مجالس التذكير من كلام الحكيم الخبير — ابن باديس

عن الكتاب

بسم الله الرحمن الرحيم

﴿قل أعوذ برب الناس. ملك الناس. إله الناس. من شر الوسواس الخناس. الذي يوسوس في صدور الناس. من الجنة والناس﴾.
تمهيد :
قال تعالى :﴿قل أعوذ برب الناس﴾ قد علمنا أن الصفة الجامعة بين هذه السورة وبين التي قبلها ( هي المعوذتان ). وعلمنا أنها تسمية نبوية، وقد جرت هذه الصفة مجرى الاسم لهما.
أما الاسم الخاص بهذه السورة فهو ( الناس )، كما أن الاسم الخاص بالسورة الأولى :( الفلق ).
والمناسبة بين السورتين يرشد إليها اشتراكهما في الوصف، وهو التعوذ بهما من الشرور المذكورة فيهما، وفي السورة الأولى الاستعاذة من الشر العام، ومن ثلاثة أنواع منه ذكرنا الحكمة في تخصيصها بالذكر(١). وفي هذه السورة الاستعاذة من شر واحد، لكنه سبب في شرور كثيرة.
النفوس الشريرة :
المناسبة :
والمناسبة القريبة بين السورتين هي أن النفوس الشريرة ثلاثة أقسام :
١- قسم يصدر عنه الضرر ويعمله.
٢- وقسم لا يريد الخير، فيسعى في سلبه وانتزاعه، وهو شر من الأول.
٣- وقسم يعمل إلى إيصال الشر إلى سلطان الجوارح، ومالك هديها، (٢)وهو المضغة التي إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله.
فهو يحسن له الأشياء القبيحة، ويأتيه من جميع النواحي على وجه النصح، وإرادة الخير.
ويزين للإنسان كل ما يرد به من القبائح، ويأتيه من بين يديه ومن خلفه، وعن يمينه وعن شماله قريبا منه متصلا بهواه، وهذا القسم الأخير هو الذي يوسوس بكلمة السوء مزينة الظاهر مغطاة القبح، حتى تستنزل صاحبها إلى الهلاك.
ولما كان هذا القسم الثالث أعظم خطرا، وأكثر شرا، وأخسر عاقبة، خصص التعوذ منه بسورة كاملة.
المفردات والتراكيب :
﴿رب الناس﴾ : هو مربيهم ومعطيهم في كل مرتبة من مراتب الوجود، وما يحتاجون إليه لحفظها، وهاديهم لاستعمال ما من به عليهم فيما ينفعهم :" ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى " (٣).
وأصله من ربه ربا إذ قام على شأنه وتعهده في جميع أطواره إلى التمام والكمال، ولفظه لفظ المصدر، ولكن معناه معنى اسم الفاعل : كالعدل يراد به العادل.
﴿ومالك الناس﴾ : هو الذي يملك أمر موتهم وحياتهم، ويشرع لهم من الدين ومن الأحكام ما يوافق حياتهم الدنيوية والأخروية.
﴿وإله الناس﴾ : هو الذي يدينون له بالعبادة والعبودية.
وبلاغة الترتيب، إنما تظهر جلية عند استعراض أطوار الوجود الإنساني.
فالأول : طور التربية والإعداد، وهما من مظاهر الربوبية.
والثاني : طور القوة والتدبير، وهما من مظاهر الملك.
والثالث : طور الكمال والقيام بوظائف العبودية، وهو من مظاهر الألوهية. (٤).
المستعاذ منه :
المستعاذ منه تارة يوسوس للإنسان بما يفسد عليه صلته بربه، وتارة بما يفسد عليه تدبيره، وما شرع له لمنفعته وصلاحه. وتارة بما يفسد عليه عبوديته له، وهي أشرف علائقه به، وأقوى صلاته.
وجماع ذلك أن يبعده عن الله بالوسوسة بواحدة من هذه أو بكلها، وبما يتفرع عنها مما تضمنته الآيات المبينة لأفعال أصل هذه القوة الموسوسة.
مثل قول تعالى :﴿الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء(٥).
أو لذلك الشأن الجاري مجرى الحوار بين إبليس وبين خالقه، كقوله تعالى :﴿قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين(٦).
وكقوله تعالى :﴿قال أرأتك هذا الذي كرمت علي لئن أخرتني إلى يوم القيامة لأحتنكن ذريته إلا قليلا(٧).
وكقوله :﴿ولأضلنهم ولأمنينهم ولآمرنهم فليبتكن آذان الأنعام ولآمرنهم فليغيرن خلق الله(٨).
فهو جاهد في أن يبعد الناس عن الله ؛ بإفساد العقيدة الصحيحة فيه، أو بالصرف عن شرع الله، أو بالحمل على عبادة غيره، فلذلك كله جاء الترتيب على هذا النمط المذكور بتلك العلائق القوية التي يريد الشيطان أن يقطعها.
تخصيص الناس بالذكر :
( والرب ) : رب الناس وغيرهم ؛ بل رب العالمين، وإنما خص الناس بالذكر :
١- لأنهم هم هدفه، ومرمى وسوسته، ولأنهم هم المأمورون بالاستعاذة منه، ولأن عالم التكليف أشرف، فإليهم يوجه الخطاب، وإليهم يساق التحذير.
وهذه الوسوسة نتيجة للعداوة بين أصليهما ؛ فأمر الله بالاستعاذة منها هو تسليح إلهي لبني آدم، لتثبيت سنة التعمير التي هي حكمة الله من وجودهم.
٢- ونكتة أخرى في تخصيص الناس بالذكر دون بقية أفراد المربوبين، وهي أنهم هم الذين ينطبق عليهم ناموس الهداية والضلال.
وقد ضلوا بالفعل في ربوبية الله وفي ألوهيته :
ضلوا في الربوبية باتخاذ المشرعين، ليشرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله، ويصدونهم بذلك عما شرع الله.
وضلوا في الألوهية بعبادة غير الله بما لا يعبد به أحد غيره كالدعاء.
اختيار لفظ الناس :
واختير لفظ الناس، من بين الألفاظ المشاركة له في الدلالة كالبشر والبرية ؛ لأنه ينوس ويضطرب وينساق، وهي صفات يلزمها التوجه، ويسهل التوجيه، فلا غنى لصاحبها عن توفيق الله للوجهة الصالحة، والتسديد فيها، ما دام لا يملك لنفسه ذلك، وما دام محاسبا عليه، وما دامت هناك قوة مسلطة تنزع به إلى الشر.
ففي تخصيص الناس بالذكر، تنبيه إلى أنهم أحوج المربوبين إلى تأييد الله، وأحقهم بطلب ذلك منه، وقد أرشدهم إلى ذلك وله الحمد.
في الفظ ضعفهم :
ولو تفقه الناس في معنى اسمهم واشتقاقه، لعلموا بفطرتهم أنهم مخلوقات ضعيفة لا تملك لنفسها نفعا ولا ضرا، ولأيقنوا أنه لا بد لهم من رب يربيهم ويحميهم، ومالك يدبر أمورهم، وإله يعبدونه ويتخذون العبودية له جنة من استعباد الأقوياء.
ويجوز - إذا راعينا الأدب وكمال التنزيه في حمل الألفاظ التي تضاف إلى كلمة رب على أشرف معانيها – أن تحمل كلمة ( الناس ) على معنى أخص مما يتناوله عموم الجنس، وهو الأماثل، والأخيار، منهم الجامعون لمعاني الإنسانية الفاضلة، وهذا المعنى تعرفه العرب : فإنهم كثيرا ما يطلقون اسم الجنس على الفرد، أو الأفراد الكاملين في حقيقته. وإن كان هذا من المجاز في كلامهم، وقد حملوا على هذا المعنى، قوله تعالى :﴿آمنوا كما آمن الناس﴾.
تكرير اللفظ :
ونكتة الإعادة والإظهار للفظ الناس توضيح المعنى، وإلفات النفس إليه، وإيقاظ شعورها به، والتسجيل على الناس بأن لهم ربا هو مالكهم وإلههم.
١ أي شر ما خلق، وشر الغاسق، والنفث، والحسد..
٢ من لطائف الإمام في التسمية والوصف للقلب..
٣ سورة طه، الآية....
٤ فالإنسان في طوره محتاج لتربية، وفي حياته محتاج لمشرع، ولدين يهديه الطريق، ولعل في هذا كفاية في الرد على من ادعى أن في تكرير لفظ الناس ركاكة في الأسلوب، ألا ساء ما يزعمون..
٥ البقرة الآية : ٢٦٨..
٦ سور ص – الآية ٨٢..
٧ الإسراء – الآية : ٦٢..
٨ سورة النساء، الآية ١١٤..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى