﴾ [يونس: ١٠٩]، [الأحزاب: ٢]. والبلدة : مكة حرسها الله تعالى : اختصها من بين سائر البلاد بإضافة اسمه إليها ؛ لأنها أحبّ بلاده إليه، وأكرمها عليه ؛ وأعظمها عنده. وهكذا قال النبي ﷺ حين خرج في مهاجره، فلما بلغ الحزورة استقبلها بوجهه الكريم فقال :" إني أعلم أنك أحب بلاد الله إلى الله. ولولا أن أهلك أخرجوني ما خرجت " وأشار إليها إشارة تعظيم لها وتقريب، دالاً على أنها موطن نبيه ومهبط وحيه. ووصف ذاته بالتحريم الذي هو خاص وصفها، فأجزل بذلك قسمها في الشرف والعلو، ووصفها بأنها محرّمة لا ينتهك حرمتها إلا ظالم مضادّ لربه ﴿وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادِ بِظُلْمٍ نُّذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج: ٢٥] لا يختلى خلاها، ولا يعضد شجرها، ولا ينفر صيدها. واللاجىء إليها آمن. وجعل دخول كل شيء تحت ربوبيته وملكوته كالتابع لدخولها تحتهما. وفي ذلك إشارة إلى أن ملكاً ملك مثل هذه البلدة عظيم الشأن قد ملكها وملك إليها كل شيء : اللهم بارك لنا في سكناها، وآمنا فيها شرَّ كل ذي شرّ، ولا تنقلنا من جوار بيتك إلا إلى دار رحمتك. وقرىء :«التي حرّمها ». واتل عليهم هذا القرآن : عن أبيّ «وأن أتل » : عن ابن مسعود. ﴿فَمَنِ اهتدى﴾ باتباعه إياي فيما أنا بصدده من توحيد الله ونفي الأنداد عنه، والدخول في الملة الحنيفية، واتباع ما أنزل عليّ من الوحي ؛ فمنفعة اهتدائه راجعة إليه لا إليّ ﴿وَمَن ضَلَّ﴾ ولم يتبعني فلا عليّ، وما أنا إلا رسول منذر، وما على الرسول إلا البلاغ.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى