جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
بسم الله الرحمَن الرحيم
القول في تأويل قوله تعالى :﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبّ النّاسِ * مَلِكِ النّاسِ * إِلََهِ النّاسِ * مِن شَرّ الْوَسْوَاسِ الْخَنّاسِ * الذي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النّاسِ * مِنَ الْجِنّةِ وَالنّاسِ﴾.يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ : قل يا محمد : أستجير ﴿بِرَبّ النّاسِ مَلِكِ النّاسِ﴾، وهو ملك جميع الخلق : إنسِهم وجنهم، وغير ذلك، إعلاما منه بذلك مَنْ كان يعظّم الناس تعظيم المؤمنين ربّهم، أنه مَلِكُ من يعظمه، وأن ذلك في مُلكه وسلطانه، تجري عليه قُدرته، وأنه أولى بالتعظيم، وأحقّ بالتعبد له ممن يعظمه، ويتعبّد له، من غيره من الناس.
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ : قل يا محمد أستجير بِرَبّ النّاسِ، مَلِكِ النّاسِ، وهو ملك جميع الخلق : إنسِهم وجنهم، وغير ذلك، إعلاما منه بذلك مَنْ كان يعظّم الناس تعظيم المؤمنين ربّهم، أنه مَلِكُ من يعظمه، وأن ذلك في مُلكه وسلطانه، تجري عليه قُدرته، وأنه أولى بالتعظيم، وأحقّ بالتعبد له ممن يعظمه، ويتعبّد له، من غيره من الناس.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
بسم الله الرحمن الرحيم
بركة من الله وأمرالحمد لله رب العالمين الرحمنِ الرحيم مَلِكِ يومِ الدين
والحمد لله الذي خلق السمواتِ والأرضَ وجعل الظلماتِ والنورَ.
والحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب، ولم يجعلْ له عِوَجًا.
والحمد لله الذي له ما في السمواتِ والأرضِ، وله الحمد في الآخرة، وهو الحكيمُ الخبيرُ.
والحمد لله الذي هدانا لهذا، وما كنَّا لنهتديَ لولا أنْ هدانا الله.
وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا ومولانا محمدٍ، رسول الله وخيرته من خلقه، خاتم النبيين، وأشرف المرسلين.
وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإِحسانٍ إلى يوم الدين.
"فصلَّى الله على نبيِّنا كلَّما ذكره الذاكرون، وغَفَل عن ذكره الغافلون. وصلى الله عليه في الأوَّلين والآخرين. أفضلَ وأكثرَ وأزكى ما صلَّى على أحدٍ من خلقه. وزكَّانا وإياكم بالصلاة عليه، أفضلَ ما زكَّى أحدًا من أمته بصلاته عليه، والسلام عليه ورحمة الله وبركاته" (١)
ائتلاقًا، خصيصي من الله له بها دون سائر رسله (١) -الذين قهرتهم الجبابرة، واستذلَّتهم الأمم الفاجرة، فتعفَّتْ بعدهم منهم الآثار، وأخملت ذكرهم الليالي والأيام- ودون من كان منهم مُرْسلا إلى أمة دون أمة، وخاصّة دون عامةٍ، وجماعة دون كافَّة.
فالحمدُ لله الذي كرمنا بتصديقه، وشرّفنا باتِّباعه، وجعلنا من أهل الإقرار والإيمان به وبما دعا إليه وجاء به، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أزكى صلواته، وأفضلَ سلامه، وأتمَّ تحياته.
ثم أما بعد (٢) فإنّ من جسيم ما خصّ الله به أمة نبينا محمد ﷺ من الفضيلة، وشرَّفهم به على سائر الأمم من المنازل الرفيعة، وحباهم به من الكرامة السنية، حفظَه ما حفظ عليهم -جلّ ذكره وتقدست أسماؤه- من وحيه وتنزيله، الذي جعله على حقيقة نبوة نبيهم ﷺ دلالة، وعلى ما خصه به من الكرامة علامةً واضحة، وحجةً بالغة، أبانه به من كل كاذب ومفترٍ، وفصَل به بينهم وبين كل جاحد ومُلحِد، وفرَق به بينهم وبين كل كافر ومشرك؛ الذي لو اجتمع جميعُ من بين أقطارها، من جِنِّها وإنسها وصغيرها وكبيرها، على أن يأتوا بسورة من مثله لم يأتوا بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرًا (٣). فجعله لهم في دُجَى الظُّلَم نورًا ساطعًا، وفي سُدَف الشُّبَه شهابًا لامعًا (٤) وفي مضَلة المسالك دليلا هاديًا، وإلى سبل النجاة والحق حاديًا، ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [سورة المائدة: ١٦]. حرسه بعين
(٢) حذف الطابعون قوله: "ثم"، ليجعلوا كلام الطبري دارجًا على ما ألفوا من الكلام.
(٣) يضمن ما جاء في سورة البقرة: ٢٣، ويونس: ٣٨، والإسراء: ٨٨.
(٤) السدف: جمع سدفة، وهي ظلمة الليل يخالطها بعض الضوء، تكون في أول الليل وآخره، ما بين الظلمة إلى الشفق، وما بين الفجر إلى الصلاة.
فإن هذا التفسير الجليل، باكورة عمل عظيم، تقوم به (دار المعارف بمصر)، لإحياء (تُراث الإسلام)، وإخراج نفائس الكنوز. التي بقيتْ لنا من آثار سلفنا الصالح، وعلمائنا الأفذاذ. الذين خدموا دينَهم، وعُنُوا بكتاب ربّهم، وسنّة نبيّهم، وحفظِ لغتهم، بما لم تصنعه أمةٌ من الأمم، ولم يبلغْ غيرُهم مِعْشارَ ما وفّقهم الله إليه.
فكان أَوّلَ ما اخترنا، باكورةً لهذا المشروع الخطير: كتابُ (تفسير الطبري). وما بي من حاجةٍ لبيان قيمته العلمية، وما فيه من مزايا يندر أَن توجدَ في تفسيرٍ غيرِه. وهو أعظم تفسير رأيناه، وأعلاه وأثبتُه. استحقَّ به مؤلفُه الحجةُ أن يسمَّى (إمامَ المفسّرين).
وكنتُ أخشى الإقدامَ على الاضطلاع بإِخراجه وأُعْظِمُه، عن علمٍ بما يكتنفُ ذلك من صعوباتٍ، وما يقوم دونَه من عقباتٍ، وعن خبرةٍ بالكتاب دهرًا طويلا أربعين سنةً أو تزيد.
لولا أنْ قوَّى من عزمي، وشدَّ من أزْري، أخي الأصغر، الأستاذ محمود محمد شاكر. وهو - فيما أعلم - خير من يستطيع أن يحمل هذا العبء، وأن يقوم بهذا العمل حقَّ القيام، أو قريبًا من ذلك. لا أعرف أحدًا غيرَه له أهلا.
وما أريد أن أشهدَ لأخي أو أُثْنيَ عليه. ولكني أقرّ بما أعلم، وأشهد بما أَسْتَيْقن.
منه لاَ تنام، وحاطه برُكن منه لاَ يضام، لاَ تَهِي على الأيام دعائمه، ولا تبيد على طول الأزمان معالمه، ولا يجوز عن قصد المحجَّة تابعه (١) ولا يضل عن سُبُل الهدى مُصَاحبه. من اتبعه فاز وهُدِى، ومن حاد عنه ضلَّ وغَوَى، فهو موئلهم الذي إليه عند الاختلاف يَئِلون، ومعقلهم الذي إليه في النوازل يعقلون (٢) وحصنهم الذي به من وساوس الشيطان يتحصنون، وحكمة ربهم التي إليها يحتكمون، وفصْل قضائه بينهم الذي إليه ينتهون، وعن الرضى به يصدرون، وحبله الذي بالتمسك به من الهلكة يعتصمون.
اللهم فوفقنا لإصابة صواب القول في مُحْكَمه ومُتَشابهه، وحلاله وحرامه، وعامِّه وخاصِّه، ومجمَله ومفسَّره، وناسخه ومنسوخه، وظاهره وباطنه، وتأويل آية وتفسير مُشْكِله. وألهمنا التمسك به والاعتصام بمحكمه، والثبات على التسليم لمتشابهه. وأوزعنا الشكر على ما أنعمتَ به علينا من حفظه والعلم بحدوده. إنك سميع الدعاء قريب الإجابة. وصلى الله على محمد النبي وآله وسلم تسليما.
اعلموا عبادَ الله، رحمكم الله، أن أحقَّ ما صُرِفت إلى علمه العناية، وبُلِغت في معرفته الغاية، ما كان لله في العلم به رضًى، وللعالم به إلى سبيل الرشاد هدى، وأن أجمعَ ذلك لباغيه كتابُ الله الذي لا ريب فيه، وتنزيله الذي لا مِرْية فيه، الفائزُ بجزيل الذخر وسنىّ الأجر تاليه، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيلٌ من حكيم حَميد (٣).
ونحن -في شرح تأويله، وبيان ما فيه من معانيه- منشئون إن شاء الله ذلك، كتابًا مستوعِبًا لكل ما بالناس إليه الحاجة من علمه، جامعًا، ومن سائر الكتب
(٢) وأل يئل وألا ووؤولا: لجأ طلبًا للنجاة. والموئل: الملجأ والمنجى. والمعقل: الحصن المنيع في رأس الجبل، وعقل إليه يعقل عقلا وعقولا: لجأ إليه وامتنع به. وفي المطبوعة "يعتقلون"، وفي المخطوطة مثلها غير منقوطة. ولم أجد "اعتقل" بمعنى عقل. وإن صحت في قياس العربية.
(٣) تضمين آية سورة فصلت: ٤٢.
وأسأل الله سبحانه الهدى والسداد، والرعاية والتوفيق. إنه سميع الدعاء. كتبه
أحمد محمد شاكر
عفا الله عنه بمنه القاهرة يوم الجمعة ٤ جمادى الآخرة سنة ١٣٧٤
غيره في ذلك كافيًا. ومخبرون في كل ذلك بما انتهى إلينا من اتفاق الحجة فيما اتفقت عليه منه (١) واختلافها فيما اختلفت فيه منهُ. ومُبيِّنو عِلَل كل مذهب من مذاهبهم، ومُوَضِّحو الصحيح لدينا من ذلك، بأوجز ما أمكن من الإيجاز في ذلك، وأخصر ما أمكن من الاختصار فيه.
والله نسألُ عونه وتوفيقه لما يقرب من محَابِّهِ، ويبْعد من مَساخِطه. وصلى الله على صَفوته من خلقه وعلى آله وسلم تسليمًا كثيرًا.
وأولُ ما نبدأ به من القِيل في ذلك: الإبانةُ عن الأسباب التي البدايةُ بها أولى، وتقديمها قبل ما عداها أحْرى. وذلك: البيانُ عما في آي القرآن من المعاني التي من قِبَلها يدخل اللَّبْس على من لم يعان رياضةَ العلوم العربية، ولم تستحكم معرفتُه بتصاريف وجوه منطق الألسُن السليقية الطبيعية.
بِسمِ اللَّهِ الرَّحمنِ الرَّحيمِ
﴿تَبَارَكَ الَّذِي نزلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا * الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا * وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لاَ يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَمْلِكُونَ لأنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلا حَيَاةً وَلا نُشُورًا * وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا * وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الأوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلا * قُلْ أَنزلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾* * *
﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا * وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلا كُفُورًا﴾
* * *
والحمد لله الذي أرسلَ رسولَه محمدًا ﷺ بالهُدَى ودِينِ
(القولُ في البيانِ عن اتفاق معاني آي القرآن، ومعاني منطِق مَنْ نزل بلسانه القرآن من وَجْه البيان -والدّلالة على أن ذلك من الله تعالى ذكره هو الحكمة البالغة- مع الإبانةِ عن فضْل المعنَى الذي به بَايَن القرآنُ سائرَ الكلام)
قال أبو جعفر محمد بن جرير الطبريّ، رحمه الله:
إن من أعظم نعم الله تعالى ذكره على عباده، وجسيم مِنَّته على خلقه، ما منحهم من فَضْل البيان الذي به عن ضمائر صُدورهم يُبينون، وبه على عزائم نفوسهم يَدُلّون، فذَلَّل به منهم الألسن (١) وسهَّل به عليهم المستصعب. فبِهِ إياه يُوَحِّدون، وإيَّاه به يسَبِّحون ويقدِّسون، وإلى حاجاتهم به يتوصّلون، وبه بينهم يتَحاورُون، فيتعارفون ويتعاملون.
ثم جعلهم، جلّ ذكره -فيما منحهم من ذلك- طبقاتٍ، ورفع بعضهم فوق بعض درجاتٍ: فبَيْنَ خطيب مسْهِب، وذَلِقِ اللسان مُهْذِب، ومفْحَمٍ (٢) عن نفسه لا يُبين، وَعىٍّ عن ضمير قلبه لا يعبَر. وجعل أعلاهم فيه رُتبة، وأرفعهم فيه درجةً، أبلغَهم فيما أرادَ به بَلاغًا، وأبينَهم عن نفسه به بيانَا. ثم عرّفهم في تنزيله ومحكم آيِ كتابه فضلَ ما حباهم به من البيان، على من
(٢) أسهب الرجل: أكثر الكلام، فإذا أكثر الكلام في خطأ قالوا: رجل مسهب (بفتح الهاء)، وإذا أكثر وأصاب فهو مسهب (بكسر الهاء). وذلق اللسان: فصيح طليق لا يتوقف. وقوله "مهذب": من أهذب الطائر في طيرانه، والفرس في عدوه، والمتكلم في كلامه: أسرع وتابع، وفي حديث أبي ذر "فجعل يهذبُ الركوع" أي يسرع فيه ويتابعه. يقال: كلمني فلان فأفحمته: أسكته فلم يطق جوابًا وانقطع، فهو مفحم. وفي المطبوعة "ومعجم عن نفسه.."
* * *
اللَّهُمّ إِنّا نبرأُ إليك من كُلِّ حَوْلٍ وقوَّةٍ، ونستَعينك ونَسْتَهديك، ونعوذُ برضاكَ من غَضَبِك، فاغفر لَنا وارْحَمنا وتبْ علينا إنّك أنْتَ التَّوَّابُ الرَّحيم. ربَّنا وَلا تجعلنَا من الذين فرَّقُوا دِينَهم وَكانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُون.
* * *
اللهُمَّ اجعلنا مسلمِينَ لك، وَافِين لك بالميثاق الذي أخذتَ علينا: أن نكون قوّامين بالقِسْط شُهَداءَ على الناس، اللهُمَّ اهدنا صراطَك المستقيم، صراطَ الذين أنعمت عليهم من النبيّين والصِّدِّيقين والشُّهَداء، الذين قالوا ربُّنا الله ثم استقاموا، وعلموا أنك أنت الجبّارُ الذي خَضَعتْ لجَبرُوتِه الجبَابرة، والعزيزُ الذي ذلّتْ لعزَّته الملوكُ الأعِزَّة، وخَشَعت لمهَابة سَطْوتِه ذوُو المهابة، فلم يُرهِبْهم بغيُ باغٍ ولا ظُلْم سفّاحٍ ظالم: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ {وَلا تحْسَبَنَّ اللَّهَ
فضّلهم به عليه من ذى البَكَم والمُستَعْجِم اللسان (١) فقال تعالى ذكرُه: ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ [سورة الزخرف: ١٨]. فقد وَضَحَ إذا لذوي الأفهام، وتبين لأولي الألباب، أنّ فضلَ أهل البيان على أهل البَكَم والمستعجمِ اللسان، بفضل اقتدار هذا من نفسه على إبانة ما أراد إبانته عن نفسه ببيانه، واستعجام لسان هذا عما حاول إبانته بلسانه.
فإذْ كان ذلك كذلك -وكان المعنى الذي به باينَ الفاضلُ المفضولَ في ذلك، فصار به فاضلا والآخرُ مفضولا هو ما وصفنا من فضْل إبانة ذى البيان، عما قصّر عنه المستعجمُ اللسان، وكان ذلك مختلفَ الأقدار، متفاوتَ الغايات والنهايات- فلا شك أن أعلى منازل البيان درجةً، وأسنى مراتبه مرتبةً، أبلغُه في حاجة المُبِين عن نفسه، وأبينُه عن مراد قائله، وأقربُه من فهم سامعه. فإن تجاوز ذلك المقدار، وارتفع عن وُسْع الأنام، وعجز عن أن يأتي بمثله جميعُ العباد، كان حجةً وعَلَمًا لرسل الواحد القهار -كما كان حجةً وعَلَمًا لها إحياءُ الموتى وإبراءُ الأبرص وذوي العمى، بارتفاع ذلك عن مقادير أعلى منازل طبّ المتطببين (٢) وأرفع مراتب عِلاج المعالجين، إلى ما يعجز عنه جميع العالَمِين. وكالذي كان لها حجةً وعَلَمًا قطعُ مسافة شهرين في الليلة الواحدة، بارتفاع ذلك عن وُسع الأنام، وتعذّر مثله على جميع العباد، وإن كانوا على قطع القليل من المسافة قادرين، ولليسير منه فاعلين.
فإذْ كان ما وصفْنا من ذلك كالذي وصفْنا، فبيّنٌ أنْ لا بيان أبْيَنُ، ولا حكمة أبلغُ، ولا منطقَ أعلى، ولا كلامَ أشرفُ- من بيان ومنطق تحدّى به
(٢) مقادير: جمع مقدار، وهو القوة، ومثله القدر والقدرة والمقدرة.
* * *
اللهُم اغفر لأبي جعفر محمد بن جرير الطبري، وتغمّده برحمتك، واجعله من السابقين المقرَّبين في جنّات النعيم، فقد كان - ما عَلِمْنا- من الذين بَيَّنوا كتابَك للناس ولم يكتموه، ولم يشتَرُوا به ثَمَنًا قليلا من مَتاع هذه الحياةِ الدنيا؛ ومن الذين أدَّوْا ما لزمهم من حقِّك، وذادُوا عن سنة نبِّيك؛ ومن الذين ورَّثوا الخلَفَ من بعدهم علم ما عَلموا، وحَمَّلوهم أمانةَ ما حَمَلوا، وخلعُوا لك الأندادَ، وكفَروا بالطاغوتِ، ونَضَحوا عن دينك، وذبُّوا عن شريعتك، وأفضَوْا إليك ربَّنا وهمْ بميثاقك آخذون، وعلى عهدك محافظون، يرجون رَحْمتَك ويخافُون عذابَك. فاعفُ اللهمّ عنا وعنهم، واغفر لنَا ولهم، وارحمنا وارحمهم، أنت مولانَا فانصرنَا على القومِ الكافرين.
* * *
كان أبو جعفر رضي الله عنه يقول: "إِنّي لأعجبُ مَمنْ قرأ القرآن ولم يعلَم تأويلَه، كيف يلتذُّ بقراءته؟ ". ومنذ هداني الله إلى الاشتغال بطلب العلم، وأنا أصاحب أبا جعفر في كتابيه: كتاب التفسير، وكتاب التاريخ. فقرأتُ تفسيره صغيرًا وكبيرًا، وما قرأتُه مرَّةً إلا وأنا أسمعُ صوته يتخطّى إليّ القرون: إني لأعجب ممن قرأ القرآن ولم يعلم تأويله، كيف يلتذُّ بقراءته؟ فكنتُ أجدُ في تفسيره مصداقَ قوله رضي الله عنه.
امرؤ قومًا في زمان هم فيه رؤساء صناعة الخطب والبلاغة، وقيلِ الشعرِ والفصَاحة، والسجع والكهانة، على كل خطيب منهم وبليغ (١) وشاعر منهم وفصيح، وكلّ ذي سجع وكهانة -فسفَّه أحلامهم، وقصَّر بعقولهم (٢) وتبرأ من دينهم، ودعا جميعهم إلى اتباعه والقبول منه والتصديق به، والإقرار بأنه رسولٌ إليهم من ربهم. وأخبرهم أن دلالته على صدْق مقالته، وحجَّتَه على حقيقة نبوّته- ما أتاهم به من البيان، والحكمة والفرقان، بلسان مثل ألسنتهم، ومنطق موافقةٍ معانيه معانيَ منطقهم. ثم أنبأ جميعهم أنهم عن أن يأتوا بمثل بعضه عَجَزَة، ومن القدرة عليه نقَصَةٌ. فأقرّ جميعُهم بالعجز، وأذعنوا له بالتصديق، وشهدوا على أنفسهم بالنقص. إلا من تجاهل منهم وتعامى، واستكبر وتعاشى، فحاول تكلُّف ما قد علم أنه عنه عاجز، ورام ما قد تيقن أنه عليه غير قادر. فأبدى من ضعف عقله ما كان مستترًا، ومن عِيّ لسانه ما كان مصُونًا، فأتى بما لا يعجِزُ عنه الضعيف الأخرق، والجاهل الأحمق، فقال: "والطاحنات طحنًا، والعاجنات عجنًا، فالخابزات خبزًا، والثاردات ثَرْدًا، واللاقمات لَقْمًا"! (٣) ونحو ذلك من الحماقات المشبهةِ دعواه الكاذبة.
فإذْ كان تفاضُلُ مراتب البيان، وتبايُنُ منازل درجات الكلام، بما وصفنا قبل -وكان الله تعالى ذكرُه وتقدست أسماؤه، أحكمَ الحكماء، وأحلمَ الحلماء،
| "كل خطيب.." بحذف "على"، وفي المخطوطة "على خطيب.." بحذف "كل". وكلتاهما لا يستقيم بها كلام. والصواب ما أثبتناه. وأراد الطبري أنهم رؤساء صناعة الخطب والبلاغة | على كل خطيب منهم وبليغ". يعني أن الذين تحداهم رسول الله ﷺ بالقرآن من العرب، كانوا رؤساء البيان والبلاغة على كل مبين وبليغ من سائر العرب. |
(٣) من هذيان مسيلمة الكذاب لعنه الله. انظر تاريخ الطبري ٣: ٢٤٥ وسواه.
كان يستوقفني في القراءةِ، كثرةُ الفُصُول في عبارته، وتباعُد أطراف الجُمَل. فلا يسلم لي المعنى حتى أعيد قراءة الفقرة منه مرتين أو ثلاثًا. وكان سبب ذلك أنّنا ألفنَا نهجًا من العبارة غيرَ الذي انتهج أبو جعفر، ولكن تبيَّن لي أيضًا أن قليلا من الترقيم في الكتابِ، خليقٌ أن يجعَل عبارته أبينَ. فلما فعلتُ ذلك في أنحاءٍ متفرقة من نسختي، وعدتُ بعدُ إلى قراءتِها، وجدتُها قد ذهب عنها ما كنت أجد من المشقّة. ولما راجعتُ كتب التفسير، وجدتُ بعضَهم ينقلُ عَنْه، فينسبُ إليه ما لم أجده في كتابه، فتبيَّنَ لي أن سبب ذلك هو هذه الجمل التي شقّت عليَّ قراءتها. يقرؤها القارئ، فربّما أخطأ مُرادَ أبي جعفرٍ، وربَّما أصابَ. فتمنَّيت يومئذٍ أن ينشر هذا الكتاب الجليلُ نشرةً صحيحة محقّقة مرقّمةً، حتى تسهُل قراءتُها على طالب العلم، وحتى تجنّبه كثيرًا من الزَّلل في فهم مُرَاد أبي جعفر.
ولكنْ تبيَّن لي على الزمن أن ما طبع من تفسير أبي جعفر، كانَ فيه خطأ كثير وتصحيفٌ وتحريف، ولما راجعتُ التفاسير القديمة التي تنقلُ عَنْه، وجدتُهم يتخطّونَ بعض هذه العبارات المصحفة أو المحرفة، فعلمتُ أن التصحيف قديم في النسخ المخطوطة. ولا غرو، فهو كتابٌ ضخْمٌ لاَ يكادُ يسلُم كلّ الصواب لناسخه. وكان للذين طبعوه عذرٌ قائمٌ، وهو سقم مخطوطاته التي سلمت من الضياع، وضخامة الكتاب، واحتياجه إلى مراجعة مئات من الكتب، مع الصبْر على المشقة والبَصَر بمواضع
- كان معلومًا أن أبينَ البيان بيانُه، وأفضلَ الكلام كلامه، وأن قدرَ فضْل بيانه، جلّ ذكره، على بيان جميع خلقه، كفضله على جميع عباده.
فإذْ كان كذلك -وكان غيرَ مبين منّا عن نفسه مَنْ خاطبَ غيره بما لا يفهمه عنه المخاطب- كان معلومًا أنه غير جائز أن يخاطبَ جل ذكره أحدٌا من خلقه إلا بما يفهمه المخاطَبُ، ولا يرسلَ إلى أحد منهم رسولا برسالة إلا بلسانٍ وبيانٍ يفهمه المرسَلُ إليه. لأن المخاطب والمرسَلَ إليه، إن لم يفهم ما خوطب به وأرسل به إليه، فحالهُ -قبل الخطاب وقبل مجيء الرسالة إليه وبعدَه- سواءٌ، إذ لم يفدْه الخطابُ والرسالةُ شيئًا كان به قبل ذلك جاهلا. والله جل ذكره يتعالى عن أن يخاطب خطابًا أو يرسل رسالةً لا توجب فائدة لمن خُوطب أو أرسلت إليه، لأن ذلك فينا من فعل أهل النقص والعبث، والله تعالى عن ذلك مُتَعالٍ. ولذلك قال جل ثناؤه في محكم تنزيله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [سورة إبراهيم: ٤]. وقال لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: ﴿وَمَا أَنزلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [سورة النحل: ٦٤]. فغير جائز أن يكونَ به مهتديًا، منْ كانَ بما يُهْدَى إليه جاهلا.
فقد تبين إذًا -بما عليه دللنا من الدِّلالة- أن كلّ رسول لله جل ثناؤه أرسله إلى قوم، فإنما أرسله بلسان من أرسله إليه، وكلّ كتاب أنزله على نبي، ورسالة أرسلها إلى أمة، فإنما أنزله بلسان من أنزله أو أرسله إليه. فاتضح بما قلنا ووصفنا، أن كتاب الله الذي أنزله إلى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، بلسان محمد صلى الله عليه وسلم. وإذْ كان لسان محمد ﷺ عربيًّا، فبيِّنٌ أن القرآن عربيٌّ. وبذلك أيضًا نطق محكم تنزيل ربنا، فقال جل ذكره: ﴿إِنَّا أَنزلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [سورة يوسف: ٢]. وقال: {وَإِنَّهُ
وتصرَّم الزَّمن، وتفانت الأيّامُ، وأنا مستهلَكٌ فيما لاَ يُغْني عنّي شيئًا يوم يقوم الناس لربّ العالمين. حتَّى أيقظَنِي عدوانُ العادِين، وظُلْم الظّالمين، وطغيانُ الجبابرة المتكبّرين، فعقدت العزمَ على طبع هذا التفسير الإمامِ، أتقرَّبُ به إلى ربِّ العالمين، ملك يوم الدين.
وأفضيتُ بما في نفسي إلى أخي الأكبر السيد أحمد محمد شاكر - أطال الله بقاءه، وأقبسني من علمه- فرأى أن تنشره "دار المعارف"، باكورةَ أعمالها في نشر (تُراث الإسلام). ولم يمض إلا قليل حتى أعدَّت الدار عُدّتها لنشر هذا الكتاب الضخم، مشكورةً على ما بذلته في إحياء الكتاب العربيّ.
وكنت أحبُّ أن يكون العمل في نشر هذا الكتاب مشاركة بيني وبين أخي في كلّ صغيرةٍ وكبيرة، ولكن حالت دون ذلك كثرة عمله. وليتَه فَعَل، حتى أستفيد من علمهِ وهدايته، وأتجنّبَ ما أخاف من الخطإ والزلل، في كتابٍ قال فيه أبو عمر الزاهد، غلام ثعلب: "قابلتُ هذا الكتاب من أوّله إلى آخره، فما وجدتُ فيه حرفًا خطأً في نحو أو لغة". وأنَّى لمثلي أن يحقّق كلمة أبي عمر في كتاب أبي جعفر!
لَتَنزيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نزلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ} [سورة الشعراء: ١٩٢-١٩٥].
وإذْ كانت واضحةً صحةُ ما قلنا -بما عليه استشهدنا من الشواهد، ودللنا عليه من الدلائل- فالواجبُ أن تكون معاني كتاب الله المنزل على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، لمعاني كلام العرب موافقةً، وظاهرُه لظاهر كلامها ملائمًا، وإن باينه كتابُ الله بالفضيلة التي فضَلَ بها سائرَ الكلام والبيان، بما قد تقدّم وَصْفُنَاهُ.
فإذْ كان ذلك كذلك، فبيِّن -إذْ كان موجودًا في كلام العرب الإيجازُ والاختصارُ، والاجتزاءُ بالإخفاء من الإظهار، وبالقلة من الإكثار في بعض الأحوال، واستعمالُ الإطالة والإكثار، والترداد والتكرار، وإظهارُ المعاني بالأسماء دون الكناية عنها، والإسرار في بعض الأوقات، والخبرُ عن الخاصّ في المراد بالعامّ الظاهر، وعن العامّ في المراد بالخاصّ الظاهر، وعن الكناية والمرادُ منه المصرَّح، وعن الصفة والمرادُ الموصوف، وعن الموصوف والمرادُ الصفة، وتقديمُ ما هو في المعنى مؤخر، وتأخيرُ ما هو في المعنى مقدّم، والاكتفاءُ ببعض من بعض، وبما يظهر عما يحذف، وإظهارُ ما حظه الحذف- (١) أن يكون ما في كتاب الله المنزل على نبيه محمد ﷺ من ذلك، في كلّ ذلك له نظيرًا، وله مِثْلا وشبيهًا.
ونحن مُبَيِّنو جميع ذلك في أماكنه، إن شاء الله ذلك وأمدّ منه بعونٍ وقوّة.
فتفضل أخي أن ينظُرَ في أسانيد أبي جعفر، وهي كثيرة جدًّا، فيتكلّم عن بعض رجالها، حيثُ يتطلب التحقيق ذلك، ثم يخرِّج جميع ما فيه من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم. فإن وجدَ بعد ذلك فراغًا نَظَر في عملي وراجعه واستدرك عليه. فشكرتُ له هذه اليدَ التي طوّقني بِها، وكم له عندي من يدٍ لاَ أملك جزاءَها، عنْد الله جزاؤها وجزاءُ كلّ معروفٍ. وحسبُه من معروف أنّه سدّد خُطايَ صغيرًا، وأعانني كبيرًا.
وتوليتُ تصحيحَ نصّ الكتاب، وضبطه، ومقابلته على ما بين أيدينا من مخطوطاته ومطبوعاته، ومراجعته على كتب التفسير التي نقلت عنه. وعلّقتُ عليه، وبيّنت ما استغلقَ من عبارته، وشرحتُ شواهده من الشعر. وبذلتُ جُهْدي في ترقيمه وتفصيله. فكلّ ما كان في ذلك من إحسانٍ فمن الله، وكلّ ما فيه من زَلَلٍ فمنّي ومن عجزي، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
والنسخ المخطوطة الكاملة من تفسير الطبري، لاَ تكادُ تُوجَد، والذي مِنْها في دار الكتب أجزاءٌ مفردة من الجزء الأوّل، والجزء السادس عشر، ومنها مخطوطة واحدة كانت في خمسة وعشرين مجلَّدًا ضاع منها الجزء الثاني والثالث، وهي قديمةً غير معروفة التاريخ. وهي على ما فيها تكادُ تكون أصحّ النسخ. وهي محفوظة بالدار برقم: ١٠٠ تفسير.
القول في البَيَان عن الأحرف التي اتفقت فيها ألفاظ العرب
وألفاظ غيرها من بعض أجناس الأمم
قال أبو جعفر: إن سألنا سائل فقال: إنك ذكرت أنه غيرُ جائز أن يخاطب الله تعالى ذكرهُ أحدًا من خلقه إلا بما يفهمه، وأن يرسل إليه رسالة إلا باللسان الذي يفقهه..
١- فما أنت قائل فيما حدثكم به محمد بُن حُميد الرازي، قال: حدثنا حَكّام بن سَلْم، قال: حدثنا عبْسة، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص عن أبي موسى: ﴿يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾ [سورة الحديد: ٢٨]، قال: الكفلان: ضعفان من الأجر، بلسان الحبشة (١).
٢- وفيما حدثكم به ابن حُمَيْد، قال: حدثنا حكام، عن عَنبسة، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ﴾ [سورة المزمل: ٦] قال: بلسان الحبشة إذا قامَ الرجلُ من الليل قالوا: نَشأ (٢).
٣- وفيما حدّثكم به ابن حميد قال: حدّثنا حكام، قال: حدثنا عنبسة، عن أبي إسحاق، عن أبي ميسرة: ﴿يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ﴾ قال: سبِّحي، بلسان الحبشة (٣) ؟
قال أبو جعفر: وكل ما قلنا في هذا الكتاب "حدّثكم" فقد حدثونا به.
(٢) الخبر ٢- يأتي بإسناده في تفسير سورة المزمل: ٦
(٣) الخبر ٣- يأتي بإسناده في تفسير سورة سبأ: ١٠
فنهجتُ نهجًا آخر في تصحيح هذا التفسير، وذلك بمراجعة ما فيه من الآثار على كتاب "الدرّ المنثور" للسيوطي، "وفتح القدير" للشوكاني، فهما يكثران النقل عن تفسير أبي جعفر. أما ابن كثير في تفسيره، فإنه لم يقتصر على نقل الآثار، بل نقل بعض كلام أبي جعفر بنَصِّه في مواضع متفرقة، وكذلك نقل أبو حيان والقرطبي في مواضع قليلة من تفسيريهما. فقابلتُ المطبوع والمخطوط من تفسير أبي جعفر على هذه الكتب. وكنت في هذا الجزء الأوَّل من التفسير أذكر مرجع كلّ أثرٍ في هذه الكتب، ثم وجدتُ أن ذلك يطيل الكتاب على غير جدوى، فبدأت منذ الجزء الثاني أغفل ذكر المراجع، إِلا عند الاختلاف، أو التصحيح، أو غير ذلك مما يوجب بيان المراجع.
وراجعتُ كثيرًا ممّا في التفسير من الآثار، على سائر الكتب التي هي مظّنة لروايتها، وبخاصّة تاريخ الطبري نَفْسِه، ومن في طبقته من أصحاب الكتب التي تروي الآثار بالأسانيد. وبذلك استطعتُ أن أحرّر أكثرها في الطبري تحريرًا أرجو أن يكون حسنًا مقبولا.
أمّا ما تكلّم فيه من النحو واللغة، فقد راجعته على أصوله، من ذلك "مَجاز القرآن" لأبي عبيدة، "ومعاني القرآن" للفراء، وغيرهما ممّن يذكر أقوال أصحاب المعاني من الكوفيين والبصريين.
وأما شواهدُه فقد تتبعتُ ما استطعتُ منها في دواوين العربِ، ونسبت
٤- وفيما حدّثكم به محمد بن خالد بن خِداش الأزديّ، قال: حدثنا سلم ابن قتيبة، قال: حدثنا حماد بن سلمة عن علي بن زيد، عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه سأل عن قوله: ﴿فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾ [سورة المدثر: ٥١] قال: هو بالعربية الأسد، وبالفارسية شار، وبالنبطية أريا، وبالحبشية قسورة (١).
٥- وفيما حدثكم به ابن حميد قال: حدّثنا يعقوب القمّى، عن جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد بن جُبَير قال: قالت قريش: لولا أنزل هذا القرآن أعجميٌّا وعربيًّا؟ فأنزل الله تعالى ذكره: ﴿لَقَالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ﴾ [سورة فصلت: ٤٤] فأنزل الله بعد هذه الآية في القرآن بكل لسان فيه. ﴿حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ﴾ [سورة هود: ٨٢، وسورة الحجر: ٧٤] قال: فارسية أعربت "سنك وكل (٢).
٦- وفيما حدثكم به محمد بن بشار، قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهديّ، قال: حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أبي ميسرة، قال: في القرآن من كل لسان (٣).
وفيما أشبه ذلك من الأخبار التي يطولُ بذكرها الكتاب، مما يدل على أن فيه من غير لسان العرب؟
قيل له: إنّ الذي قالوه من ذلك غير خارج من معنى ما قلنا -من أجل أنهم لم يقولوا: هذه الأحرف وما أشبهها لم تكن للعرب كلامًا، ولا كان ذاك
(٢) الخبر ٥- يأتي بإسناده في تفسير سورة فصلت: ٤٤. ونص الخبر هناك: "فأنزل الله بعد هذه الآية كل لسان فيه.." وهي أجود. وفي الدر المنثور ٥: ٣٦٧: "وأنزل الله تعالى بعد هذه الآية فيه بكل لسان. حجارة..". ثم يأتي بإسناده مختصرًا في تفسير سورة هود: ٨٢. وانظر سائر ما روى في "سجيل" في تفسير سورة الفيل: ٤. وقوله "حجارة من سجيل".. كلام مستأنف، ضربه مثلا لما جاء في القرآن من الألسنة الأخرى.
(٣) الخبر ٦- لم أجده في مكان آخر بعد. وهو في الدر المنثور ٥: ٣٦٧ وفيه: "بكل لسان".
وقد رأيتُ في أثناء مراجعاتي أنّ كثيرًا ممن نقل عن الطبري، ربّما أخطأ في فهم مُرَاد الطبري، فاعترض عليه، لمّا استغلقَ عليه بعضُ عبارته. فقيدت بعضَ ما بدا لي خلالَ التعليق، ولم أستوعِبْ ذلك استيعَابًا مخافة الإطالة، وتركت كثيرًا مما وقفتُ عليه من ذلك في الجزء الأوّل، ولكني أرجو أنْ أستدرِك ما فاتني من ذلك في الأجزاء الباقية من التفسير إن شاء الله ربُّنَا سبحانه.
وبيّنتُ ما وقفتُ عليه من اصطلاح النحاة القدماء وغيرهم، ممّا استعمله الطبري، وخالفَه النحاةُ وغيرهم في اصطلاحهم، بعد ذلك، إلى اصطلاح مُسْتَحدَث. وربّما فاتني من ذلك شيءٌ، ولكني أرجو أنْ أبيّن ذلك فيما يأتي من الأجزاء. وقد وضعتُ فهرسًا خاصًّا بالمصطلحات، في آخر كلّ جزءٍ، حتى يتيسّر لطالب ذلك أن يجدَ ما استبهَمَ عليه من الاصطلاح في موضع، في جزءٍ آخر من الكتاب.
لها منطقًا قبل نزول القرآن، ولا كانت بها العرب عارفةً قبل مجيء الفرقان- فيكون ذلك قولا لقولنا خِلافًا (١). وإنما قال بعضهم: حرف كذا بلسان الحبشة معناهُ كذا، وحرفُ كذا بلسان العجم معناه كذا. ولم نستنكر أن يكون من الكلام ما يتفق فيه ألفاظ جميع أجناس الأمم المختلفة الألسن بمعنى واحد، فكيف بجنسين منها؟ كما وجدنا اتفاق كثير منه فيما قد علمناه من الألسن المختلفة، وذلك كالدرهم والدينار والدواة والقلم والقرْطاس، وغير ذلك -مما يتعب إحصاؤه وُيمِلّ تعداده، كرهنا إطالة الكتاب بذكره- مما اتفقت فيه الفارسية والعربية باللفظ والمعنى. ولعلّ ذلك كذلك في سائر الألسن التي نجهل منطقها ولا نعرف كلامها.
فلو أن قائلا قال -فيما ذكرنا من الأشياء التي عددْنا وأخبِرْنا اتفاقَه في اللفظ والمعنى بالفارسية والعربية، وما أشبهَ ذلك مما سكتنا عن ذكره-: ذلك كله فارسي لا عربي، أو ذلك كله عربي لا فارسي، أو قال: بعضه عربي وبعضه فارسي، أو قال: كان مخرج أصله من عند العرب فوقع إلى العجم فنطقوا به، أو قال: كان مخرج أصله من عند الفرس فوقع إلى العرب فأعربته - كان مستجهَلا (٢) لأن العربَ ليست بأولى أن تكون كان مخرجُ أصل ذلك منها إلى العجم، ولا العجم أحقَّ أن تكون كان مخرج أصل ذلك منها إلى العرب، إذ كان استعمال ذلك بلفظ واحد ومعنى واحد موجودًا في الجنسين.
وإذْ كان ذلك موجودًا على ما وصفنا في الجنسين، فليس أحدُ الجنسين أولى بأن يكون أصلُ ذلك كان من عنده من الجنس الآخر. والمدّعي أن مخرج صل ذلك إنما كان من أحد الجنسين إلى الآخر، مدّعٍ أمرًا لا يوصَل إلى حقيقة صحّته إلا بخبر يوجب العلم، ويزيل الشكّ، ويقطع العذرَ صحتُه.
(٢) قوله: "كان مستجهلا"، جواب قوله: "لو أن قائلا قال..". والفصل في عبارة الطبري يكون أطول من هذا، كما سيمر بك. واستجهل فلانًا: عده جاهلا، أو وجده جاهلا. والجهل هنا: فساد الرأي واضطرابه، لأنه مبني على التحكم المحض، كما ترى في رد الطبري.
وكنتُ أحبُّ أيضًا أن أُسَهِّل على قارئ كتابه، فأجعل في آخرِ الآياتِ المتتابعة التي انتهى من تفسيرها، مُلَخَّصًا يجمَعُ ما تفرَّق في عشراتٍ من الصفحاتِ. وذلك أني رأيتُ نفسي قديمًا، ورأيت المفسِّرين الذين نقلوا عَنْهُ، كانوا يقرأون القطعة من التفسير مفصولةً عمَّا قبلها، أو كانوا يقرأونه متفرِّقًا. وهذه القراءةُ، كما تبيِّن لي، كانتْ سببًا في كثيرٍ من الخَلْط في معرفة مُرَادِ الطبري، وفي نسبة أقوالٍ إليه لم يقلْها. لأنَّه لما خاف التكرار لطول الكتابِ، اقتصَر في بعض المواضِع على ما لاَ بُدَّ منه، ثقَةً منه بأنّه قد أبان فيما مضى من كتابه عن نهجه في تفسير الآيات المتصلة المعاني. والقارئ الملتمِس لمعنى آيةٍ من الآياتِ، ربَّما غَفَل عن هذا الترابُط بين الآية التي يقرؤها، والآيات التي سبقَ للطبري فيها بيانٌ يتّصل كل الاتصال ببيانه عن هذه الآية. ولكني حين بدأت أفعل ذلك، وجدت الأمر شاقًا عسيرًا، وأنه يحتاجُ إِلى تكرار بعضِ ما مضى، وإلى إِطالةٍ في البيانِ. وهذا شيءٌ يزيدُ التفسيرَ طولا وضخامة.
ولمَّا رأيتُ أن كثيرًا من العلماء كان يعيبُ على الطبري أنه حشَدَ في كتابِهِ كثيرًا من الرواية عن السالفين، الذين قرأوا الكُتُب، وذكروا في معاني القرآنِ ما ذكروا من الرواية عن أهل الكتابَيْن السالِفَيْن: التَّوراة والإنجيل - أحببتُ أن أكشف عن طريقة الطبري في الاستدلال بهذه الرواياتِ روايةً روايةً، وأبيّن كيف أخطأ الناسُ في فهم مقصده، وأنّه لم يَجْعل هذه الروايات قطُّ مهيمنةً على كتاب الله الذي لاَ يأتيه الباطل من يديه ولا من خلفه. وأحببتُ أن أبيّن عند كُلِّ روايةٍ مقالة الطبريّ في إِسنادِها، وأنه إسنادٌ لاَ تقوم به حُجَّةٌ في دين الله، ولا في تفسير كتابه،
بل الصواب في ذلك عندنا: أن يسمَّى: عربيًّا أعجميًّا، أو حبشيًّا عربيًّا، إذ كانت الأمّتان له مستعملتين -في بيانها ومنطقها- استعمالَ سائر منطقها وبيانها. فليس غيرُ ذلك من كلام كلّ أمة منهما، بأولى أن يكون إليها منسوبًا- منه (١).
فكذلك سبيل كل كلمة واسم اتفقت ألفاظ أجناس أمم فيها وفي معناها، ووُجد ذلك مستعملا في كل جنس منها استعمالَ سائرِ منطقهم، فسبيلُ إضافته إلى كل جنس منها، سبيلُ ما وصفنا -من الدرهم والدينار والدواة والقلم، التي اتفقت ألسن الفرس والعرب فيها بالألفاظ الواحدة والمعنى الواحد، في أنه مستحقٌّ إضافته إلى كل جنس من تلك الأجناس- اجتماعٌ واقترانٌ (٢).
وذلك هو معنى من روينا عنه القولَ في الأحرف التي مضت في صدر هذا الباب، من نسبة بعضهم بعضَ ذلك إلى لسان الحبشة، ونسبة بعضهم بعضَ ذلك إلى لسان الفرس، ونسبة بعضهم بعضَ ذلك إلى لسان الروم. لأنّ من نسب شيئًا من ذلك إلى ما نسبه إليه، لم ينفِ -بنسبته إياه إلى ما نسبه إليه- أن يكون عربيًّا، ولا من قال منهم: هو عربيّ، نفى ذلك أن يكون مستحقًّا النسبةَ إلى من هو من كلامه من سائر أجناس الأمم غيرها. وإنما يكون الإثبات دليلا على النفي، فيما لا يجوز اجتماعه من المعاني، كقول القائل: فلان قائم، فيكون بذلك من قوله دالا على أنه غير قاعد، ونحو ذلك مما يمتنع اجتماعه لتنافيهما. فأمّا ما جاز اجتماعه فهو خارج من هذا المعنى. وذلك كقول القائل فلان قائم مكلِّمٌ فلانًا، فليس في تثبيت القيام له ما دلَّ على نفي كلام آخر،
(٢) في المطبوعة "باجتماع وافتراق". وأراد الطبري بقوله "اجتماع واقتران" أي أن يقال هو: "عربي أعجمي، أو حبشي عربي"، كما مر آنفا في كلامه. وسياق عبارته بعد حذف التفسير والاعتراض من كلامه هو هذا: "فسبيل إضافته إلى كل جنس منها، سبيل ما وصفنا.. اجتماع واقتران". أي أن يجمع بين الوصفين أو يقرن بين النسبتين.
هذا وقد كنتُ رأيتُ أن أكتب ترجمةً للطبري أجْعَلُها مقدّمَةً للتفسير. ولكنّي وجدت الكتابة عن تفسيره في هذه الترجمة، لن تتيسّر لي
لجواز اجتماع ذلك في حالٍ واحدٍ من شخص واحد. فقائل ذلك صادق إذا كان صاحبه على ما وصفه به.
فكذلك ما قلنا -في الأحرف التي ذكرنا وما أشبهها- غيرُ مستحيل أن يكون عربيًّا بعضها أعجميًّا، وحبشيًّا بعضها عربيًّا، إذ كان موجودًا استعمالُ ذلك في كلتا الأمتين. فناسِبُ ما نَسبَ من ذلك إلى إحدى الأمتين أو كلتيهما محقٌّ غيرُ مبطل.
فإن ظن ذو غباءٍ أن اجتماع ذلك في الكلام مستحيلٌ -كما هو مستحيل في أنساب بني آدم- فقد ظنّ جهلا. وذلك أن أنساب بني آدم محصورة على أحد الطرفين دون الآخر، لقول الله تعالى ذكره: ﴿ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [سورة الأحزاب: ٥]. وليس ذلك كذلك في المنطق والبيان، لأنّ المنطق إنما هو منسوب إلى من كان به معروفًا استعمالُه. فلو عُرِف استعمالُ بعض الكلام في أجناس من الأمم -جنسين أو أكثر- بلفظ واحد ومعنى واحد، كان ذلك منسوبًا إلى كل جنس من تلك الأجناس، لا يستحق جنسٌ منها أن يكون به أولى من سائر الأجناس غيره. كما لو أنّ أرضًا بين سَهل وجبل، لها هواء السهل وهواء الجبل، أو بين برٍّ وبحرٍ، لها هواء البر وهواءُ البحر- لم يمتنع ذو عقل صحيح أن يصفها بأنها سُهْلية جبلية (١). أو بأنها بَرِّية بِحْرية، إذ لم تكن نسبتها إلى إحدى صفتيها نافيةً حقَّها من النسبة إلى الأخرى. ولو أفردَ لها مفردٌ إحدى صفتيها ولم يسلبها صفتها الأخرى، كان صادقًا محقًّا.
وكذلك القول في الأحرف التي تقدم ذكرناها في أول هذا الباب.
وهذا المعنى الذي قلناه في ذلك، هو معنى قول من قال: في القرآن من كل لسان- عندنا بمعنى، والله أعلم: أنّ فيه من كلّ لسان اتفق فيه لفظ العرب ولفظ غيرها من الأمم التي تنطق به، نظيرَ ما وصفنا من القول فيما مضى.
أمّا الفهارسُ، فإِنّي كنت أريدُ أن أدعَها حتى أفرغَ من الكتاب كُلِّه، فأصدرها في مجلداتٍ مستقلّة، ولكن الكتابَ كبيرٌ، وحاجةُ الناسِ، وحاجتي أنَا، إلى مراجعة بعضه على بعض، وربط أوّله بآخره أوجبتْ أن أتعجَّل فأُفرد بعض الفهارس مع كُلّ جزء. فجعلت فهرسًا للآيات التي استدلّ بها في غير موضعها من التفسير. فقد تبيّن لي أنّه ربّما ذكر في تفسير الآية في هذا الموضع، قولا في الآية لم يذكرُه في موضعها من تفسير السورة التي هي منها.
وأفردت فهرسًا ثانيًا لألفاظ اللغة، لأنه كثير الإحالة على ما مضى في كتابه، وليكون هذا الفهرس مرجعًا لكل اللُّغَة التي رواها الطبري، وكثير منها ممّا لم يرد في المعاجم، أو جاء بيانه عن معانيها أجودَ من بيان أصحاب المعاجم. وهو فهرسٌ لاَ بُدَّ أن يتم عند كُلّ جزء، حتى لاَ يسقط عليّ شيءٌ من لغة الطبري.
وأفردت فهرسًا ثالثًا لمباحث العربيّة، لأنّه كثيرًا ما يحيلُ على هذه المواضِع، ولأنّ فيها نفعًا عظيمًا تبيّنتُه وأنا أعمل في هذا التفسير. وزدت
وذلك أنه غيرُ جائز أن يُتوهّم على ذي فطرة صحيحة، مقرّ بكتاب الله، ممن قد قرأ القرآن وعرف حدود الله -أن يعتقد أنّ بعضَ القرآن فارسي لا عربيّ، وبعضه نبطي لا عربيّ، وبعضه روميّ لا عربيّ، وبعضه حبشي لا عربي (١)، بعد ما أخبر الله تعالى ذكرُه عنه أنه جعله قرآنًا عربيًّا. لأن ذلك إنْ كان كذلك، فليس قولُ القائل: القرآن حبشيٌّ أو فارسيٌّ، ولا نسبةُ من نسبه إلى بعض ألسن الأمم التي بعضُه بلسانه دون العرب- بأولى بالتطويل من قول القائل (٢) : هو عربي. ولا قولُ القائل: هو عربيٌّ بأولى بالصّحة والصواب من
(٢) في المطبوعة: "بالتطول" وأراد الطبري بقوله "التطويل" نسبة القول إلى التزيد والسعة في الكلام، حتى يستغرق الوصف بإحدى الصفات سائر الصفات الأخرى. وكلام الطبري يحتاج إلى فضل بيان - من أول قوله: "وذلك أنه غير جائز أن يتوهم.." إلى قوله: "ولا جائز نسبته إلى كلام العرب". فأقول:
أراد الطبري أن يقول: إنه لا يستقيم في العقل أن يكون الرجل مؤمنًا بكتاب الله، عارفًا بمعانيه وحدوده، مقرًا بأن الخبر قد جاء من ربه أنه جعل القرآن "قرآنا عربيا"، ولم يجعله أعجميا بقوله "ولو جعلناه قرآنا أعجميا لقالوا لولا فصلت آياته أأعجمي وعربي"- ثم يعتقد مع ذلك: أن بعض القرآن فارسي لا عربي، وبعضه نبطي لا عربي، وبعضه رومي لا عربي، وبعضه حبشي لا عربي. فإنه إن فعل، فقد نفى عن بعض القرآن أنه عربي، والله يصف القرآن كله بأنه عربي. وأثبت لبعض القرآن أنه أعجمي، والله تعالى ينفي عن جميعه أنه أعجمي.
وخبر الله تعالى عن كتابه أنه جعله "قرآنا عربيا" صفة شاملة لا يجوز لأحد أن يخصص شمولها على بعض القرآن دون بعض. ولو جاز لأحد أن يخصص شمولها من عند نفسه فيقول: "بعض القرآن حبشي لا عربي، أو فارسي لا عربي.."، لجاز أيضًا لقائل أن يقول من عند نفسه: "القرآن حبشي أو فارسي أو رومي، أو أعجمي".
وحجة الطبري في ذلك: أن الذي يخصص شمول الصفة من عند نفسه على بعض القرآن بأنه عربي، ويقول إن بعضه الآخر يوصف بأنه حبشي أو فارسي أو رومي- يدعى أن وصف القرآن بأنه عربي، محمول على تغليب إحدى الصفات على سائر الصفات الأخرى. ولو جاز ذلك، لجاز لقائل أن يقول: "القرآن حبشي أو فارسي أو رومي"، لأنه فعل مثله، فغلب إحدى الصفات على الصفات الأخرى.
وإذا اقتصر المقتصر على صفة بعضه فقال: "القرآن حبشي أو فارسي"، لم يكن أولى بأن ينسب إلى التوسع في الكلام والتزيد في الصفة، من القائل: "القرآن عربي"، لأنه اقتصر أيضًا على صفة بعضه، فتوسع في الكلام وتزيد في الصفة.
وإذا كان ما في القرآن من فارسي ورومي ونبطي وحبشي، نظير ما فيه من عربي، فليس قول القائل: "القرآن عربي"، أولى بالصحة والصواب من قول القائل: "القرآن فارسي أو حبشي"، فكلاهما أطلق صفة أحد النظيرين على الآخر. وإذا جاز لأحدهما أن يفعل ذلك مصيبًا في قوله، جاز للآخر مثله مصيبًا في قوله.
وهذا فساد من القول وتناقض، ومخالف لقوله تعالى: "ولو جعلناه قرآنًا أعجميا لقالوا لولا فصلت آياته أأعجمي وعربي"، فهذه شهادة من الله تعالى بأنه لم يجعله أعجميًا، كشهادته سبحانه بأنه جعله "قرآنًا عربيا". وقد اقتضى مذهب هذا القائل أن يقال: "القرآن حبشي أو فارسي". كما يقال: "القرآن عربي" سواء. فناقض هذا قول الله سبحانه. وهذا قول "غير جائز أن يتوهم على ذي فطرة صحيحة، مقر بكتاب الله، ممن قرأ القرآن، وعرف حدود الله" كما قال الطبري رحمه الله.
وإذن فقول القائل من السلف: "في القرآن من كل لسان"، ليس يعني به أن فيه ما ليس بعربي مما لا يجوز أن ينسب إلى لسان العرب- بل معناه أن فيه ألفاظًا استعملتها العرب، وهذه الألفاظ أنفسها مما استعملته الفرس أو الروم أو الحبش، على جهة اتفاق اللغات على استعمال لفظ واحد بمعنى واحد، لا على جهة انفراد الكلمة من القرآن بأنها فارسية غير عربية، أو رومية غير عربية. فإن السلف أعرف بكتاب الله وبمعانيه وبحدوده، لا يدخلون الفساد في أقوالهم، مناقضين شهادة الله لكتابه بأنه عربي غير أعجمي.
وأفردتُ فهرسًا سادسًا للرجال الذي تكَلَّم عنهم أخي السيد أحمد في المواضع المتفرقة من التفسير، حتى يسهلُ على من يريد أن يحقّق إسنادًا أن يجد ضالّته. فإِنّه حفظه الله، لم يلتزم الكتابة على الرجال عند كُلّ إِسنادٍ. وهذا فهرسٌ لاَ بُدّ منه مع كُلِّ جزءٍ حتى لاَ تتكرّر الكتابة على الرجال في مواضع مختلفة من الكتاب، ولتصحيح أسماء الرجال حيث كانوا من التفسير.
أما الفهرس العام للكتاب، فقد اقتصرت فيه على ذِكْرِ ما سوى ذلك، ولم أذكر فيه بدأه في تفسير كُلّ آية، لأنّ آيات المصحف مرقمة، وأثبتنا أرقام الآيات في رأس الصفحات. فمن التمس تفسير آية، فليستخرج رقمها من المصحف، وليطلبْ رقمها في تفسير الطبري من رؤوس الصفحات.
* * *
هذا، وقد تركتُ أن أصْنَع للشعر فهرسًا مع كلِّ جزءٍ، فإني سأجعلُ لَهُ فهرسًا مفردًا بعد تمام طبع الكتابِ، على نمط اخترتُه لصناعته.
وأمَّا فهارس الكتاب عامَّة، فستكون بعد تمام الكتاب كله. وهي تشتمل فهارس أسانيد الطبري، على طراز أرجُو أن أكون موفقًا في اختياره وعمله. ثم فهرس الأعلام، وفهرس الأماكن، وفهرسُ المعاني،
قول ناسبه إلى بعض الأجناس التي ذكرنا. إذ كان الذي بلسان غير العرب من سائر ألسن أجناس الأمم فيه، نظيرَ الذي فيه من لسان العرب.
وإذا كان ذلك كذلك، فبيِّن إذًا خطأ من زعم أن القائل من السلف: في القرآن من كل لسان، إنما عنى بقيله ذلك، أنّ فيه من البيان ما ليس بعربيّ، ولا جائز نسبته إلى لسان العرب.
ويقال لمن أبى ما قلنا -ممن زعم أن الأحرف التي قدمنا ذكرها في أول الباب وما أشبهها، إنما هي كلام أجناس من الأمم سوى العرب، وقعت إلى العرب فعرَّبته-: ما برهانك على صحة ما قلت في ذلك، من الوجه الذي يجب التسليم له، فقد علمتَ من خالفك في ذلك، فقال فيه خلاف قولك؟ وما الفرقُ بينك وبين من عارضك في ذلك فقال: هذه الأحرف، وما أشبهها من الأحرف غيرها، أصلها عربي، غير أنها وقعت إلى سائر أجناس الأمم غيرها فنطقت كل أمة منها ببعض ذلك بألسنتها- من الوجه الذي يجبُ التسليم له؟
فلن يقول في شيء من ذلك قولا إلا ألزم في الآخر مثله.
فإن اعتلَّ في ذلك بأقوال السلف التي قد ذكرنا بعضها وما أشبهها، طولبَ
* * *
وبعد، فقد بذلتُ جهدي، وتحرَّيتُ الصوابَ ما استطعتُ، وأردتُ أن أجعَلَ نشرَ هذا الكتابِ الإمامِ في التفسير، زُلْفَى إِلى اللهِ خالصةً. ولكن كيف يخلُص في زماننا عملٌ من شائبة تشوبهُ! فأسألُ الله أن يتقبَّل مني ما أخلصتُ فيه، وأن يغفر لي ما خالطه مِنْ أمرِ هذه الدنيا، وأن يتغمّدني برحمته يَوْمَ لاَ يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ، إلا مَنْ أَتَى اللهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ. وأضرع إليه أن يغفر لَنَا ولإخوانِنا الَّذِينَ سَبَقُونَا بالإيمان، وآخرُ دَعْوَانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين. محمود محمد شاكر
-مطالبَتنا من تأوَّل عليهم في ذلك تأويله- بالذي قد تقدم بيانه. وقيل له: ما أنكرتَ أن يكون من نسب شيئًا من ذلك منهم إلى من نسبه من أجناس الأمم سوى العرب، إنما نسبه إلى إحدى نسبتيه التي هو لها مستحق، من غير نَفيٍ منه عنه النسبة الأخرى؟ ثم يقال له: أرأيتَ من قال لأرض سُهْلية جبلية: هي سُهلية، ولم ينكر أن تكون جبلية، أو قال: هي جبلية، ولم يدفعْ أن تكون سُهْلية، أنافٍ عنها أن تكون لها الصفة الأخرى بقيله ذلك؟
فإن قال: نعم! كابر عَقْلَه. وإن قال: لا قيل له: فما أنكرت أن يكون قولُ من قال في سجّيل: هي فارسية، وفي القسطاس: هي رومية- نظيرَ ذلك؟ وسأل الفرقَ بين ذلك، فلن يقولَ في أحدهما قولا إلا ألزِم في الآخر مثله.
بسم الله الرحمن الرحيم
بركة من الله وأمرقرئ على أبي جعفر محمد بن جرير الطَّبري في سنة ست وثلثمئة، قال: الحمد لله الذي حَجَّت الألبابَ بدائعُ حِكَمه، وخَصَمت العقولَ لطائفُ حُججه (١) وقطعت عذرَ الملحدين عجائبُ صُنْعه، وهَتفتْ في أسماع العالمينَ ألسنُ أدلَّته، شاهدةٌ أنه الله الذي لاَ إله إلا هو، الذي لاَ عِدْلَ له معادل (٢) ولا مثلَ له مماثل، ولا شريكَ له مُظاهِر، ولا وَلدَ له ولا والد، ولم يكن له صاحبةٌ ولا كفوًا أحدٌ؛ وأنه الجبار الذي خضعت لجبروته الجبابرة، والعزيز الذي ذلت لعزّته الملوكُ الأعزّة، وخشعت لمهابة سطوته ذَوُو المهابة، وأذعنَ له جميعُ الخلق بالطاعة طوْعًا وَكَرْهًا، كما قال الله جل ثناؤه وتقدست أسماؤه: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ﴾ [سورة الرعد: ١٥]. فكل موجود إلى وَحدانيته داع، وكل محسوس إلى رُبوبيته هاد، بما وسَمهم به من آثار الصنعة، من نقص وزيادة، وعجز وحاجة، وتصرف في عاهات عارضة، ومقارنة أحداث لازمة، لتكونَ له الحجة البالغة.
ثم أرْدف ما شهدتْ به من ذلك أدلَّتُه، وأكد ما استنارت في القلوب منه بهجته، برسلٍ ابتعثهم إلى من يشاء من عباده، دعاةً إلى ما اتضحت لديهم صحّته، وثبتت في العقول حجته، ﴿لِئَلا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [سورة النساء: ١٦٥]
(٢) العدل (بكسر العين وفتحها وسكون الدال) والعديل: النظير والمثيل. وعادله: ساواه وماثله.
(٢) الأقسام: جمع قسم (بكسر فسكون)، وهو الحظ والنصيب من الخير.
(٣) الجبار العنيد والعاند: الذي جار ومال عن طريق الحق، ثم عتا وطغا وجاوز قدره. والمارد: الذي مرن على الشر حتى بلغ الغاية، فتطاول عتوا وتجبرًا.
(٤) في المخطوطة: "وجدع" بالجيم مضمومة، من جدع الأنف، وهو قطعها، كناية عن الإذلال. ولا أظنها جيدة هنا. والخدع جمع خدعة (بضم فسكون) : وهي ما يخدع به من المكر والختل.
التي نزل بها القرآن من لغات العرب
قال أبو جعفر:
قد دللنا، على صحة القول بما فيه الكفاية لمن وُفِّق لفهمه، (١) على أن الله جل ثناؤه أنزل جميع القرآن بلسان العرب دون غيرها من ألسن سائر أجناس الأمم، وعلى فساد قول من زعم أن منه ما ليس بلسان العرب ولغاتها.
فنقول الآن -إذ كان ذلك صحيحًا- في الدّلالة عليه بأيِّ ألسن العرب أنزل: أبألسن جميعها أم بألسن بعضها؟ إذ كانت العرب، وإن جمَع جميعَها اسمُ أنهم عرب، فهم مختلفو الألسن بالبيان، متباينو المنطق والكلام. وإذْ كان ذلك كذلك -وكان الله جل ذكرُه قد أخبر عبادَه أنه قد جعلَ القرآن عربيًّا وأنه أنزل بلسانٍ عربيّ مبين، ثم كان ظاهرُه محتملا خصوصًا وعُمومًا- لم يكن لنا السبيلُ إلى العلم بما عنى الله تعالى ذكره من خصوصه وعمومه، إلا ببيان مَنْ جعل إليه بيانَ القرآن، وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فإذ كان ذلك كذلك - (٢) وكانت الأخبار قد تظاهرت عنه صلى الله عليه وسلم
٧- بما حدثنا به خلاد بن أسلم، قال: حدثنا أنس بن عياض، عن أبي حازم، عن أبي سلمة، قال-: لا أعلمه إلا عن أبي هريرة-: أن رسول
| "قد دللنا على صحة القول | بأن الله جل ثناؤه"، والباء وما بعدها متعقلة بالقول. |
٨- حدثني عبيد بن أسباط بن محمد، قال: حدثنا أبي، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنزل القرآن على سبعة أحرف، عليمٌ حكيم، غفورٌ رحيم (٢).
٩- حدثنا أبو كريب، قال: حدثني عبدة بن سليمان، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ مثلَه.
١٠- حدثنا محمد بن حميد الرازي، قال: حدثنا جرير بن عبد الحميد، عن مغيرة، عن واصل بن حيّان، عمَّن ذكره، عن أبي الأحوص، عن عبد الله ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنزل القرآن على سبعة أحرف، لكل حرف منها ظهر وبطنٌ، ولكل حرف حَدٌّ، ولكل حدٍّ مُطَّلَع (٣).
(٢) الحديث ٨، ٩- رواه أحمد في المسند (٨٣٧٢ ج٢ ص ٣٣٢ حلبي) عن محمد بن بشر، و (٩٦٧٦ ج ٢ ص ٤٤٠) عن ابن نمير، كلاهما عن محمد بن عمرو، وهو محمد بن عمرو بن علقمة، عن أبي سلمة، وهو ابن عبد الرحمن بن عوف. وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد ٧: ١٥١ جعله رواية أخرى للحديث الأول، ثم قال: "رواه كله أحمد بإسنادين، ورجال أحدهما رجال الصحيح. ورواه البزار بنحوه". وسيأتي حديث آخر لأبي هريرة، برقم: ٤٥.
(٣) الحديث ١٠، ١١- هو حديث واحد بإسنادين ضعيفين، أما أحدهما فلانقطاعه بجهالة راويه: "عمن ذكره عن أبي الأحوص". وأما الآخر فمن أجل "إبراهيم الهجري" راويه عن أبي الأحوص. و "مغيرة" في الإسناد الأول: هو ابن مقسم الضبي، وهو ثقة. و "واصل بن حيان" هو الأحدب، وهو ثقة. و "أبو الأحوص": هو الجشمي، واسمه: عوف بن مالك بن نضلة، وهو تابعي ثقة معروف. و "مهران" في الإسناد الثاني: هو ابن أبي عمر العطار الرازي، وهو ثقة، ولكن في روايته عن الثوري اضطراب. وشيخه سفيان هنا: هو الثوري الإمام. و "إبراهيم الهجري" هو إبراهيم بن مسلم.
والحديث بهذا اللفظ الذي هنا، ذكره السيوطي في الجامع الصغير رقم: ٢٧٢٧، ونسبه للطبراني في المعجم الكبير، ورمز له بعلامة الحسن، ولا ندري إسناده عند الطبراني. وأما أوله، دون قوله "ولكل حرف حد" إلخ، فإنه صحيح ثابت، رواه ابن حبان في صحيحه رقم: ٧٤. وانظر مجمع الزوائد ٧: ١٥٢، ١٥٣. وقوله "مطلع": هو بتشديد الطاء وفتح اللام، قال في النهاية: "أي لكل حد مصعد يصعد إليه من معرفة علمه، والمطلع: مكان الاطلاع من موضع عال". ثم قال: "ويجوز أن يكون: لكل حد مطلع، بوزن مصعد ومعناه". وسيأتي شرح ألفاظ هذا الحديث ص ٢٤-٢٥ بولاق، بعد الحديث ٧٠.
١٢- حدثنا أبو كريب محمد بن العلاء، قال: حدثنا أبو بكر بن عياش، قال: حدثنا عاصم، عن زِرٍّ، عن عبد الله، قال: اختلفَ رجلان في سورةٍ، فقال هذا: أقرَأني النبي صلى الله عليه وسلم. وقال هذا: أقرأني النبي صلى الله عليه وسلم. فأتى النبيّ ﷺ فأخبر بذلك، قال فتغير وجههُ، وعنده رجلٌ فقال: اقرأوا كما عُلِّمتم -فلا أدري أبشيء أمِرَ أم شيء ابتدعه من قِبَل نفسه- فإنما أهلك من كان قبلكم اختلافُهم على أنبيائهم. قال: فقام كلّ رجل منا وهو لا يقرأ على قراءة صاحبه. نحو هذا ومعناه (١)
١٣- حدثنا سعيد بن يحيى بن سعيد الأموي، قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا الأعمش -وحدثني أحمد بن منيع، قال: حدثنا يحيى بن سعيد الأموي، عن الأعمش- عن عاصم، عن زر بن حبيش، قال: قال عبد الله بن مسعود: تمارينا في سورة من القرآن، فقلنا: خمس وثلاثون أو ست وثلاثون آية. قال: فانطلقنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوجدنا عليًّا يُنَاجِيه،
١٤- حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا عبيد الله بن موسى، عن عيسى بن قرطاس، عن زيد القصار، عن زيد بن أرقم، قال: كنا معهُ في المسجد فحدثنا ساعة ثم قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: أقرأني عبد الله بن مسعود سورة، أقرأنيها زيدٌ وأقرأنيها أبيّ بن كعب، فاختلفت قراءتهم، فبقراءةِ أيِّهم آخُذُ؟ قال: فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: وعليٌّ إلى جنبه، فقال علي: ليقرأ كل إنسان كما عُلِّم، كلٌّ حسنٌ جميل (٢).
١٥- حدثني يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب، قال: أخبرني عروة بن الزبير: أن المِسْوَر بن مَخْرمة وعبد الرحمن بن عبد القاريّ أخبراه: أنهما سمعا عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: سمعت هشام بن حكيم يقرأ سورةَ الفرقان في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاستمعت لقراءته، فإذا هو يقرؤها على حروف كثيرة لم يقرئ نيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكدت أساوره في الصلاة، فتصبَّرت حتى سلَّم، فلما سلّم
(٢) الحديث ١٤- هذا حديث لا أصل له، رواه رجل كذاب، هو "عيسى بن قرطاس"، قال فيه ابن معين: "ضعيف ليس بشيء، لا يحل لأحد أن يروى عنه". وقال ابن حبان: "يروى الموضوعات عن الثقات، لا يحل الاحتجاج به". وقد اخترع هذا الكذاب شيخًا له روى عنه، وسماه "زيد القصار"! لم نجد لهذا الشيخ ترجمة ولا ذكرًا في شيء من المراجع. وهذا الحديث ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد ٧: ١٥٣- ١٥٤، وقال: "رواه الطبراني، وفيه عيسى بن قرطاس، وهو متروك". ومن العجب أن يذكر الحافظ هذا الحديث في الفتح ٩: ٢٣، وينسبه للطبري والطبراني، ثم يسكت عن بيان علته وضعفه! غفر الله لنا وله.
١٦- حدثني أحمد بن منصور، قال: حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث، قال: حدثنا حرب بن ثابت من بني سُلَيم، قال: حدثنا إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أبيه، عن جده، قال: قرأ رجل عند عمر بن الخطاب رضي الله عنه فغيَّر عليه، فقال: لقد قرأتُ على رسول الله ﷺ فلم يغيِّر عليَّ. قال: فاختصما عند النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، ألم تقرئني آية كذا وكذا؟ قال: بلى! قال: فوقع في صدر عمرَ شيء، فعرف
١٧- حدثنا عبيد الله بن محمد الفريابي، قال: حدثنا عبد الله بن ميمون، قال: حدثنا عبيد الله (٢) -يعني ابن عمر- عن نافع، عن ابن عمر، قال: سمع عمر بن الخطاب رضي الله عنه رجلا يقرأ القرآن، فسمع آية على غير ما سمع من النبي صلى الله عليه وسلم، فأتى به عمرُ إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، إن هذا قرأ آية كذا وكذا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنزل القرآن على سبعة أحرف، كلها شافٍ كافٍ (٣).
وإسناده يحتاج إلى بحث:
فأولا- "حرب بن ثابت": ثبت في نسخ الطبري هنا "حرب بن أبي ثابت"، وهو خطأ صرف من الناسخين. صوابه "حرب بن ثابت"، وهو "المنقري"، ترجمه البخاري في التاريخ الكبير: ٢ ١ ٥٨، قال: "حرب بن أبي حرب أبو ثابت، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة الأنصاري، قاله عبد الصمد. وقال موسى: حدثنا حرب بن ثابت المنقري. يعد في البصريين".
وترجمه ابن حبان في الثقات ٤٤٣-٤٤٤، قال: "حرب بن ثابت المنقري، من أهل البصرة، يروي عن الحسن ومروان الأصفر، روى عنه عبد الصمد، كأنه: حرب بن أبي حرب الذي ذكرناه". وقد ذكر قبله ترجمة "حرب بن أبي حرب، يروي عن شريح، روى عنه حصين أبو حبيب".
والحافظ ابن حجر حين ترجم لحرب بن ثابت، أشار إلى كلام ابن حبان هذا، وعقب عليه بأنه "واحد، جعله اثنين، ثم شك فيه"!! ولم ينصفه في هذا، فإنهما اثنان يقينًا، فصل بينهما البخاري في الكبير، فجعل الذي يروى عن شريح برقم: ٢٢٦، غير الذي نقلنا كلامه عنه برقم: ٢٢٧.
وأما الذي جعل الراوي راويين فإنه ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل ٢ ١ ٢٥٢ ذكر ثلاث تراجم، بالأرقام: ١١٢١، ١١٢٣، ١١٢٥، فالأخير هو الذي روى عن شريح، والأولان هما شخص واحد، وهم فيه ابن أبي حاتم.
وقد نسب "حرب بن ثابت" هذا في التعجيل: ٩١-٩٢ بأنه "البكري"، وكذلك في الإكمال للحسيني: ٢٣. وأنا أرجح أن هذا خطأ من الناسخين، أصله "البصري"، فإن نسبته فيما أشرنا إليه من تراجمه "المنقري"، وهو من أهل البصرة، فعن ذلك رجحت أن صوابه "البصري".
وثانيًا- "إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة": هكذا رواه عبد الصمد بن عبد الوارث عن حرب بن ثابت المنقري. ولكن بعض العلماء شك في صحة هذا، فقال البخاري في الكبير في ترجمة حرب: "وقال مسلم: حدثنا حرب بن ثابت سمع إسحاق بن عبد الله" فهذه رواية البخاري عن شيخه مسلم بن إبراهيم الفراهيدي عن حرب بن ثابت "أنه سمع إسحاق بن عبد الله". وهي تؤكد صحة ما رواه عبد الصمد. ولكن قال البخاري عقب ذلك: "حدثني إسحاق بن إبراهيم قال: أخبرنا عبد الصمد قال: حدثنا حرب أبو ثابت قال: حدثنا إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة. ويقال: إسحاق هذا ليس بابن أبي طلحة، وهم فيه عبد الصمد من حفظه، وأصله صحيح"، فهذه إشارة إلى هذا الحديث..
ولكنه قال في التاريخ الكبير ١ ١ ٣٨٢ في ترجمة "إسحاق الأنصاري": "إسحاق الأنصاري. حدثنا موسى بن إسماعيل قال: حدثنا حرب بن ثابت المنقري قال: حدثني إسحاق الأنصاري عن أبيه عن جده، وكانت له صحبة، أن النبي ﷺ قال: القرآن كله صواب: وقال عبد الصمد: حدثنا حرب أبو ثابت سمع إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم، مثله. وقال بعضهم: لقن عبد الصمد، فقالوا: ابن عبد الله بن أبي طلحة، ولم يكن في كتابه: ابن عبد الله".
فهذه إشارة أخرى من البخاري لهذا الحديث أيضًا، كعادته في تاريخه، في الإشارة إلى الأحاديث التي يريد أن يرشد إلى مواطن البحث فيها.
وقد أشار البخاري في الموضعين إلى قول من شك في أن "إسحاق الأنصاري" راوي هذا الحديث غير "إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة الأنصاري" الثقة المعروف بروايته عن أبيه "عبد الله" عن جده "أبي طلحة زيد بن سهل الأنصاري الصحابي الكبير" أحد النقباء، الذي شهد العقبة وبدرًا والمشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأتى بقوله هذا مجهلا إياه ممرضًا، بقوله مرة: "ويقال"، ومرة: "وقال بعضهم". ثم عقب على هذا التمريض في المرة الأولى بقوله: "وأصله صحيح"، يعني أصل الحديث. فهو تصريح منه بصحة الحديث، وبرفض قول هذا القائل الذي شك فيه.
وقد وافقه على ذلك زميله وصنوه أبو حاتم الرازي، فقال ابنه في الجرح والتعديل، في ترجمة "إسحاق الأنصاري" ١ ١ ٢٣٩-٢٤٠: "سمعت أبي يقول: يرون أنه: إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة الأنصاري".
وسبقهما إلى ذلك شيخهما إمام المحدثين، الإمام أحمد بن حنبل، فأثبت هذا الحديث في مسند "أبي طلحة زيد بن سهل الأنصاري" دون شك أو تردد. فصح الحديث، والحمد لله.
(٢) هو عبيد الله بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب، وليس هو ابن عمر بن الخطاب.
(٣) الحديث ١٧- إسناده ضعيف جدا، من أجل "عبد الله بن ميمون". أما "عبيد الله بن محمد بن هارون الفريابي" شيخ الطبري، فالظاهر أنه ثقة، ولكني لم أجد له ترجمة إلا في الجرح والتعديل لابن أبي حاتم: ٢ ٢ ٣٣٥، قال: "نزيل بيت المقدس، روى عن سفيان بن عيينة، سمع منه أبي ببيت المقدس". ولم يذكر فيه جرحًا. وأما علة الحديث فهو "عبد الله بن ميمون بن داود القداح"، وهو ضعيف جدًا، قال البخاري: "ذاهب الحديث"، وقال أبو حاتم والترمذي: "منكر الحديث"، وقال أبو حاتم: "يروي عن الأثبات الملزقات، لا يجوز الاحتجاج به إذا انفرد"، وقال الحاكم: "روى عن عبيد الله بن عمر أحاديث موضوعة". وأما شيخه "عبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب"، فإنه إمام ثقة معروف، وهو أحد الفقهاء السبعة.
ومعنى الحديث في ذاته صحيح، كأنه مختصر من معنى حديث عمر بن الخطاب، الذي مضى برقم: ١٥. ولكن هذا القداح ألزقه بعبيد الله بن عمر، وجعله من حديث نافع عن ابن عمر. ولا أصل لهذا، ولم نجده قط من حديث ابن عمر.
ولم يحسن الحافظ ابن حجر، إذ أشار إلى هذا الحديث في الفتح ٩: ٢٣، ونسبه للطبري، دون أن يذكر ضعف إسناده.
أولاهما: "علي بن أبي علي"، وهو "اللهبي"، من ولد أبي لهب. قال البخاري في التاريخ الصغير: ١٩٦، وفي الضعفاء: ٢٥: "منكر الحديث، لم يرضه أحمد". وقال ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل: ٣ ١ ١٩٧: "سألت أبي عن علي بن أبي علي اللهبي؟ فقال: منكر الحديث، تركوه". وقال: "سئل أبو زرعة عن علي بن أبي علي الهاشمي؟ فقال: هو من ولد أبي لهب، وهو مديني ضعيف الحديث، منكر الحديث". وقال ابن حبان في الضعفاء: ٣١٥ "يروي عن الثقات الموضوعات، وعن الأثبات المقلوبات، لا يجوز الاحتجاج به".
وثانيتهما: أن "زبيد بن الحرث اليامي" لم يدرك علقمة ولم يرو عنه، إنما يروي عن الطبقة الراوية عن علقمة، فروايته عنه هنا منقطعة، إن صح الإسناد إليه فيها، ولم يصح قط.
وقد جاء نحو هذا الحديث عن ابن مسعود، من وجه آخر ضعيف أيضًا: فرواه أحمد في المسند رقم: ٣٨٤٥ مطولا، من طريق شعبة عن عبد الرحمن بن عابس، قال: "حدثنا رجل من همدان، من أصحاب عبد الله، وما سماه لنا" إلخ. وهذا مجهول الراوي عن ابن مسعود، فلا يكون صحيحًا. وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد مختصرًا ٧: ١٥٣، وقال: "رواه الإمام أحمد في حديث طويل، والطبراني، وفيه من لم يسم، وبقية رجاله رجال الصحيح".
قال أخي السيد محمود محمد شاكر: ولفظ المسند: "إن هذا القرآن لا يختلف، ولا يستشن، ولا يتفه لكثرة الرد". و "استشن": بلى وصار خلقًا كالشن البالي، وهو القربة البالية. وقوله "لا يتفه": لا يصير تافهًا، التافه: الحقير. وكل كلام رددت قراءته نفدت معانيه وضعف أثره إلا القرآن. وأما قوله في رواية الطبري هنا "ولا يتلاشى"، فقد قال أهل اللغة إنه مولد من "لا شيء"، كأنه اضمحل حتى صار إلى لا شيء. ومجيئه في هذا الحبر غريب.
أقول: وإذ تبين أن راويه "علي بن أبي علي اللهبي" ممن يصطنع الأحاديث ويروي عن الثقات الموضوعات، كما قال ابن حبان، فلا يبعد أن يقول هذه الكلمة المولدة من عند نفسه. وهو متأخر أدرك عصر التوليد، فقد أرخه البخاري في باب من مات بين سنتي ١٧٠-١٨٠.
الإسناد الأول: عن يونس بن عبد الأعلى عن ابن وهب عن يونس، وهو ابن يزيد الأيلي عن ابن شهاب الزهري. وهو إسناد صحيح جدًا.
والثاني: عن أبي كريب عن رشدين، وهو ابن سعد، عن عقيل بن خالد عن الزهري. وهو إسناد ضعيف، لضعف رشدين بن سعد، وكان رجلا صالحًا فيه غفلة، وكثر خطؤه فغلبت المناكير في أخباره. ولكنه في هذا الحديث لم ينفرد بروايته عن عقيل بن خالد، كما سيأتي.
و"رشدين": بكسر الراء والدال المهملتين بينهما شين معجمة ساكنة. و "عقيل" بضم العين المهملة.
والحديث رواه مسلم ١: ٢٢٥ عن حرملة عن ابن وهب عن يونس، مثل الإسناد الأول هنا. ورواه البخاري ٦: ٢٢٢ فتح الباري، من طريق سليمان بن بلال عن يونس أيضًا.
ورواه البخاري ٩: ٢٠-٢١، عن سعيد بن عفير عن الليث بن سعد عن عقيل بن خالد عن الزهري.
وسيأتي أيضًا بإسناد صحيح، برقم: ٢٢، من رواية نافع بن يزيد عن عقيل بن خالد عن الزهري.
وهذان الإسنادان يؤيدان الإسناد الثاني هنا، أعني رواية رشدين بن سعد عن عقيل. ولذلك قلت إن رشدين -على ضعفه- لم ينفرد بروايته عن عقيل.
وقول ابن شهاب الزهري: "بلغني أن تلك الأحرف السبعة" إلخ: لم يذكره البخاري، وذكره مسلم في روايته. وهو مرسل غير متصل، فهو ضعيف الإسناد. ولذلك أعرض البخاري عن ذكره.
ثم إن الحديث رواه أيضًا أحمد، بنحوه، في المسند رقم: ٢٨٦٠ عن عبد الرزاق عن معمر عن الزهري. ورواه مسلم ١: ٢٢٥، عن عبد بن حميد عن عبد الرزاق، ولكنه لم يسق لفظه بل أحاله على رواية يونس عن الزهري.
ورواه أحمد أيضًا مختصرًا رقم: ٢٣٧٥، ٢٧١٧، من رواية ابن أخي الزهري عن عمه.
ونقله ابن كثير في فضائل القرآن: ٥٣ عن إحدى روايتي البخاري، ثم أشار إلى روايته الأخرى وروايتي مسلم ورواية الطبري هذه.
٢١- حدثنا إسماعيل بن موسى السُّدِّي، قال: أنبأنا شَريك، عن أبي إسحاق، عن سليمان بن صُرَد، يرفعه، قال: أتاني ملَكان، فقال أحدهما: اقرأ. قال: على كم؟ قال: على حرف، قال: زِدْهُ. حتى انتهى به إلى سبعة أحرف (٢)
و"عبيد الله"، في الإسناد: هو عبيد الله بن أبي يزيد المكي، وهو ثقة معروف. وأبوه "أبو يزيد المكي": ذكره ابن حبان في الثقات.
وسيأتي الحديث مكررًا، برقمي: ٢٣، ٢٤.
(٢) الحديث ٢١- الحديث في ذاته صحيح، لأن معناه سيأتي مرارًا، ضمن أحاديث لأبي بن كعب، وقد كررها الطبري بأسانيد متعددة، بالأرقام الآتية: ٢٥-٣٩. وسيأتي بحثها في مواضعها إن شاء الله.
وأما هذا الإسناد بعينه، فهكذا ورد في الطبري، من حديث سليمان بن صرد. ونقل الهيثمي في مجمع الزوائد ٧: ١٥٣ نحوه، من حديث سليمان بن صرد، وقال: "رواه الطبراني، وفيه جعفر، ولم أعرفه، وبقية رجاله ثقات". وليس إسناد الطبراني بين أيدينا حتى نستطيع القول فيه. ولعل اسم "جعفر" -الذي لم يعرفه الهيثمي في إسناده- محرف عن شيء آخر.
ونقل ابن كثير في الفضائل: ٦١ هذا الحديث عن هذا الموضع من الطبري، ثم قال: "ورواه النسائي في اليوم والليلة: عن عبد الرحمن بن محمد بن سلام عن إسحاق الأزرق عن العوام بن حوشب عن أبي إسحاق عن سليمان بن صرد، قال: أتى أبي بن كعب رسول الله ﷺ برجلين اختلفا في القراءة، فذكر الحديث. وهكذا رواه أحمد بن منيع عن يزيد بن هارون عن العوام عن أبي إسحاق عن سليمان بن صرد عن أبي: أنه أتى النبي ﷺ برجلين، فذكره".
وهذان الإسنادان اللذان ذكرهما ابن كثير صحيحان، يدلان على أن سليمان بن صَرد إنما سمع هذا الحديث من أبي بن كعب.
وليس الخطأ الذي وقع في إسناد الطبري هنا، بحذف "أبي بن كعب" - خطأ شريك بن عبد الله النخعي راويه عن أبي إسحاق السبيعي. إنما الخطأ -فيما أرجح- إما من إسماعيل بن موسى السدي شيخ الطبري، وإما من الطبري نفسه. فإن الحديث رواه عبد الله بن أحمد بن حنبل، في مسند أبيه (٥: ١٢٥ طبعة الحلبي) عن محمد بن جعفر الوركاني عن أبي إسحاق عن سليمان عن أبي بن كعب- مختصرًا كما هنا. وسيأتي الحديث مطولا، من رواية سليمان بن صرد عن أبي بن كعب رقم: ٢٥.
٢٣- حدثني الربيع بن سليمان، قال: حدثنا أسد بن موسى، قال: حدثنا سفيان، عن عبيد الله بن أبي يزيد، عن أبيه، أنه سمع أم أيوب تحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم، فذكر نحوَه - يعني نحو حديث ابن أبي مخلد (٢).
و"ابن البرقي"، شيخ الطبري: هو "أحمد بن عبد الله بن عبد الرحيم" المصري الحافظ، توفي سنة ٢٧٠. وله ترجمة في تذكرة الحفاظ ٢: ١٣٥.
و"ابن أبي مريم": هو "سعيد بن الحكم بن محمد بن سالم" المصري، عرف بابن أبي مريم. مترجم في التهذيب.
(٢) الحديث ٢٣- هذا إسناد صحيح. فالربيع بن سليمان: هو المرادي المؤذن، صاحب الشافعي وراوية كتبه. وأسد بن موسى المرواني الأموي المصري: يقال له "أسد السنة"، ثقة من الثقات، قال البخاري في التاريخ الكبير: ١ ٢ ٥٠: "مشهور الحديث". والحديث مكرر رقم: ٢٠، كما أشار إلى ذلك الطبري بالإحالة عليه. وسيأتي عقب هذا بإسناد آخر.
٢٥- حدثنا أبو كريب، قال: حدثني يحيى بن آدم، قال: حدثنا إسرائيل عن أبي إسحاق، عن فلان العَبْدي -قال أبو جعفر: ذَهب عنى اسمه-، عن سليمان بن صُرَد، عن أبيّ بن كعب، قال: رحت إلى المسجد، فسمعت رجلا يقرأ، فقلت: من أقرأك؟ فقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم. فانطلقت به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: استقرئْ هذا. قال: فقرأ، فقال: أحسنت. قال فقلت: إنك أقرأتني كذا وكذا! فقال: وأنتَ قد أحسنتَ. قال: فقلت: قد أحسنتَ! قد أحسنتَ! قال: فضرب بيده على صدري، ثم قال: اللهم أذهِبْ عن أبيٍّ الشكّ. قال: ففِضْتُ عرَقًا، وامتلأ جوْفي فرَقًا- ثم قال: إن الملَكين أتياني، فقال أحدهما اقرأ القرآن على حرف. وقال الآخر: زده. قال: فقلت: زدْني. قال: اقرأه على حرفين. حتى بلغَ سبعةَ أحرف، فقال: اقرأ على سبعة أحرف (٢).
(٢) الحديث ٢٥- مضى بعض معناه مختصرًا، وأشرنا إلى هذا، في الحديث رقم: ٢١، وأن سليمان بن صرد، راويه هناك، إنما رواه عن أبي بن كعب.
وهذا الإسناد نسي فيه أبو جعفر الطبري اسم "فلان العبدي"، كما قال هو هنا.
وقد نقله ابن كثير في الفضائل: ٦١ عن هذا الموضع من تفسير الطبري، ثم أشار إلى بعض رواياته الأخر التي سمى فيها "فلان العبدي" هذا باسمه، وأراد أن يجمع بين هذه الروايات والرواية الماضية رقم: ٢١، التي فيها أن الحديث من رواية سليمان بن صرد دون ذكر أبي بن كعب، فقال: "فهذا الحديث محفوظ من حيث الجملة عن أبي بن كعب، والظاهر أن سليمان بن صرد الخزاعي شاهد ذلك".
والصحيح ما ذهبنا إليه هناك، من أنه من رواية سليمان بن صرد عن أبي بن كعب.
وهذا الحديث المطول -الذي هنا- رواه عبد الله بن أحمد بن حنبل في مسند أبيه ٥: ١٢٤ من طبعة الحلبي، عن أبي بكر بن أبي شيبة عن عبيد الله بن موسى عن إسرائيل عن أبي إسحاق عن سقير العبدي عن سليمان بن صرد عن أبي بن كعب، بنحوه بمعناه.
فعرفنا من رواية عبد الله بن أحمد أن اسم هذا الراوي "العبدي": "سقير". وهو بضم السين المهملة وفتح القاف، كما ضبطه الحافظ عبد الغني بن سعيد المصري في كتاب المؤتلف: ٦٥، وكذلك أثبته الذهبي في المشتبه: ٢٦٦. وفي اسمه خلاف قديم، ولكن هذا هو الراجح الصحيح.
فقد ترجمه البخاري في التاريخ الكبير ٢ ٢ ٣٣١ في حرف الصاد، باسم "صقير"، وإن وقع فيه خطأ من النساخ، فرسم "صعير" بالعين بدل القاف. وقد حقق مصححه العلامة الشيخ عبد الرحمن بن يحيى اليماني ذلك بالهامش، ونقل أن الأمير ابن ماكولا ضبطه "سقير" أيضًا.
وترجمه ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل ٢ ١ ٣١٨ في حرف السين، باسم "سقير العبدي"، ثم أعاده في حرف الصاد ٢ ١ ٤٥٢ باسم "صقر العبدي، ويقال: صقير العبدي"، فجاء بقول ثالث.
وترجمه الحسيني في الإكمال: ٤٥، فقال: "سقير العبدي، عن سليمان بن صرد الخزاعي، وعنه أبو إسحاق السبيعي: ليس بالمشهور". وتعقبه الحافظ في التعجيل: ١٥٧، فقال: "لم يصب في ذلك، فقد ذكروه في حرف الصاد المهملة، ولم يذكر البخاري ولا ابن أبي حاتم فيه قدحًا، وذكره ابن حبان في الثقات"، وهو في الثقات: ٢٢٦، باسم "صقير العبدي".
فإذ تبين أن "العبدي" هذا تابعي ثقة، بتوثيق البخاري أن لم يجرحه، وبذكر ابن حبان إياه في الثقات - كان هذا الإسناد صحيحًا.
ثم إن سقيرًا العبدي لم ينفرد بروايته عن سليمان بن صرد. فقد رواه عنه تابعي آخر، ثقة معروف، من مشهوري التابعين، وهو يحيى بن يعمر.
فرواه أحمد في المسند ٥: ١٢٤ عن عبد الرحمن بن مهدي، وعن بهز، ورواه ابنه عبد الله بن أحمد عن هدبة بن خالد القيسي، ورواه أبو داود في السنن رقم: ١٤٧٧ ج ٢ ص ١٠٢ عن أبي الوليد الطيالسي-: كلهم عن همام بن يحيى عن قتادة عن يحيى بن يعمر عن سليمان بن صرد عن أبي بن كعب، بنحوه مختصرًا. وهذه أسانيد صحاح على شرط الشيخين.
وسيأتي عقب هذا بأسانيد كثيرة، من أوجه مختلفة، عن أبي بن كعب بالأرقام ٢٦-٣٩، ٤٦.
٢٧- حدثني يونس بن عبد الأعلى قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني يحيى بن أيوب، عن حُميد الطويل، عن أنس بن مالك، عن أبيّ بن كعب، عن النبي ﷺ بنحوه. وقال في حديثه: حتى بلغ ستة أحرف، قال: اقرأه على سبعة أحرف، كلٌّ شافٍ كافٍ (٢).
٢٨- حدثنا محمد بن مرزوق، قال: حدثنا أبو الوليد، قال: حدثنا حماد
والحديث صحيح بكل حال، إذ لم ينفرد بروايته هذان:
فقد رواه أحمد في المسند ٥: ١١٤، ١٢٢ طبعة الحلبي، مختصرًا قليلا، عن يحيى بن سعيد، وهو القطان عن حميد الطويل، بهذا الإسناد. ثم رواه ابنه عبد الله بن أحمد عن محمد بن أبي بكر المقدمي عن بشر بن المفضل، وعن سويد بن سعيد عن المعتمر بن سليمان، كلاهما عن حميد الطويل، بمعناه.
ورواه أيضًا أبو عبيد القاسم بن سلام - فيما نقل عنه ابن كثير في الفضائل: ٥٤ عن يزيد بن هارون ويحيى بن سعيد، كلاهما عن حميد، بهذا الإسناد مطولا.
وسيأتي عقب هذا، رقم: ٢٧، من رواية يحيى بن أيوب عن حميد.
وقال ابن كثير، بعد نقله رواية أبي عبيد: "وقد رواه النسائي من حديث يزيد، وهو ابن هارون، ويحيى بن سعيد القطان، كلاهما عن حميد الطويل عن أنس عن أبي بن كعب، بنحوه. وكذا رواه ابن أبي عدي ومحمد بن ميمون الزعفراني ويحيى بن أيوب، كلهم عن حميد، به" وهذا إشارة منه إلى أسانيد الطبري الثلاثة هنا. وهي كلها أسانيد صحاح.
(٢) الحديث ٢٧- هو مكرر الحديث قبله. وقد أشرنا إليه في تخريجه.
٢٩- حدثنا أبو كريب قال حدثنا حسين بن علي، وأبو أسامة، عن زائدة، عن عاصم، عن زِرّ، عن أبيّ، قال: لقي رسول الله ﷺ جبريل عند أحجار المِرَاءِ فقال: إني بُعثتُ إلى أمة أمِّيِّين، منهم الغلامُ والخادمُ والشيخ العاسِي والعجوز، فقال جبريل: فليقرأوا القرآن على سبعة أحرف (٢). ولفظ الحديث لأبي أسامة.
ومحمد بن مرزوق، شيخ الطبري: هو محمد بن محمد بن مرزوق الباهلي، نسب إلى جده. وهو ثقة، روى عنه مسلم في صحيحه والترمذي وابن ماجة وغيرهم. وشيخه أبو الوليد: هو الطيالسي، واسمه: هشام بن عبد الملك، إمام حافظ حجة.
والحديث رواه أحمد في المسند ٥: ١١٤ طبعة الحلبي، هكذا مختصرًا، عن عفان عن حماد بن سلمة، بهذا الإسناد. ثم رواه بالإسناد نفسه مطولا، بنحو الرواية الماضية، في ٢٦، ٢٧، ثم رواه عن يحيى بن سعيد عن حميد عن أنس: "أن أبيا قال"- فأشار إلى تلك الرواية، ثم قال: "ولم يذكر فيه عبادة".
فالظاهر -عندي- أن حماد بن سلمة هو الذي انفرد بزيادة "عبادة" في الإسناد. ولعل هذا سهو منه، فقد رواه الرواة الذين ذكرنا من قبل، دون هذه الزيادة، وهم أكثر منه عددًا وأحفظ وأشد إتقانًا.
وأيا ما كان فالحديث صحيح، سواء أسمعه أنس من أبي بن كعب مباشرة، أم سمعه من عبادة بن الصامت عن أبي.
(٢) الحديث ٢٩- وهذا إسناد صحيح أيضًا. حسين بن علي: هو الجعفي. أبو أسامة: هو حماد بن أسامة. زائدة: هو ابن قدامة. عاصم: هو ابن بهدلة، وهو ابن أبي النجود. زر: هو ابن حبيش.
والحديث رواه أحمد في المسند ٥: ١٣٢ عن حسين بن علي الجعفي عن زائدة، وعن أبي سعيد مولى بني هاشم عن زائدة أيضًا. ونقله ابن كثير في الفضائل: ٥٩ عن الرواية الأولى من المسند.
ورواه أبو داود الطيالسي في مسنده رقم: ٥٤٣ عن حماد بن سلمة. ورواه الترمذي ٤: ٦١ من طريق شيبان، وهو ابن عبد الرحمن النحوي، كلاهما عن عاصم، بهذا الإسناد، نحوه. قال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح. وقد روى عن أبي بن كعب من غير وجه".
"أحجار المراء"، بكسر الميم وتخفيف الراء وبالمد: موضع بقباء، خارج المدينة، وقال مجاهد: "هي قباء"، كما في النهاية لابن الأثير ١: ٢٠٣، ٤: ٩١، والقاموس وشرحه ٣: ١٢٧، ووفاء الوفا للسمهودي ٢: ٢٤٤. ولم نجد في ذلك خلافًا، إلا ما ذهب إليه أبو عبيد البكري في معجم ما استعجم: ١١٧، إذ زعم أنه "موضع بمكة، على لفظ جمع "حجر" كانت قريش تتمارى عندها، وهي صفي السباب"، ثم ذكر هذا الحديث شاهدًا؛ وأنا أرجح أنه وهم منه، انتقل ذهنه بمناسبة تقارب معنيي اللفظين إلى الظن باتحاد المكانين. فإن "صفي السباب" "موضع بمكة كانت قريش تتمارى عندها" كما قال أبو عبيد نفسه في مادة "صفي": ٨٣٨، فانتقل ذهنه فقال عقب ذلك: "وهو الموضع المعروف بأحجار المراء"!! و "المراء": من المماراة، و "الصفي"، بضم الصاد وكسر الفاء وتشديد الياء: جمع "صفا"، و "الصفا": جمع "صفاة"، وهي الحجر الصلد الضخم الذي لا ينبت شيئًا.
ومما يؤيد اليقين بما أخطأ فيه أبو عبيد: أن في بعض روايات هذا الحديث الآتية: "عند أضاة بني غفار"، وهي موضع بالمدينة يقينًا. وقد بين أبو عبيدة نفسه ذلك في: ١٦٤، وذكر الحديث بالرواية الآتية أيضًا شاهدًا عليه.
وقوله "والشيخ العاسي"، في مطبوعة الطبري "والشيخ الفاني"، وفي المخطوطة "العاشي"، وفي المسند "العاصي". وكلها بمعنى. و "عسا الشيخ": إذا كبر وأسن وضعف بصره ويبس جلده وصلب. ومثله "عصا". وقال الأزهري: عصا: إذا صلب، كأنه أراد "عسا" بالسين، فقلبها صادًا". (اللسان: عصا).
٣١- حدثنا أبو كُريب، قال: حدثنا محمد بن فُضيل، عن إسماعيل بن أبي خالد، بإسناده عن النبي ﷺ بنحوه، وقال: قال لي: أعيذُك بالله من الشك والتكذيب. وقال أيضًا: إن الله أمرني أقرأ القرآن على حرفٍ، فقلت: اللهمَّ ربّ خفف عن أمتي. قال: اقرأه على حرفين. فأمرني أن أقرأه على سبعة أحرفٍ، من سبعة أبوابٍ من الجنة، كلها شافٍ كافٍ (٢).
٣٢- حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا وكيع، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن عبد الله بن عيسى بن أبي ليلى -[و] عن ابن أبي ليلى عن الحكم- عن ابن أبي ليلى، عن أبيّ قال: دخلتُ المسجدَ فصليتُ، فقرأتُ النحل،
والحديث رواه مسلم ١: ٢٢٥ عن محمد بن عبد الله بن نمير عن أبيه عن إسماعيل بن أبي خالد، بهذا الإسناد، نحوه. ثم رواه عن أبي بكر بن أبي شيبة عن محمد بن بشر عن إسماعيل.
ورواه أحمد في المسند ٥: ١٢٧ طبعة الحلبي عن يحيى بن سعيد عن إسماعيل. ورواه ابنه عبد الله في المسند أيضًا ٥: ١٢٨-١٢٩، عن وهب بن بقية عن خالد بن عبد الله، وهو الطحان، عن إسماعيل. ونقله ابن كثير في الفضائل: ٥٥ عن رواية أحمد. ارفضاض العرق: تتابع سيلانه.
(٢) الحديث ٣١- إسناده صحيح أيضًا. وهو مكرر الحديث قبله.
ونقله ابن كثير في الفضائل: ٥٥ عن الطبري في هذا الموضع، واقتصر فيه على آخره، من أول قوله "إن الله أمرني". ولكن وقع فيه خطأ في الإسناد "عن عبد الله بن عيسى بن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن أبيه عن جده"! فزيادة "عن أبيه" خطأ ناسخ أو طابع، ليست في الطبري، ولا موضع لها، لأن عيسى روى هذا الحديث عن جده مباشرة، كما في الإسناد الماضي.
وقوله "أمرني أقرأ القرآن": هو على تقدير "أن"، وهي ثابتة في المطبوعة وابن كثير، ومحذوفة في المخطوطة.
٣٣- حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا عبد الله، عن ابن أبي ليلى، عن الحكم، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن أبيٍّ، عن النبي صلى الله عليه وسلم، بنحوه (٢).
٣٤- حدثني أحمد بن محمد الطوسي، قال: حدثنا عبد الصمد، قال: حدثني أبي، قال: حدثنا محمد بن جُحادة، عن الحكم - هو ابن عُتَيْبة - عن مجاهد، عن ابن أبي ليلى، عن أبيّ بن كعب، قال: أتى جبريلُ النبيّ ﷺ وهو عند أضَاة بني غِفار فقال: إن الله تبارك وتعالى يأمرك أن تُقرئ أمتك القرآنَ على سبعة أحرفٍ، فمن قرأ منها حرفًا فهو كما قرأ (٣).
وقد وقع هنا في نسخ الطبري خطأ من الناسخين، بحذف واو العطف قبل قوله "عن ابن أبي ليلى عن الحكم". ولذلك زدناها بعلامة الزيادة [و]. بأنا على يقين أن حذفها يجعله إسنادًا واحدًا، ويكون إسنادًا مضطربًا لا يفهم.
والذي أوقع الناسخين في الخطأ، والذي يوقع القارئ في الاشتباه والاضطراب، تكرار "عن ابن أبي ليلى" في الإسناد. وهما اثنان، بل ثلاثة: فالأول صرح باسمه فيه، وهو: "عبد الله بن عيسى بن عبد الرحمن بن أبي ليلى"، والثاني: "محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى" عم عيسى، والثالث: "عبد الرحمن بن أبي ليلى" التابعي.
فالطبري روى هذا الحديث عن أبي كريب محمد بن العلاء عن وكيع بن الجراح. ثم يفترق الإسنادان فوق وكيع:
فرواه وكيع عن إسماعيل بن أبي خالد "عن عبد الله بن عيسى بن أبي ليلى"، وهو "عبد الله بن عيسى بن عبد الرحمن بن أبي ليلى".
ورواه وكيع أيضًا "عن ابن أبي ليلى"، وهو "محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى"، عن الحكم، وهو "الحكم بن عتيبة".
ثم يجتمع الإسنادان مرة أخرى:
فيرويه "عبد الله بن عيسى" عن جده "عبد الرحمن بن أبي ليلى" عن أبي بن كعب، كالإسنادين الماضيين ٣٠، ٣١. وهو إسناد متصل.
ويرويه الحكم بن عتيبة عن "ابن أبي ليلى"، وهو "عبد الرحمن" عن أبي بن كعب، وهذا إسناد ظاهره الاتصال، إلا أن فيه شبهة الانقطاع، لأن الحكم بن عتيبة وإن كان يروي عن عبد الرحمن بن أبي ليلى كثيرًا، إلا أنه في هذا الحديث بعينه رواه عنه بواسطة مجاهد، كما سيأتي في الأسانيد رقم: ٣٤-٣٧، وفيما سنذكر هناك إن شاء الله من التخريج.
ومن المحتمل جدًا أن يكون الحكم سمعه من عبد الرحمن بن أبي ليلى نفسه، وسمعه من مجاهد عنه، فرواه على الوجهين. وهذا كثير في الرواية، معروف مثله عند أهل العلم.
وإذا لم يكن الحكم سمعه من "عبد الرحمن بن أبي ليلى"، فتكون الرواية التي هنا -كالرواية التالية رقم: ٣٣- خطأ من "محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى"، فإنه وإن كان فقيها صدوقًا، إلا أنه "كان سيئ الحفظ مضطرب الحديث"، كما قال الإمام أحمد بن حنبل وغيره.
وليعلم أن "محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى" كان أصغر من ابن أخيه "عبد الله بن عيسى ابن أبي ليلى"، وكان يروي عنه، ولا يروي عن أبيه "عبد الرحمن" إلا بالواسطة، وأما ابن أخيه "عبد الله بن عيسى" فقد أدرك جده وروى عنه مباشرة.
وعلى كل حال فالحديث صحيح بالروايات المتصلة، ولا تؤثر في صحته رواية محمد بن عبد الرحمن إن ظهر عدم اتصالها.
(٢) الحديث ٣٣- إسناده كالإسناد قبله: "ابن أبي ليلى"، هو "محمد بن عبد الرحمن" يرويه عن أبيه "عبد الرحمن" بواسطة "الحكم بن عتيبة".
وأما "عبد الله" شيخ أبي كريب، فالظاهر عندي أنه "عبد الله بن نمير"، إذ روايته عن محمد بن عبد الرحمن أبي ليلى ثابتة عندي في المسند في حديث آخر، هو الحديث رقم: ٢٨٠٩ هناك.
(٣) الحديث ٣٤- إسناده صحيح. عبد الصمد: هو ابن عبد الوارث بن سعيد بن ذكوان البصري وهو وأبوه من الأعلام الثقات. محمد بن جحادة - بضم الجيم وتخفيف الحاء المهملة، ثقة عابد زاهد من أتباع التابعين.
وهذا الحديث مختصر، وسيأتي عقبه مطولا بثلاثة أسانيد رقم: ٣٥، ٣٦، ٣٧، من طريق شعبة عن الحكم بن عتيبة. وسيأتي مطولا أيضًا رقم: ٤٦ من طريق عبد الوارث عن محمد بن جحادة. ورواه أحمد في المسند ٥: ١٢٨، مطولا أيضًا، من طريق عبد الوارث.
٣٦- حدثنا محمد بن المثنى، قال: حدثنا ابن أبي عدي، عن شعبة، عن الحكم، عن مجاهد، عن ابن أبي ليلى، قال: أتى جبريل النبي ﷺ عند أضاة بني غفار - فذكر نحوه (٢).
٣٧- حدثنا أبو كريب، قال حدثنا موسى بن داود، قال: حدثنا شعبة -وحدثنا الحسن بن عرَفة، قال: حدثنا شبابة قال: حدثنا شعبة- عن الحكم،
ونقله ابن كثير في الفضائل ٥٨-٥٩ عن هذا الموضع من تفسير الطبري. وقال: "وأخرجه مسلم وأبو داود والنسائي، من رواية شعبة، به".
(٢) الحديث ٣٦- هو مكرر الحديث قبله.
٣٨- حدثني يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني هشام بن سعد، عن عبيد الله بن عمر، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن أبيّ بن كعب أنه قال: سمعتُ رجلا يقرأ في سورة النحل قراءةً تخالِفُ قراءتي، ثم سمعت آخر يقرؤها قراءةً تخالف ذلك، فانطلقتُ بهما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: إني سمعت هذين يقرآن في سورة النحل، فسألتُهما: من أقرأهما؟ فقالا رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقلت: لأذهبن بكما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ خالفتما ما أقرأني رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال رسول الله ﷺ لأحدهما: اقرأ. فقرأ، فقال: أحسنتَ. ثم قال للآخر: اقرأ. فقرأ، فقال: أحسنتَ. قال أبيّ: فوجدتُ في نفسي وسوسة الشيطان، حتى احمرّ وجهي، فعرف ذلك رسول الله ﷺ في وجهي، فضرب بيده في صدري، ثم قال: اللهمّ أخْسئ الشيطانَ عنه! يا أبيّ، أتاني آتٍ من ربي فقال: إن الله يأمرك أن تقرأ القرآن على حرفٍ واحدٍ. فقلت: ربِّ خفف عني. ثم أتاني الثانية فقال: إن الله يأمرك أن تقرأ القرآن على حرف واحد. فقلت: رب خفف عن أمتي. ثم أتاني الثالثة فقال مثل ذلك، وقلت مثله. ثم أتاني الرابعة فقال: إن الله يأمرك أن تقرأ القرآنَ على سبعة أحرف، ولك بكل رَدّة مسألة. فقلت: يا رب اغفر لأمتي، يا رب اغفر لأمتي. واختبأتُ الثالثة شفاعةً لأمتي يوم القيامة (٢).
(٢) الحديث ٣٨- هذا الإسناد نقله ابن كثير في الفضائل: ٥٦-٥٧، وقال: "إسناد صحيح". وأشار إليه الحافظ ابن حجر في الفتح ٩: ٢١. وعبيد الله، الراوي عن عبد الرحمن ابن أبي ليلى: هو عبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب، وهو إمام ثقة حجة، أحد الفقهاء السبعة بالمدينة، وكان أحمد بن حنبل يقدمه على مالك وعلى غيره في الرواية عن نافع، ويقول: "عبيد الله أثبتهم وأحفظهم وأكثرهم رواية". وفي ترجمته في التهذيب ٧: ٤٠: "وقال الحربي: لم يدرك عبد الرحمن بن أبي ليلى". وأنا أرجح أن هذا خطأ من الحربي، فإن عبد الرحمن مات سنة ٨٢ أو ٨٣، وعبيد الله مات سنة ١٤٤ أو ١٤٥، فالمعاصرة ثابتة، وهي كافية في إثبات اتصال الرواية، إذا لم يكن الراوي مدلسًا، وما كان عبيد الله ذلك قط. ولذلك جزم ابن كثير بصحة الإسناد.
وقوله في المرة الأولى "رب خفف عنى"، في الفضائل لابن كثير "رب خفف عن أمتي".
٤٠- حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا زيد بن الحُبَاب، عن حمّاد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أبيه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قال جبريل: اقرأوا القرآنَ على حرف. فقال ميكائيل: استزده. فقال: على حرفين. حتى بلغَ ستة أو سبعة أحرف، فقال: كلها شافٍ كافٍ، ما لم يختم آيةَ عذاب برحمة، أو آية رحمة بعذاب. كقولك: هلمَّ وتعالَ (٢).
٤١- حدثني يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني سليمان بن بلال، عن يزيد بن خصيفة، عن بُسر بن سعيد: أن أبا جُهيم الأنصاري أخبره: أن رجلين اختلفا في آية من القرآن، فقال هذا: تلقَّيتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال الآخر: تلقَّيتها من رسول الله صلى الله
و"سيار أبو الحكم": هو العنزي الواسطي، ثقة ثبت صدوق في كل المشايخ، كما قال أحمد ابن حنبل، مات سنة ١٢٢. وفي التاريخ الكبير للبخاري: ٢ ٢ ١٦٢: "قال ابن عيينة: شيع سيار أبو الحكم عبيد الله بن عمر من الكوفة إلى المدينة، فأمر له بألف درهم، فقال: لم أشيعك لهذا، ولكن قلت: رجل صالح، فأردت أن أشيعك".
(٢) الحديث ٤٠- سيأتي مرة أخرى، بهذا الإسناد واللفظ، برقم: ٤٧.
ورواه أحمد في المسند ٥: ٥١ طبعة الحلبي، عن عفان عن حماد بن سلمة، بنحوه. ورواه أيضًا ٥: ٤١ عن عبد الرحمن بن مهدي عن حماد بن سلمة، بشيء من الاختصار.
ونقله الهيثمي في مجمع الزوائد ٧: ١٥١، وقال: "رواه أحمد، والطبراني بنحوه، إلا أنه قال: واذهب وأدبر. وفيه علي بن زيد بن جدعان، وهو سيء الحفظ، وقد توبع، وبقية رجال أحمد رجال الصحيح".
ونقله ابن كثير في الفضائل: ٦٢-٦٣ عن الرواية المختصرة من المسند، ثم قال: "وهكذا رواه ابن جرير عن أبي كريب عن زيد بن الحباب عن حماد بن سلمة، به. وزاد في آخره: كقولك هلم وتعال". وهذه الزيادة ثابتة في الرواية المطولة في المسند ٥: ٥١ بلفظ: "نحو قولك: تعال، وأقبل، وهلم، واذهب، وأسرع، واعجل".
٤٢- حدثنا يونس، قال: أخبرنا سفيان، عن عمرو بن دينار، قال: قال
ونقله ابن كثير قبل ذلك، عن أبي عبيد القاسم بن سلام، قال: "حدثنا إسماعيل بن جعفر عن يزيد بن خصيفة عن مسلم بن سعيد مولى الحضرمي - وقال غيره: عن بسر بن سعيد- عن أبي جهيم الأنصاري: أن رجلين اختلفا"، إلخ. ثم قال ابن كثير: "وهكذا رواه أبو عبيد على الشك! وقد رواه الإمام أحمد على الصواب"، ثم نقل رواية المسند.
وما كانت رواية أبي عبيد على الشك، كما زعم ابن كثير، إنما للحديث طريقان: إسماعيل ابن جعفر، يرويه عن يزيد بن خصيفة عن "مسلم بن سعيد". وسليمان بن بلال، يرويه عن يزيد ابن خصيفة عن "بسر بن سعيد"، وهو أخو مسلم بن سعيد. فأشار أبو عبيد أثناء الإسناد إلى الرواية الأخرى، دون أن يذكر إسنادها.
وقد ذكر البخاري الروايتين في التاريخ الكبير: ٤ ١ ٢٦٢، في ترجمة "مسلم بن سعيد مولى ابن الحضرمي"، فأشار إلى أنه روى هذا الحديث عن أبي جهيم، وقال: "قاله إسماعيل ابن جعفر عن يزيد بن خصيفة. وقال سليمان بن بلال عن يزيد بن خصيفة عن بسر بن سعيد عن أبي جهيم". فأثبت بذلك الروايتين، لم يجعل إحداهما علة للأخرى. فيكون يزيد بن خصيفة سمع الحديث من الأخوين: مسلم وبسر، ابني سعيد.
ومن عجب أن الحافظ أشار في الإصابة ٧: ٣٥ إلى رواية هذا الحديث من طريق مسلم ابن سعيد، ونسبها للبغوي فقط، ثم لم يشر إلى رواية بسر بن سعيد، فأبعد جدًا!!
و"أبو جهيم الأنصاري" هذا: اسمه "عبد الله بن الحرث بن الصمة"، وقيل في اسمه أقوال أخر. ووقع في هذا الحديث في مطبوعة الطبري ومجمع الزوائد والفضائل لابن كثير "عن أبي جهم"، وهو خطأ مطبعي في غالب الظن، لأنه ثابت في المسند "أبو جهيم". وقال الحافظ في الفتح ١: ٣٧٤-٣٧٥، في حديث آخر له عند البخاري: "وقع في مسلم [يعني صحيح مسلم] : دخلنا على أبي الجهم، بإسكان الهاء، والصواب أنه بالتصغير، وفي الصحابة شخص آخر يقال له أبو الجهم، وهو صاحب الأنبجانية، وهو غير هذا، لأنه قرشي، وهذا أنصاري، ويقال بحذف الألف واللام في كل منهما، وبإثباتهما".
وقد أشار الحافظ إلى هذا الحديث في الفتح ٩: ٢٣، ونسبه لأحمد وأبي عبيد والطبري. ووقع فيه في هذا الموضع "أبي جهم"، بدون تصغير، وهو خطأ مطبعي أيضًا.
و"بسر بن سعيد": بضم الباء وسكون السين المهملة. ووقع في مطبوعة الطبري "بشر"، وهو خطأ مطبعي.
٤٣- حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، أخبرني سليمان بن بلال، عن أبي عيسى بن عبد الله بن مسعود، عن أبيه، عن جده عبد الله بن مسعود: أن رسول الله ﷺ قال: أمِرتَ أن أقرأ القرآن على سبعة أحرف، كلٌّ كافٍ شافٍ (٢).
٤٤- حدثنا أحمد بن حازم الغِفاري، قال: حدثنا أبو نُعيم، قال: حدثنا أبو خَلْدة، قال: حدثني أبو العالية، قال: قرأ على رسول الله ﷺ من كل خمسٍ رَجلٌ، فاختلفوا في اللغة، فرضي قراءتهم كلِّهم، فكان بنو تميم أعرَبَ القوم (٣).
٤٥- حدثنا عمرو بن عثمان العثماني، قال: حدثنا ابن أبي أويس، قال: حدثنا أخي، عن سليمان بن بلال، عن محمد بن عجلان، عن المقبري، عن أبي
(٢) الحديث ٤٣- هذا إسناد مشكل، لم أجد له وجهًا يعرف. فظاهره أن "أبا عيسى بن عبد الله بن مسعود" يروي عن أبيه عن جده، فالجد ظاهرًا أنه "مسعود"، ولكنه صرح بأنه "عبد الله بن مسعود"! فيكون "أبو عيسى" ليس ابن "عبد الله بن مسعود"، بل ابن ابنه، نسب إلى جده. ولا بأس بذلك إن كان له أصل. ولكن ليس في الرواة الذين تراجمهم عندنا من يسمى أو يكنى "أبا عيسى"، من ذرية ابن مسعود. ولا نعرف لابن مسعود من الولد إلا اثنين: عبد الرحمن، وفي سماعه من أبيه خلاف، والراجح أنه سمع منه. وأبو عبيدة، واسمه "عامر"، ولم يسمع من أبيه، تركه صغيرًا.
فهذا إسناد محرف يقينًا، ما صوابه؟ لا ندري. ولا نستطيع أن نتخيل فيه احتمالات لتصحيحه. الرواية أمانة، لا تؤخذ بالرأي ولا بالقياس ولا بالخيال.
وأما لفظ الحديث، فقد ذكره السيوطي في زيادات الجامع الصغير. بهذا اللفظ ١: ٢٦٠ من الفتح الكبير، ونسبه لابن جرير عن ابن مسعود. ولم نجده في موضع آخر من الدواوين التي فيها الروايات بالإسناد. وقد يوفق الله غيرنا لوجوده، إن شاء الله.
(٣) الحديث ٤٤- هذا مرسل، لأن أبا العالية تابعي، يروى عن الصحابة، وأبو العالية: هو رفيع، بضم الراء، بن مهران، بكسر الميم، الرياحي، بكسر الراء وتخفيف الياء الأولى. وأبو خلدة بفتح الخاء وسكون اللام: هو خالد بن دينار السعدي.
٤٦- حدثنا محمد بن مرزوق، قال: حدثنا أبو مَعْمر عبد الله بن عمرو بن أبي الحجاج، قال: حدثنا عبد الوارث قال: حدثنا محمد بن جُحادة عن الحكَم ابن عُتيبة، عن مجاهد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن أبيّ بن كعب، قال: أتى النبيَّ ﷺ جبريلُ، وهو بأضاة بني غِفَار، فقال: إن الله يأمرك أن تُقرئ أمتك القرآنَ على حرف واحد. قال: فقال: أسأل الله مغفرَته ومعافاته - أو قال: ومعافاته ومغفرته - سل الله لهم التخفيف، فإنهم لا يُطيقون ذلك. فانطلقَ ثم رجع، فقال: إن الله يأمرك أن تُقرئ أمتك القرآن على حرفين. قال: أسأل الله مغفرَته ومعافاته - أو قال: معافاته ومغفرته - إنهم لا يطيقون ذلك، فسل الله لهم التخفيف. فانطلق ثم رجع، فقال: إن الله يأمرُك أن تقرئ أمتك القرآن على ثلاثة أحرف. فقال: أسأل الله مغفرته ومعافاته - أو قال: معافاته ومغفرَته- إنهم لا يطيقون ذلك، سل الله لهم التخفيف. فانطلق ثم رجع، فقال: إن الله يأمرك أن تقرئ أمتك القرآن على سبعة أحرف، فمن قرأ منها بحرف فهو كما قرأ (٢).
قال أبو جعفر (٣) صحّ وثبتَ أنّ الذي نزل به القرآن من ألسن العرب
وهذا الحديث، بهذا الإسناد واللفظ، لم أجده في موضع آخر، وإسناده صحيح على شرط الشيخين. وقد مضى لأبي هريرة حديثان بثلاثة أسانيد، بالأرقام: ٧-٩.
(٢) الحديث ٤٦- مضى الحديث مختصرًا، رقم: ٣٤، من طريق محمد بن جحادة. وأشرنا إليه هناك.
(٣) هذا جواب قوله في أول الباب، ص ٢١ س ١٤: "فإذ كان ذلك كذلك، وكانت الأخبار قد تظاهرت عنه صلى الله عليه وسلم، بما حدثنا به خلاد بن أسلم.. صح وثبت"، إلخ. وقد نقل ابن كثير في فضائل القرآن ٦٩-٧٠ بعض كلام الطبري هنا، واختصره اختصارًا.
فإن قال: وما برهانك على أن معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: "نزل القرآن على سبعة أحرف"، وقوله: "أمرت أن أقرأ القرآن على سبعة أحرف"، هو ما ادَّعيتَ - من أنه نزل بسبع لغات، وأمِرَ بقراءته على سبعة ألسُن- دون أن يكونَ معناهُ ما قاله مخالفوك، من أنه نزل بأمر وزجر وترغيب وترهيب وقَصَص وَمثَل ونحو ذلك من الأقوال؟ فقد علمتَ قائلَ ذلك من سلف الأمة وخيار الأئمة.
قيل له: إنّ الذين قالوا ذلك لم يدَّعوا أن تأويلَ الأخبار التي تقدم ذكرُناها، هو ما زعمتَ أنهم قالوه في الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن دون غيره، فيكونَ ذلك لقولنا مخالفًا، وإنما أخْبروا أن القرآن نزل على سبعة أحرف، يعنون بذلك أنه نزل على سبعة أوجهٍ. والذي قالوه من ذلك كما قالوا.
وقد رَوَينا - بمثل الذي قالوا من ذلك - عن النبي صلى الله عليه وسلم، وعن جماعة من أصحابه، أخبارًا قد تقدم ذكرُنا بعضها، ونستقصى ذكر باقيها ببيانه، إذا انتهينا إليه، إن شاء الله.
فأما الذي تقدم ذكرُناه من ذلك، فخبر أبيّ بن كعب، من رواية أبي كُريب، عن ابن فضيل، عن إسماعيل بن أبي خالد، الذي ذكر فيه عن النبي ﷺ أنه قال: "أمرت أن أقرأ القرآن على سبعة أحرفٍ، من سبعة أبواب من الجنة".
والسبعة الأحرف: هو ما قلنا من أنه الألسن السبعة. والأبواب السبعة من الجنة: هي المعاني التي فيها، من الأمر والنهي والترغيب والترهيب والقصص والمثَل، التي إذا عَمل بها العامل، وانتهى إلى حدودها المنتهى، استوجب به الجنة. وليس والحمد لله في قول من قال ذلك من المتقدمين، خلافٌ لشيء مما قلناه.
ومعلوم أن تمارِيهم فيما تمارَوْا فيه من ذلك، لو كان تماريًا واختلافًا فيما دلت عليه تلاواتهم من التحليل والتحريم والوعد والوعيد وما أشبه ذلك، لكان مستحيلا أن يُصوِّب جميعهم، ويأمرَ كل قارئ منهم أن يلزم قراءته في ذلك على النحو الذي هو عليه. لأن ذلك لو جاز أن يكون صحيحًا، وجبَ أن يكون الله جلّ ثناؤه قد أمرَ بفعل شيء بعينه وفَرَضَه، في تلاوة من دلّت تلاوته على فرضه - ونهى عن فعل ذلك الشيء بعينه وزَجر عنه، في تلاوة الذي دلت تلاوته على النهي والزجر عنه، وأباح وأطلق فعلَ ذلك الشيء بعينه، وجعل لمن شاء من عباده أن يفعله فِعْلَه، ولمن شاء منهم أن يتركه تَرْكَه (٢) في تلاوة من دَلت تلاوته على التخيير!
وذلك من قائله إنْ قاله، إثباتُ ما قد نفى الله جل ثناؤه عن تنزيله وحُكْم كتابه فقال: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [سورة النساء: ٨٢].
(٢) أي: جعل له فعله، وجعل له تركه. و "جعل" هنا، بمعنى: أباح وأذن.
وفي صحة كون ذلك كذلك، ما يبطل دعوى من ادَّعى خلاف قولنا في تأويل قول النبي صلى الله عليه وسلم: "أنزل القرآن على سبعة أحرف" للذين تخاصموا إليه عند اختلافهم في قراءتهم. لأنه ﷺ قد أمرَ جميعهم بالثبوت على قراءته، ورضى قراءة كل قارئ منهم - على خلافها قراءةَ خصومه ومنازعيه فيها- وصوَّبها. ولو كان ذلك منه تصويبًا فيما اختلفت فيه المعاني، وكان قولُه صلى الله عليه وسلم: "أنزل القرآن على سبعة أحرف" إعلامًا منه لهم أنه نزل بسبعة أوجُهٍ مختلفة، وسبعة معان مفترقة - كان ذلك إثباتًا لما قد نفى الله عن كتابه من الاختلاف، ونفيًا لما قد أوجب له من الائتلاف. مع أنّ في قيام الحجة بأن النبي ﷺ لم يقض في شيء واحد في وقت واحد بحكمين مختلفين، ولا أذن بذلك لأمته - ما يُغْنى عن الإكثار في الدلالة على أن ذلك منفيٌّ عن كتاب الله.
وفي انتفاء ذلك عن كتاب الله، وجوبُ صحة القول الذي قلناه، في معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: "أنزل القرآن على سبعة أحرف"، عند اختصام المختصمين إليه فيما اختلفوا فيه من تلاوة ما تلَوْه من القرآن، وفسادِ تأويل قول من خالف قولنا في ذلك.
وأحْرى أنّ الذين تمارَوْا فيما تمارَوْا فيه من قراءتهم فاحتكموا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، لم يكن منكَرًا عند أحد منهم أن يأمرَ الله عبادَه جلّ ثناؤه في كتابه وتنزيله بما شاء، وينهى عما شاء، ويعِدَ فيما أحبَّ من طاعاته، ويوعِدَ على معاصيه، ويحْتِمَ لنبيه ويعظه فيه (١) ويضربَ فيه لعباده الأمثال- فيُخاصمَ
وبعد، فقد أبان صحةَ ما قلنا الخبرُ عن رسول الله ﷺ نصًّا. وذلك الخبر الذي ذكرنا:
٤٧- أن أبا كُريب حدثنا قال: حدثنا زيد بن الحباب، عن حماد ابن سلمة، عن علي بن زيد، عن عبد الرحمن بن أبي بَكرة، عن أبيه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قال جبريل: اقرأ القرآنَ على حرف. قال ميكائيل عليه السلام: استزدْه. فقال: على حرفين. حتى بلغ ستَّة أو سبعةَ أحرف، فقال: كلها شافٍ كافٍ، ما لم يختم آيةَ عذاب بآية رحمة، أو آيةَ رحمة بآية عذاب، كقولك: هلمَّ وتعال (٢).
فقد أوضح نصُّ هذا الخبر أنّ اختلاف الأحرف السبعة، إنما هو اختلاف ألفاظ، كقولك "هلم وتعال" باتفاق المعاني، لا باختلاف معانٍ موجبةٍ اختلافَ أحكامٍ.
وبمثل الذي قلنا في ذلك صحت الأخبارُ عن جماعة من السَّلَف والخلف.
٤٨- حدثني أبو السائب سَلْمُ بن جُنادة السُّوَائي، قال: حدثنا أبو معاوية - وحدثنا محمد بن المثنى قال حدثنا ابن أبي عديّ عن شعبة - جميعًا عن الأعمش، عن شقيق، قال: قال عبد الله: إني قد سمعت إلى القَرَأةِ، فوجدتُهم متقاربين فاقرأوا كما عُلِّمتم، وإياكم والتنطع، فإنما هو كقول أحدكم: هلم وتعال (٣).
(٢) الحديث ٤٧- مضى الحديث بهذا الإسناد، رقم: ٤٠. فتلك إشارته بقوله هنا: "وذلك الخبر الذي ذكرنا أن أبا كريب حدثنا"، إلخ.
(٣) الحديث ٤٨- أبو السائب سلم بن جنادة السوائي الكوفي، شيخ الطبري: ثقة حجة لا شك فيه، روى عنه البخاري في غير كتاب (الجامع الصحيح)، والترمذي وابن ماجة وأبو حاتم، وهو قديم الولاد، ولد سنة ١٧٤، ومات سنة ٢٥٤. وله ترجمة في تاريخ بغداد ٩: ١٤٧-١٤٨، والتهذيب ٤: ١٢٨-١٢٩، والجرح والتعديل لابن أبي حاتم: ٢ ١ ٢٦٩. و "سلم" بفتح السين وسكون اللام، ووقع في نسخ الطبري "سالم"، وهو تحريف. و "جنادة": بضم الجيم وتخفيف النون. و "السوائي": بضم السين وتخفيف الواو وبعد الألف همزة، نسبة إلى "بني سواءة بن عامر بن صعصعة".
وأبو معاوية: هو محمد بن خازم الضرير، ولد سنة ١١٣، ومات سنة ١٩٥. فهذا الإسناد الأول عال جدًا. وذلك أن الطبري روى أثر ابن مسعود هذا بإسنادين:
رواه عن سلم بن جنادة عن أبي معاوية عن الأعمش. ثم رواه عن محمد بن المثنى عن ابن أبي عدي عن شعبة عن الأعمش.
وهذا الأثر عن ابن مسعود لم نجده في غير هذا الكتاب، إلا ما ذكره صاحب اللسان بغير إسناد، كما سنشير إليه بعد، إن شاء الله.
وقوله "قد سمعت إلى القرأة فوجدتهم متقاربين"، في المطبوعة "قد سمعت القراء". و "القراء": جمع "قارئ"، كما هو واضح، ولكن الذي في المخطوطة "إلى القرأة"، بزيادة "إلى" وبلفظ "القرأة"، بفتح الراء والهمزة ثم الهاء في آخره، وهو جمع "قارئ" أيضًا، ففي اللسان "رجل قارئ، من قوم قراء، وقرأة، وقارئين". وهذا الجمع قياسي، مثل "كاتب وكتبة". وانظر همع الهوامع للسيوطي ٢: ١٧٧، ١٧٨. وهذا الأثر ذكره صاحب اللسان ١: ١٢٤، قال: "وروى عن ابن مسعود: تسمعت للقرأة، فإذا هم متقارئون. حكاه اللحياني ولم يفسره. قال ابن سيدة: وعندي أن الجن كانوا يرومون القراءة"! وهكذا وقع الخطأ لهم قديمًا، جعلوها "متقارئون" بالهمزة، ثم فسرها ابن سيدة هذا التفسير العجيب. وهي واضحة في الطبري "متقاربين" بالباء. والسياق نفسه لا يدل إلا على صحة هذا وخطأ ما وقع في اللسان.
وكلمة "القرأة" ستأتي في مخطوطة الطبري كثيرا بهذا الرسم، ثم يغيرها مصححو المطبوعة "القراء"، دون حاجة إلى هذا التغيير!
٥٠- وحدثنا ابن المثنى، قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال: حدثنا شعبة، عن عبد الرحمن بن عابس، عن رجل من أصحاب عبد الله، عن
فمعلوم أنّ عبد الله لمَ يعْن بقوله هذا: من قرأ ما في القرآن من الأمر والنهي فلا يتحولنّ منه إلى قراءة ما فيه من الوعد والوعيد، ومن قرأ ما فيه من الوعد والوعيد فلا يتحولنَّ منه إلى قراءة ما فيه من القَصص والمثَل. وإنما عنى رحمة الله عليه أنّ من قرأ بحَرْفه - وحرْفُه: قراءته، وكذلك تقول العرب لقراءة رجل: حرفُ فلان، وتقول للحرف من حروف الهجاء المقطَّعة: حرف، كما تقول لقصيدة من قصائد الشاعر: كلمة فلان- فلا يتحولنّ عنه إلى غيره رغبة عنه. ومن قرأ بحرف أبيّ، أو بحرف زيد، أو بحرف بعض من قرأ من أصحاب رسول الله ﷺ ببعض الأحرف السبعة - فلا يتحولنّ عنه إلى غيره رغبة عنه، فإن الكفرَ ببعضه كفرٌ بجميعه، والكفرُ بحرف من ذلك كفرٌ بجميعه يعني بالحرف ما وصفنا من قراءة بعض من قرأ ببعض الأحرف السبعة.
٥١- وقد حدثنا يحيى بن داود الواسطي، قال: حدثنا أبو أسامة، عن الأعمش، قال: قرأ أنس هذه الآية: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلا﴾ [سورة المزمل: ٦] فقال له بعض القوم: يا أبا حَمزة، إنما هي "وأقْوَمُ" فقال: أقْوَمُ وأصْوَبُ وأهَيأ، واحدٌ (٢).
وهذا الأثر رواه أحمد في المسند رقم: ٣٨٤٥ ضمن حديث طويل، عن محمد بن جعفر عن شعبة عن عبد الرحمن بن عابس، قال: "حدثنا رجل من همدان، من أصحاب عبد الله، وما سماه لنا" إلخ.
(٢) الحديث ٥١- أبو أسامة: هو حماد بن أسامة الكوفي الحافظ. وهذا الأثر سيأتي بهذا الإسناد، وبإسناد آخر، في تفسير سورة "المزمل: ٢٩: ٨٢". ونقله السيوطي في الدر المنثور ٦: ٢٧٨، ونسبه أيضًا لأبي يعلى ومحمد بن نصر وابن الأنباري في المصاحف. وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد ٧: ١٥٦، ونسبه للبزار وأبي يعلى، وقال: "ولم يقل الأعمش: سمعت أنسًا. ورجال أبي يعلى رجال الصحيح، ورجال البزار ثقات".
وقوله "وأهيأ" بدله في مطبوعة الطبري "وأهدى"، والظاهر أنه من تصرف المصححين، لأن ما أثبتنا هو الثابت في المخطوطة وفي رواية الطبري الآتية بالإسناد نفسه وفي الدر المنثور ومجمع الزوائد.
٥٣- حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا حَكَّام، عن عنبسة، عن سالم: أن سعيدَ بن جُبَيرٍ كان يقرأ القرآن على حرفين.
٥٤- حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا جرير، عن مُغِيرة، قال: كان يزيدُ بن الوليد يقرأ القرآن على ثلاثة أحرف (١).
أفترى الزاعمَ أن تأويل قول النبي صلى الله عليه وسلم: "أنزل القرآنُ على سبعة أحرف"، إنما هو أنه أنزل على الأوجه السبعة التي ذكرنا، من الأمر والنهي والوعد والوعيد والجدل والقصص والمثل - كان يرى أنّ مجاهدًا وسعيدَ ابن جبير لم يقرآ من القرآن إلا ما كان من وجهيه أو وجوهه الخمسة دون سائر معانيه؟ لئن كانَ ظن ذلك بهما، لقد ظنَ بهما غير الذي يُعرفان به من منازلهما من القرآن، ومعرفتهما بآي الفرقان!
٥٥- وحدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: حدثنا ابن عُليَّة، قال حدثنا أيوب، عن محمد، قال: نُبئت أن جبرائيل وميكائيل أتيا النبي ﷺ فقال له جبرائيل: اقرأ القرآن على حرفين. فقال له ميكائيل: استزده. فقال: اقرإ القرآن على ثلاثة أحرف. فقال له ميكائيل: استزده. قال: حتى بلغ سبعة أحرف، قال محمد: لا تختلفُ في حلال ولا حرام، ولا أمرٍ ولا نهي،
ومغيرة، راوي هذا عن يزيد: هو مغيرة بن مقسم، بكسر الميم وسكون القاف وفتح السين، الضبي. وهو ثقة معروف كثير الحديث، مات سنة ١٣٣.
٥٦- وحدثني يعقوب قال: حدثنا ابن عُلية، قال: حدثنا شُعيب - يعني ابن الح بحاب - قال: كان أبو العالية إذا قرأ عنده رجل لم يقل: "ليس كما يقرأ" وإنما يقول: أما أنا فأقرأ كذا وكذا. قال: فذكرت ذلك لإبراهيم النخعي، فقال: أرى صاحبك قد سمع: "أنّ من كفَر بحرفٍ منه فقدْ كفر به كله".
٥٧- حدثنا يونس بن عبد الأعلى، قال: أنبأنا ابن وهب، قال: حدثنا يونس، عن ابن شهاب، قال: أخبرني سعيد بن المسيّب: أن الذي ذكر الله تعالى ذكره [أنه قال] ﴿إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ [سورة النحل: ١٠٣] إنما افتُتِن أنه كان يكتب الوحيَ، فكان يملي عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم: سميعٌ عليمٌ، أو عزيزٌ حكيمٌ، أو غير ذلك من خواتم الآي، ثم يشتغل عنه رسولُ الله ﷺ وهو عَلى الوحي، فيستفهمُ رسولَ الله ﷺ فيقول: أعزيز حكيمٌ، أو سميعٌ عليم أو عزيز عليم؟ فيقول له رسول الله صلى الله عليه وسلم: أيّ ذلك كتبت فهو كذلك. ففتنه ذلك، فقال: إن محمدًا وكَلَ ذلك إليّ، فأكتبُ ما شئتُ. وهو الذي ذكر لي سعيد بن المسيب من الحروف السبعة (٢).
(٢) الحديث ٥٧- هذا الحديث ذكره الطبري مرة أخرى بهذا اللفظ نفسه في تفسير سورة النحل: ١٠٣، بغير هذه الزيادة التي وضعناها بين القوسين. وهو بغير هذه الزيادة يوهم أن الذي نزل فيه "إنما يعلمه بشر"، هو كاتب الوحي الذي افتتن. مع أنه أراد إن الذي قال "إنما يعلمه بشر" هو كاتب الوحي الذي افتتن: وصدر كلام الطبري في تفسير سورة النحل يقطع بذلك قال: "وقيل إن الذي قال ذلك رجل كاتب لرسول الله ﷺ ارتد عن الإسلام. ذكر من قال ذلك.." ثم روى هذا الخبر، فنفى ما قدمه هذا الوهم الذي يشكل على قارئه في هذا المكان. وكاتب الوحي الذي ارتد هو عبد الله بن سعد بن أبي سرح العامري القرشي، وهو ليس بأعجمي، وإنما قالوا إنه هو الذي ذكره الله تعالى في قوله. "ومن أظلم ممن افترى على الله كذبًا أو قال أوحى إلي ولم يوح إليه شيء ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله" [سورة الأنعام: ٩٣] وأما المعنى بقوله "إنما يعلمه بشر" فقد اختلفوا في تحقيقه، قالوا: قين بمكة نصراني يقال له بلعام، أو يعيش غلام لبني المغيرة، أو جبر النصراني غلام بني بياضة.
وقد ذكره السيوطي في الدر المنثور ٤: ١٣١ وقال في صدره: "إن الذي ذكر الله في كتابه أنه قال: إنما يعلمه... "، فأثبتنا الزيادة منه لذلك.
قال أبو جعفر: فإن قال لنا قائل: فإذْ كان تأويلُ قول النبي صلى الله عليه وسلم: "أنزل القرآن على سبعة أحرف" عندك، ما وصفت، بما عليه استشهدتَ، فأوْجِدنا حرفًا في كتاب الله مقروءًا بسبع لغات، فنحقق بذلك قولك. وإلا فإن لم تجد ذلك كذلك: كانَ معلومًا بِعَدَ مِكَهُ (٢) - صحةُ قول من زعم أن تأويل ذلك: أنه نزل بسبعة معان، وهو الأمر والنهي والوعد والوعيد والجدل والقصص والمثل- وفسادُ قولك. أو تقولَ في ذلك: إن الأحرف السبعة لغاتٌ في القرآن سبعٌ، متفرقة في جميعه، من لغات أحياءٍ من قبائل العرب مختلفة الألسن- كما كان يقوله بعض من لم يُنعم النظرَ في ذلك (٣). فتصير بذلك إلى القول بما لا يجهل فسادَه ذُو عقل، ولا يلتبس خَطؤه على ذي لُب.
وذلك أنّ الأخبار التي بها احتججتَ لتصحيح مقالتك في تأويل قول النبي صلى الله عليه وسلم: "نزل القرآن على سبعة أحرف"، هي الأخبار التي رويتها عن عُمرَ بن الخطاب، وعبد الله بن مسعود، وأبيّ بن كعب، رحمة الله عليهم، وعمن رويتَ ذلك عنه من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم- بأنهم تماروْا في تلاوة
(٢) العدم: فقدان الشيء وذهابه، وعدم الشيء: فقده فلم يعثر عليه.
(٣) في المطبوعة "لم يمعن"، غيرها المصححون هنا وفي مواضع ستأتي!! وأنعم النظر: بالغ فيه وأدقه.
فإن كانت الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن، عندك -كما قال هذا القائل- متفرقةً في القرآن، مثبتةً اليوم في مصاحف أهل الإسلام، فقد بطلت معاني الأخبار التي رويتها عمن رويتها عنه من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنهم اختلفوا في قراءة سورة من القرآن، فاختصموا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمر كلا أن يقرأ كما عُلم. لأن الأحرف السبعة إذا كانت لغات متفرقة في جميع القرآن، فغير مُوجب حرفٌ من ذلك اختلافًا بين تاليه (٢) لأن كل تالٍ فإنما يتلو ذلك الحرفَ تلاوةً واحدةً على ما هو به في المصحف، وعلى ما أنزل.
وإذْ كان ذلك كذلك، بطل وجه اختلاف الذين رُوى عنهم أنهم اختلفوا في قراءة سورة، وفسد معنى أمر النبي ﷺ كلَّ قارئ منهم أن يقرأه على ما عُلم. إذْ كان لا معنى هنالك يُوجب اختلافًا في لفظ، ولا افتراقًا في معنى. وكيف يجوز أن يكون هنالك اختلافٌ بين القوم، والمعلِّم واحدٌ، والعلم واحدٌ غير ذي أوجه؟ وفي صحة الخبر عن الذين رُوى عنهم الاختلافُ في حروف القرآن على عهد رسول الله ﷺ - بأنهم اختلفوا وتحاكموا إلى
(٢) هي "تالين" جمع "تال"، مضافة إلى الضمير، فحذفت النون.
مع أن المتدبر إذا تدبر قول هذا القائل - في تأويله قول النبي صلى الله عليه وسلم: "أنزل القرآن على سبعة أحرف"، وادّعائه أنّ معنى ذلك أنها سبعُ لغات متفرقة في جميع القرآن، ثم جَمع بين قِيله ذلك، واعتلالِه لقيلِه ذلك بالأخبار التي رويت عمن رُوِيَ ذلك عنه من الصحابة والتابعين أنه قال: هو بمنزلة قولك تعالَ وهلم وأقبل؛ وأن بعضهم قال: هو بمنزلة قراءة عبد الله "إلازقيةً"، وهي في قراءتنا "إلا صَيْحَة" وما أشبه ذلك من حُججه - (١) علم أن حججه مفسدةٌ في ذلك مقالتَه، وأن مقالته فيه مُضادةٌ حججه.
لأن الذي نزل به القرآن عندَه إحدى القراءتين -: إما "صيحة"، وإما "زَقية" وإما "تعالَ" أو "أقبل" أو "هلم" - لا جميع ذلك. لأن كلّ لغة من اللغات السبع عنده في كلمة أو حرف من القرآن، غيرُ الكلمة أو الحرف الذي فيه اللغة الأخرى.
وإذْ كان ذلك كذلك، بطل اعتلاله لقوله بقول من قال: ذلك بمنزله "هلم" و "تعال" و "أقبل"، لأنّ هذه الكلمات هي ألفاظ مختلفة، يجمعها في التأويل معنى واحد. وقد أبطل قائل هذا القول الذي حكينا قوله، اجتماعَ اللغات السبع في حرف واحد من القرآن. فقد تبين بذلك إفسادُ حجته لقوله بقوله، وإفساد قوله لحجته (٢).
قيل له: ليس القولُ في ذلك بواحد من الوجهين اللذين وصفتَ. بل الأحرف السبعة التي أنزل الله بها القرآن، هنّ لغات سبع، في حرف واحد، وكلمة واحدة،
(٢) انتهى اعتراض المعترض الذي بدأ في ص: ٥٥، ويليه جواب الطبري فيما اعترض به.
فإن قال: ففي أيّ كتاب الله نجدُ حرفًا واحدًا مقروءًا بلغات سبع مختلفات الألفاظ، متفقات المعنى، فنسلم لك صحةَ ما ادّعيت من التأويل في ذلك؟
قيل: إنا لم ندع أن ذلك موجود اليوم، وإنما أخبرنا أن معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: "أنزل القرآن على سبعة أحرف"، على نحو ما جاءت به الأخبار التي تقدم ذكرناها. وهو ما وصفنا، دون ما ادعاه مخالفونا في ذلك، للعلل التي قد بَيَّنا.
فإن قال: فما بال الأحرف الأخَرِ الستة غير موجودة، إن كان الأمر في ذلك على ما وصفتَ، وقد أقرأهن رسول الله ﷺ أصحابه، وأمر بالقراءة بهنّ، وأنزلهن الله من عنده على نبيه صلى الله عليه وسلم؟ أنسخت فرُفعت، فما الدلالة على نسخها ورَفعها؟ أم نسيتهن الأمة، فذلك تضييعُ ما قد أمروا بحفظه؟ أم ما القصةُ في ذلك؟
قيل له: لم تنسخ فترفع، ولا ضيعتها الأمة وهي مأمورة بحفظها. ولكنّ الأمة أمرت بحفظ القرآن، وخُيِّرت في قراءته وحفظه بأي تلك الأحرف السبعة شاءت. كما أمرت، إذا هي حَنثتْ في يمين وهي مُوسرة، أن تكفر بأيِّ الكفارات الثلاث شاءت: إما بعتق، أو إطعام، أو كسوة. فلو أجمعَ جميعها على التكفير بواحدة من الكفارات الثلاث، دون حَظرها التكفيرَ بأي الثلاث شاءَ المكفِّر، كانت مُصيبةً حكمَ الله، مؤديةً في ذلك الواجبَ عليها من حق الله. فكذلك الأمة، أمرت بحفظ القرآن وقراءته، وخُيِّرت في قراءته بأي الأحرف السبعة شاءت: فرأت
فإن قال: وما العلة التي أوجبت عليها الثباتَ على حرف واحد دون سائر الأحرف الستة الباقية؟
٥٩- قيل: حدثنا أحمد بن عَبْدةَ الضَّبي، قال: حدثنا عبد العزيز بن محمد الدّرَاوَرْدي، عن عُمارة بن غزِيَّة، عن ابن شهاب، عن خارجة بن زيد ابن ثابت، عن أبيه زيد، قال: لما قُتل أصحابُ رسول الله ﷺ باليمامة، دخل عمرُ بن الخطاب على أبي بكر رحمه الله فقال: إنّ أصحابَ رسول الله ﷺ باليمامة تهافتوا تهافتَ الفَراش في النار، وإني أخشى أن لا يشهدوا موطنًا إلا فعلوا ذلك حتى يُقتَلوا - وهمْ حملةُ القرآن- فيضيعَ القرآن ويُنسَى. فلو جمعتَه وكتبتَه! فنفر منها أبو بكر وقال: أفعل ما لم يفعلْ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم! فتراجعا في ذلك. ثم أرسل أبو بكر إلى زيد بن ثابت، قال زيد: فدخلت عليه وعُمر مُحْزَئِلٌ (١) فقال أبو بكر: إن هذا قد دَعاني إلى أمر فأبيتُ عليه، وأنت كاتبُ الوحي. فإنْ تكن معه اتبعتكما، وإن توافِقْني لا أفعل. قال: فاقتصَّ أبو بكر قولَ عمر، وعمر ساكت، فنفرت من ذلك وقلت: نفعلُ ما لم يفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم! إلى أن قال عمر كلمة: "وما عليكما لو فعلتما ذلك؟ " قال: فذهبنا ننظر، فقلنا: لا شيء والله! ما علينا في ذلك شيء! قال زيد: فأمرني أبو بكر فكتبته في قطَع الأدَم وكِسَرِ الأكتاف والعُسُب (٢).
(٢) الأدم جمع أديم: وهو الجلد المدبوغ، كانوا يكتبون فيه. والكسر جمع كسرة (بكسر فسكون) : وهي القطعة المكسورة من الشيء. والأكتاف جمع كتف: وهو عظم عريض في أصل كتف الحيوان من الناس والدواب، كانوا يكتبون فيه لقلة القراطيس عندهم يومئذ. والعسب جمع عسيب وهو: جريد النخل إذا نحى عنه خوصه.
(٢) في المطبوعة "في فرج أرمينية"، وكذلك التي تليها. والمرج: أرض واسعة كثيرة النبت تمرج فيها الدواب، أي تذهب وتجيء. وقد أضيف "مرج" إلى كثير من المواضع والبلاد. وأرض أرمينية واسعة خصيبة. وذكر ابن حجر في الفتح ٩: ١٤ رواية "فتح أرمينية" و "فرج.." ولم يذكر "مرج"، وذكرها أبو عمرو الداني في كتابه "المقنع": ٤ قال: "وكانوا يقاتلون على مرج أرمينية".
٦٠- وحدثني أيضًا يونس بن عبد الأعلى، قال: حدثنا نعيم بن حماد قال: حدثنا عبد العزيز بن محمد، عن عُمارة بن غَزِية، عن ابن شهاب، عن خارجة ابن زيد، عن أبيه زيد بن ثابت، بنحوه سواء.
٦١- حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: حدثنا ابن عُلَية، قال: حدثنا أيوب، عن أبي قِلابة، قال: لما كان في خلافة عثمان، جعل المعلِّم يعلِّم قراءة
٦٢- حدثني يونس بن عبد الأعلى، قال: حدثنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس قال: قال ابن شهاب: أخبرني أنس بن مالك الأنصاري: أنه اجتمع في غزوة أذربيجان وأرمينيةَ أهلُ الشام وأهل العراق، فتذاكرُوا القرآن، واختلفوا فيه حتى كاد يكون بينهم فتنة. فركبَ حُذيفةُ بن اليمان - لما رأى اختلافهم في القرآن - إلى عثمان، فقال: "إنّ الناس قد اختلفوا في القرآن، حتى إني والله لأخشى أن يصيبهم مثلُ ما أصاب اليهود والنصارى من الاختلاف". قال: ففزع لذلك فزعًا شديدًا، فأرسل إلى حفصة فاستخرج الصحف التي كان أبو بكر أمر زيدًا بجمعها، فنسخ منها مصاحف، فبعث بها إلى الآفاق (٢).
(٢) الخبر ٦٢- خرج ابن حجر في الفتح ٩: ١٤ وما بعدها رواية يونس عن ابن شهاب عن أنس. وقال: "أخرجها ابن أبي داود.. مطولة". وهي في كتاب المصاحف ص ٢١.
٦٤- حدثنا سعيد بن الربيع قال: حدثنا سفيان، عن مجالد، عن الشعبي، عن صعصعة أنّ أبا بكر أوَلُ من وَرَّث الكلالةَ وجمعَ المصحف (٢).
قال أبو جعفر: وما أشبه ذلك من الأخبار التي يطول باستيعاب جميعها الكتابُ، والآثار الدالة على أن إمامَ المسلمين وأميرَ المؤمنين عثمانَ بن عفان رحمة الله عليه، جمع المسلمين - نظرًا منه لهم، وإشفاقًا منه عليهم، ورأفة منه بهم، حِذارَ الردّةِ من بعضهم بعدَ الإسلامَ، والدّخولِ في الكفر بعد الإيمان، إذ ظهر من بعضهم بمحضَره وفي عصره التكذيبُ ببعض الأحرف السبعة التي نزل عليها القرآن، مع سماع أصحاب رسول الله ﷺ من رسول الله ﷺ النهيَ عن التكذيب بشيء منها، وإخباره إياهم أنّ المِراء فيها كفر- فحملهم رحمةُ الله عليه، إذْ رأى ذلك ظاهرًا بينهم في عصره، ولحَدَاثة عهدهم بنزول القرآن، وفراق رسول الله ﷺ إياهم بما أمِنَ عليهم معه عظيم البلاء في الدين من تلاوة القرآن - على حرف واحد (٣).
وجمعهم على مصحف واحد، وحرف واحد، وخَرَّق ما عدا المصحف الذي
(٢) الخبر ٦٤- صعصعة: هو ابن صوحان، بضم الصاد. وهو تابعي قديم، كان مسلمًا على عهد رسول الله ﷺ ولم يره. وهذا الخبر لم نجده في موضع آخر. وأما "الكلالة"، فقد اختلف في تفسيرها، والجمهور على أنه: من مات وليس له ولد ولا والد. كما قال الحافظ في الفتح ١٢: ٢١. وهو الذي اختاره الطبري، فيما سيأتي في تفسير الآية ١٢ من سورة النساء، ١٧٦ منها ج ٤ ص ١٩١ - ١٩٤، وج ٦ ص ٢٨-٣١ من طبعة بولاق.
(٣) قوله "على حرف واحد"، متعلق بقوله آنفًا: "فحملهم رحمة الله عليه" وقوله "فحملهم" معطوف على قوله أولا: "جمع المسلمين"
فإن قال بعضُ من ضعفت معرفته: وكيف جاز لهم تَركُ قراءة أقرأهموها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأمرهم بقراءتها؟
قيل: إن أمرَه إياهم بذلك لم يكن أمر إيجاب وفرض، وإنما كان أمرَ إباحة ورخصة. لأنّ القراءة بها لو كانت فرضًا عليهم، لوجب أن يكونَ العلمُ بكل حرف من تلك الأحرف السبعة، عند من تقوم بنقله الحجة، ويقطع خبرهُ العذر، ويزيل الشك من قَرَأةٍ الأمة (٤). وفي تركهم نقل ذلك كذلك أوضح الدليل على أنهم كانوا في القراءة بها مخيرين، بعد أن يكون في نقلة القرآن من الأمة من تجبُ بنقله الحجة ببعض تلك الأحرف السبعة.
(٢) في المطبوع والمخطوط "فاستوثقت". ونقله ابن كثير في الفضائل: ٧٠ "فاستوسقت" وهو الصواب. واستوسق القوم: اجتمعوا وانضموا. وفي حديث النجاشي: "واستوسق عليه أمر الحبش" أي اجتمعوا على طاعته. واستوسق لفلان الأمر: إذا أمكنه واجتمع له.
(٣) قوله "من غير جحود منها"، أي من الأمة، وكذلك الضمائر فيما بعدها.
(٤) في المطبوع: "من قراءة الأمة"، والقرأة: جمع قارئ، وانظر ما مضى: ٥١ في التعليق وما سيأتي: ١٠٩ تعليق: ١.
وأما ما كانَ من اختلاف القراءة في رفع حرفٍ وجرِّه ونصبه، وتسكين حرفٍ وتحريكه، ونقل حرف إلى آخر مع اتّفاق الصورة، فمن معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: "أمرت أن أقرأ القرآن على سبعة أحرف" - بمعزل (٢). لأنه معلوم أنه لا حرفَ من حروف القرآن - مما اختلفت القراءة في قراءته بهذا المعنى- يوجب المراء به كفرَ المماري به في قول أحد من علماء الأمة. وقد أوجب عليه الصلاة والسلام بالمراءِ فيه الكفر، من الوجه الذي تنازع فيه المتنازعون إليه، وتظاهرتْ عنه بذلك الرواية (٣) على ما قد قدمنا ذكرها في أول هذا الباب (٤).
فإن قال لنا قائل: فهل لك من علم بالألسن السبعة التي نزل بها القرآن؟ وأي الألسن هي من ألسن العرب؟
(٢) أي "فمن معنى قول النبي.. بمعزل".
(٣) قوله "وتظاهرت" هي في المخطوطة مهملة ولا تكاد تقرأ على وجه مرضي.
(٤) نقل ابن حجر في الفتح ٩: ٢٧ عن الإمام الحافظ أبي شامة قال: "ظن قوم أن القراءات السبع الموجودة الآن هي التي أريدت في الحديث، وهو خلاف إجماع أهل العلم قاطبة، وإنما يظن ذلك بعض أهل الجهل". وقال ابن عمار أيضًا: "لقد فعل مسبع هذه السبعة ما لا ينبغي له، وأشكل الأمر على العامة بإيهامه كل من قل نظره أن هذه القراءات هي المذكورة في الخبر، وليته إذ اقتصر نقص على السبعة أو زاد ليزيل الشبهة". وقال الإمام ابن الجزري في النشر ١: ٣٣: "أول إمام معتبر جمع القراءات في كتاب: أبو عبيد القاسم بن سلام، وجعلهم فيما أحسب خمسة وعشرين قارئًا مع هؤلاء السبعة وتوفى سنة ٢٢٤"... ثم قال في ص ٣٤: "وكان في أثره أبو بكر أحمد بن موسى بن العباس بن مجاهد أول من اقتصر على قراءات هؤلاء السبعة فقط وتوفي سنة ٣٢٤". ثم قال في ص ٣٥: "وإنما أطلنا في هذا الفصل لما بلغنا عن بعض من لا علم له أن القراءات الصحيحة هي التي عن هؤلاء السبعة، وأن الأحرف السبعة التي أشار إليها النبي ﷺ هي قراءة هؤلاء السبعة، بل غلب على كثير من الجهال أن القراءات الصحيحة هي التي في الشاطبية والتيسير..".
٦٥- حدثني بذلك بعض أصحابنا، قال: حدثنا صالح بن نصر الخزاعي، قال: حدثنا الهيثم بن عدي، عن سعيد بن أبي عَروبة، عن قتادة، عن ابن عباس، قال: نزل القرآنُ بلسانُ قريش ولسان خزاعة، وذلك أن الدار واحدةٌ.
٦٦- وحدثني بعض أصحابنا، قال: حدثنا صالح بن نصر، قال: حدثنا شعبة، عن قتادة، عن أبي الأسود الدُّثَلي، قال: نزل القرآن بلسان الكَعبين: كعب بن عمرو وكعب بن لؤيّ. فقال خالد بن سلمة لسعد بن إبراهيم: ألا تعجبُ من هذا الأعمى! يَزعم أنّ القرآن نزل بلسان الكعبين؛ وإنما أنزل بلسان قريش! (٢)
(٢) الأثر ٦٦- وهذا الأثر منقطع أيضًا، فإن قتادة ولد سنة ٦١. وأبو الأسود الدئلي مات سنة ٦٩.
وروى الخطيب في تاريخ بغداد ٥: ١٧٣-١٧٤، نحو هذا مرفوعًا، بإسناده، من طريق "أحمد بن عبد الجبار العطاردي حدثني أبي عن سهل بن شعيب عن ابن سفيان الأسلمي، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نزل القرآن على لغة الكعبين: كعب بن لؤي، وهو أبو قريش، وكعب بن عمرو، وهو أبو خزاعة".
وهذا إسناد مظلم!! أحمد بن عبد الجبار: ترجمه ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل ١١: ٦٢، وقال: "كتبت عنه، وأمسكت عن التحديث عنه لما تكلم الناس فيه"، ثم روى عن أبيه أبي حاتم قال: "ليس بقوي". وأما عبد الجبار، والد أحمد هذا، فلم أجد له ترجمة قط. وأما سهل ابن شعيب، فترجمه ابن أبي حاتم أيضًا ج ٢١: ١٩٩، وذكر أنه يروى "عن الشعبي وعبيد الله ابن عبد الله الكندي"، ولم يذكره بجرح ولا تعديل. ولم أجد له ترجمة غيرها. وأما "ابن سفيان الأسلمي"، فما عرفت من هو؟ وما أظنه من طبقة الصحابة، إذ لم يدرك ذلك سهل بن شعيب، وإن كان منهم كان الإسناد منقطعًا.
وأما معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم، إذْ ذكرَ نزول القرآن على سبعة أحرفٍ: إن كلها شافٍ كافٍ - فإنه كما قال جل ثناؤه في صفة القرآن: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [سورة يونس: ٥٧]، جعله الله للمؤمنين شفاءً، يستشفون بمواعظه من الأدواء العارضة لصدورهم من وَساوس الشيطان وَخطراته، فيَكفيهم ويغنيهم عن كل ما عداه من المواعظ ببيان آياته.
عن معنى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أنزل القرآن من سبعةِ أبوابِ الجنة"، وذكر الأخبار الواردة بذلك (١)
قال أبو جعفر: اختلفت النقلة في ألفاظ الخبر بذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم:
٦٧- فروى عن ابن مسعود عن النبي ﷺ أنه قال: كان الكتاب الأول نزل من باب واحد وعلى حرف واحد، ونزل القرآن من سبعة أبواب وعلى سبعة أحرف: زاجرٌ وآمرٌ (٢) وحلالٌ وحرامٌ، ومحكم ومتشابه، وأمثال، فأحِلُّوا حلاله وحَرِّموا حرامه، وافعلوا ما أمرتم به، وانتهوا عما نُهيتم عنه، واعتبروا بأمثاله، واعملوا بمحكمه، وآمنوا بمتشابهه، وقولوا: آمنّا به كلٌّ من عند ربنا.
حدثني بذلك يونس بن عبد الأعلى، قال: أنبأنا ابن وهب، قال: أخبرني حَيوَة بن شريح، عن عقيل بن خالد، عن سلمة بن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبيه، عن ابن مسعود، عن النبي ﷺ (٣).
(٢) في المطبوعة "زجر وأمر"، والصواب من المخطوطة وفضائل القرآن ٦٦، وفتح الباري ٩: ٢٦.
(٣) الحديث ٦٧- قال ابن حجر في الفتح ٩: ٢٦ وذكر الخبر السالف بهذا الإسناد فقال: "قال ابن عبد البر هذا حديث لا يثبت، لأنه من رواية أبي سلمة بن عبد الرحمن عن ابن مسعود، ولم يلق ابن مسعود"، ثم قال: "وصحح الحديث المذكور ابن حبان والحاكم، وفي تصحيحه نظر لانقطاعه بين أبي سلمة وابن مسعود. وقد أخرجه البيهقي من وجه آخر عن الزهري مرسلا، وقال: هذا مرسل جيد". وانظر فضائل القرآن ٦٦. وانظر مسند أحمد في الحديث: ٤٢٥٢ عن فلفلة الجعفي عن ابن مسعود: "إن القرآن نزل على نبيكم ﷺ من سبعة أبواب على سبعة أحرف -أو قال: حروف- وإن الكتاب قبله كان ينزل من باب واحد على حرف واحد".
٦٨- حدثنا محمد بن بشار، قال حدثنا عباد بن زكريا، عن عوف، عن أبي قِلابة، قال: بلغَني أن النبي ﷺ قال: أنزل القرآنُ على سبعة أحرفٍ، أمرٍ وزجرٍ وترغيبٍ وترهيب وجدل وقصص ومثل (١).
٦٩- وروى عن أبيّ، عن رسول الله ﷺ في ذلك، ما حدثني به أبو كريب، قال: حدثنا محمد بن فضيل، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن عبد الله بن عيسى بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن أبيه، عن جده، عن أبيّ بن كعب، قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله أمرني أن أقرأ القرآن على حرفٍ واحدٍ، فقلت: ربّ خففْ عن أمَّتي. قال: اقرأهُ على حرفين. فقلت: رب خفف عن أمتي. فأمرني أن أقرأه على سبعة أحرف من سَبْعة أبواب من الجنة، كلها شافٍ كافٍ (٢).
وروى عن ابن مسعود من قِيلِه خلافُ ذلك كله.
٧٠- وهو ما حدثنا به أبو كرُيب، قال: حدثنا المحاربي، عن الأحوص بن حكيم، عن ضَمْرة بن حبيب، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن عبد الله بن مسعود، قال: إنّ الله أنزلَ القرآن على خمسة أحرف: حلال وحرام ومحكم ومتشابه وأمثال. فأحِلَّ الحلال، وحَرِّمِ الحرام، واعملْ بالمحكم، وآمن بالمتشابه، واعتبر بالأمثال (٣).
(٢) الحديث ٦٩- هذا إسناد صحيح. وهو أحد روايات الحديث رقم: ٣١ الماضي، وقد أشار الحافظ إلى هذه الرواية، في الفتح ٩: ٢١. ووقع في الإسناد في نسخ الطبري هنا "عبيد الله بن عيسى بن عبد الرحمن بن أبي ليلى"، وهو خطأ، صوابه "عبد الله"، كما في الرواية الماضية. وليس في الرواة الذين رأينا تراجمهم "عبيد الله بن عيسى... ". ثم هنا أيضًا "عن أبيه عن جده"، وأخشى أن يكون خطأ أيضًا، إذ الحديث رواه عبد الله بن عيسى عن جده مباشرة، كما مضى، وكما في رواية مسلم في صحيحه ١: ٢٢٥ لذلك الحديث.
(٣) الخبر ٧٠- هذا موقوف على ابن مسعود، من كلامه، كما صرح بذلك الطبري هنا بقوله "وروى عن ابن مسعود من قيله". وذكره ابن كثير في الفضائل: ٦٦ بعد الحديث ٦٧ الماضي، جعله رواية أخرى له، قال:
| "ثم رواه عن أبي كريب | عن ابن مسعود، من كلامه. وهو أشبه". |
فكذلك روايةُ من روى عن النبي ﷺ أنه قال: "نزل القرآن من سبعة أبواب" و "نزل على سبعة أحرف" سواءٌ، معناهما مؤتلف، وتأويلهما غير مُختلف في هذا الوجه.
ومعنى ذلك كله، الخبرُ منه ﷺ عما خصه الله به وأمتَه، من الفضيلة والكرامة التي لم يؤتها أحدًا في تنزيله.
وذلك أنّ كل كتاب تقدَّم كتابَنا نزولُه على نبيّ من أنبياء الله صلوات الله وسلامه عليهم، فإنما نزل بلسان واحد، متى حُوِّل إلى غير اللسان الذي نزل به، كان ذلك له ترجمة وتفسيرًا (١) لا تلاوةً له على ما أنزلهُ الله.
وأنزل كتابنا بألسُن سبعة، بأيِّ تلك الألسن السَّبعة تلاه التالي، كان لهُ تاليًا على ما أنزله الله لا مترجِمًا ولا مفِّسرًا، حتى يحوِّله عن تلك الألسن السبعة إلى غيرها، فيصيرَ فاعلُ ذلك حينئذٍ -إذا أصاب معناه- مُترجمًا له. كما كان التالي
فذلك معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: كانَ الكتابُ الأول، نزل على حَرفٍ واحدٍ، ونزل القرآن على سبعة أحرف.
وأما معنى قوله صلى الله عليه وسلم: "إن الكتاب الأول نزل من باب واحد، ونزل القرآن من سبعة أبواب"، فإنه ﷺ عنى بقوله: "نزل الكتاب الأول من باب واحد"، والله أعلم، ما نزل من كتب الله على من أنزله من أنبيائه، خاليًا من الحدود والأحكام والحلال والحرام، كزبور داود، الذي إنما هو تذكير ومواعظ، وإنجيل عيسى، الذي هو تمجيدٌ ومحامد وحضٌّ على الصفح والإعراض -دون غيرها من الأحكام والشرائع- وما أشبه ذلك من الكتب التي نزلت ببعض المعاني السبعة التي يحوي جميعَها كتابُنا، الذي خَصَّ الله به نبينا محمدًا ﷺ وأمَّته. فلم يكن المتعبَّدون بإقامته يجدون لِرضَى الله تعالى ذكره مطلبًا ينالون به الجنة، ويستوجبون به منه القُرْبَة، إلا من الوجه الواحد الذي أنزل به كتابهُم، وذلك هو الباب الواحد من أبواب الجنة الذي نزل منه ذلك الكتاب.
وخص الله نبيَّنا محمدًا ﷺ وأمَّتَه، بأن أنزل عليهم كتابَه على أوجه سبعةٍ من الوجوه التي ينالون بها رضوان الله، ويدركون بها الفوز بالجنة، إذا أقاموها (١) فكُلّ وجه من أوجُهه السبعة بابٌ من أبواب الجنة التي نزل منها القرآن. لأن العامل بكل وجه من أوجُهه السبعة، عاملٌ في باب من أبواب الجنة، وطالب من قِبَله الفوز بها. والعملُ بما أمر الله جل ذكره في كتابه، بابٌ من أبواب الجنة، وتركُ ما نهى الله عنه فيه؛ بابٌ آخر ثانٍ من أبوابها؛ وتحليلُ ما أحلّ الله فيه، بابٌ ثالث من أبوابها؛ وتحريمُ ما حرَّم الله فيه، باب رابعٌ من أبوابها؛
فجميع ما في القرآن -من حروفه السبعة، وأبوابه السبعة التي نزل منها- جعله الله لعباده إلى رضوانه هاديًا، ولهم إلى الجنة قائدًا. فذلك معنى قوله صلى الله عليه وسلم: "نزل القرآن من سبعة أبواب الجنة".
وأما قوله ﷺ في القرآن: "إن لكلّ حرف منه حدًّا"، يعني (١) لكل وجه من أوجهه السبعة حد حدّه الله جل ثناؤه، لا يجوز لأحد أن يتجاوزه.
وقوله صلى الله عليه وسلم: "وإن لكل حرف منها ظَهرًا وبطنًا"، فظهره: الظاهر في التلاوة، وبطنه: ما بطن من تأويله (٢).
وقوله: "وإن لكلّ حدٍّ من ذلكُ مطَّلَعًا"، فإنه يعني أنّ لكل حدٍّ من حدود الله التي حدَّها فيه -من حلالٍ وحرامٍ، وسائر شرائعه- مقدارًا من ثواب الله وعقابه، يُعاينه في الآخرة، ويَطَّلع عليه ويلاقيه في القيامة. كما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "لو أنّ لي ما في الأرض من صفراءَ وبيضاءَ لافتديتُ به من هَوْلِ المطَّلَع"، يعني بذلك ما يطَّلع عليه ويهجُم عليه من أمر الله بعد وفاته.
(٢) الظاهر: هو ما تعرفه العرب من كلامها، وما لا يعذر أحد بجهالته من حلال وحرام. والباطن: هو التفسير الذي يعلمه العلماء بالاستنباط والفقه. ولم يرد الطبري ما تفعله طائفة الصوفية وأشباههم في التلعب بكتاب الله وسنة رسوله، والعبث بدلالات ألفاظ القرآن، وادعائهم أن لألفاظه "ظاهرًا" هو الذي يعلمه علماء المسلمين، و "باطنًا" يعلمه أهل الحقيقة، فيما يزعمون.
قال أبو جعفر: قد قلنا في الدلالة على أن القرآن كله عربي، وأنه نزل بألسُن بعض العرب دونَ ألسن جميعها، وأن قراءة المسلمين اليوم -ومصاحفَهم التي هي بين أظهرهم- ببعض الألسن التي نزل بها القرآن دون جميعها. وقلنا -في البيان عمّا يحويه القرآنُ من النور والبرهان، والحكمة والتِّبْيان (١) التي أودعها الله إياه: من أمره ونهيه، وحلاله وحرامه، ووعده ووعيده، ومحكمه ومتشابهه، ولطائف حُكمه- ما فيه الكفاية لمن وُفِّق لفهمه.
ونحن قائلون في البيان عن وُجوه مطالب تأويله:
قال الله جل ذكره وتقدست أسماؤه، لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: ﴿وَأَنزلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نزلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [سورة النحل: ٤٤]، وقال أيضًا جل ذكره: ﴿وَمَا أَنزلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [سورة النحل: ٦٤]، وقال: ﴿هُوَ الَّذِي أَنزلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلا أُولُو الألْبَابِ﴾ [سورة آل عمران: ٧].
فقد تبين ببيان الله جلّ ذكره:
وأنّ منه ما لا يعلم تأويله إلا الله الواحد القهار. وذلك ما فيه من الخبر عن آجال حادثة، وأوقات آتية، كوقت قيام الساعة، والنفخ في الصور، ونزول عيسى بن مريم، وما أشبه ذلك: فإن تلك أوقاتٌ لا يعلم أحدٌ حدودَها، ولا يعرف أحدٌ من تأويلها إلا الخبرَ بأشراطها، لاستئثار الله بعلم ذلك على خلقه. وبذلك أنزل ربُّنا محكم كتابه (٢) فقال: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لاَ يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ لاَ تَأْتِيكُمْ إِلا بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ [سورة الأعراف: ١٨٧]. وكان نبينا محمد ﷺ إذا ذكر شيئًا من ذلك، لم يدلّ عليه إلا بأشراطه دون تحديده بوقته كالذي روى عنه ﷺ أنه قال لأصحابه، إذ ذكر الدجّال: إنْْ يخرجْ وأنا فيكُم، فأنا حَجِيجُه، وإن يخرجْ بعدي، فالله خليفتي عليكم" (٣) وما أشبه
(٢) في المطبوعة: "وكذلك أنزل ربنا في محكم كتابه"، وهو تغيير وزيادة لغير فائدة.
(٣) قال ابن حجر في الفتح ١٣: ٨٤ في شرح حديث ابن عمر الذي أخرجه البخاري، وذكر الدجال فقال: "وما من نبي إلا أنذره قومه"، قال: "في بعض طرقه: إن يخرج فيكم فأنا حجيجه". وهو إشارة إلى حديث النواس بن سمعان، مطولا، في صحيح مسلم ٢: ٣٧٦، وفيه: "إن يخرج وأنا فيكم فأنا حجيجه دونكم، وإن يخرج ولست فيكم فامرؤ حجيج نفسه، والله خليفتي على كل مسلم". وانظر أيضًا مجمع الزوائد ٧: ٣٤٧-٣٤٨، ٣٥٠-٣٥١.
وقوله "حجيجه" أي محاجه ومغالبه بإظهار الحجة عليه.
وأن منه ما يعلم تأويلَه كلُّ ذي علم باللسان الذي نزل به القرآن. وذلك: إقامةُ إعرابه، ومعرفةُ المسمَّيات بأسمائها اللازمة غيرِ المشترَك فيها، والموصوفات بصفاتها الخاصة دون ما سواها، فإنّ ذلك لاَ يجهله أحدٌ منهم. وذلك كسامعٍ منهم لو سمع تاليًا يتلو: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُوا فِي الأرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ * أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لاَ يَشْعُرُونَ﴾ [سورة البقرة: ١١، ١٢]، لم يجهلْ أنّ معنى الإفساد هو ما ينبغي تركهُ مما هو مضرَّة، وأن الإصلاحَ هو ما ينبغي فِعله مما فعلهُ منفعةٌ، وإنْ جَهِل المعانيَ التي جعلها الله إفسادًا، والمعانيَ التي جَعلها الله إصْلاحًا. فالذي يعلمه ذو اللسان -الذي بلسانه نزل القرآنُ- من تأويل القرآن، هو ما وصفتُ: مِنْ معرفة أعيان المسمَّيات بأسمائها اللازمة غيرِ المشترَك فيها، والموصوفات بصفاتها الخاصة، دون الواجب من أحكامها وصفاتها وهيئاتها التي خص الله بعلمها نبيَّه صلى الله عليه وسلم، فلا يُدرَك علمُهُ إلا ببيانِه، دون ما استأثر الله بعلمه دون خلقه.
وبمثل ما قُلنا من ذلك رُوي الخبر عن ابن عباس:
٧١- حدثنا محمد بن بشّار، قال: حدثنا مؤمَّل، قال: حدثنا سفيان، عن أبي الزناد، قال: قال ابن عباس: التفسيرُ على أربعةِ أوجهٍ: وجهٌ تعرفه العربُ من كلامها، وتفسير لاَ يُعذر أحدٌ بجهالته، وتفسير يعلمه العلماء، وتفسير لاَ يعلمه إلا الله تعالى ذكره.
قال أبو جعفر: وهذا الوجهُ الرابع الذي ذكره ابن عباس: مِنْ أنّ أحدًا
٧٢- حدثني يونس بن عبد الأعلى الصَّدَفي، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: سمعت عمرو بن الحارث يحدث، عن الكلبيّ، عن أبي صالح، مولى أمّ هانئ، عن عبد الله بن عباس: أنّ رسول الله ﷺ قال: أنزل القرآن على أربعة أحرفٍ: حلالٌ وحرامٌ لاَ يُعذَر أحدٌ بالجهالة به، وتفسيرٌ تفسِّره العرب، وتفسيرٌ تفسِّره العلماء، ومتشابهٌ لاَ يعلمه إلا الله تعالى ذكره، ومن ادَّعى علمه سوى الله تعالى ذكره فهو كاذب (١).
التي رُويت بالنهي عن القولِ في تأويل القرآن بالرَّأي
٧٣- حدثنا يحيى بن طلحة اليربوعي، قال: حدثنا شَريك، عن عبد الأعلى، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس: أن النبي
٧٤- حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا يحيى بن سعيد، قال: حدثنا سفيان، قال: حدثنا عبد الأعلى - هو ابن عامر الثعلبي-، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: من قال في القرآن برأيه - أو بما لا يعلم - فليتبوأ مقعدَه من النار.
٧٥- وحدثنا أبو كريب، قال: حدثنا محمد بن بشر، وَقبِيصة، عن سفيان، عن عبد الأعلى، قال: حدثنا سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من قال في القرآن بغير علم فليتبوأ مقعدَه من النار.
٧٦- حدثنا محمد بن حميد، قال: حدثنا الحكم بن بَشير، قال: حدثنا عمرو بن قيس المُلائي، عن عبد الأعلى، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: من قال في القرآن برأيه فليتبوأ مقعدَه من النار.
٧٧- حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا جرير، عن ليث، عن بكر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: من تكلَّم في القرآن برأيه فليتبوأ مقعدَه من النار.
٧٨- وحدثني أبو السائب سَلْم بن جُنادة السُّوَائي، قال: حدثنا حفص ابن غياث، عن الحسن بن عُبيد الله، عن إبراهيم، عن أبي معمر، قال: قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: أيُّ أرْضٍ تُقِلُّني، وأيُّ سماءٍ تُظِلُّني، إذا قلتُ في القرآن ما لا أعلم (٢) !
٧٩- حدثنا محمد بن المثنى، قال: حدثنا ابن أبي عدي، عن شعبة، عن سليمان، عن عبد الله بن مرة، عن أبي معمر، قال: قال أبو بكر الصديق: أيُّ أرضٍ تُقِلُّني، وأيُّ سماءٍ تظلّني، إذا قلتُ في القرآن برأيي - أو: بما لا أعلم.
قال أبو جعفر: وهذه الأخبار شاهدةٌ لنا على صحة ما قُلنا: من أنّ ما كان مِن تأويل آيِ القرآن الذي لا يُدرَك علمه إلا بنَصِّ بيان رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو بنَصْبه الدلالة عليه - فغير جائز لأحد القِيلُ فيه برأيه. بل القائلُ في ذلك برأيه - وإن أصاب الحق فيه - فمخطئ فيما كانَ من فِعله، بقيله فيه برأيه، لأن إصابته ليستْ إصابة مُوقن أنه محقٌّ، وإنما هو إصابة خارصٍ وظانً. والقائل
| "وهذه الأخبار شاهدة لنا على صحة ما قلنا | "، دالا على أنه يصحح حديثه هذا كما صحح حديثه في الكسوف. |
وقوله "تقلني": أي تحملني. أقل الشيء واستقله: رفعه وحمله. وانظر طرق هذا الخبر في تفسير ابن كثير ١: ١٢.
٨٠- حدثنا به العباس بن عبد العظيم العبري، قال: حدثنا حبَّان بن هلال، قال: حدثنا سهيل أخو حزم، قال: حدثنا أبو عمران الجونيّ (١) عن جندب: أن رسول الله ﷺ قال: من قال في القرآن برأيه فأصاب، فقد أخطأ (٢).
يعني ﷺ أنه أخطأ في فعله، بقيله فيه برأيه، وإن وافق قِيلُه ذلك عينَ الصَّواب عند الله. لأن قِيله فيه برأيه، ليس بقيل عالم أنّ الذي قال فيه من قول حقٌّ وصوابٌ. فهو قائل على الله ما لا يعلم، آثم بفعله ما قد نُهىَ عنه وحُظِر عليه.
(٢) الحديث ٨٠- قال ابن كثير في التفسير ١: ١١-١٢، ونقل الخبر عن الطبري: "وقد روى هذا الحديث أبو داود والترمذي والنسائي من حديث سهيل بن أبي حزم القطعي. وقال الترمذي: غريب. وقد تكلم بعض أهل العلم في سهيل".
في الحضّ على العلم بتفسير القرآن، ومن كان يفسِّره من الصَّحابة
٨١- حدثنا محمد بن علي بن الحسن بن شقيق المروزي، قال سمعت أبي يقول: حدثنا الحسين بن واقد، قال: حدثنا الأعمش، عن شَقيق، عن ابن مسعود، قال: كانَ الرجل مِنَّا إذا تعلَّم عَشْر آياتٍ لم يجاوزهُنّ حتى يعرف معانيهُنَّ، والعملَ بهنَّ (١).
٨٢- حدثنا ابن حميد قال: حدثنا جَرير، عن عطاء، عن أبي عبد الرحمن، قال: حدثنا الذين كانوا يُقرِئوننا: أنهم كانوا يستقرِئون من النبي صلى الله عليه وسلم، فكانوا إذا تعلَّموا عَشْر آيات لم يخلِّفوها حتى يعملوا بما فيها من العمل، فتعلَّمنا القرآن والعمل جميعًا (٢).
٨٣- وحدثنا أبو كريب، قال: حدثنا جابر بن نوح، قال: حدثنا الأعمش، عن مُسْلم، عن مَسْروق، قال: قال عبد الله: والذي لا إله غيره، ما نزلتْ آية في كتاب الله إلا وأنا أعلم فيم نزلتْ؟ وأينَ أنزلت؟ ولو أعلم مكانَ أحدٍ أعلمَ بكتاب الله مِنّى تنالُه المطايا لأتيته (٣).
(٢) الحديث ٨٢- هذا إسناد صحيح متصل. أبو عبد الرحمن: هو السلمي، واسمه عبد الله بن حبيب، وهو من كبار التابعين. وقد صرح بأنه حدثه الذين كانوا يقرئونه، وأنهم "كانوا يستقرئون من النبي صلى الله عليه وسلم"، فهم الصحابة. وإبهام الصحابي لا يضر، بل يكون حديثه مسندًا متصلا.
(٣) الحديث ٨٣- أخرجه البخاري، انظر فتح الباري ٩: ٤٥-٤٦، ولفظه "تبلغه الإبل لركبت إليه".
٨٥- حدثني أبو السائب سلم بن جُنادة (٢) قال: حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن شقيق، قال: استعمل عليٌّ ابنَ عباسٍ على الحج، قال: فخطب الناسَ خطبة لو سمعها الترك والرُّوم لأسلموا، ثم قرأ عليهم سُورة النور، فجعل يفسرها.
٨٦- وحدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال: حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن أبي وائل شقيق بن سلمة، قال: قرأ ابنُ عباسٍ سورة البقرة، فجعل يُفسِّرها، فقال رجل: لو سمعتْ هذا الديلمُ لأسلمتْ (٣).
٨٧- وحدثنا أبو كريب، قال: حدثنا أبو يمَان: عن أشعث بن إسحاق، عن جعفر، عن سعيد بنُ جبير، قال: من قرأ القرآنَ ثم لم يُفسِّره، كان كالأعمى أو كالأعرابي (٤).
(٢) في المخطوط والمطبوع "سالم"، وانظر ما سلف ص: ٨٧ رقم: ١
(٣) الخبران ٨٥-٨٦- ذكرهما الحافظ ابن حجر في الإصابة ٤: ٩٣: فذكر أولهما "في رواية أبي العباس السراج من طريق أبي معاوية عن الأعمش". وذكر ثانيهما من رواية "يعقوب بن سفيان عن قبيصة عن سفيان"، وهو الثوري.
(٤) الأثر ٨٧- أشعث بن إسحاق بن سعد بن مالك بن عامر القمي: ثقة، وثقه ابن معين وغيره. وله ترجمة في الكبير للبخاري ١١: ٤٢٨، وفي الجرح والتعديل لابن أبي حاتم ١١: ٢٦٩. وشيخه "جعفر": هو جعفر بن أبي المغيرة الخزاعي القمي. وأما الراوي عن أشعث، فقد ذكر هنا باسم "أبو يمان"، و "أبو اليمان" هو الحكم بن نافع، وهو من هذه الطبقة، ولكن لم يذكر أنه يروى عن "أشعث". والراجح عندنا أن صوابه "حدثنا ابن يمان". وابن يمان: هو يحيى بن يمان العجلي الكوفي، وقد ذكر في الرواة عن أشعث، وترجمه البخاري في الكبير ٤٢: ٣١٣ وقال: "سمع سفيان الثوري وأشعث القمي".
٨٩- وحدثنا أبو كريب، قال: حدثنا ابن إدريس، قال: سمعتُ الأعمش، عن شقيق، قال: شهدت ابن عباس وَولىَ الموسم، فقرأ سورة النور على المنبر، وفسرها، لو سمعت الروم لأسلمت (٢) !
قال أبو جعفر: وفي حَثِّ الله عز وجلّ عباده على الاعتبار بما في آي القرآن من المواعظ والبينات (٣) - بقوله جل ذكره لنبيه صلى الله عليه وسلم: ﴿كِتَابٌ أَنزلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الألْبَابِ﴾ [سورة ص: ٢٩] وقوله: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ * قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [سورة الزمر: ٢٧، ٢٨] وما أشبه ذلك من آي القرآن، التي أمر الله عبادَه وحثهم فيها على الاعتبار بأمثال آي القرآن، والاتِّعاظ بمواعظه- ما يدلّ على أنَّ عليهم معرفةَ تأويل ما لم يُحجب عنهم تأويله من آيه.
لأنه محالٌ أن يُقال لمن لا يفهمُ ما يُقال له ولا يعقِل تأويلَه: "اعتبرْ بما لا فَهْم لك به ولا معرفةَ من القِيل والبيان والكلام"- إلا على معنى الأمر بأن يفهمَه ويفقَهَه، ثم يتدبَّره ويعتبرَ به. فأما قبلَ ذلك، فمستحيلٌ أمرُه بتدبره وهو بمعناه جاهل. كما محالٌ أن يقال لبعض أصناف الأمم الذين لا يعقلون كلامَ العرب ولا يفهمونه،
(٢) الخبر ٨٩- ابن إدريس: هو عبد الله بن إدريس الأودي.
(٣) في المطبوعة "المواعظ والتبيان".
فكذلك ما في آي كتاب الله من العبر والحِكم والأمثال والمواعظ، لا يجوز أن يقال: "اعتبرْ بها" إلا لمن كان بمعاني بيانه عالمًا، وبكلام العرب عارفًا؛ وإلا بمعنى الأمر -لمن كان بذلك منهُ جاهلا- أنْ يعلم معاني كلام العرب، ثم يتدبَّره بعدُ، ويتعظ بحِكمَه وصُنوف عِبَرِه.
فإذْ كان ذلك كذلك -وكان الله جل ثناؤه قد أمر عباده بتدبُّره وحثهم على الاعتبار بأمثاله- كان معلومًا أنه لم يأمر بذلك من كان بما يدُلُّ عليه آيُه جاهلا. وإذْ لم يجز أن يأمرهم بذلك إلا وهُمْ بما يدلهم عليه عالمون، صحَّ أنهم -بتأويل ما لم يُحجَبْ عنهم علمه من آيه الذي استأثر الله بعلمه منه دون خلقه، الذي قد قدّمنا صفَته آنفًا- عارفون. وإذْ صَحَّ ذلك فسَدَ قول من أنكر تفسيرَ المفسرين -من كتاب الله وتنزيلِه- ما لم يحجب عن خَلقه تأويله.
التي غلِطَ في تأويلها منكر والقول في تأويل القرآن
فإن قال لنا قائل: فما أنت قائلٌ فيما:-
٩٠- حدثكم به العباس بن عبد العظيم، قال: حدثنا محمد بن خالد ابن عَثْمة، قال: حدثني جعفر بن محمد الزبيري، قال: حدثني هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: ما كان النبي ﷺ يُفسِّر شيئًا منَ القرآن إلا آيًا بعَددٍ، علَّمهنّ إياه جبريلُ.
٩١- حدثنا أبو بكر محمد بن يزيد الطرسوسي، قال: أخبرنا مَعْن، عن جعفر بن خالد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: لم يكن النبيُّ ﷺ يفسر شيئًا من القرآن، إلا آيًا بعَددٍ، علمهنّ إياه جبريل عليه السلام (١).
و"جعفر الزبيري"، راوي هذا الحديث: ذكر في الإسناد الثاني منسوبًا إلى جده، وهو جعفر بن محمد بن خالد، كما بينه ابن كثير، وكما ترجمه ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل ١١: ٤٨٧-٤٨٨، وابن حجر في لسان الميزان ٢: ١٢٤. وترجمه البخاري في الكبير ١٢: ١٨٩ منسوبًا لجده، ثم قال: "قال لي خالد بن مخلد: حدثنا جعفر بن محمد بن خالد بن الزبير بن العوام... وقال معن: عن جعفر بن خالد".
والراجح عندي أنه "جعفر بن محمد بن خالد"، لما ذكرنا، ولأن ابن سعد ترجم لجده "خالد بن الزبير" ٥: ١٣٧، وذكر أولاده، وفيهم "محمد الأكبر" و "محمد الأصغر"، ولم يذكر أن له ولدًا اسمه "جعفر".
وسيأتي أن يعل الطبري نفسه هذين الإسنادين بأن جعفرًا راويهما "ممن لا يعرف في أهل الآثار". ص: ٨٩ وقد نقل ابن كثير أن البخاري قال فيه: "لا يتابع في حديثه"، وكذلك نقل الذهبي عنه في الميزان، وتبعه ابن حجر في لسان الميزان. ولكن البخاري ترجم له في التاريخ الكبير، فلم يقل شيئًا من هذا ولم يذكر فيه جرحًا، وكذلك ابن أبي حاتم لم يذكر فيه جرحًا، ولم يذكره البخاري ولا النسائي في الضعفاء. ونقل ابن حجر أن ابن حبان ذكره في الثقات. وأن يذكره البخاري في التاريخ دون جرح أمارة توثيقه عنده. وهذان كافيان في الاحتجاج بروايته. ولئن لم يعرفه الطبري في أهل الآثار لقد عرفه غيره.
وفي الإسناد الأول من هذين "محمد بن خالد ابن عثمة"، وقد ترجمه البخاري في الكبير ١١: ٧٣-٧٤، وقال: "محمد بن خالد، ويقال: ابن عثمة، وعثمة أمه"، ونحو ذلك في الجرح والتعديل ٣٢: ٢٤٣، فينبغي أن ترسم "ابن" بالألف، وهي مرفوعة تبعًا لرفع "محمد" وأمه "عثمة" بفتح العين المهملة وسكون الثاء المثلثة. ومحمد بن خالد هذا: ثقة.
وقوله في الروايتين "إلا آيًا بعدد" غيره مصححو المطبوعة "آيا تعد". وفعلوا ذلك في حيث كرر لفظ الحديث بعد.
٩٣- وحدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا بشر بن عمر، قال: حدثنا مالك بن أنس، عن يحيى بن سعيد، قال: سمعت رجلا يسأل سعيد بن المسيب عن آيةٍ من القرآن، فقال: لا أقول في القرآن شيئًا.
٩٤- حدثنا يونس، قال: حدثنا ابن وهب، قال: أخبرني مالك، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب: أنه كان إذا سُئل عن تفسير آية من القرآن، قال: أنا لا أقول في القرآن شيئًا.
٩٦- حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا حكام، قال: حدثنا سفيان، عن هشام، عن ابن سيرين، قال: سألت عَبِيدة السلماني عن آيةٍ، قال: عليك بالسَّداد، فقد ذهب الذين علمُوا فيمَ أنزل القرآن.
٩٧- حدثني يعقوب، قال: حدثنا ابنُ عليَة، عن أيوب وابن عون، عن محمد، قال: سألت عَبِيدة عن آية من القرآن فقال: ذهبَ الذين كانوا يعلَمون فيمَ أنزل القرآن، اتّق الله وعليك بالسَّداد.
٩٨- حدثني يعقوب، قال: حدثنا ابن علية، عن أيوب، عن ابن أبي مُليكة: أنّ ابن عباس سُئل عن آية لو سئل عنها بعضكم لقال فيها، فأبى أن يقول فيها.
٩٩- حدثني يعقوب، قال: حدثنا ابن علية، عن مهدي بن ميمون، عن الوليد بن مسلم، قال: جاءَ طلْق بن حبيب إلى جندب بن عبد الله، فسأله عن آية من القرآن، فقال له: أحَرِّج عليك إن كنت مُسلمًا، لمَّا قمت عنى - أو قال: أن تجالسني.
١٠٠- حدثني عباس بن الوليد، قال: أخبرني أبي، قال: حدثنا عبد الله ابن شَوْذَب، قال: حدثني يزيد بن أبي يزيد، قال: كنا نسأل سعيدَ بن المسيَّب عن الحلال والحرام، وكان أعلم الناس، فإذا سألناه عن تفسير آية من القرآن سَكَتَ كأن لم يسمع.
١٠١- وحدثنا محمد بن المثنى، قال: حدثنا محمد بن جعفر، قال: أخبرنا شعبة، عن عمرو بنُ مرة، قال: سأل رجلٌ سعيد بن المسيب عن آية من القرآن،
١٠٢- وحدثنا ابن المثنى، قال: حدثنا سعيد بن عامر، عن شعبة، عن عبد الله بن أبي السَّفَر، قال: قال الشعبي: والله مَا مِن آية إلا قد سألتُ عنها، ولكنها الروايةُ عن الله (١).
١٠٣- حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: حدثنا ابن علية، عن صالح -يعني ابن مسلم- قال: حدثني رجل، عن الشعبي، قال: ثلاثٌ لا أقول فيهن حتى أموت: القرآن، والروح، والرأي (٢).
وما أشبه ذلك من الأخبار؟ (٣).
قيل له: أما الخبر الذي روى عن رسول الله ﷺ أنه لم يكن يفسِّر من القرآن شيئًا إلا آيًا بعَددٍ، فإن ذلك مصحِّح ما قلنا من القول في الباب الماضي قَبْل، وهو: أنّ من تأويل القرآن ما لا يُدرك علمُه إلا ببيان الرسول صلى الله عليه وسلم. وذلك تفصيل جُمَلِ ما في آيه من أمر الله ونَهْيه (٤) وحلاله وحرامه، وحدوده وفرائضه، وسائر معاني شرائع دينه، الذي هو مجمَلٌ في ظاهر التنزيل، وبالعباد إلى تفسيره الحاجة - لا يدرَك علمُ تأويله إلا ببيان من عند الله على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، وما أشبه ذلك مما تحويه آيُ القرآن، من سائر حُكْمه الذي جعلَ الله بيانه لخلقه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلا يعلم أحدٌ من خلق الله تأويل ذلك إلا ببيان الرّسول صلى الله عليه وسلم، ولا يعلمه رسول الله
(٢) الأثر ١٠٣- صالح بن مسلم: هو البكري، وهو ثقة من الطبقة العليا، كما قال يحيى بن سعيد القطان، فيما نقل ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل ٢١: ٤١٣. وترجمه البخاري في الكبير أيضًا ٢٢: ٢٩١. وهو من الرواة عن الشعبي، ولكنه روى عنه هنا بالواسطة، وستأتي رواية له عن الشعبي رقم ١١٤.
(٣) هذا آخر السؤال الذي بدأ منذ ص: ٨٤.
(٤) في المطبوعة "وذلك يفصل". والإشارة في قوله "وذلك" إلى بيان رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ومن آي القرآن ما قد ذكرنا أن الله جل ثناؤه استأثرَ بعلم تأويله، فلم يُطلعْ على علمه مَلَكًا مقربًا ولا نبيًا مرسلا ولكنهم يؤمنون بأنه من عنده، وأنه لا يعلم تأويله إلا الله.
فأما ما لا بُدَّ للعباد من علم تأويله، فقد بيّن لهم نبيهم ﷺ ببيان الله ذلك له بوحيه مع جبريل. وذلك هو المعنى الذي أمره الله ببيانه لهم فقال له جل ذكره: ﴿وَأَنزلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نزلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [سورة النحل: ٤٤].
ولو كان تأويل الخبر عن رسول الله ﷺ -أنه كان لا
وفي أمر الله جلّ ثناؤه نبيَّه ﷺ ببلاغ ما أنزل إليه، وإعلامه إياه أنه إنما نزل إليه ما أنزل ليبين للناس ما نزل إليهم، وقيامِ الحجة على أنّ النبيّ ﷺ قد بلّغ وأدّى ما أمره الله ببلاغه وأدائِه على ما أمره به، وصحةِ الخبر عن عبد الله بن مسعود بقيله (١) : كان الرجل منا إذا تعلم عشرَ آيات لم يجاوزهُن حتى يعلم معانيهنّ والعملَ بهنّ - (٢) ما ينبئ عن جهل من ظنَّ أو توهَّم أنّ معنى الخبر الذي ذكرنا عن عائشة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه لم يكن يفسر من القرآن شيئا إلا آيًا بعَددٍ، هو أنه لم يكن يبين لأمته من تأويله إلا اليسير القليل منه.
هذا مع ما في الخبر الذي رُوي عن عائشة من العلَّة التي في إسناده، التي لا يجوز معها الاحتجاجُ به لأحدٍ ممن علم صحيحَ سَند الآثار وفاسدَها في الدين. لأنّ راويه ممن لا يُعْرف في أهل الآثار، وهو: جعفر بن محمد الزبيري.
وأما الأخبار التي ذكرناها عمن ذكرناها عنه من التابعين، بإحجامه عن التأويل، فإنّ فِعلَ من فعل ذلك منهم، كفعل من أحجم منهم عن الفُتيا في النَّوازل والحوادث، مع إقراره بأنّ الله جل ثناؤه لم يقبض نبيه إليه، إلا بعد إكمال الدين به لعباده، وعلمه بأن لله في كل نازلة وحادثة حُكمًا موجودًا بنصٍّ أو دلالة. فلم يكن إحجامُه عن القول في ذلك إحجامَ جاحدٍ أن يكون لله فيه حكم موجود بين أظهُرِ عباده، ولكن إحجامَ خائفٍ أن لا يبلغَ في اجتهاده ما كلَّف الله العلماء من عباده فيه.
فكذلك معنى إحجام مَن أحجم عن القيل في تأويل القرآن وتفسيره من العلماء السَّلف، إنما كان إحجامه عنه حِذارًا أن لا يبلغ أداءَ ما كلِّف من إصابة صوابِ القول فيه، لا على أن تأويل ذلك محجوبٌ عن علماء الأمة، غير موجود بين أظهرهم.
(٢) سياق عبارته من أول هذه الفقرة هو: "وفي أمر الله جل ثناؤه.. وفي قيام الحجة.. ، وفي صحة الخبر.. ما ينبئ.."
﴿عن بعض السلف فيمن كان من قدماء المفسرين محمودًا علمه بالتفسير﴾
﴿ومن كان منهم مذمومًا علمه به﴾
١٠٤- حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا وكيع، قال: حدثنا سفيان، عن سليمان، عن مسلم، قال: قال عبد الله: نعم تَرْجمانُ القرآن ابنُ عباس.
١٠٥- حدثني يحيى بن داود الواسطي، قال: حدثنا إسحاق الأزرق، عن سفيان، عن الأعمش، عن أبي الضحى، عن مسروق، عن عبد الله بن مسعود، قال: نعم تَرْجمانُ القرآن ابنُ عباس.
١٠٦- وحدثني محمد بن بشار، قال: حدثنا جعفر بن عون، قال: حدثنا الأعمش، عن أبي الضحى، عن مسروق عن عبد الله، بنحوه.
١٠٧- حدثنا أبو كريب قال: حدثنا طَلق بن غنام، عن عثمان المكي، عن ابن أبي مُليكة قال: رأيت مجاهدًا يسأل ابن عباس عن تفسير القرآن، ومعه ألواحُه، فيقول له ابن عباس: "اكتب"، قال: حتى سأله عن التفسير كلِّه (١).
١٠٨- حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا المحَاربي، ويونس بن بُكير قالا حدثنا محمد بن إسحاق، عن أبان بن صالح، عن مجاهد، قال: عرضتُ المصحفَ على ابن عباس ثلاث عَرْضات، من فاتحته إلى خاتمته، أوقِفه عند كل آية منه وأسألُه عنها.
١١٠- وحدثنا محمد بن المثنى، قال: حدثنا سليمان أبو داود، عن شعبة، عن عبد الملك بن مَيْسَرة، قال: لم يلق الضحّاكُ ابنَ عباس، وإنما لقي سعيدَ ابن جبير بالرّيّ، وأخذ عنه التفسير.
١١١- حدثنا ابن المثنى، قال: حدثنا أبو داود، عن شعبة، عن مُشَاش، قال: قلت للضحاك: سمعتَ من ابن عباس شيئًا؟ قال: لا
١١٢- حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا ابن إدريس، قال حدثنا زكريا، قال: كان الشعبي يمرّ بأبي صالح باذان، فيأخُذ بأذنه فيعرُكُها ويقول: تُفسِّر القرآنَ وأنتَ لا تقرأ القرآن! (١)
١١٣- حدثني عبد الله بن أحمد بن شَبُّويه، قال: حدثنا علي بن الحسين ابن واقد، قال: حدثني أبي، قال: حدثنا الأعمش، قال: حدثني سعيد بن جُبير، عن ابن عباس: ﴿وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ﴾ [سورة غافر: ٢٠] قال: قادر على أن يجزىَ بالحسنة الحسنة (٢) وبالسيئة السيئة ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [سورة غافر: ٢٠]، قال الحسين: فقلت للأعمش: حدَّثني به الكلبي، إلا أنه قال: إنّ الله قادرٌ أن يجزىَ بالسيئة السيئة وبالحسنة عَشْرًا، فقال الأعمش: لو أن الذي عند الكلبي عندي ما خرج مني إلا بخفير (٣).
(٢) في المخطوطة: "قادر على أن لا يجزى" وهو خطأ.
(٣) الخبر ١١٣- يأتي هذا الخبر في تفسير سورة غافر: ٢٠. ونصه هناك: "ما خرج مني إلا بحقير"، والذي كان هنا في المطبوعة "ما خرج مني بحقير"، والصواب ما أثبتناه. و "الخفير": مجير القوم الذي يكونون في ضمانه ما داموا في بلاده. وراوي هذا الخبر - علي بن الحسين بن واقد: ضعفه أبو حاتم، وقال البخاري: "كنت أمر عليه طرفي النهار، ولم أكتب عنه". وأبوه حسين بن واقد: ثقة.
١١٥- حدثني سليمان بن عبد الجبار، قال: حدَثني علي بن حَكيم، قال: حدثنا شَريك، عن مسلم بن عبد الرحمن النخعي، قال: كنت مع إبراهيم، فرأى السُّدِّي، فقال: أمَا إنه يُفسِّر تَفسير القوم.
١١٦- حدثنا ابن البرقي، قال: حدثنا عمرو بن أبي سلمة، قال: سمعتُ سعيد بن بَشِير، يقول عن قتادة، قال: ما أرى أحدًا يجري مع الكلبيّ في التفسير في عِنَان.
قال أبو جعفر: قد قلنا فيما مَضى من كتابنا هذا في وُجوه تأويل القرآن، وأن تأويل جميع القرآن على أوجهٍ ثلاثة:
أحدها لا سبيل إلى الوصول إليه، وهو الذي استأثر الله بعلمه، وحَجبَ علمه عن جميع خلقه، وهو أوقاتُ ما كانَ من آجال الأمور الحادثة، التي أخبر الله في كتابه أنها كائنة، مثل: وقت قيام الساعة، ووقت نزول عيسى بن مريم، ووقت طلوع الشمس من مغربها، والنفخ في الصور، وما أشبه ذلك.
والوجه الثاني: ما خصَّ الله بعلم تأويله نبيَّه ﷺ دون سائر أمته، وهو ما فيه مما بعباده إلى
والثالث منها: ما كان علمهُ عند أهل اللسان الذي نزل به القرآن، وذلك علم تأويل عربيته وإعرابه، لا يُوصَل إلى علم ذلك إلا من قِبَلهم.
فإذ كان ذلك كذلك، فأحقُّ المفسرين بإصابة الحق -في تأويلِ القرآنِ الذي إلى عِلم تَأويله للعباد السبيلُ- أوضحُهم حُجة فيما تأوّل وفسَّر، مما كان تأويله إلى رسول الله ﷺ دون سائر أمته (١) من أخبار رسول الله ﷺ الثابتة عنه: إمَّا من جهة النقل المستفيض، فيما وُجِد فيه من ذلك عنه النقلُ المستفيض، وإمَّا من جهة نقل العدول الأثبات، فيما لم يكن فيه عنه النَّقلُ المستفيض، أو من جهة (٢) الدلالة المنصوبة على صحته؛ وأصحُّهم برهانًا (٣) -فيما ترجَم وبيّن من ذلك- ممَا كان مُدركًا علمُه من جهة اللسان: (٤) إمّا بالشواهد من أشعارهم السائرة، وإمّا من منطقهم ولغاتهم المستفيضة المعروفة، كائنًا من كان ذلك المتأوِّل والمفسِّر، بعد أن لا يكون خارجًا تأويلُه وتفسيره ما تأول وفسر من ذلك، عن أقوال السلف من الصحابة والأئمة، والخلف من التابعين وعلماء الأمة.
(٢) كل ما جاء في هذه العبارة من قوله "جهة"، فمكانه في المطبوعة "وجه".
(٣) في المطبوعة: "وأوضحهم برهانا"، وليست بشيء. وقوله: "وأصحهم برهانًا" معطوف على قوله آنفًا "أوضحهم حجة".
(٤) ترجم: فسر وبين، كما مضى آنفًا في ص: ٧٠ رقم: ١.
القول في تأويل أسماء القرآن وسُوَره وآيهِ
قال أبو جعفر: إنّ الله تعالى ذكرهُ سمَّى تنزيله الذي أنزله على عبده محمد ﷺ أسماء أربعة:
منهن: "القرآن"، فقال في تسميته إياه بذلك في تَنزيله: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾ [سورة يوسف: ٣]، وقال: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [سورة النمل: ٧٦].
ومنهنّ: "الفرقان"، قال جل ثناؤه في وحيه إلى نبيه ﷺ يُسمِّيه بذلك: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نزلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [سورة الفرقان: ١].
ومنهن: "الكتاب": قال تباركَ اسمهُ في تسميته إياه به: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَا * قَيِّمًا﴾ [سورة الكهف: ١].
ومنهنّ: "الذكر"، قال تعالى ذكره في تسميته إياه به: ﴿إِنَّا نَحْنُ نزلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [سورة الحجر: ٩].
ولكلّ اسم من أسمائه الأربعة في كلام العرب، معنى ووجهٌ غيرُ معنى الآخر ووجهه.
فأما "القرآن"، فإن المفسرين اختلفوا في تأويله. والواجبُ أن يكون تأويله على قول ابن عباس: من التلاوة والقراءة، وأن يكون مصدرًا من قول القائل:
١١٧- وذلك أن يحيى بن عثمان بن صالح السهمي حدثني، قال: حدثنا عبد الله بن صالح، قال: حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ﴾ يقول: بيَّناه، ﴿فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ [سورة القيامة: ١٨] يقول: اعمل به (١).
ومعنى قول ابن عباس هذا: فإذا بيَّناه بالقراءة، فاعمل بما بيناه لك بالقراءة. ومما يوضح صحة ما قلنا في تأويل حديث ابن عباس هذا، ما:-
١١٨- حدثني به محمد بن سعد، قال: حدثني أبي، قال: حدثني عمي، قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن عبد الله بن عباس: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ [سورة القيامة: ١٧] قال: أن نُقرئك فلا تنسى ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ﴾ عليك ﴿فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ يقول: إذا تُلي عليك فاتَّبعْ ما فيه (٢).
قال أبو جعفر: فقد صرَّح هذا الخبرُ عن ابن عباس: أنّ معنى "القرآن" عنده القراءة، فإنه مصدر من قول القائل: قَرأتُ، على ما بيَّناه.
وأما على قول قتادة، فإن الواجب أن يكون مصدرًا، من قول القائل: قرأتُ الشيء، إذا جمعتَهُ وضممتَ بعضه إلى بعض، كقولك: "ما قرأتْ هذه الناقةُ سَلًى قطُّ" (٣) تريد بذلك أنها لم تضمُمْ رحمًا على ولد، كما قال عَمرو بن كلثوم التغلبيّ:
(٢) الأثر ١١٨- سيأتي أيضا في تفسير هذه الآية من سورة القيامة.
(٣) السلى: الجلدة الرقيقة التي يكون الولد في بطن أمه ملفوفًا فيها، وهو في الدواب والإبل: السلى، وفي الناس: المشيمة.
| تُرِيكَ -إذَا دَخَلْتَ على خَلاء، | وَقَدْ أمِنَت عُيُونَ الكاشِحِينا- (١) |
| ذراعي عَيْطَلٍ، أدْماءَ، بِكْرٍ، | هِجَانِ الّلوْن، لَمْ تَقْرَأ جَنِينا (٢) |
١١٩- وذلك أن بشر بن مُعاذ العَقَديّ حدثنا قال: حدثنا يزيد بن زُرَيْع قال: حدثنا سعيد بن أبي عَرُوبة، عن قتادةَ في قوله تعالى: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ يقول: حفظه وتأليفه، ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ اتَّبع حلاله، واجتنب حرامه.
١٢٠- حدثنا محمد بن عبد الأعلى الصنعاني، قال: حدثنا محمد بن ثور، قال: حدثنا معمر، عن قتادة بمثله. (٣)
فرأى قتادة أن تأويلَ "القرآن": التأليفُ.
قال أبو جعفر: ولكلا القولين -أعنى قولَ ابن عباس وقول قتادة- اللذين حكيناهما، وجهٌ صحيح في كلام العرب. غيرَ أنّ أولى قولَيْهما بتأويل قول الله تعالى: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ * فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ قول ابن عباس.
لأن الله جلّ ثناؤه أمر نبيه في غير آيةٍ من تنزيله باتباع ما أوحى إليه، ولم يرخِّص له في ترك اتباع شيء من أمره إلى وقتِ تأليفِه القرآنَ له. فكذلك قوله: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ نظير سائر ما في آي القرآن التي أمره الله فيها باتباع ما أوحى إليه في تنزيله.
(٢) العيطل: الناقة الطويلة العنق في حسن منظر وسمن. والأدماء: البيضاء مع سواد المقلتين، وخير الإبل الأدم، والعرب تقول: "قريش الإبل أدمها وصهبها"، يعنون أنها في الإبل كقريش في الناس فضلا. ووصفها بأنها بكر، لأن ذلك أحسن لها، وهي في عهدها ذلك ألين وأسمن. وهجان اللون: بيضاء كريمة. وسيأتي هذا البيت الثاني في تفسير الطبري ٢٩: ١١٨ "بولاق".
(٣) الأثر ١١٩، ١٢٠- سيأتي بإسناديه في تفسير سورة القيامة.
وإذ صَحَّ أن حكم كلّ آية من آي القرآن كانَ لازمًا النبيَّ ﷺ اتباعُه والعملُ به، مؤلَّفة كانت إلى غيرها أو غيرَ مؤلَّفة -صحّ ما قال ابن عباس في تأويل قوله: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ أنه يعني به: فإذا بيَّناه لك بقراءتنا، فاتبع ما بيناه لك بقراءتنا- دون قول من قال: معناه، فإذا ألَّفناه فاتَّبع ما ألفناه.
وقد قيل إن قول الشاعر:
| ضَحَّوْا بِأَشْمَطَ عُنْوانُ السُّجُودِ بِه | يُقَطِّع الَّليلَ تَسْبِيحًا وقُرْآنَا (١) |
فإن قال قائل: وكيف يجوز أن يسمى "قرآنًا" بمعنى القراءة، وإنما هو مقروء؟
قيل: كما جاز أن يسمى المكتوب "كتابًا"، بمعنى: كتاب الكاتب، كما قال الشاعر في صفة كتاب طَلاقٍ كتبه لامرأته:
| تُؤَمِّل رَجْعةً مِنّى، وفيها | كِتابٌ مثلَ ما لَصِق الغِرَاءُ (٢) |
(٢) لم أجد هذا البيت في شيء من المراجع التي بين يدي. وتنصب "مثل" على أنه بيان لحال المفعول المطلق المحذوف، وتقديره: "كتاب لاصق لصوقًا مثل ما لصق الغراء"
وأما تأويل اسمه الذي هو "فُرْقان"، فإن تفسيرَ أهل التفسير جاء في ذلك بألفاظ مختلفة، هي في المعاني مؤتلفة.
١٢١- فقال عكرمة، فيما حدثنا به ابن حُميد، قال: حدثنا حَكَّام بن سَلْم، عن عَنْبسة، عن جابر، عن عكرمة: أنه كان يقول: هو النَّجاة.
وكذلك كان السُّدِّيّ يتأوَّلهُ.
١٢٢- حدثنا بذلك محمد بن الحسين، قال: حدثنا أحمد بن المُفَضَّل، قال: حدثنا أسباط، عن السُّدِّي - وهو قول جماعة غيرهما.
وكان ابن عباس يقول: "الفرقان": المخرَجُ.
١٢٣- حدثني بذلك يحيى بن عثمان بن صالح، قال: حدثنا عبد الله بن صالح، عن معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس.
وكذلك كان مجاهد يقول في تأويله بذلك.
١٢٤- حدثنا بذلك ابن حُميد، قال: حدثنا حَكَّام، عن عنبسة، عن جابر، عن مجاهد (١).
وكان مجاهد يقول في قول الله عز وجل: ﴿يَوْمَ الْفُرْقَانِ﴾ [سورة الأنفال: ٤١] يومٌ فَرَقَ الله فيه بين الحقّ والباطل.
١٢٥- حدثني بذلك محمد بن عمرو الباهلي، قال: حدثني أبو عاصم، عن عيسى بن ميمون، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد (٢).
وكل هذه التأويلات في معنى "الفرقان" -على اختلاف ألفاظها- متقاربات المعاني. وذلك أنّ من جُعِل له مخرجٌ من أمر كان فيه، فقد جُعل
(٢) الأثر ١٢٥- يأتي في تفسير آية الأنفال: ٤١
فجميع ما روينا -عمن روينا عنه- في معنى "الفرقان"، قولٌ صحيح المعاني، لاتفاق معاني ألفاظهم في ذلك.
وأصل "الفُرْقان" عندنا: الفرقُ بين الشيئين والفصل بينهما. وقد يكون ذلك بقضاءٍ، واستنقاذٍ، وإظهار حُجَّة، ونَصْرٍ (١) وغير ذلك من المعاني المفرِّقة بين المحقّ والمبطِل. فقد تبين بذلك أنّ القرآن سُمّي "فرقانًا"، لفصله -بحججه وأدلَّته وحدود فرائضه وسائر معاني حُكمه- بين المحق والمبطل. وفرقانُه بينهما: بنصره المحقّ، وتخذيله المبطل، حُكمًا وقضاءً.
وأما تأويل اسمه الذي هو "كتابٌ": فهو مصدر من قولك "كتبت كتابًا" كما تقولُ: قمت قيامًا، وحسبت الشيء حسابًا. والكتابُ: هو خطُّ الكاتب حروفَ المعجم مجموعةً ومفترقة. وسُمي "كتابًا"، وإنما هو مكتوب، كما قال الشاعر في البيت الذي استشهدنا به:
وفيها كِتابٌ مثلَ ما لَصِقَ الغِراءُ
يعني به مكتوبًا.
وأما تأويل اسمه الذي هو "ذِكْرٌ"، فإنه محتمل معنيين: أحدهما: أنه ذكرٌ من الله جل ذكره، ذكَّر به عباده، فعرَّفهم فيه حدوده وفرائضه، وسائرَ ما أودعه من حُكمه. والآخر: أنه ذكرٌ وشرف وفخرٌ لمن آمن به وصدَّق بما فيه، كما قال جل ثناؤه: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ [سورة الزخرف: ٤٤]، يعني به أنه شرفٌ له ولقومه.
١٢٦- حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا أبو داود الطيالسي، قال: حدثنا أبو العوَّام -وحدثني محمد بن خلف العَسْقلاني، قال: حدثنا رَوَّاد بن الجرّاح، قال: حدثنا سعيد بن بَشير، جميعًا- عن قتادة، عن أبي المَليح، عن واثلة بن الأسْقَع: أن النبي ﷺ قال: أعطِيتُ مكان التوراةِ السبعَ الطُّوَل، وأعطيت مكان الزَّبور المِئِين، وأعطيتُ مكان الإنجيل المَثَاني، وفُضِّلت بالمفصَّل (١).
١٢٧- حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: حدثنا ابن عُلية، عن خالد الحذَّاء، عن أبي قِلابة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أعطِيتُ السبعَ الطُّوَل مكان التوراة، وأعطيت المثانِيَ مكانَ الزَّبور، وأعطيت المئين مكانَ الإنجيل، وفُضِّلت بالمفصَّل (٢). قال خالد: كانوا يسمُّون المفصَّل: العربيَّ. قال خالد: قال بعضهم: ليس في العربيّ سجدةٌ.
أما طريق الطيالسي، فإنه في مسنده رقم ١٠١٢، ورواه أحمد في المسند رقم ١٧٠٤٩ (٤: ١٠٧ طبعة الحلبي) وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد ٧: ١٥٨، ونسبه أيضًا للطبراني "بنحوه". وأبو العوام، في الإسناد الأول: هو "عمران بن داور" بفتح الدال وبعد الألف واو مفتوحة وآخره راء- "القطان"، وهو ثقة.
وأما الطريق الثاني، ففي إسناده "رواد بن الجراح العسقلاني"، وهو صدوق، إلا أنه تغير حفظه في آخر عمره، كما قال أبو حاتم، فيما نقله عنه ابنه في الجرح والتعديل ١٢: ٥٢٤، وقال البخاري في الكبير ٢١: ٣٠٧: "كان قد اختلط، لا يكاد أن يقوم حديثه". و" رواد" بفتح الراء وتشديد الواو وآخره دال. ووقع في الأصول هنا "داود"، وهو خطأ. وفي إسناده أيضًا "سعيد بن بشير"، وهو صدوق يتكلمون في حفظه. ولكن لم ينفرد "رواد" بروايته عن سعيد، فقد ذكره ابن كثير في التفسير ١: ٦٤ من كتاب أبي عبيد: عن هشام بن إسماعيل الدمشقي عن محمد بن شعيب عن سعيد بن بشير، وقال ابن كثير: "هذا حديث غريب، وسعيد بن بشير: فيه لين"، وهو تعليل غير محرر! فإن سعيد بن بشير لم ينفرد به -كما هو ظاهر- بل تأيدت روايته برواية الطيالسي عن أبي العوام عمران بن داور، وهو إسناد صحيح، كما قلنا. وسيأتي بإسناد ثالث، رقم ١٢٩.
(٢) الحديث ١٢٧- هذا خبر مرسل عن أبي قلابة.
١٢٩- حدثني أبو عُبيد الوَصَّابي، قال: حدثنا محمد بن حفص، قال: أنبأنا أبو حميد، حدثنا الفزاري، عن ليث بن أبي سُلَيم، عن أبي بُرْدة، عن أبي المَلِيح، عن واثلة بن الأسقع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: قال أعطاني ربيّ مكانَ التوراة السبعَ الطول، ومكان الإنجيل المثاني، ومكان الزَّبور المئين، وفضّلني ربي بالمفصَّل (٢).
قال أبو جعفر: والسبع الطُّوَل: البقرةُ، وآل عِمْران، والنساء، والمائدة،
(٢) الحديث ١٢٩- هذا إسناد آخر للحديث الماضي ١٢٦، وهو إسناد مشكل، لم تستبن لنا حقيقته:
فأوله "أبو عبيد الوصابي حدثنا محمد بن حفص"! كذا وقع في الأصول. وأخشى أن يكون خطأ، بل لعله الراجح عندي، فإن أبا عبيد الوصابي: هو محمد بن حفص نفسه، ترجمه ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل ٣٢: ٢٣٧، قال: "محمد بن حفص الوصابي الحمصي أبو عبيد، روى عن محمد بن حمير وأبي حيوة شريح بن يزيد. أدركته وأردت قصده والسماع منه، فقال لي بعض أهل حمص: ليس بصدوق، ولم يدرك محمد بن حمير، فتركته". وترجمه الحافظ في لسان الميزان ٥: ١٤٦ بنحو هذا، وزاد أن ابن مندة ضعفه، وأن ابن حبان ذكره في الثقات. وكذلك ذكره الدولابي في الكنى ٢: ٧٥، ٧٦ باسمه وكنيته، وروى حديثًا عن عبد الله بن أحمد بن حنبل عن أبي عبيد هذا.
ثم "أبو حميد" الراوي عنه محمد بن حفص: لم أستطع أن أعرف من هو؟ وكذلك "الفزاري" شيخ أبي حميد، وقد يكون هو أبا إسحاق الفزاري.
وأما أبو بردة: فهو أبو بردة بن أبي موسى الأشعري، وهو يروي في هذا الإسناد عن أبي المليح بن أسامة الهذلي، وكلاهما تابعي، إلا أن أبا بردة أكبر من أبي المليح، فيكون من رواية الأكابر عن الأصاغر.
وفي مجمع الزوائد ٧: ١٥٨ حديث نحو هذا من حديث أبي أمامة، قال الهيثمي: "رواه الطبراني، وفيه ليث بن أبي سليم، وقد ضعفه جماعة، ويعتبر بحديثه، وبقية رجاله رجال الصحيح".
١٣٠- حدثني بذلك يعقوب بن إبراهيم، قال: حدثنا هُشيم، عن أبي بِشر، عن سعيد بن جبير.
وقد روي عن ابن عباس قولٌ يدلّ على موافقته قولَ سعيد هذا.
١٣١- وذلك ما حدثنا به محمد بن بَشَّار، قال: حدثنا ابن أبي عَديّ، ويحيى بن سعيد، ومحمد بن جعفر، وسهل بن يوسف، قالوا: حدثنا عَوْف، قال: حدثني يزيد الفارسيّ، قال: حدثني ابن عباس: قال: قلت لعثمان بن عفان: ما حملكم على أن عَمَدْتُم إلى الأنفال، وهي من المثاني، وإلى براءة وهي من المئين، فقرنتم بينهما ولم تكتبوا سطرًا: "بسم الله الرحمن الرحيم"، ووضعتموهما في السبع الطُّوَل؟ ما حملكم على ذلك؟ قال عثمان: "كان رسول الله ﷺ ممَّا يأتي عليه الزمانُ وهو تُنزل عليه السُّورُ ذواتُ العَدد، فكان إذا نزل عليه الشيء دعا ببعض من كان يكتبُ فيقول: ضَعُوا هؤلاء الآيات في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا. وكانت الأنفال من أوائل ما نزل بالمدينة، وكانت براءةُ من آخر القرآن نزولا وكانت قِصَّتُها شبيهةً بقصتها، فظننت أنها منها. فقُبض رسول الله ﷺ ولم يُبيِّن لنا أنها منها، فمن أجل ذلك قرنتُ بينهما، ولم أكتب بينهما سطر: "بسم الله الرحمن الرحيم"، ووضعتهما في السبَّع الطُّوَل" (٢).
فهذا الخبر ينبئ عن عثمان بن عفان رحمة الله عليه، أنه لم يكن تَبيَّن له أنَّ
(٢) الخبر ١٣١ - رواه أحمد بن حنبل في المسند عن يحيى بن سعيد، وعن إسماعيل بن إبراهيم، وعن محمد بن جعفر، كلهم عن عوف الأعرابي، بهذا الإسناد، مطولا، برقمي: ٣٩٩، ٤٩٩ وهو حديث ضعيف جدًا، فصلت طرقه، ووجه ضعفه، في شرح المسند: ٣٩٩.
وإنما سميت هذه السور السبعَ الطُّوَل، لطولها على سائر سُوَر القرآن.
وأما "المئون: فهي ما كان من سور القرآن عددُ آية مئة آية، أو تزيد عليها شيئا أو تنقص منها شيئا يسيًرا.
وأما "المثاني: فإنها ما ثَنيَّ المئين فتلاها، وكان المئون لها أوائلَ، وكان المثاني لها ثواني. وقد قيل: إن المثاني سميت مثاني، لتثنية الله جل ذكره فيها الأمثالَ والخبرَ والعبرَ، وهو قول ابن عباس.
١٣٢- حدثنا بذلك أبو كريب، قال: حدثنا ابن يمان، عن سفيان، عن عبد الله بن عثمان، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس.
وروى عن سعيد بن جبير، أنه كان يقول: إنما سميت مثاني لأنها ثنيت فيها الفرائضُ والحدود.
١٣٣- حدثنا بذلك محمد بن بَشَّار، قال: حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جُبير.
وقد قال جماعة يكثر تعدادهم: القرآن كله مَثانٍ.
وقال جماعة أخرى: بل المثاني فاتحة الكتاب، لأنها تُثْنَى قراءتُها في كل صلاة.
وسنذكر أسماء قائلي ذلك وعللَهم، والصوابَ من القول فيما اختلفوا فيه من ذلك، إذا انتهينا إلى تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي﴾ [سورة الحجر: ٨٧] إن شاء الله ذلك.
وبمثل ما جاءتْ به الرواية عن رسول الله ﷺ في أسماء سور القرآن التي ذُكرَتْ، جاء شعرُ الشعراء. فقال بعضهم:
| حَلفتُ بالسَّبع اللّواتي طُوِّلتْ | وبِمِئينَ بعدَها قد أُمْئِيَت (١) |
| وبمَثَانٍ ثُنِّيتْ فكُرِّرتْ | وبالطَّواسِينِ التي قد ثُلِّثَتْ (٢) |
| وبالحَوامِيم اللَّوَاتِي سُبِّعتْ | وبالمفصَّلِ اللَّواتِي فُصِّلتْ (٣) |
وأما "المفصَّل": فغنها سميت مفصَّلا لكثرة الفصول التي بين سورَها ب "بسم الله الرحمن الرحيم".
قال أبو جعفر: ثم تسمى كل سورة من سور القرآن "سورة"، وتجمع سُوَرًا"، على تقدير "خُطبة وخُطب"، "وغُرفة وغُرَف".
والسورة، بغير همز: المنزلة من منازل الارتفاع. ومن ذلك سُور المدينة، سمي بذلك الحائطُ الذي يحويها، لارتفاعه على ما يحويه. غير أن السُّورة من سُور المدينة لم يسمع في جمعها "سُوَر"، كما سمع في جمع سورة من القرآن "سور". قال العجاج في جمع السُّورة من البناء:
| فرُبَّ ذِي سُرَادِقٍ مَحْجُورِ | سُرْتُ إليه في أعالي السُّورِ (٤) |
(٢) الطواسين التي ثلثت، يعني طسم الشعراء، وطس النمل، وطسم القصص.
(٣) الحواميم التي سبعت: سبع سور من سورة غافر إلى سورة الأحقاف.
(٤) ديوانه: ٢٧. والسرادق: كل ما أحاط بالشيء واشتمل عليه، من مضرب أو خباء أو بناء. ويعني حريم الملك. ومحجور: محرم ممنوع لا يوطأ إلا بإذن. وسار الحائط يسوره وتسوره: علاه وتسلقه. "سرتُ إليه": تسلقته.
ومن الدلالة على أنّ معنى السورة: المنزلةُ من الارتفاع، قول نابغة بني ذُبيان:
| أَلَمْ تَرَ أنَّ الله أعطاكَ سُورَةً | تَرَى كلَّ مَلْكٍ دُونَها يَتَذَبْذَبُ (٤) |
وقد همز بعضهم السورةَ من القرآن. وتأويلُها، في لغة من هَمَزها، القطعةُ التي قد أفضِلت من القرآن عما سواها وأبقيت. وذلك أن سؤر كل شيء: البقية منه تَبقى بعدَ الذي يُؤخذ منه، ولذلك سميت الفضْلة من شراب الرجل -يشرَبُه ثم يُفضلها فيبقيها في الإناء- سُؤْرًا. ومن ذلك قول أعشى بني ثعلبة، يصف امرأةً فارقته فأبقت في قلبه من وجْدِها بقية:
| فبَانَتْ، وقد أَسْأَرتْ في الفُؤادِ | صَدْعًا، على نَأيِهَا، مُسْتَطِيَرا (٥) |
(٢) في المطبوعة "مفردا" مكان "منفردا".
(٣) يعني أنه اسم جنس، سبق الجمع الواحد. لأنه لم يوضع للآحاد، وإنما وضع لجملته مجتمعًا، وهو الذي يفرق بينه وبين واحده بالتاء.
(٤) ديوانة: ٥٧، ويأتي في تفسير الطبري: ٢١٥ (بولاق). يتذبذب: يضطرب ويحار. والذبذبة: تردد الشيء المعلق في الهواء يمنة ويسرة. يقول: أعطاك الله من المنزلة الرفيعة، ما لو رامه ملك وتسامى إليه، بقى معلقًا دونها حائرًا يضطرب ويتردد، لا يطيق أن يبلغها.
(٥) ديوانه: ٦٧، ويأتي في تفسير للطبري ٢٩: ١٢٩ (بولاق). استطار الصدع في الزجاجة وغيرها: تبين فيها من أولها إلى آخرها، وفشا وامتد.
| بَانَتْ، وقد أَسْأَرْت في النَّفس حَاجتَهَا، | بعدَ ائتِلاف; وخيرُ الوُدِّ ما نَفَعَا (١) |
أحدهُما: أن تكون سمِّيت آية، لأنها علامةٌ يُعرف بها تمام ما قبلها وابتداؤها، كالآية التي تكون دلالةً على الشيء يُستدلْ بها عليه، كقول الشاعر:
| ألِكْنى إليها، عَمْرَك اللهُ يا فَتى، | بآيةِ ما جَاءتْ إلينا تَهَادِيَا (٢) |
والآخر منهما: القصةُ، كما قال كعب بن زهير بن أبي سُلمى:
ألا أبْلغا هذا المُعَرِّض آيَةً:... أَيْقَظانَ قالَ القولَ إذْ قَالَ، أمْ حَلَم (٤)
يعني بقوله "آية": رسالةً منّي وخبرًا عني.
فيكون معنى الآيات: القصص، قصةٌ تتلو قصةً، بفُصُول ووُصُول.
(٢) الشعر لسحيم عبد بني الحسحاس، ديوانه: ١٩، ويأتي في تفسير الطبري ١: ١٥٦ (بولاق) ألكنى إليها: أبلغها رسالة مني، والرسالة: الألوك والمألكة. وتهادى في مشيه: تمايل دلالا أو ضعفًا.
(٣) في المخطوطة: "بعلامة دلت"، وهو خطأ.
(٤) ديوانه: ٦٤، وروايته: "أنه أيقظان". وقد استظهرت في شرح كتاب طبقات فحول الشعراء لابن سلام: ٨٩، أن الصواب "آية"، كما جاء في مخطوطة الطبقات، وشرح الطبري دال على صواب ما استظهرت. وأهملت كتب اللغة تفسير هذا الحرف على وجهه، مع مجيئه في شعر كعب وغيره، كقول حجل بن نضلة:
| أبلغْ معاويةَ الممزَّق آيَةً | عنِّي، فلستُ كبَعض من يتَقَوَّلُ |
قال أبو جعفر: صَحَّ الخبرُ عن رسول الله ﷺ بما:-
١٣٤- حدثني به يونس بن عبد الأعلى، قال: حدثنا ابن وهب، قال: أخبرني ابن أبي ذئب، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: هي أمّ القرآن، وهي فاتحة الكتاب، وهي السبع المثاني (١).
فهذه أسماءُ فاتحة الكتاب.
وسمّيت "فاتحة الكتاب"، لأنها يُفتتح بكتابتها المصاحف، ويُقرأ بها في الصلوات، فهي فَواتح لما يتلوها من سور القرآن في الكتابة والقراءة.
وسمّيت "أم القرآن" لتقدمها على سائر سور القرآن غيرها، وتأخُّر ما سواها خلفها في القراءة والكتابة. وذلك من معناها شبيهٌ بمعنى فاتحة الكتاب. وإنما قيل لها -بكونها كذلك- أمَّ القرآن، لتسمية العرب كل جامع أمرًا -أو مقدِّمٍ لأمر إذا كانت له توابعُ تتبعه، هو لها إمام جامع- "أمًّا". فتقول للجلدة التي تجمع الدُّماغ: "أم الرأس" (٢). وتسمى لواء الجيش ورايتهم التي يجتمعون تحتها للجيش - "أمًّا". ومن ذلك قول ذي الرُّمة، يصف رايةً معقودة على قناة يجتمع تحتها هو وصحبُه:
(٢) في المخطوطة: "تلي للدماغ"، وهذه أجود.
| وَأَسَمْرَ، قَوَّامٍ إذَا نَام صُحْبَتِي، | خَفِيفِ الثِّيابِ لا تُوَارِي لَهُ أَزْرَا (١) |
| عَلَى رَأْسِه أمٌّ لنا نَقْتَدِي بِهَا، | جِماعُ أمورٍ لا نُعاصِي لَهَا أمْرَا (٢) |
| انزلُوا، وإذا غدَتْ | غَدَتْ ذاتَ بِرْزيقٍ نَنَال بِهَا فَخْرَا (٣) |
| إذا كانتِ الخمسُونَ أُمَّكَ، لَم يكنْ | لِدَائك، إلا أَنْ تَمُوت، طَبِيبُ (٤) |
(٢) في الديوان: "يهتدي"، والصواب "نهتدي". وأمه التي ذكر، هي اللواء، ويقال للواء وما لف على الرمح منه: أم الرمح. وجماع أمور: أي تجمعها فتجتمع عليها، وفي الحديث: "حدثني بكلمة تكون جماعًا. قال: اتق الله فيما تعلم". والأمور جمع أمر: يعني شئونًا عظامًا. وأما قوله: لا نعاصي لها أمرًا. فهو من الأمر نقيض النهي.
(٣) "نزلت" يعني الراية. و "غدت": سارت غدوة. وفي المطبوعة "ذات تزريق" وهو خطأ. والبزريق: الموكب الضخم فيه جماعات الناس. وقوله: "ننال بها فخرًا" أي نغزو في ظلالها، فنظهر على عدونا ونظفر ونغنم، وذلك هو الفخر. وفي الديوان: "تخال بها فخرًا" وفي المخطوطة: "تخال لها"، كأنه من صفة الراية نفسها، تهتز وتميل فخرًا وتيهًا لكثرة أتباعها من الغزاة والفرسان.
(٤) الشعر ليس لحميد بن ثور، ولا هو في ديوانه، بل هو لأبي محمد التيمي عبد الله بن أيوب، مولى بني تيم ثم من بني سليم، من أهل الكوفة، من شعراء الدولة العباسية. أحد الخلعاء المجان الوصافين للخمر، كان صديقا لإبراهيم الموصلي وابنه إسحاق، ونديمًا لهما. ثم اتصل بالبرامكة ومدحهم، واتصل بيزيد بن مزيد، فلم يزل منقطعًا إليه حتى مات يزيد. الأغاني ١٨: ١١٥. وهذا البيت من قصيدة له، روى بعض أبياتها الجاحظ في البيان ٣: ١٩٥، وابن قتيبة في عيون الأخبار ٢: ٣٢٢، والراغب في محاضرات الأدباء ٢: ١٩٨، ومجموعة المعاني: ١٢٤، والشعر فيها جميعًا منسوب لأبي محمد التيمي، وهو:
إذا كانت السبعون سنّك، لم يكُن... لدائِك، إلا أن تَموتَ، طبيبُ وإن امرأً قد س... إلى مَنْهلٍ، مِن وِرْدِه لقريبُ إذا ما خلوتَ الدَّ... خلوتُ، ولكن قلْ عليَّ رقيبُ إذا مَا انقَضَى القَرْن... وخُلِّفْت في قرنٍ فأنت غريبُ
وللبيت الثاني قصة في أمالي القالي ٣: ١، وانظر زهر الآداب ٣: ٢٢١، وذكر البيت الثاني والرابع وقال: "قال دعبل: وتزعم الرواة أنه لأعرابي من بني أسد". واختلفوا في رواية قوله: "السبعون سنك"، ففيها "الخمسون"، و "الستون". ولم أجد روايته "أمك" مكان "سنك" إلا في كتاب الطبري وحده.
وإنما اختلفوا في الآي التي صارت بها سبع آيات. فقال عُظْمُ أهل الكوفة: صارت سبع آيات ب ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ورُوي ذلك عن جماعة من أصحاب رسول الله ﷺ والتابعين. وقال آخرون: هي سبع آيات، وليس منهن ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ولكن السابعة "أنعمت عليهم". وذلك قول عُظْم قَرَأةِ أهل المدينة ومُتْقنيهم (١).
قال أبو جعفر: وقد بيَّنا الصواب من القول عندنا في ذلك في كتابنا: (اللطيف في أحكام شرائع الإسلام) بوجيز من القول، ونستقصي بيان ذلك بحكاية أقوال المختلفين فيه من الصحابة والتابعين والمتقدمين والمتأخرين في كتابنا: (الأكبر في أحكام شرائع الإسلام) إن شاء الله ذلك.
وأما وصف النبي ﷺ آياتها السبعَ بأنهن مَثان، فلأنها تُثْنَى قراءتها في كل صلاة وتطوُّع ومكتوبة. وكذلك كان الحسن البصري يتأوّل ذلك.
١٣٥- حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: حدثنا ابن عُليَة، عن أبي رَجاء، قال سألت الحسن عن قوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾
والمعنى الذي قلنا في ذلك قصد أبو النجم العجلي بقوله:
| الحمدُ لله الذي عَافَانِي | وكلَّ خَيْر بعدَهُ أَعْطانِي |
وكذلك قول الراجز الآخر:
| نَشَدْتُكم بِمُنزل الفُرقانِ | أمِّ الكِتَاب السَّبع من مَثَانِي (٣) |
| ثُنِّينَ مِنْ آيٍ من القُرْآنِ | والسَّبعِ سبعِ الطُّوَل الدَّوانِي (٤) |
فأما وجه تسمية ما ثَنَّى المئينَ من سور القرآن بالمثاني، فقد بينا صحته، وسندُلّ على صحة وجه تسمية جميع القرآن به عند انتهائنا إليه في سورة الزُّمَر، إن شاء الله.
(٢) اللسان (ثنى) : ومجاز القرآن لأبي عبيدة: ٧. وقوله "بعده" الضمير عائد بالتذكير إلى معنى العافية في البيت السالف. ورواية اللسان وأبي عبيدة "وكل خير صالح"، ثم روى الأخير:
"رب مثاني الآي والقرآن"
(٣) مجاز القرآن لأبي عبيدة: ٧ "أم الكتاب" بدل من "الفرقان".
(٤) في المطبوعة "تبين" ولا معنى لها، ومكان هذه الكلمة بياض في المخطوطة. و "ثنين": كررن مرة بعد مرة. وقوله "الدواني" مكانها بياض في المخطوطة. وكأنه أراد جمع دانية، ووصفها بأنها "دواني"، أي قطوفها دانية.
(٥) في المطبوعة: "وجود" مكان "وجوب" في الموضعين السالفين. وفي المطبوعة "ولما يثنى من السور"، وهي في المخطوطة: "ولما هي المئين... " وكلتاهما خطأ. وقد سلف في ص: ١٠٣ قوله: "وأما المثاني، فإنها ما ثنى المئين فتلاها، وكان المئون لها أوائل، وكان المثاني لها ثواني" وثنى: أتى ثانيًا له.
القول في تأويل الاستعاذة
تأويل قوله: ﴿أَعُوذُ﴾.
قال أبو جعفر: والاستعاذة: الاستجارة. وتأويل قول القائل: ﴿أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ أستجيرُ بالله - دون غيره من سائر خلقه - من الشيطان أن يضرَّني في ديني، أو يصدَّني عن حق يلزَمُني لرَبي.
تأويل قوله: ﴿مِنَ الشَّيْطَانِ﴾
قال أبو جعفر: والشيطان، في كلام العرب: كل متمرِّد من الجن والإنس والدوابِّ وكل شيء. وكذلك قال ربّنا جل ثناؤه: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإنْسِ وَالْجِنِّ﴾ [سورة الأنعام: ١١٢]، فجعل من الإنس شياطينَ، مثلَ الذي جعل من الجنّ.
وقال عمر بن الخطاب رحمة الله عليه، وركب بِرذَوْنًا فجعل يتبختر به، فجعل يضربه فلا يزداد إلا تبخترًا، فنزل عنه، وقال: ما حملتموني إلا على شيطانٍ! ما نزلت عنهُ حتى أنكرت نَفسي.
١٣٦- حدثنا بذلك يونس بن عبد الأعلى، قال: أنبأنا ابن وهب، قال: أخبرني هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عمر (١).
قال أبو جعفر: وإنما سُمي المتمرِّد من كل شيء شيطانًا، لمفارقة أخلاقه وأفعاله أخلاقَ سائر جنسه وأفعاله، وبُعدِه من الخير. وقد قيل: إنه أخذ من
| نأتْ بِسُعَادَ عَنْك نَوًى شَطُونُ | فبانَت، والفؤادُ بها رَهِينُ (١) |
| أَيُّمَا شاطِن عَصَاه عَكاهُ | ثُم يُلْقَى في السِّجْن والأكْبَالِ (٢) |
تأويل قوله: (الرَّجِيمِ).
وأما الرجيم فهو: فَعيل بمعنى مفعول، كقول القائل: كفٌّ خضيبٌ، ولحيةٌ دهين، ورجل لَعينٌ، يريد بذلك: مخضوبة ومدهونة وملعون. وتأويل الرجيم: الملعون المشتوم. وكل مشتوم بقولٍ رديء أو سبٍّ فهو مَرْجُوم. وأصل الرجم الرَّميُ، بقول كان أو بفعل. ومن الرجم بالقول قول أبي إبراهيم لإبراهيم صلوات الله عليه: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لأرْجُمَنَّكَ﴾ [سورة مريم: ٤٦].
وقد يجوز أن يكون قِيل للشيطان رجيمٌ، لأن الله جل ثناؤه طرَده من سَمواته، ورجمه بالشُّهب الثَّواقِب (٣)
(٢) ديوانه: ٥١، واللسان (شطن) و (عكا). وعكاه في الحديد والوثاق: شده شدًّا وثيقًا. والأكبال جمع كبل: وهو القيد من الحديد. وأظنه أراد هنا البيت في السجن المضبب بالحديد، من قولهم: كبله كبلا: حبسه في سجن. هذا ما أستظهره من سياق الشعر.
(٣) الشهب، جمع شهاب: وهو الشعلة من النار، ثم استعير للكوكب الذي ينقض بالليل. والثواقب، جمع ثاقب: وهو المضيء المشتعل.
١٣٧- حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا عثمان بن سَعيد، قال: حدثنا بشر بن عُمَارة، قال: حدثنا أبو رَوْق، عن الضحّاك، عن عبد الله بن عباس، قال: أول ما نزل جبريلُ على محمد قال: "يا محمد استعذ، قل: أستعيذ بالسميع العليم من الشيطان الرجيم"، ثم قال: قل: "بسم الله الرحمن الرحيم"، ثم قال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق: ١]. قال عبد الله: وهي أول سورة أنزلها الله على محمد بلسان جبريل (١).
فأمره أن يتعوذ بالله دون خلقه.
أما عثمان بن سعيد، فهو الزيات الأحول، مترجم في التهذيب، وفي الجرح والتعديل لابن أبي حاتم ٣ ١ ١٥٢، وروى عن أبيه أنه قال: "لا بأس به". وأما بشر بن عمارة، فهو الخثعمي الكوفي، وهو ضعيف، قال البخاري في التاريخ الكبير ١ ٢ ٨١ "تعرف وتنكر"، وقال النسائي في الضعفاء: ص ٦ "ضعيف"، وقال الدارقطني: "متروك"، وقال ابن حبان في كتاب المجروحين: ص ١٢٥ رقم ١٣٢: "كان يخطئ حتى خرج عن حد الاحتجاج به إذا انفرد، ولم يكن يعلم الحديث ولا صناعته"، وأما شيخه أبو روق - بفتح الراء وسكون الواو - فهو عطية بن الحارث الهمداني، وهو ثقة، وقال أحمد والنسائي: "لا بأس به".
وأما الانقطاع الذي أشار إليه ابن كثير، فمن أجل اختلافهم في سماع الضحاك بن مزاحم الهلالي من ابن عباس. وقد رجحنا في شرح المسند: ٢٢٦٢ سماعه منه.
وكفى ببشر بن عمارة ضعفًا في الإسناد، إلى نكارة السياق الذي رواه وغرابته!!
بسم الله الرحمن الرحيم
القول في تأويل قوله جل ثناؤه وتقدست أسماؤه: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١) مَلِكِ النَّاسِ (٢) إِلَهِ النَّاسِ (٣) مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ (٤) الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (٥) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ (٦)﴾.يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل يا محمد أستجير (بِرَبِّ النَّاسِ مَلِكِ النَّاسِ) وهو ملك جميع الخلق: إنسهم وجنهم، وغير ذلك، إعلاما منه بذلك من كان يعظم الناس تعظيم المؤمنين ربهم أنه ملك من يعظمه، وأن ذلك في مُلكه وسلطانه، تجري عليه قُدرته، وأنه أولى بالتعظيم، وأحقّ بالتعبد له ممن يعظمه، ويُتعبد له، من غيره من الناس.
وقوله: (إِلَهِ النَّاسِ) يقول: معبود الناس، الذي له العبادة دون كل شيء سواه.
وقوله: (مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ) يعني: من شرّ الشيطان (الْخَنَّاسِ) الذي يخنِس مرّة ويوسوس أخرى، وإنما يخنِس فيما ذُكر عند ذكر العبد ربه.
* ذكر من قال ذلك:
حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا يحيى بن عيسى، عن سفيان، عن حكيم بن جُبير، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: ما من مولود إلا على قلبه الوَسواس، فإذا عقل فذكر الله خَنَس، وإذا غَفَل وسوس، قال: فذلك قوله: (الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ).
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن سفيان، عن ابن عباس، في قوله (الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ) قال: الشيطان جاثم على قلب ابن آدم، فإذا سها
قال: ثنا مهران، عن عثمان بن الأسود، عن مجاهد (الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ) قال: ينبسط فإذا ذكر الله خَنَس وانقبض، فإذا غفل انبسط.
حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله (الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ) قال: الشيطان يكون على قلب الإنسان، فإذا ذكر الله خَنَس.
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة (الْوَسْوَاسِ) قال: قال هو الشيطان، وهو الخَنَّاس أيضا، إذا ذكر العبد ربه خنس، وهو يوسوس وَيخْنِس.
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة (مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ) يعني: الشيطان، يوسوس في صدر ابن آدم، ويخنس إذا ذُكر الله.
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن أبيه، قال: ذُكر لي أن الشيطان، أو قال الوسواس، ينفث في قلب الإنسان عند الحزن وعند الفرح، وإذا ذُكر الله خنس.
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: (الْخَنَّاسِ) قال: الخناس الذي يوسوس مرّة، ويخنس مرّة من الجنّ والإنس، وكان يقال: شيطان الإنس أشدّ على الناس من شيطان الجنّ، شيطان الجنّ يوسوس ولا تراه، وهذا يُعاينك معاينة.
ورُوي عن ابن عباس رضى الله عنه أنه كان يقول في ذلك (مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ) الذي يوسوس بالدعاء إلى طاعته في صدور الناس، حتى يُستجاب له إلى ما دعا إليه من طاعته، فإذا استجيب له إلى ذلك خَنَس.
* ذكر من قال ذلك:
حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، في قوله (الْوَسْوَاسِ) قال: هو الشيطان يأمره، فإذا أطيع خنس.
والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال: إن الله أمر نبيه محمدا ﷺ أن يستعيذ به من شرّ شيطان يوسوس مرّة ويخنس أخرى، ولم يخصَّ وسوسته على نوع من أنواعها، ولا خنوسه على وجه دون وجه، وقد يوسوس بالدعاء إلى معصية الله،
وقوله: (الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ) يعني بذلك: الشيطان الوسواس، الذي يوسوس في صدور الناس: جنهم وإنسهم.
فإن قال قائل: فالجنّ ناس، فيقال: الذي يوسوس في صدور الناس من الجنة والناس. قيل: قد سماهم الله في هذا الموضع ناسا، كما سماهم في موضع آخر رجالا فقال: (وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الإنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ) فجعل الجنّ رجالا وكذلك جعل منهم ناسا.
وقد ذُكر عن بعض العرب أنه قال وهو يحدّث، إذ جاء قوم من الجنّ فوقفوا، فقيل: من أنتم؟ فقالوا: ناس من الجنّ، فجعل منهم ناسا، فكذلك ما في التنزيل من ذلك.
آخر كتاب التفسير، والحمد لله العلي الكبير.
تفسير القرآن العظيم — ابن كثير
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
وَرَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ أَيْضًا عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ رَبَاحٍ، عَنْ مَعْمَر، عَنْ هشَام، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: لَبِثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سِتَّةَ أَشْهُرٍ يُرى أَنَّهُ يَأْتِي وَلَا يَأْتِي، فَأَتَاهُ مَلَكَانِ، فَجَلَسَ أحدهما عند رأسه، والآخر عند رجليه، فقال أَحَدُهُمَا لِلْآخَرِ: مَا بَالُهُ؟ قَالَ: مَطْبُوبٌ. قَالَ: وَمَنْ طَبَّهُ؟ قَالَ: لَبِيدُ بْنُ الْأَعْصَمِ، وَذَكَرَ تَمَامَ الْحَدِيثِ (٣).
وَقَالَ الْأُسْتَاذُ الْمُفَسِّرُ الثَّعْلَبِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَعَائِشَةُ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: كَانَ غُلَامٌ مِنَ الْيَهُودِ يَخْدِمُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فدبَّت إِلَيْهِ الْيَهُودُ، فَلَمْ يَزَالُوا بِهِ حَتَّى أَخَذَ مُشَاطة رَأْسِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعِدَّةَ أَسْنَانٍ مِنْ مُشطه، فَأَعْطَاهَا الْيَهُودَ، فَسَحَرُوهُ فِيهَا. وَكَانَ الَّذِي تُوَلَّى ذَلِكَ رَجُلٌ مِنْهُمْ -يُقَالُ لَهُ: [لَبِيَدُ] (٤) بْنُ أَعْصَمَ-ثُمَّ دَسَّهَا فِي بِئْرٍ لِبَنِي زُرَيق، وَيُقَالُ لَهَا: ذَرْوان، فَمَرِضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَانْتَثَرَ شَعْرُ رَأْسِهِ، وَلَبِثَ سِتَّةَ أَشْهُرٍ يُرَى أَنَّهُ يَأْتِي النِّسَاءَ وَلَا يَأْتِيهِنَّ، وَجَعَلَ يَذُوب وَلَا يَدْرِي مَا عَرَاهُ. فَبَيْنَمَا هُوَ نَائِمٌ إِذْ أَتَاهُ مَلَكَانِ فَقَعَد أَحَدُهُمَا عِنْدَ رَأْسِهِ وَالْآخَرُ عِنْدَ رِجْلَيْهِ، فَقَالَ الَّذِي عِنْدَ رِجْلَيْهِ لِلَّذِي عِنْدَ رَأْسِهِ: مَا بَالُ الرَّجُلِ؟ قَالَ: طُبَ. قَالَ: وَمَا طُبَ؟ قَالَ: سُحِرَ. قَالَ: وَمَنْ سَحَرَهُ؟ قَالَ: لَبِيدُ بْنُ أَعْصَمَ الْيَهُودِيُّ. قَالَ: وَبِمَ طَبَه؟ قَالَ: بِمُشْطٍ وَمُشَاطَةٍ. قَالَ: وَأَيْنَ هُوَ؟ قَالَ: فِي جُفَ طَلْعَةٍ تَحْتَ رَاعُوفَةٍ فِي بِئْرِ ذَرْوَان -وَالْجُفُّ: قِشْرُ الطَّلْعِ، وَالرَّاعُوفَةُ: حَجَرٌ فِي أَسْفَلِ الْبِئْرِ نَاتِئٌ يَقُومُ عَلَيْهِ الْمَاتِحُ -فَانْتَبَهَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَذْعُورًا، وَقَالَ: "يَا عَائِشَةُ، أَمَا شَعَرْتِ أَنَّ اللَّهَ أَخْبَرَنِي بِدَائِي؟ ". ثُمَّ بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلِيًّا وَالزُّبَيْرَ وَعَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ، فَنَزَحُوا مَاءَ الْبِئْرِ كَأَنَّهُ نُقاعة الْحِنَّاءِ، ثُمَّ رَفَعُوا الصَّخْرَةَ، وَأَخْرَجُوا الْجُفَّ، فَإِذَا فِيهِ مُشَاطَةُ رَأْسِهِ وَأَسْنَانٌ مِنْ مُشْطِهِ، وَإِذَا فِيهِ وَتَرٌ مَعْقُودٌ، فِيهِ اثْنَتَا عَشْرَةَ (٥) عُقْدَةً مَغْرُوزَةً بِالْإِبَرِ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى السُّورَتَيْنِ، فَجَعَلَ كُلَّمَا قَرَأَ آيَةً انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ، وَوَجَدَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خِفَّةً حِينَ انْحَلَّتِ الْعُقْدَةُ الْأَخِيرَةُ، فَقَامَ كَأَنَّمَا نَشطَ مِنْ عِقَالٍ، وَجَعَلَ جِبْرِيلُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، يَقُولُ: بِاسْمِ اللَّهِ أرْقِيك، مِنْ كُلِّ شَيْءٍ يُؤْذِيكَ، مِنْ حَاسِدٍ وَعَيْنٍ اللَّهُ يَشْفِيكَ. فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَفَلَا نَأْخُذُ الْخَبِيثَ نَقْتُلُهُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أما أَنَا فَقَدَ شَفَانِي اللَّهُ، وَأَكْرَهُ أَنْ يُثِيرَ عَلَى النَّاسِ شَرًّا" (٦).
هَكَذَا أَوْرَدَهُ بِلَا إِسْنَادٍ، وَفِيهِ غَرَابَةٌ، وَفِي بَعْضِهِ نَكَارَةٌ شَدِيدَةٌ، وَلِبَعْضِهِ شواهد مما تقدم، والله أعلم.
سورة الناس
{قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١) مَلِكِ النَّاسِ (٢) إِلَهِ النَّاسِ (٣) مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ
(٢) صحيح مسلم برقم (٢١٨٩) والمسند (٦/٩٦).
(٣) المسند (٦/٦٣).
(٤) زيادة من م، أ.
(٥) في م، أ: "فيه اثنا عشر".
(٦) الكشف والبيان للثعلبي "ق ١٩٤ المحمودية".
تيسير الكريم الرحمن — السعدي
وهذه السورة مشتملة على الاستعاذة برب الناس.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده أما بعد:فإن من نعم الله -عز وجل- ما منَّ به على والدنا الشيخ: عبد الرحمن بن ناصر السعدي من تأليف تفسيره المعروف بـ (تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان) فقد كتب الله لهذا التفسير القبول فانتفع به الجم الغفير من النّاس فطبع مراتٍ عديدة أولاها: طبعة المكتبة السلفية ومطبعتها لمحب الدين الخطيب -رحمه الله- أعقبتها طبعة المكتبة السعيدية بمراجعة وتصحيح: محمد زهري النجار، ولكن كثيرا من العلماء وطلبة العلم لاحظوا على هاتين الطبعتين -خاصة طبعة النجار- ملاحظات عديدة، جرت عليها الطبعات اللاحقة جميعها، وقد تبين صدق هذه الملاحظات وظهرت أضعافها عند مراجعة التفسير على نسختيه المخطوطتين، فبان ما في المطبوع من الأخطاء والنقص والزيادة.
ولقد علمنا جهد د: عبد الرحمن بن معلا اللويحق -الأستاذ المساعد في كلية الشريعة بالرياض- من تصحيح تفسير والدنا، ومقابلته على النسختين الخطيتين مع إخراجه في مجلد واحد على هامش المصحف، فرأينا أن هذا العمل قد سلم من عوار الأعمال السابقة فتميز عنها بطباعة التفسير على النسخة التي بخط الوالد -رحمه الله- ومراجعته على النسخة الخطية التي اعتمدتها المطبعة السلفية، فصار التفسير بهذا أقرب ما يكون لما أراده مؤلفه -رحمه الله- فلهذه الاعتبارات فإننا نعتمد هذه الطبعة بتحقيق ومقابلة عبد الرحمن بن معلا اللويحق، ونعدها الطبعة التي يجب أن تكون أصلا لغيرها من الطبعات اللاحقة، ونأمل أن تكف المطابع ودور النشر عن إعادة طباعة الطبعات السابقة لما فيها من أخطاء تتبين بقراءة مقدمة هذا العمل المبارك.
مع دعائنا الله -عز وجل- أن يغفر للوالد الشيخ: عبد الرحمن بن ناصر السعدي، وأن يجزل له الأجر والمثوبة وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
عن أبناء المؤلف -رحمه الله-
مساعد العبد بن السعدي
محمد العبد الرحمن الناصر السعدي
أحمد العبد الرحمن الناصر السعدي
١٤/٣ /١٤٢٠ هـ
الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليما كثيرا.
أما بعد:
فإن الله بحكمته ورحمته أنزل كتابه تبيانا لكل شيء، وجعله هدى وبرهانا لهذه الأمة، ويسره للذكر والتلاوة والهداية بجميع أنواعها ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ أنزله بلسان عربي مبين، وتكفل بحفظه وإبلاغه لجميع البشر، وقيض له من العلماء من يفسرونه، ويبلغونه للناس ألفاظه ومعانيه، لتتم بذلك الهداية وتقوم به الحجة. وقد أكثر العلماء من التأليف في تفسير القرآن العظيم كل بما أوتي من علم، فمنهم من يفسر القرآن بالقرآن، ومنهم من يفسره بالأخبار والآثار، ومنهم من يفسره من حيث اللغة العربية بأنواعها، ومنهم من يعتني بآيات الأحكام إلى غير ذلك.
وقد كان لشيخنا العلامة الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي - رحمه الله - من ذلك حظ وافر وذلك بتفسيره المسمى: (تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان) حيث جاء هذا التفسير سهل العبارة، واضح الإشارة، وصاغه على نمط بديع بعبارات قريبة لا خفاء فيها ولا غموض، فهو يعتني بإيضاح المعنى المقصود من الآية بكلام مختصر مفيد، مستوعب لجميع ما تضمنته الآية من معنى أو حكم سواء من منطوقها أو مفهومها، دون إطالة أو استطراد أو ذكر قصص أو إسرائيليات، أو حكاية أقوال تخرج عن المقصود، أو ذكر أنواع الإعراب إلا في النادر الذي يتوقف عليه المعنى، بل يركز على المعنى المقصود من الآية بعبارة واضحة يفهمها كل من يقرؤها مهما كان مستواه العلمي فهو في الحقيقة سهل ممتنع يفهم معناه من مجرد تلاوة لفظه، وقد اهتم بترسيخ العقيدة السلفية، والتوجه إلى الله، واستنباط الأحكام الشرعية، والقواعد الأصولية، والفوائد الفقهية إلى غير ذلك من الفوائد الأخرى التي لا توجد في غير تفسيره مع اهتمامه بتفسير آيات الصفات بمقتضى عقيدة السلف خلافا لما يؤولها بعض المفسرين.
وقد من الله علي فسمعت منه بعض تفسيره شفهيا في حلقات الدروس في مسجد الجامع بعنيزة، كما أنني ممن أشار عليه بطبعه فطبع الجزء الخامس فقط في حياته عام ١٣٧٥ هـ في المطبعة السلفية بمصر، وبعد ذلك تشاورنا في طبع بقيته، وساهمت في ذلك أيام كنت قاضيا في عنيزة فطبع باقيه بعد وفاته في عامي ٧٦ و ٧٧، وبعد تمام طبعه تداوله الناس بالقراءة والتدريس، ودرسناه لإخواننا وأبنائنا الطلاب وحصل بذلك خير كثير وقرأه أئمة المساجد على جماعاتهم لوضوح عباراته. وقد طبع بعد ذلك طبعات أخرى لا يخلو كل منها من ملاحظة أو مؤاخذة.
ولما صارت طبعاته بهذه المثابة مع حاجة الناس إليه سمت همة ابننا الشيخ الفاضل: عبد الرحمن بن معلا اللويحق الأستاذ بكلية الشريعة بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية إلى طبعه على هامش المصحف الموجه كل جزء (٢٠) صفحة مراعيا في كل صفحة وضع ما يتعلق بتفسيرها. وقد عرض علي النماذج الأولى لهذه الطبعة فأعجبتني، وسررت بها جدا مؤملا أن تكون هذه الطبعة خير معين على فهم كتاب الله تعالى، والاعتناء به تلاوة وحفظا وفهما، لأنه بهذا الصنيع يقرب الاستفادة لتالي القرآن لسهولة
وكتبه الفقير إلى الله
عبد الله بن عبد العزيز بن عقيل
رئيس الهيئة الدائمة بمجلس القضاء الأعلى سابقا
وعضو بمجلس القضاء الأعلى (متقاعد)
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: فإن تفسير شيخنا عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله تعالى المسمى (تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان) من أحسن التفاسير حيث كان له ميزات كثيرة:
منها سهولة العبارة ووضوحها حيث يفهمها الراسخ في العلم ومن دونه.
ومنها تجنب الحشو والتطويل الذي لا فائدة منه إلا إضاعة وقت القارئ وتبلبل فكره.
ومنها تجنب ذكر الخلاف إلا أن يكون الخلاف قويا تدعو الحاجة إلى ذكره وهذه ميزة مهمة بالنسبة للقارئ حتى يثبت فهمه على شيء واحد.
ومنها السير على منهج السلف في آيات الصفات فلا تحريف ولا تأويل يخالف مراد الله بكلامه فهو عمدة في تقرير العقيدة.
ومنها دقة الاستنباط فيما تدل عليه الآيات من الفوائد والأحكام والحكم وهذا يظهر جليا في بعض الآيات كآية الوضوء في سورة المائدة حيث استنبط منها خمسين حكما وكما في قصة داود وسليمان في سورة ص.
ومنها أنه كتاب تفسير وتربية على الأخلاق الفاضلة كما يتبين في تفسير قوله تعالى في سورة الأعراف ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾.
ومن أجل هذا أشير على كل مريد لاقتناء كتب التفسير أن لا تخلو مكتبته من هذا التفسير القيم.
وأسأل الله تعالى أن ينفع به مؤلفه وقارئه إنه كريم جواد وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان. كتبه محمد الصالح العثيمين
في ١٥/ رمضان ١٤١٦ هـ
الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.
أما بعد:
فإن إنزال القرآن الكريم على هذه الأمة منة عظمى؛ لأنه سبيل الهداية، وطريق السلامة من الضلال والغواية: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾
ولكن الاستفادة الحقة من هذا الكتاب الكريم تكون بدوام الصلة به علما وعملا تلاوة وتدبرا، وفهما: ﴿كِتَابٌ أَنزلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الألْبَابِ﴾ ومن سبل ذلك التدبر، والفهم: النظر فيما كتب أهل العلم في تفسير القرآن العظيم؛ فإن من كمال حفظ الله عز وجل لهذا الذكر الحكيم أن قيض له جهابذة فهموا مراد الله عن الله وعن رسوله ﷺ فألفوا في ذلك كتبا بسطوا فيها ألفاظ القرآن، وأبانوا ما يعسر فهمه، وفصلوا ما جاء فيه من القواعد والكليات، ودفعوا التعارضات المتوهمة، وبينوا مراجع الضمائر، وعينوا المعاني المرادة إذا احتمل الكلام أوجها متعددة وكانوا طرائق قددا في عنايتهم بهذا الكتاب العظيم حتى جاء شيخ مشايخنا العلامة: عبد الرحمن بن ناصر بن عبد الله بن سعدي رحمه الله فجعل جل عنايته بالمعاني التي هي المراد الأعظم، فكان كتابه فتحا في هذا العلم؛ إذ أوقف القارئ على المراد، وأعانه على تدبر التنزيل، دون أن يقف به على المشغلات الصارفات عن ذلك كالبحوث اللغوية الصرفة، والإسرائيليات ونحوها، وليس ذلك عن قصور إذ لا يبلغ هذا المبلغ من القدرة على تسهيل المعاني، وبيان المراد إلا من ملك من علوم الآلة، وسعة الاطلاع على كتب التفسير ما يؤهله للقيام بهذه المهمة العظيمة.
ولقد من الله علي بالعناية بهذا التفسير، ومحبة صاحبه رحمه الله وقراءة التفسير وإقرائه، والنصح بقراءته، ومن الله علي بالعناية بطبعه في مجلد واحد يهدم الحواجز النفسية الصادة عن قراءته في مجلداته السبعة التي كان عليها في أشهر طبعاته السابقة، وكان الهم منصرفا إلى ذلك، ولم يكن الذهن ملتفتا إلى طبعات الكتاب وما فيها من أخطاء حتى هاتفني بعض أفاضل طلبة العلم من المشايخ الكرام كان منهم: فضيلة الدكتور: عبد الرزاق بن الشيخ عبد المحسن العباد البدر، وفضيلة الدكتور: خالد بن عثمان السبت، حيث جرت مهاتفات معهما ومقابلة للشيخ: عبد الرزاق كانت فاتحة خير للاهتمام بالتفسير وبنسخه المخطوطة، وطبعاته فتبين أن في الطبعات عوارا كثيرا، وأن التفسير لم يخرج حتى الآن على الصورة التي تركها الشيخ -رحمه الله- وبيان ذلك يحتاج إلى تفصيل تأريخي لكتابة الشيخ لهذا التفسير، وما وقع من طباعته، فرأيت أن أعرض الأمر مفصلا في هذه المقدمة حتى يستبين الأمر للقارئ الكريم، ويرى ما يمكن أن يفعله الكتبيون والناشرون في الكتب.
تأليف الشيخ للتفسير:
بدأ الشيخ -رحمه الله- تأليفه لهذا التفسير المبارك في عام ١٣٤٢ هـ وأنهاه في عام ١٣٤٤ هـ.
وبهذا يظهر أنه قد بدأه وله من العمر خمسة وثلاثون عاما وأتمه وله من العمر سبعة وثلاثون عاما.
وقد كتب نسخة واحدة ثم أمر من ينسخ له نسخة أخرى، وبالتتبع والسؤال يبدو لي أنه لم ينسخ من التفسير إلا هاتان النسختان: نسخة الشيخ -رحمه الله- والنسخة التي أمر النساخ بنسخها.
وابتغاء توضيح الأمر أبين تفاصيل متعلقة بهاتين النسختين مع وصف لهما:
النسخة الأولى:
هذه النسخة هي التي كانت في حوزة الشيخ وملكه، وهي في جملتها كما سيظهر بخط الشيخ -رحمه الله- وهذا وصف لها:
تتكون هذه النسخة من تسعة أجزاء، جعلها الشيخ رحمه الله في تسعة مجلدات:
المجلد الأول:
وقد كتب على غلافه (المجلد الأول من تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، من منن الله على عبده، وابن عبده، وابن أمته: عبد الرحمن بن ناصر بن عبد الله بن سعدي) (١) وفوقها بخط الشيخ -رحمه الله- وبحرف صغير (هذه التسمية مأخوذة من قوله: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ وقوله: ﴿وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ وفي وسط الصفحة وبخط الشيخ أيضا: "شرعت في هذا التفسير المبارك غرة شهر () (٢) سنة ١٣٤٢ هـ أرجو الله أن يتمه بنعمته ".
وهذا المجلد بخط الشيخ -رحمه الله- وعليه هوامش وتعديلات بخطه أيضا، ويقع في (١٥٠) صفحة، في كل صفحة (٣٠) سطرا تقريبا أوله المقدمة، ثم تفسير الفاتحة إلى تفسير قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ الآية (١٢٩) من سورة آل عمران.
المجلد الثاني:
وهو بخط الشيخ -رحمه الله- ويقع في (١٩٢) صفحة في كل صفحة (٣٠) سطرا تقريبا، أوله تفسير الآية (١٣٠) من سورة آل عمران وهي قوله تعالى: ﴿يا أيها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ وآخره: آخر تفسير سورة الأنعام.
المجلد الثالث:
وهو بخط الشيخ -رحمه الله- ويقع في (٢١٤) صفحة في كل صفحة (٢٥) سطرا تقريبا أوله أول تفسير سورة الأعراف، وآخره آخر تفسير سورة هود.
المجلد الرابع:
وهو بخط الشيخ -رحمه الله- ويقع في (١٢٩) صفحة في كل صفحة (٢٦) سطرا تقريبا أوله أول تفسير سورة يوسف، وآخره آخر تفسير سورة الإسراء.
(٢) الكلمة غير واضحة في الأصل والذي يبدو أنه شهر صفر أو محرم لأن الشيخ أتم هذا الجزء في نهاية شهر ربيع الأول.
وهو بخط الشيخ -رحمه الله- ويقع في (٢٢٩) صفحة في كل صفحة (٢٨) سطرا تقريبا، أوله تفسير سورة الكهف وآخره آخر تفسير سورة النمل.
المجلد السادس:
وهذا المجلد بخط الشيخ: محمد بن منصور بن إبراهيم بن زامل -رحمه الله- أتم كتابته في ٢٤ رجب سنة (١٣٤٥ هـ) وهو خط جميل، ولكنه كثير الأخطاء، ويفصل بين جزئي الكلمة في سطرين، ويكثر هذا منه مما يربك القارئ.
وعلى هذا الجزء هوامش وتعديلات بخط الشيخ عبد الرحمن بن سعدي -رحمه الله- ويقع في (١٤٢) صفحة في كل صفحة (٢٩) سطرا تقريبا، أوله تفسير سورة القصص، وآخره آخر تفسير سورة الصافات.
المجلد السابع:
وهو بخط الشيخ -رحمه الله- ويقع في (١٥٣) صفحة في كل صفحة (٢٨) سطرا تقريبا، أوله: تفسير سورة (ص) وآخره: آخر تفسير سورة الفتح.
المجلد الثامن:
وهو بخط الشيخ -رحمه الله- ويقع في (١٤٦) صفحة في كل صفحة (٢٩) سطرا، أوله أول تفسير سورة الحجرات، وآخره آخر تفسير سورة القيامة.
المجلد التاسع:
وهو بخط الشيخ -رحمه الله- ويقع في (٥٠) صفحة في كل صفحة (٣٠) سطرا تقريبا، أوله تفسير سورة الإنسان، وآخره آخر تفسير سورة الناس.
النسخة الثانية:
المجلد الأول:
وقد كتب عليه: (المجلد الأول من تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لمعلقه الفقير إلى الله عبد الرحمن بن ناصر السعدي غفر الله له ولوالديه وجميع المسلمين) وهكذا كتبت هذه العبارة أو قريبا منها باختلاف يسير على طرة كل مجلد.
وفي وسط الصفحة ما يلي: (تنبيه: اعلم أن طريقتي في هذا التفسير أني أذكر عند كل آية ما يحضرني من معانيها، ولا أكتفي بذكر ما يتعلق بالمواضع السابقة عن ذكر ما تعلق بالمواضع اللاحقة؛ لأن الله وصف هذا الكتاب أنه "مثاني " تثنى فيه الأخبار، والقصص، والأحكام، وجميع المواضيع النافعة، لحكم عظيمة، وأمر بتدبره جميعه؛ لما في ذلك من زيادة العلوم والمعارف، وصلاح الظاهر والباطن، وإصلاح الأمور كلها).
وكثير من هذا المجلد بخط الشيخ -رحمه الله- إلا الصفحات ما بين الصفحة (٣٦) والصفحة (٩٦) فهي بخط مغاير لخط الشيخ -رحمه الله- وبداية المجلد ونهايته كالنسخة الأولى.
المجلد الثاني:
" وهو بخط الشيخ علي الحسن العلي الحسن البريكان، وبداية المجلد ونهايته مثل النسخة الأولى، وللشيخ
المجلد الثالث:
وقد نسخ هذا المجلد ناسخان بدأ الأول بنسخ اثني عشرة صفحة ولكن خطه سقيم، وأخطاءه كثيرة ولذلك كتب الشيخ رحمه الله بخطه على الصفحة الثانية: (الصحائف الأولى من هذا الجزء خطها سقيم، الأمل التأني فيها عند تصحيحها) ثم نسخت الصحائف التالية إلى آخر الجزء بخط مغاير أمثل من الخط الأول، ولم يكتب على هذا الجزء اسما الناسخين.
ويقع هذا الجزء في (١٥٢) صفحة كل صفحة (٣١) سطرا. وبداية المجلد ونهايته كمثيله في النسخة الأولى.
المجلد الرابع:
وهذا الجزء بخط الشيخ سليمان الحمد البسام وللشيخ عبد الرحمن السعدي عليه بعض تصويبات بخط يده رحمه الله ويقع في (١٠٣) صفحات في كل صفحة (٢٨) سطرا وبداية المجلد ونهايته كما في النسخة الأولى.
المجلد الخامس:
وهذا المجلد هو الذي بعث به الشيخ رحمه الله للطباعة أول الأمر.
وكتب الشيخ بخط يده المقدمة التي طبعت مع هذا الجزء أول ما طبع، وهي مقدمة أثبتها في هامش هذه الطبعة عند أول تفسير سورة الكهف، وهذا المجلد نقل عن خط الشيخ المؤلف رحمه الله وليس عليه اسم كاتبه، وقد ألحق الشيخ رحمه الله به أصول من أصول التفسير، وتفسير ألفاظ عامة يكثر في القرآن ورودها ويحتاج إلى معرفتها) وهي بخط الشيخ رحمه الله وقد جعلتها ملحقة بهذه الطبعة في آخر التفسير.
وفي آخر الجزء فهرس لمحتوياته، ثم نقل للخطاب الموجه من الشيخ رحمه الله إلى الشيخ محمد نصيف رحمه الله وقد أرخ في ٣٠/٢/١٣٧٤ هـ ونص الخطاب تجده في هذه المقدمة وعدد صفحات هذا المجلد (٢١٤) صفحة في كل صفحة من صفحات هذا الجزء (٣٠) سطرا، أوله تفسير سورة الكهف، وآخره آخر تفسير سورة النمل ثم بعدها أصول من أصول التفسير وتفسير الأسماء الحسنى.
المجلد السادس:
وهذا المجلد بخط الشيخ رحمه الله وبدايته من أول سورة القصص ونهايته بنهاية تفسير سورة الصافات. وعدد صفحات هذا الجزء (١٥٤) صفحة في كل صفحة ما بين (٢٥- ٢٨) سطرا وبدايته ونهايته كمثيله في النسخة الأخرى.
المجلد السابع:
وهو بخط الشيخ: سليمان بن حمد العبد الله البسام رحمه الله وعدد صفحات هذا الجزء (١٢٢) صفحة في كل صفحة (٢٢) سطرا، وبداية الجزء ونهايته كمثيله في النسخة الأخرى.
المجلد الثامن:
وهو بخط الشيخ رحمه الله وعدد صفحات هذا الجزء (٢٠١) صفحة.
ويبدأ من أول تفسير سورة الحجرات وينتهي بتفسير سورة الناس.
وبهذا فإن هذه النسخة تحتوي على ثمانية أجزاء بينما النسخة الأخرى على تسعة أجزاء.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. سبق جواب كتابكم الآمل وصوله، ثم إننا نكلفكم حيث أرسلت لكم تفسيرنا الكبير المجلد الخامس منه وقع النظر على الاقتصار على طبعه فجعلنا له مقدمة وختمناه بأصول وكليات من أصول وكليات التفسير، ونريد أن يطبع منه خمسة آلاف نسخة، وأحببت أن يكون الاختيار لجنابكم في اختيار من يتولى طبعه، إما محب الدين الخطيب أو الشيخ حامد أو من ترجح وتحثه على العناية التامة فيه، ولو زاد علينا المصرف، وقد وصيت الشيخ: عبد الله المحمد العوهلي يسلم لكم كل الذي تطلبون لأجل طبعه وأرجو الله أن يثيبكم الثواب الجزيل، ويشكر مساعيك ويجزيك عنا أفضل الجزاء فأنت طال عمرك عوض النفس في كل شيء والله الموفق والسلام. محبك (١) عبد الرحمن الناصر السعدي وتنبه الطابع على طبع خاتمة
الأصول وكليات التفسير للحاجة الشديدة إليها
وقد أبان الشيخ -رحمه الله- عن مقصوده من إفراد هذا الجزء بالطباعة في المقدمة التي كتبها لهذا الجزء (٢) فقال: وقد تكرر علي السؤال من كثير من الأصحاب في نشر تفسيرنا هذا جميعه وألحوا لما يرونه من الفائدة الكبيرة فاعتذرت بأن ذلك يصعب جدا؛ لأنه مبسوط، وأيضا في هذه الأوقات قلت رغبات الناس في الكتب المطولة، لذلك أحببت إجابتهم لنشر بعض ما طلبوا وهو الاقتصار على جزء واحد من أجزاء هذا التفسير، ووقع الاختيار على الجزء الأوسط من سورة الكهف إلى آخر النمل فما لا يحصل جميعه لا يترك جميعه). وقد طبع هذا المجلد عام ١٣٧٥ هـ، ثم بعث الشيخ -رحمه الله- ببقية أجزاء الكتاب للشيخ محب الدين الخطيب -رحمه الله- فأتم طباعة الكتاب كله، فطبع الكتاب في عام ١٣٧٦ هـ، وقبل وفاته بشهر تقريبا بعث إلى شيخنا عبد الله بن عقيل رسالة قال فيها: (التفسير مثل ما ذكرت لك، وصلني منه الجزء الأول عدة ملازم من زمان، وبعد ذلك ما جاءنا عنه خبر) (٣) وبعدها بعشرة أيام بعث برسالة أخرى قال فيها: (أفيدكم وصلني ملازم أيضا من الجزء الثاني، وبقية الجزء الأول من التفسير، ويذكر الشيخ نصيف أنهم إن شاء الله مجتهدون في إنجازه، يسر الله ذلك وسهله) (٤). وبهذا يتبين أن الشيخ رحمه الله لم ير الكتاب كاملا ويبدو أنه لم يبد ملاحظات على ما طبع منه، إذ توفى بعد رسالته السابقة بشهر تقريبا.
وتتميز هذه الطبعة أولا بالسبق الزمني فإنها أول الطبعات، وهي أصل جميع الطبعات السابقة فليس هناك طبعة إلا وكان أصلها عائدا إلى هذه الطبعة. وهي بذلك أسلم من غيرها، وأقل في الأخطاء والتصحيفات والتحريفات، وهذا لا يعني جودتها، وموافقتها للأصل، إذ ثم ملاحظ لا بد من بيانها:
(٢) انظر نص المقدمة عند أول تفسير سورة الكهف من هذه الطبعة.
(٣) الأجوبة النافعة عن المسائل الواقعة (٢٩٦).
(٤) الأجوبة النافعة عن المسائل الواقعة (٢٩٨).
التصرف في طريقة الشيخ في تفسير الآيات، حيث يعمد الشيخ -رحمه الله- إلى ذكر الآيات أحيانا، وأحيانا يقول إلخ القصة، إذا كانت قصة من القصص وأحيانا يورد كلاما في سياق التفسير لا يقصد به ذكر الآية فيغير المصححون ذلك فيقومون بإيراد الآيات كاملة، ويغيرون كلامه ويشطبون في المخطوطة، ويضعون الآية أو الآيات بدلا منه.
ومن أمثلة ذلك:
إن الشيخ رحمه الله أورد قصة قارون هكذا: (إن قارون كان من قوم موسى فبغى عليهم) إلى آخر القصة فشطب المصححون على قوله: (إلى آخر القصة)، وأوردوا الآيات كاملة، وهي في هامش النسخة بخط المصحح.
وكذا عند إيراد قصة لوط في سورة العنكبوت حيث أورد الآيات من قوله تعالى: ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ﴾ إلى قوله: ﴿قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ﴾ فأتموا الآيات إلى قوله: ﴿وَلَقَدْ تَرَكْنَا مِنْهَا آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ وهي في هامش النسخة بخط المصحح.
الملحظ الثاني:
التصرف في تقسيم الكتاب، حيث قسم الشيخ التفسير إلى ثمانية أجزاء في إحدى النسخ وتسعة في الأخرى، وكانت النسخة التي اعتمدت عليها المطبعة السلفية في ثمانية أجزاء ينتهي الأول منها بنهاية تفسير قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ في سورة آل عمران (١٢٩) فجعلوا نهاية الجزء بنهاية تفسير سورة آل عمران، وكتبوا في نهاية الجزء (تم المجلد الأول من تيسير الرحيم الرحمن في تفسير القرآن عن نسخة مؤلفه العلامة الجليل الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي ويليه المجلد الثاني وأوله تفسير سورة النساء، والحمد لله رب العالمين) (١) وليس الأمر كما قالوا بل تقسيم النسخة التي اعتمدوها على خلاف ما ذكروا.
الملحظ الثالث:
الزيادات، لقد زاد القائمون على هذه الطبعة في التفسير زيادات وإن كانت يسيرة إلا أنه لم يتم الإشارة إليها لا في المقدمة، ولا في مواضع الزيادات فمن ذلك:
١- زيادة رقم الجزء من أجزاء القرآن الكريم قبل بدايته فقبل بداية الجزء الثالث كتبوا عنوانا في وسط الصفحة (الجزء الثالث) (٢) وكذا عند الجزء الرابع وليس في النسخة المخطوطة شيء من ذلك، ولم يشيروا إلى كونها ليست من كلام الشيخ رحمه الله.
٢- زيادة جملة: (قوله تعالى) أو: (قال تعالى) في مواضع كثيرة ومن أمثلة ذلك زيادتها في أول سورة النساء مع أن عادة الشيخ -رحمه الله- أن يبدأ الكلام بذكر الآيات المفسرة بعد البسملة (٣).
٣- زيادة قوله من ديارهم، وذلك في تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ﴾ الآية، حيث قال الشيخ: (ففرض عليهم أن لا يسفك بعضهم دم بعض، ولا يخرج بعضهم بعضا وإذا وجدوا أسيرا منهم وجب عليهم فداؤه) فزادوا جملة من ديارهم فصار النص
(٢) (١/١٤٩).
(٣) المخطوطة ب (٢/ ٢٣) وطبعة السلفية (٢/٣).
٤- ومن أمثلة ذلك قال رحمه الله: (أي (و) أرسلنا (إلى مدين) القبيلة المعروفة المشهورة (شعيبا) فأمرهم). فعدل النص حتى صار بزياداته هكذا: (أي: (و) : أرسلنا (إلى مدين) القبيلة المعروفة المشهورة أخاهم شعيبا الذي أمرهم).
وبعدها بقليل قال الشيخ (فكذبوه) فأخذهم عذاب الله فعدلت فصارت (فكذبوه فأخذتهم الرجفة) أي: عذاب الله) (١).
وهذا كثير جدا، وبعض التصرف تصرف مقبول في الأصل؛ للحاجة إليه، أو لخطأ في سياق الكلام، إما بعود الضمير المذكر على مؤنث أو نحو ذلك، وإما بنقص أو نحوه، ولكن هذا التصرف وإن كان مقبولا في الأصل إلا إنه لم ينبه عليه، ولم يشر المصحح إلى شيء من التغيير.
الملحظ الرابع:
التصحيح في بعض الجمل تصحيحا خاطئا -بل ظاهر الخطأ- ومن ذلك:
١- قال الشيخ رحمه الله في تفسير قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ ( ﴿لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ بأن كان عنه مسافة قصر فأكثر، أو بعيدا عنه عرفا، فهذا الذي يجب عليه الهدي).
وقد جاء التعديل عجبا من العجب حيث غيرت عنه إلى عند أو كلمة (عرفا) إلى (عرفات) فجاء النص هكذا: (بأن كان عند مسافة قصر فأكثر أو بعيدا عند عرفات فهذا الذي يجب عليه الهدي) (٢).
وقد تتابعت كل الطبعات مقلدة هذا الخطأ.
٢- ومن التعديل ما يكون بدون مسوغ ظاهر أو بمسوغ من وجهة نظر المصحح دون إشارة للتعديل ومثال ذلك:
قال الشيخ رحمه الله في تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نزلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾ الآية، (وأنتم تعرفونه منذ نشأ بينكم لا يكتب ولا يقرأ فأتاكم بكتاب زعم أنه من عند الله) غيرت كلمة زعم إلى: (أخبركم أنه من عند الله) (٣).
الملحظ الخامس:
بعض الأخطاء الظاهرة مثل:
قال الشيخ رحمه الله في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾.
(فالشرك لا يغفره الله إلا بالتوبة) هكذا في المخطوطتين وجاء في طبعة السلفية (فالشرك لا يغفره الله بالتوبة) (٤) وهذا خطأ شنيع، وعلى ذلك تتابعت الطبعات (٥).
وبعد ظهور هذه الطبعة بسنين طبع التفسير طبعة أخرى عن طريق المؤسسة السعيدية، التي كلفت الأستاذ
(٢) المخطوطة ب (٨٢)، طبعة السلفية، (١/ ١١٧).
(٣) انظر ص ٢٨ من المخطوط (ب) من الطبعة السلفية (١/ ٢٧).
(٤) (١/ ١٣٨).
(٥) ينظر طبعة النجار (١/ ٢٨٧).
الملحظ الأول:
اعتماد هذه الطبعة اعتمادا كليا على الطبعة السلفية، دون الإشارة إلى ذلك في مقدمة الطبعة، وهذا الاعتماد جعل الملاحظ المذكورة سابقا على الطبعة السلفية تصدق على هذه الطبعة أيضا، بل قد زادت طبعة النجار الأمر فجمعت إلى ذلك ملاحظ أخرى أشد وأخطر، ولو أن الطبعة السلفية صورت بدل أن يعهد بتصحيحها إلى النجار لكان الأمر أهون.
الملحظ الثاني:
التصرف في مواقع الآيات من التفسير:
لقد جرت عادة الشيخ -رحمه الله- أن يبدأ فيذكر الآيات التي يريد تفسيرها كاملة ثم يشرع في تفسيرها مجزأة عقب ذلك، وفي بعض الأحيان يقوم رحمه الله بذكر الآيات إذا كانت قصصا للأنبياء فيقول إلى آخر القصة، وفي أحيان قليلة يغفل ذكر الآيات كاملة فيشرع في تفسيرها مباشرة، وعلى ذلك يجري سياق التفسير، ولكن النجار عمد إلى جعل الآيات في أعلى الصفحة، وجعل بينها وبين التفسير خطا ثم حذف الآيات في التفسير، ومن هنا يأتي اضطراب السياق في بعض الأحيان فيضطر إلى حذف بعض الكلمات أو الإضافة أو نحو ذلك.
الملحظ الثالث:
التصرف بالزيادة:
إن من أعجب ما عمل النجار أن زاد في التفسير ففي بعض المواضع ترك الشيخ -رحمه الله- تفسير بعض الآيات سهوا، فيقوم النجار بتفسيرها من عنده.
وفي مواضع أخرى تكون النسخة التي اعتمدت عليها الطبعة السلفية ناقصة؛ لأن الناسخ تجاوز الآيات فيقوم النجار من قبله بتفسير هذه الآيات. وهذه المواضع كثيرة جدا تصل في بعض المواقع إلى صفحات، وفي بعضها إلى أسطر، وفي أخرى إلى كلمات، وهذه أمثلة لها:
ا- سقط من النسخة الخطية (ب) تفسير الآية (٢٠٧) من سورة البقرة وهي قول الله عز وجل: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ وبناء على سقوطها من النسخة سقطت من الطبعة السلفية فجاء النجار ففسر الآية من عنده، وبدأ بمعاني المفردات، ورجع إلى جملة مراجع؛ كالقاموس والصحاح، وتفسير ابن كثير، ولم يشر إلى أن الكلام من كلامه، وليس من كلام الشيخ -رحمه الله- وقد وقع هذا في صفحتين ونصف من طبعته ابتداء من منتصف الصفحة (٢٥٢) من المجلد الأول إلى نهاية ص (٢٥٤)، والقارئ للكلام يعلم أنه ليس من كلام الشيخ -رحمه الله- لأن الشيخ لا ينقل من مصادر، وإنما يفسر بما فتح الله عليه كما قرر ذلك في أول الكتاب.
٢- ومن الزيادات الطويلة التي زادها النجار زيادته في تفسير الآيات رقم (١٠٥- ١٠٧) من سورة الأنعام حيث تجاوزها الشيخ فلم يفسرها ففسرها النجار في الصفحات ذوات الأرقام (٤٥٠، ٤٥١، ٤٥٢) من
٣- في تفسير الآيتين (٥٠، ٥١) من سورة الحج سبق قلم الشيخ -رحمه الله- إلى الآية رقم ٥٦ فجمع بينهما وبين هذه الآية فكتب ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنَا فَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ ثم فسر الآية على وفق ما كتب، فعمد النجار إلى تغيير التفسير والزيادة زيادة طويلة يصل مجموعها إلى صفحة ونصف الصفحة تقريبا (١) ولم يشر إلى شيء من التعديل.
٤- ومن الزيادات العجيبة أن الشيخ عبد الرحمن السعدي -رحمه الله- أورد قوله سبحانه: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالأرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ﴾ من الآية رقم (٢٩) من سورة الدخان، في سياق تفسيره للآية رقم (٤١) من سورة المؤمنون، مستشهدا بها، ولكن يبدو أن النجار ظنها من السورة نفسها ففسرها تفسيرا من عند نفسه ونسبه إلى الشيخ، ولم يعلق، ولم يبين أنه من كلامه، وهذه الزيادة تقع في صفحة تقريبا (٢).
ومن عجيب حاله أنه يعلق أحيانا في الهامش على زياداته وكأنها تعليق على كلام الشيخ رحمه الله (٣).
الملحظ الرابع:
الحواشي والتعقبات:
لقد قام النجار بتعقب الشيخ رحمه الله في مواضع كثيرة من التفسير ووضع هوامش لتلك التعقبات فتعدى (مهمته، وتجاوز طوره، فراح يعلق على هذا التفسير القيم بآراء بعدت عن الصواب، وجانبت الحق في أجلى معانيه مما شوه به هذا الكتاب، وأساء إلى المؤلف، وغش القراء، وأضل الناشئة كما أنه اعترض على المؤلف، ورد أقواله بآراء من عنده لم يوفق فيها إلى الحق والصواب، مع أنه ليس من حقه ذلك، ولا من مهمته أن يعترض على المؤلف فيما اختاره، وإنما مهمته هي تحقيق النص وتصحيحه) (٤).
(والذي في أول الكتاب من هذه التعقبات اعتراضات بسيطة على عبارة، أو لفظة أو نحوها، أما الذي في وسطه وآخره فهي اعتراضات وخيمة تحريف لكلام الله، وغلو في الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، وتنقص للعلماء وكذب عليهم) (٥).
ولقد كان في معظم تعليقاته متهما للشيخ وأسلوبه وهذه بعض تعبيراته التي تظهر ذلك قال: (والعبارة قلقة كما ترى) (٦) (العبارة مبهمة تحتاج إلى إيضاح) (٧) (العبارة فيها شيء من الاضطراب فالأوضح أن يقال) (٨) (وفي العبارة غموض كما ترى) (٩).
(٢) ينظر طبعة النجار (٥/٣٥٠).
(٣) ينظر طبعة النجار (١ /٢٥٤).
(٤) الشيخ محمد سليمان البسام: كشف الستار عن تلفيق وتعليق النجار على تفسير الشيخ عبد الرحمن السعدي (٧).
(٥) المصدر السابق (٩).
(٦) (١/ ١٠٤).
(٧) (١/ ١٥٩).
(٨) (١/ ٢٤٠).
(٩) (١/ ٣٤٦).
وذكر أمثلة كثيرة دالة على أخطاء النجار فيما زعمه من أخطاء وقع فيها الشيخ -رحمه الله- وأكتفي بالإحالة على تلك الرسالة الماتعة، ففيها نقد علمي قوي لأخطاء ظاهرة وقع فيها النجار وأشير هنا إلى ثلاث تعقبات فقط أبين من خلالها شيئا يسيرا من سوء صنيع النجار، وأما التعقبات التي تحتاج إلى نقد علمي فأحيل فيها إلى رسالة الشيخ محمد البسام.
١- وقوع النجار في الخطأ ثم تخطئة الشيخ رحمه الله به:
قال الشيخ -رحمه الله- في تفسيره قوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ "أي نكاحا صحيحا ويطأها؛ لأن النكاح الشرعي لا يكون إلا صحيحا، ويدخل فيه العقد والوطء، وهذا بالاتفاق) هكذا في النسختين وفي الطبعة السلفية التي اعتمد عليها النجار، ولكنه أسقط (إلا) فصارت العبارة: "لأن النكاح الشرعي لا يكون صحيحا" وهذا فعله، وليس فعل الشيخ -رحمه الله- ثم قال النجار في الهامش قوله: "لأن النكاح الشرعي إلخ" في العبارة اضطراب، والصواب أن يقال: "لأن النكاح الشرعي الصحيح، يدخل فيه العقد والوطء بإجماع العلماء" فأخطأ النجار ثم خطأ الشيخ، وعدل خطأ الشيخ بزعمه.
٢- إقحام تعليقات لا محل لها فمن ذلك. قال الشيخ -رحمه الله- "والظلم الذي بين العبد وربه فيما دون الشرك تحت المشيئة والحكمة". قال النجار: (وفي هذا المعنى قال صاحب جوهرة التوحيد: ومن يمت ولم يتب من ذنبه فأمره مفوض لربه
٣- الاستدراك في غير محله: قال الشيخ -رحمه الله- "فالشكر فيه بقاء النعمة الموجودة وزيادة في النعم المفقودة". قال في الهامش قوله: "فالشكر فيه بقاء النعم.. إلخ " عبر العلماء عن هذا المعنى بقولهم: "الشكر قيد للموجود، وصيد للمفقود" (١) فكأنه خطأ الشيخ في اختيار اللفظ وليس هذا بخطأ بل الأمر واسع في اختيار اللفظ المناسب.
الملحظ الخامس:
سوء توزيع النص
حيث قام بإعادة توزيع النص إلى فقرات وعمد إلى أن تكون تلك الفقرات قصيرة جدا وعليه فقد فرق أجزاء الجملة بين الأسطر، وقطع الكلام عن سياقه إذ نجد فعل الشرط في سطر وجوابه في آخر، والمعلول في سطر وتعليله في آخر، ولذلك تضخم التفسير جدا مع أن صفحاته يمكن أن تكون أقل من ذلك بكثير، والله أعلم بالهدف من وراء ذلك التضخيم.
إن هذه الملاحظ ليست إلا أمثلة دالة على أن عمل النجار لم يكن عملا أمينا على هذا التفسير.
وبمجمل هذا العرض يتضح أن التفسير لم يخرج بصورته التي كتبها الشيخ - رحمه الله- إذ جميع الطبعات كانت نسخا مكرورة عن طبعة النجار، التي اعتمد فيها صاحبها على الطبعة السلفية، والطبعة السلفية اعتمدت على النسخة الثانية التي لم تكن بخط الشيخ وكان فيها بعض النقص وبعض التحريف من النساخ.
ولما كان الأمر بهذه الصورة التي تظهر الحاجة الماسة إلى إخراج هذا التفسير المبارك إخراجا علميا مصححا كما أراده الشيخ رحمه الله فقد عمدت إلى العمل ثلاث سنين في هذا الكتاب راجيا أن يكون العمل
العمل الذي قمت به:
لقد من الله علي بأمر لم يتوفر لمن اعتنى بهذا التفسير من قبل وهو الحصول على النسخة (أ) التي كانت بحوزة الشيخ -رحمه الله- وتحت نظره ومحل عنايته إلى أن توفي، وهي في الجملة أسلم من النسخة (ب) التي كانت أصل جميع الطبعات، ولما بدأت في العمل كان الهدف الذي سعيت إليه جاهدا هو: إخراج التفسير كما كتبه الشيخ -رحمه الله- دون تعديل أو تبديل، أو زيادة أو نقص، وعلى ذلك قمت بما يلي:
أولا: نسخ التفسير كما هو ويتضمن ذلك: إثبات الآيات المفسرة كما كتبها الشيخ -رحمه الله- فحين يورد الآيات كاملة، أوردها كاملة كما فعل، وحين يورد جزءا منها ويقول: إلخ القصة، أثبتها على هذا الوجه، وحين تفترق النسختان أطبق قواعد المقابلة التي سأبينها لاحقا بحول الله، وقد راعيت في النسخ ما يلي:
١- توزيع النص توزيعا جيدا، بحيث يكون تقسيم فقرات الكلام وأجزائه متصلا بمعانية، واجتهدت ألا أقطع السياق الواحد بين فقرتين مختلفتين، وأن أبدأ تفسير الآية أو الآيات من أول السطر.
٢- ترقيم الآيات المفسرة في بداية تفسيرها، وهذا لم يكن من عمل الشيخ -رحمه الله- ولكن وجدته مهما لأجل سهولة معرفة مواضع الآيات.
٣- تصحيح بعض الأخطاء الإملائية الظاهرة التي لا تخفى على الشيخ -رحمه الله- ولكنها سبق قلم.
ولقد حرصت على عدم التدخل في التفسير والتعديل فيه بأي وجه من الوجوه إلا في ثلاث حالات:
الأولى: أن يكون الخطأ في الآيات فهنا أثبت الصواب ولا ألتفت إلى الخطأ، ولكن في بعض الأحيان يحدث أن يكون قلم الشيخ سبق إلى آيات في غير السورة، أو في السورة نفسها، وليست في ذلك الموضع، ثم يفسر الآيات التي كتب، فأثبت الصواب في الآيات، وأبقي التفسير كما هو، وأشير إلى ما عملت في الهامش.
الثانية: أن يكون الخطأ ظاهرا، ولا يمكن أن يقبل به المؤلف -رحمه الله- فهنا أثبت التعديل الذي أراه صوابا، وأشير في الهامش إلى ما في الأصل من خطأ، أو سبق قلم.
الثالثة: أن يكون التعديل طفيفا كأن يكون تعديلا في ضمير فيقول: (خالقهما) والصواب (خالقها) أو العكس أو يقول (التي) والصواب (الذي) ونحو ذلك، فهنا أصوب الكلام، وأشير في أحيان يسيرة إلى ما عملت، خاصة وأن الشيخ -رحمه الله-: (كان سريع الكتابة، ويكتب بخط دقيق، وبدون نظارة، لكنه على قاعدة صحيحة) (١) وكانت جل عنايته بالمعاني، ولذلك قال في رسالة للشيخ عبد الله بن عقيل -حفظه الله- (فحسن الإملاء والجري مع المعاني أولى من اعتبار حسن الخط، فذاك أهميته بالنسبة لحسن الإنشاء قليلة). (٢).
ثانيا- المقابلة:
وابتغاء توضيح الأمر أبين ما قمت به في نقاط:
أولا: اعتمدت النسخة (أ) وجعلتها أصلا لأمور:
الأول: أن معظمها بخط الشيخ -رحمه الله-.
والثاني: أنها النسخة التي كانت بيد الشيخ -رحمه الله- إلى حين وفاته.
(٢) الأجوبة النافعة عن المسائل الواقعة (٦٧).
الرابع: سلامة هذه النسخة من الخروم والنقص لأن معظمها بخط الشيخ -رحمه الله- بينما النسخة (ب) كتب معظمها بخطوط النساخ فوقع فيها بعض النقص والخروم.
الخامس: أنها أجود كثيرا من النسخة الأخرى في إملائها بينما تجد في النسخة (ب) أخطاء ظاهرة.
ثانيا: يلاحظ أنني ذكرت في وصف النسختين أن معظم النسخة الأولى كان بخط الشيخ -رحمه الله- وأن النسخة الثانية في جملتها بخطوط النساخ وهذا توضيح تفاوت الكتابة على التفصيل مع بيان ما قمت به حيال ذلك التفاوت:
١- أجزاء كانت في النسختين بخط الشيخ -رحمه الله- وذلك مثل كثير من المجلد الأول، والمجلد الثامن، والتاسع، وفي هذه الأجزاء يلاحظ وجود الإشكالات الآتية:
(أ) أن الشيخ -رحمه الله- في المجلد فسر الآيات من قوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ سورة البقرة، الآية: ٢٣٨، إلى نهاية تفسير قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ سورة آل عمران، الآية: ١٢٩ تفسيرا جديدا فليس ما في النسختين متوافقا بل هو متغاير من حيث الألفاظ والصياغة والأسلوب وكأن الشيخ -رحمه الله- كتب ذلك مرتين، ولم يكن هناك احتمال لأن يكون الكلام ليس بكلامه، لأن ما في النسختين بخطه -رحمه الله- وروح الكلام وأسلوبه هو ذات أسلوب الشيخ -رحمه الله- وقد قلبت النظر بين خيارات عدة، وكان ما استقر الرأي عليه أن أجعل في صلب التفسير ما كان في النسخة (أ) وهي النسخة التي توفي الشيخ -رحمه الله- وهي في بيته، وأما ما في النسخة (ب) وهو المطبوع في طبعات الكتاب السابقة فقد جعلته في ملحق في آخر التفسير.
(ب) أن الشيخ -رحمه الله- في المجلد الثامن من بداية سورة الحجرات وحتى نهاية التفسير نسخ التفسير بخطه نسخة ثانية، ولكنه كان يعدل في الألفاظ ويزيد في الكلمات وينقص منها، ولذلك تفاوت حجم المقابلة بين بعض أجزاء الكتاب بشكل واضح، حيث تجد فروقا كبيرة بين النسختين في أجزاء ولا تجد إلا اليسير من الفروق في أجزاء أخرى.
(ج) أن بعض الأجزاء كانت في النسخة (أ) بغير خط الشيخ -رحمه الله- وفي النسخة (ب) بخط الشيخ -رحمه الله- كما في المجلد السادس وهنا كثرت الأخطاء في النسخة (أ) وقلت في (ب) فاستفدت من (ب) في المقابلة وجعلت جل اعتمادي عليها إذ هي أصح لولا ما عابها من تعديلات مصححي المطبعة السلفية عليها.
ثالثا: الزيادات: جاءت زيادات في إحدى النسختين عن الأخرى وقد جعلت الزيادات بين قوسين مركنين [] وهي على ثلاثة أنواع:
الأول: الزيادات التي في الأصل على (ب) وقد جعلتها بين قوسين مركنين، دون إشارة في الهامش إلى شيء.
الثاني: الزيادات التي في (ب) وقد جعلتها بين قوسين مركنين، وأشرت إلى الزيادة في الهامش بقولي: زيادة في ب، وهذا النوع من الزيادات يكثر في الأجزاء التي كانت بخط الشيخ -رحمه الله- في النسختين كلتيهما.
وبعد، فيلاحظ إني لم أثبت تخريج الأحاديث في الكتاب، لأن ما في الكتاب من الأحاديث ليس بالكثير، ومعظم ما نقل -رحمه الله- هو من صحيح البخاري ومسلم، كما لم أفهرس فهرسة تفصيلية، لأن الفهرسة التي يمكن أن يستفاد منها هي الفهرسة الموضوعية للفوائد الإيمانية، والتربوية، والسلوكية، والعلمية، ونحوها التي في الكتاب، وإذا نظرنا إلى الفهرسة بهذا الاعتبار فإن الكتاب يحتاج إلى فهرسة كبيرة وطويلة جدا يمكن الاستغناء عنها بقراءة الكتاب لمريد الاستفادة، وأما الفهارس التفصيلية للآيات والأحاديث والأعلام أو القبائل.. ونحوها، فإن طبيعة التفسير لا تدل على الحاجة لذلك، وإن عمل على هذا التفسير فإنما هذا العمل نوع من التزيد والتكثر لا حاجة له.
وبعد فهذا الجهد الذي بذلت وهو جهد استغرق ثلاثة أعوام قرأت فيها التفسير قراءة مقابلة ثلاث مرات واجتهدت في إخراج التفسير على أتم الوجوه -قدر الإمكان- وما كان لي أن أصل إلى هذا لولا فضل الله عز وجل فله الحمد أولا وآخرا وظاهرا وباطنا.
ثم الشكر من بعد لمن كان عونا لي في إخراج هذا التفسير بأي وجه من أوجه العون وأخص بالذكر صاحبي الفضيلة العالمين الجليلين الشيخ محمد بن صالح العثيمين، والشيخ عبد الله بن عبد العزيز بن عقيل. وفضيلة والدي الكريم الشيخ معلا اللويحق، والمشايخ الفضلاء الدكتور عبد الرزاق بن عبد المحسن البدر الذي أعانني على الحصول على النسخة الثانية (ب) لمخطوط التفسير، وأبدى من جميل الملحوظات ما كان عونا لي على ضبط العمل، والدكتور خالد السبت، الذي كانت مهاتفاته بداية حفز لإعادة العمل في التفسير، والشيخ صالح الهبدان، والشيخ عبد الرحمن الراجحي، والشيخ محمد الخضيري، والإخوة الذين عملوا معي في المقابلة فأمضوا وقتا طويلا في سبيل ذلك، وبذلوا جهدا لا أنساه في إعانتي الشيخ إدريس حامد محمد، والشيخ تراوري مامادوا، والأخ فيصل بن طلع المطيري فللجميع مني الشكر والعرفان والدعاء بالتوفيق والتسديد.
وأسأل الله المغفرة عما وقع من تقصير، واستمد منه العون فهو وحده المستعان.
والحمد لله أولا وآخرا وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وآله وصحبه. وكتب
عبد الرحمن بن معلا اللويحق المطيري
بعد عشاء ليلة الثامن والعشرين
من شهر ذي القعدة عام ١٤١٩ هـ
اعلم أن طريقتي في هذا التفسير أني أذكر عند كل آية ما يحضرني من معانيها، ولا أكتفي بذكر ما تعلق بالمواضع السابقة عن ذكر ما تعلق بالمواضع اللاحقة؛ لأن الله وصف هذا الكتاب أنه (مثاني) تثنى فيه الأخبار والقصص والأحكام، وجميع المواضيع النافعة لحكم عظيمة، وأمر بتدبره جميعه، لما في ذلك من زيادة العلوم والمعارف وصلاح الظاهر والباطن، وإصلاح الأمور كلها (١).
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي أنزل على عبده الفرقان الفارق بين الحلال والحرام، والسعداء والأشقياء، والحق والباطل.وجعله برحمته هدى للناس عموما، وللمتقين خصوصا، من ضلال الكفر والمعاصي والجهل، إلى نور الإيمان والتقوى والعلم، وأنزله شفاء للصدور من أمراض الشبهات والشهوات، ويحصل به اليقين والعلم في المطالب العاليات، وشفاء للأبدان من أمراضها وعللها وآلامها وسقمها (١). وأخبر أنه لا ريب فيه ولا شك بوجه من الوجوه، وذلك لاشتماله على الحق العظيم في أخباره، وأوامره، ونواهيه، وأنزله مباركا، فيه الخير الكثير، والعلم الغزير، والأسرار البديعة، والمطالب الرفيعة، فكل بركة وسعادة تنال في الدنيا والآخرة، فسببها الاهتداء به واتباعه، وأخبر أنه مصدق ومهيمن على الكتب السابقة، فما يشهد له فهو الحق، وما رده فهو المردود، لأنه تضمنها وزاد عليها، وقال تعالى فيه: ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ﴾ فهو هاد لدار السلام، مبين لطريق الوصول إليها، وحاث عليها، كاشف عن الطريق الموصلة إلى دار الآلام ومحذر منها، وقال تعالى مخبرا عنه: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ فبين آياته أكمل تبيين، وأتقنها أي إتقان، وفصلها بتبيين (٢) الحق من الباطل والرشد من الضلال، تفصيلا كاشفا للبس، لكونه صادرا من حكيم خبير، فلا يخبر إلا بالصدق والحق واليقين، ولا يأمر إلا بالعدل والإحسان والبر، ولا ينهى إلا عن المضار الدينية والدنيوية.
وأقسم تعالى بالقرآن ووصفه بأنه، "مجيد"، والمجد: سعة الأوصاف وعظمتها، وذلك لسعة معاني القرآن وعظمتها، ووصفه بأنه "ذو الذكر" أي: يتذكر به العلوم الإلهية والأخلاق الجميلة والأعمال الصالحة، ويتعظ به من يخشى.
وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَنزلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ فأنزله (٣) بهذا اللسان لنعقله ونتفهمه، وأمرنا بتدبره، والتفكر فيه، والاستنباط لعلومه، وما ذاك إلا لأن تدبره مفتاح كل خير، محصل للعلوم والأسرار. فلله الحمد والشكر والثناء، الذي جعل كتابه هدى وشفاء ورحمة ونورا، وتبصرة وتذكرة، وبركة، وهدى وبشرى للمسلمين.
فإذا علم هذا، علم افتقار كل مكلف لمعرفة معانيه والاهتداء بها.
وكان حقيقا بالعبد أن يبذل جهده، ويستفرغ وسعه في تعلمه وتفهمه بأقرب الطرق الموصلة إلى ذلك.
وقد كثرت تفاسير الأئمة رحمهم الله لكتاب الله، فمن مطول خارج في أكثر بحوثه عن المقصود، ومن مقصر، يقتصر على حل بعض الألفاظ اللغوية. [بقطع النظر عن المراد] (٤).
(٢) في ب: بتمييز.
(٣) في ب: وأنزله.
(٤) زيادة من هامش ب، مشطوبة من أ.
فمن وفق لذلك، لم يبق عليه إلا الإقبال على تدبره وتفهمه وكثرة التفكر في ألفاظه ومعانيه ولوازمها، وما تتضمنه، وما تدل عليه منطوقا ومفهوما، فإذا بذل وسعه في ذلك، فالرب أكرم من عبده، فلا بد أن يفتح عليه من علومه أمورا لا تدخل تحت كسبه.
ولما من الباري علي وعلى إخواني بالاشتغال بكتابه العزيز بحسب الحال اللائقة [بنا] أحببت أن أرسم من تفسير كتاب الله ما تيسر، وما من به الله علينا، ليكون تذكرة للمحصلين، وآلة للمستبصرين، ومعونة للسالكين، ولأقيده خوف الضياع، ولم يكن قصدي في ذلك إلا أن يكون المعنى هو المقصود، ولم أشتغل في حل الألفاظ والعقود، للمعنى الذي ذكرت، ولأن المفسرين قد كفوا من بعدهم، فجزاهم الله عن المسلمين خيرا.
والله أرجو، وعليه أعتمد، أن ييسر ما قصدت، ويذلل ما أردت، فإنه إن لم ييسره الله، فلا سبيل إلى حصوله، وإن لم يعن عليه، فلا طريق إلى نيل العبد مأموله.
وأسأله تعالى أن يجعله خالصا لوجهه الكريم، وأن ينفع به النفع العميم، إنه جواد كريم. اللهم صل على محمد وآله وصحبه، وسلم تسليما كثيرا.
لابن القيم رحمه الله تعالى (١)
[قال: فصل] النكرة في سياق النفي تعم، مستفاد من قوله تعالى: ﴿وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ وفي الاستفهام من قوله تعالى: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ وفي الشرط من قوله: ﴿فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا﴾ ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ﴾ وفي النهي من قوله تعالى: ﴿وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ﴾
وفي سياق الإثبات، بعموم العلة والمقتضى كقوله: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ﴾
وإذا أضيف إليها "كل" نحو ﴿وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ﴾ ومن عمومها بعموم المقتضى ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا﴾ فصل
ويستفاد عموم المفرد المحلى باللام من قوله: ﴿إِنَّ الإنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ وقوله: ﴿وَيَقُولُ الْكَافِرُ﴾ وعموم المفرد المضاف من قوله: ﴿وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ﴾ (وكتابه) (٢).
وقوله: ﴿هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ﴾ والمراد جميع الكتب التي أحصيت فيها أعمالهم، وعموم الجمع المحلى باللام من قوله: ﴿وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ﴾ وقوله: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ﴾ وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ﴾ إلى آخرها. والمضاف من قوله: ﴿كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾
وعموم أدوات الشرط من قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخَافُ ظُلْمًا وَلا هَضْمًا﴾ وقوله: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [وقال] ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾ وقوله ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُكُمُ الْمَوْتُ﴾ وقوله: ﴿وَحَيْثُمَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ وقوله: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ وقوله: ﴿وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ هذا إذا كان الجواب طلبا مثل هاتين الآيتين.
فإن كان خبرا ماضيا، لم يلزم العموم، كقوله: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا﴾ ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾.
وإن كان مستقبلا فالتزموا رد العموم، كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾.
وقوله: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ﴾ وقوله: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾.
وقد لا يعم، كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ﴾.
(٢) كتبت الكلمة مرتين مرة بالإفراد، ومرة بالجمع، وجاء في هامش أما نصه: (قرأ أهل البصرة وحفص (وكتبه). وقرأ الآخرون (وكتابه) على التوحيد).
فصل
ويستفاد كون الأمر المطلق للوجوب، من ذمه لمن خالفه، وتسميته إياه عاصيا، وترتيبه عليه العقاب بالعاجل أو الآجل.
ويستفاد كون النهي للتحريم، من ذمه لمن ارتكبه، وتسميته عاصيا، وترتيبه العقاب على فعله.
ويستفاد الوجوب بالأمر تارة، وبالتصريح بالإيجاب والفرض والكتب، ولفظة "على"، ولفظة: حق على العباد وعلى المؤمنين.
ويستفاد التحريم من النهي، والتصريح بالتحريم والحظر، والوعيد على الفعل، وذم الفاعل، وإيجاب الكفارة بالفعل.
وقوله: "لا ينبغي " فإنها في لغة القرآن والرسول للممتنع عقلا وشرعا.
ولفظة "ما كان لهم كذا وكذا" و "لم يكن لهم"، وترتيب الحد على الفعل، ولفظة "لا يحل" و "لا يصلح"، ووصف الفعل بأنه فساد، وأنه من تزيين الشيطان وعمله، وأن الله تعالى لا يحبه ولا يرضاه لعباده، ولا يزكي فاعله ولا يكلمه ولا ينظر إليه ونحو ذلك.
وتستفاد الإباحة من الإذن والتخيير، والأمر بعد الحظر، ونفي الجناح والحرج والإثم والمؤاخذة، والإخبار بأنه يعفو عنه، والإقرار على فعله في زمن الوحي، وبالإنكار على من حرم الشيء، والإخبار بأنه خلق لنا كذا وجعله لنا، وامتنانه علينا به، وإخباره عن فعل من قبلنا، غير ذام لهم عليه.
فإن اقترن بإخباره مدح، دل على رجحانه استحبابا أو وجوبا. فصل
وكل فعل عظمه الله ورسوله، أو مدحه، أو مدح فاعله لأجله، أو فرح به، أو أحبه، أو أحب فاعله، أو رضي به، أو رضي عن فاعله، أو وصفه بالطيب، أو البركة، أو الحسن، أو نصبه سببا لمحبته أو لثواب عاجل أو آجل (١) أو نصبه سببا لذكره لعبده، أو لشكره له، أو لهدايته إياه، أو لإرضاء فاعله، أو وصف فاعله (٢) بالطيب، أو وصف الفعل بأنه معروف، أو نفى الحزن والخوف عن فاعله، أو وعده بالأمن، أو نصبه سببا لولايته، أو أخبر عن دعاء الرسل بحصوله، أو وصفه بكونه قربة، أو أقسم به أو بفاعله، كالقسم بخيل المجاهدين وإغارتها (٣) أو ضحك الرب جل جلاله من فاعله، أو عجبه به، فهو دليل على مشروعيته المشتركة بين الوجوب والندب. فصل
وكل فعل طلب الشارع تركه، أو ذم فاعله، أو عيب عليه، أو مقت فاعله، أو لعنه، أو نفى محبته إياه، أو محبة فاعله، أو نفى الرضا به، أو الرضا عن فاعله، أو شبه فاعله بالبهائم أو الشياطين، أو جعله مانعا من الهدى، أو وصفه بسوء أو كراهة، أو استعاذ الأنبياء منه أو أبغضوه، أو جعل سببا لنفي الفلاح، أو لعذاب عاجل أو آجل، أو لذم أو لوم، أو ضلالة أو معصية، أو وصفه بخبث (٤) أو رجس، أو نجس، أو بكونه فسقا أو إثما، أو سببا لإثم أو رجس، أو لعن أو غضب، أو زوال نعمة، أو حلول نقمة، أو حد من الحدود، أو قسوة، أو خزي، أو ارتهان نفس، أو لعداوة الله أو محاربته، أو الاستهزاء به وسخريته، أو جعله سببا لنسيانه لفاعله، أو وصف نفسه بالصبر عليه، أو الصفح أو الحلم عنه، أو دعا إلى التوبة منه، أو وصف فاعله بخبث أو احتقار، أو نسبه إلى الشيطان وتزيينه، أو تولي الشيطان لفاعله، أو وصفه بصفة ذم، مثل كونه ظلما أو بغيا، أو عدوانا أو إثما، أو تبرأ الأنبياء منه أو من فاعله، أو شكوا
(٢) في ب: فاعليه.
(٣) في ب: وإثارتها.
(٤) في ب: بالخبث.
فهذا ونحوه، يدل على المنع من الفعل، ودلالته على التحريم أطرد من دلالته على مجرد الكراهة. وأما لفظة يكرهه الله ورسوله، أو مكروه، فأكثر ما يستعمل في المحرم، وقد يستعمل في كراهة التنزيه.
وأما لفظة "وأما أنا فلا أفعل" فالمتحقق (٣) منه الكراهة كقوله: "أما أنا فلا آكل متكئا".
وأما لفظة "ما يكون لك" و "ما يكون لنا" فاطرد استعمالها في المحرم، نحو ﴿فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا﴾ ﴿مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا﴾ ﴿مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾. فصل
وتستفاد الإباحة من لفظ الإحلال، ورفع الجناح، والإذن، والعفو، و "إن شئت فافعل" و "إن شئت فلا تفعل"، ومن الامتنان بما في الأعيان من المنافع، وما يتعلق بها من الأفعال، نحو: ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾ ونحو ﴿وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾.
ومن السكوت عن التحريم، ومن الإقرار على الفعل في زمن الوحي. فائدة
التعجب كما يدل على محبة الله تعالى للفعل نحو "عجب ربك من شاب ليست له صبوة" ونحوه، قد يدل على بغض الفعل كقوله: ﴿وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ﴾ وقوله: ﴿بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ﴾.
وقوله: ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ﴾.
وقد يدل على امتناع الحكم، وعدم حسنه، كقوله: ﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ﴾.
ويدل على حسن المنع منه قدرا، وأنه لا يليق به فعله، كقوله تعالى: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ﴾.
(٢) في ب: من السؤال.
(٣) في ب: فالمحقق.
نفي التساوي في كتاب الله، قد يأتي بين الفعلين، كقوله تعالى: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ الآية.
وقد يأتي بين الفاعلين كقوله: ﴿لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾.
وقد يأتي بين الجزائين كقوله ﴿لا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾.
وقد جمع الله بين الثلاثة في آية واحدة، وهي قوله تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الأعْمَى وَالْبَصِيرُ وَلا الظُّلُمَاتُ وَلا النُّورُ﴾ الآيات. فائدة
في ضرب الأمثال في القرآن يستفاد منه أمور:
التذكير، والوعظ، والحث، والزجر، والاعتبار، والتقرير، وتقريب المراد للعقل، وتصويره في صورة المحسوس، بحيث يكون نسبته للعقل، كنسبة المحسوس إلى الحس.
وتأتي أمثال القرآن مشتملة على بيان تفاوت الأجر، وعلى المدح والذم، وعلى الثواب، وعلى تفخيم الأمر أو تحقيره، وعلى تحقيق أمر، وإبطال أمر. فائدة
السياق يرشد إلى بيان المجمل، وتعيين المحتمل، والقطع بعدم (١) احتمال غير المراد، وتخصيص العام، وتقييد المطلق، وتنوع الدلالة، وهو من أعظم القرائن الدالة على مراد المتكلم، فمن أهمله غلط في نظره، وغالط في مناظرته، فانظر إلى قوله: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ كيف تجد سياقه يدل على أنه الذليل الحقير. فائدة
إخبار الرب عن المحسوس الواقع له عدة فوائد:
منها: أن يكون توطئة وتقدمة لإبطال ما بعده.
ومنها: أن يكون موعظة وتذكرة.
ومنها: أن يكون شاهدا على ما أخبر به من توحيده، وصدق رسوله، وإحياء الموتى.
ومنها: أن يذكر في معرض الامتنان.
ومنها: أن يذكر في معرض اللوم والتوبيخ.
ومنها: أن يذكر في معرض المدح والذم.
ومنها: أن يذكر في معرض الإخبار عن اطلاع الرب عليه. وغير ذلك من الفوائد.
انتهى كلامه رحمه الله. ، وهو في غاية النفاسة، والاشتمال على كثير من القواعد والضوابط المتعلقة بتفسير القرآن، فجزاه الله خيرا.
قلت: وقد اشتمل القرآن على عدة علوم قد ثنيت فيه وأعيدت:
فمنها: ضرب الأمثال، وقد ذكر ابن القيم فيما تقدم فوائدها.
ومنها ذكر صفات أهل السعادة والشقاوة، وفي ذلك فوائد عديدة:
ومنها: ما يكرم الله به أولياءه من الثناء الحسن بين عباده، فهو ثواب معجل، ويهين به أعداءه من الأوصاف القبيحة، فيكون عقابا معجلا.
ومنها: أن فيه حثا للنفوس على الاقتداء بأهل الخير ومنافستهم، وتنشيط العمال على الأعمال ببيان من عملها من أولياء الله.
وفيه الترهيب من أفعال أهل الشر، وتبغيض المعاصي التي أثرت مع عامليها ما أثرت.
ومنها: الاعتبار بصفات أهل الخير والشر، وأن من فعل مثل فعلهم ناله ما نالهم.
وقد حث تعالى على الاعتبار، في غير موضع من كتابه. وحقيقته: العبور من شيء إلى شيء، وقياس الشيء على نظيره.
ومنها: أن العبد إذا رأى (١) أعمال أهل الخير وعجزه عن القيام بها، أوجب له ذلك الإزراء على نفسه واحتقارها، وهذا هو عين صلاحه، كما أن رؤيته نفسه بعين الإعجاب والتكبر هو عين فساده، إلى غير ذلك من الفوائد.
ومنها: ذكر صفات الله وأسمائه وأفعاله، وتقديسه عن النقائص، وفي ذلك فوائد عظيمة:
منها: أن هذا العلم -وهو العلم المتعلق بالله تعالى- أشرف العلوم وأجلها على الإطلاق.
فالاشتغال بفهمه والبحث التام عنه، اشتغال بأعلى المطالب، وحصوله للعبد من أشرف المواهب.
ومنها: أن معرفة الله تعالى تدعو إلى محبته وخشيته، وخوفه ورجائه، وإخلاص العمل له، وهذا عين سعادة العبد، ولا سبيل إلى معرفة الله، إلا بمعرفة أسمائه وصفاته، والتفقه في فهم معانيها.
وقد اشتمل القرآن من ذلك على ما لم يشتمل عليه غيره، من تفاصيل ذلك وتوضيحها، والتعرف بها إلى عباده، وتعريفهم لنفسه كي يعرفوه.
ومنها: أن الله خلق الخلق ليعبدوه ويعرفوه، فهذا هو الغاية المطلوبة منهم، فالاشتغال بذلك اشتغال بما خلق له العبد، وتركه وتضييعه إهمال لما خلق له. وقبيح بعبد، لم تزل نعم الله عليه متواترة، وفضله عليه عظيم من كل وجه، أن يكون جاهلا بربه معرضا عن معرفته.
ومنها: أن أحد أركان الإيمان، بل أفضلها وأصلها الإيمان بالله، وليس الإيمان بمجرد قوله: "آمنت بالله" من غير معرفة بربه.
بل حقيقة الإيمان، أن يعرف الرب الذي يؤمن به، ويبذل جهده في معرفة أسمائه وصفاته، حتى يبلغ درجة اليقين، وبحسب معرفته بربه يكون إيمانه، فكلما ازداد معرفة بربه ازداد إيمانه وكلما نقص، نقص.
وأقرب طريق يوصله إلى ذلك، تدبر صفاته وأسمائه من القرآن.
والطريق في ذلك، إذا مر به اسم من أسماء الله، أثبت (٢) له ذلك المعنى وكماله وعمومه، ونزهه (٣) عما يضاد ذلك.
ومنها: أن العلم به تعالى أصل الأشياء كلها، حتى إن العارف به حقيقة المعرفة، يستدل بما عرف من صفاته وأفعاله على ما يفعله، وعلى ما يشرعه من الأحكام، لأنه لا يفعل إلا ما هو مقتضى أسمائه وصفاته، فأفعاله دائرة
(٢) في ب: أن يثبت.
(٣) في ب: وينزهه.
وكذلك لا يشرع ما يشرعه من الأحكام، إلا على حسب ما اقتضاه حمده وحكمته وفضله وعدله.
فأخباره كلها حق وصدق، وأوامره ونواهيه عدل وحكمة.
وهذا العلم أعظم وأشهر من أن ينبه عليه لوضوحه: وكيف يصح في الأذهان شيء
إذا احتاج النهار إلى دليل
ومنها: ذكر الأنبياء والمرسلين، وما أرسلوا به، وما جرى لهم مع أممهم. وفي ذلك عدة فوائد:
منها: أن من تمام الإيمان بهم معرفتهم بصفاتهم وسيرهم وأحوالهم. وكلما كان المؤمن بذلك أعرف، كان أعظم إيمانا بهم، ومحبة لهم، وتعظيما لهم، وتعزيزا وتوقيرا.
ومنها: أن من بعض حقوقهم علينا -خصوصا النبي محمد صلى الله عليه وسلم- معرفتهم ومحبتهم محبة صادقة، ولا سبيل لذلك إلا بمعرفة أحوالهم.
ومنها: أن معرفة الأنبياء موجبة لشكر الله تعالى على ما من به على المؤمنين، إذ بعث فيهم رسولا منهم يزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة، بعد أن كانوا في ضلال مبين.
ومنها: أن الرسل هم المربون للمؤمنين، الذين ما نال المؤمنون (١) مثقال ذرة من الخير، ولا اندفع عنهم مثقال ذرة من الشر، إلا على أيديهم وبسببهم.
فقبيح بالمؤمن أن يجهل حالة مربيه ومزكيه ومعلمه.
وإذا كان من المستنكر جهل الإنسان بحال أبويه ومباعدته لذلك، فكيف بحالة الرسول، الذي هو أولى بالمؤمنين من أنفسهم، وهو أبوهم الحقيقي، الذي حقه مقدم على سائر الحقوق بعد حق الله تعالى؟!!
ومنها: أن في معرفة ما جرى لهم وجرى عليهم، تحصل للمؤمن (٢) الأسوة والقدوة، وتخف عنه كثير من المقلقات والمزعجات، لأنها مهما بلغت من الثقل والشدة، فلا تصل إلى بعض ما جرى على الأنبياء. قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾
ومن أعظم الاقتداء بهم، الاقتداء بتعليماتهم، وكيفية إلقاء العلم على حسب مراتب الخلق، والصبر على التعليم، والدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، والمجادلة بالتي هي أحسن، وبهذا وأمثاله كان العلماء ورثة الأنبياء.
ومن فوائد معرفة الرسول صلى الله عليه وسلم، معرفة الآيات القرآنية المنزلة عليه وفهم المعنى. والمراد منها موقوف على معرفة أحوال الرسول، وسيرته مع قومه وأصحابه وغيرهم من الناس، فإن الأزمنة والأمكنة والأشخاص تختلف اختلافا كثيرا.
فلو أراد إنسان (٣) أن يصرف همه لمعرفة معاني القرآن من دون معرفة منه لذلك، لحصل من الغلط على الله وعلى رسوله، وعلى مراد الله من كلامه، شيء كثير.
وهذا إنما يعرفه من عرف ما في أكثر التفاسير من الأغلاط القبيحة التي ينزه عنها كلام الله (٤) وغير
(٢) في ب: للمؤمنين.
(٣) في ب: الإنسان.
(٤) في ب جاءت الجملة هكذا (ما في كثير من التفاسير من الأغلاط التي ينزه عنها كلام الله) وقد شطبت هذه الجملة، وكتب الشيخ- رحمه الله- في الهامش بدلا عنها ما يلي (كيف كثر حمل مراد الله ورسوله على العرف الحادث فوقع الخلل الكثير).
ومن علوم القرآن: الأمر والنهي الموجه لهذه الأمة وغيرها، وهذا هو المقصود منهم، وفي معرفة ذلك عدة فوائد:
منها: أن الله تعالى حث على معرفة حدود ما أنزل الله على رسوله، وذم من لم يعرف ذلك.
ومن أعظم ما يجب معرفة حدوده؛ الأوامر والنواهي التي كلفنا بها، وألزمنا بالقيام بها وتعلمها وتعليمها.
ولا سبيل إلى امتثالها، [أو اجتنابها،] (١) إلا بمعرفتها، ليتأتى فعلها [أو تركها] (٢) وذلك أن المكلف إذا أمر بأمر، وجب عليه أولا معرفة ما هو الذي أمر به، وما يدخل به وما لا يدخل.
فإذا عرف ذلك استعان بالله، واجتهد في امتثاله بحسب القدرة والإمكان.
وكذلك إذا نهي عن أمر من الأمور، وجب عليه معرفة ذلك المنهي وحقيقته، ثم يبذل جهده مستعينا بربه على تركه، امتثالا لأمر الله، واجتنابا لنهيه، وامتثال الأمر، واجتناب النهي، كل منهما واجب، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. فعرفت أن العلم بها قبل العمل، ومتقدم عليه.
ومنها: أن الدعوة إلى الخير، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لا يمكن حصولها وتحصيلها إلا بعد معرفة الخير ليدعو له، ومعرفة المعروف ليأمر به، ومعرفة المنكر لينهى عنه، والقرآن مشتمل على ذلك أعظم اشتمال، ومتضمن له أكمل تضمن.
ومن علوم القرآن أحوال اليوم الآخر، وهو ما يكون بعد الموت مما أخبر به الله في كتابه، أو أخبر به رسوله من أهوال الموت، والقبر والموقف، والجنة والنار، وفي العلم بذلك فوائد كثيرة:
منها: أن الإيمان باليوم الآخر، أحد أركان الإيمان الستة، التي لا يصح الإيمان بدونها، وكلما ازدادت معرفته بتفاصيله، ازداد إيمانه (٣).
ومنها: أن العلم بذلك (٤) حقيقة المعرفة، يفتح للإنسان باب الخوف والرجاء، اللذين إن خلا القلب منهما خرب كل الخراب، وإن عمر بهما أوجب له الخوف الانكفاف عن المعاصي، والرجاء تيسير الطاعة وتسهيلها، ولا يتم ذلك إلا بمعرفة تفاصيل الأمور التي يخاف منها وتحذر؛ كأحوال القبر وشدته، وأحوال الموقف الهائلة، وصفات النار المفظعة.
وبمعرفة تفاصيل الجنة وما فيها من النعيم المقيم، والحبرة والسرور، ونعيم القلب والروح والبدن، فيحدث بسبب ذلك الاشتياق الداعي للاجتهاد في السعي للمحبوب المطلوب، بكل ما يقدر عليه.
ومنها: أنه يعرف بذلك فضل الله وعدله، في المجازاة على الأعمال الصالحة، والسيئة، الموجب لكمال حمده والثناء عليه بما هو أهله.
وعلى قدر علم العبد بتفاصيل الثواب والعقاب، يعرف بذلك فضل الله وعدله وحكمته.
ومن علوم القرآن: مجادلة المبطلين، ودفع شبه الظالمين، وإقامة البراهين العقلية الموافقة للأدلة النقلية.
وهذا الفن من علوم القرآن من خواص العلماء الربانيين، والجهابذة الراسخين، والعقلاء المستبصرين، وقد اشتمل القرآن من الأدلة العقلية، والقواطع البرهانية، ما لو جمع ما عند جميع
(٢) زيادة من هامش ب.
(٣) في ب: إيمان العبد به.
(٤) في ب: أن معرفة ذلك.
وإن أمر بالأوامر الشرعية، وحث على الآداب ومكارم الأخلاق، رأيته ينبه العقول النيرة على ما اشتملت عليه من المصالح الضرورية، التي يحتا جونها في معاشهم ومعادهم، ما يجزم بأنه (١) لا أحسن منها، وأن حكمته تقتضي الأمر بها أشد اقتضاء.
وإن نهى عن المحارم والقبائح والخبائث، أخبر بما في ضمنها من الفساد والضرر، والشر الحاصل بتناولها، وأن نعمة الله عليهم بتحريمها عليهم وتنزيههم عنها، وتكريمهم وتعلية أقدارهم عن التلبس بها فوق كل نعمة، فالمأمورات مشتملات (٢) على الصلاح، والمحرمات مشتملات (٣) على المفاسد.
وإن شرع في الحجاج للمبطلين، وتزييف شبه المشبهين، وبطلان مذاهب الضالين، فقل ما شئت من إحقاق حق، ودمغ باطل، وإرشاد ضال، وإقامة الحجة على المعاند، وبيان أن الباطل لا يقوم لأقل شيء من الحق، بل هو على اسمه باطل لا حقيقة له، إن هي إلا أسماء يسمون بها الباطل إذا جردت، تبينت هباء منثورا.
ورأيته يسوق البراهين العقلية، بأوضح عبارة وأوجزها وأسلمها من الاعتراض والنقض والخفاء، فيجمع بين الدليل العقلي والنقلي في كلمة واحدة، إيجازا غير مخل بالمطلوب، وتارة يفصل ذلك، ويسرد من البراهين ما يكفي بعضه بالبيان. فلله الحمد والشكر.
فهذه مقدمة نافعة، إن شاء الله، ينبغي استقراؤها في [كل] مواردها، والتنبه لكل ما يرد من هذه المطالب على وجه التفصيل، فمن استعملها في كل ما يرد عليه من الآيات، انتفع بها نفعا عظيما. وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم.
(٢) في ب: مشتملة.
(٣) في ب: مشتملة.
وهي مكية
وهذه السورة مشتملة على الاستعاذة برب الناس ومالكهم وإلههم، من الشيطان الذي هو أصل الشرور كلها ومادتها، الذي من فتنته وشره، أنه -[٩٣٨]- يوسوس في صدور الناس، فيحسن [لهم] الشر، ويريهم إياه في صورة حسنة، وينشط إرادتهم لفعله، ويقبح لهم الخير ويثبطهم عنه، ويريهم إياه في صورة غير صورته، وهو دائمًا بهذه الحال يوسوس ويخنس أي: يتأخر إذا ذكر العبد ربه واستعان على دفعه.
فينبغي له أن [يستعين و] يستعيذ ويعتصم بربوبية الله للناس كلهم.
وأن الخلق كلهم، داخلون تحت الربوبية والملك، فكل دابة هو آخذ بناصيتها.
وبألوهيته التي خلقهم لأجلها، فلا تتم لهم إلا بدفع شر عدوهم، الذي يريد أن يقتطعهم عنها ويحول بينهم وبينها، ويريد أن يجعلهم من حزبه ليكونوا من أصحاب السعير، والوسواس كما يكون من الجن يكون من الإنس، ولهذا قال: ﴿مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾.
والحمد لله رب العالمين أولا وآخرًا، وظاهرًا وباطنًا.
ونسأله تعالى أن يتم نعمته، وأن يعفو عنا ذنوبًا لنا حالت (١) بيننا وبين كثير من بركاته، وخطايا وشهوات ذهبت بقلوبنا عن تدبر آياته.
ونرجوه ونأمل منه أن لا يحرمنا خير ما عنده بشر ما عندنا، فإنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون، ولا يقنط من رحمته إلا القوم الضالون.
وصلى الله وسلم على رسوله محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، صلاة وسلامًا دائمين متواصلين أبد الأوقات، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.
تم تفسير كتاب الله بعونه وحسن توفيقه، على يد جامعه وكاتبه، عبد الرحمن بن ناصر بن عبد الله المعروف بابن سعدي، غفر الله له ولوالديه وجميع المسلمين، وذلك في غرة ربيع الأول من سنة أربعٍ وأربعين وثلاثمائة وألف من هجرة محمد ﷺ (٢). -[٩٣٩]-
(٢) في ب: ووقع النقل في شعبان ١٣٤٥ ربنا تقبل منا واعف إنك أنت الغفور الرحيم.
النكرة في سياق النفي، أو سياق النهي، أو الاستفهام، أو سياق الشرط، تعم، وكذلك المفرد المضاف يعم، وأمثلة ذلك كثيرة.
فمتى وجدت نكرة واقعة بعد المذكورات، أو وجدت مفردا مضافا إلى معرفة، فأثبت جميع ما دخل في ذلك اللفظ، ولا تعتبر سبب النزول وحده، فإن "العبرة بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب".
وينبغي أن تنزل جميع الحوادث والأفعال الواقعة، والتي لا تزال تحدث، على العمومات القرآنية، فبذلك تعرف أن القرآن تبيان لكل شيء، وأنه لا يحدث حادث، ولا يستجد أمر من الأمور، إلا وفي القرآن بيانه وتوضيحه.
ومن أصوله أن الألف واللام الداخلة على الأوصاف، وعلى أسماء الأجناس، تفيد استغراق جميع ما دخلت عليه من المعاني.
ومن كليات القرآن، أنه يدعوا إلى توحيد الله ومعرفته، بذكر أسماء الله، وأوصافه، وأفعاله الدالة على تفرده بالوحدانية، وأوصاف الكمال، وإلى أنه الحق، وعبادته هي الحق، وأن ما يدعون من دونه هو الباطل، ويبين نقص كل ما عبد من دون الله من جميع الوجوه.
ويدعو إلى صحة ما جاء به الرسول محمد ﷺ وصدقه، ببيان إحكامه، وتمامه، وصدق إخباراته كلها، وحسن أحكامه. ويبين ما كان عليه الرسول صلى الله عليه وسلم، من الكمال البشري الذي لا يلحقه فيه أحد من الأولين والآخرين، ويتحداهم بأن يأتوا بمثل ما جاء به إن كانوا صادقين.
ويقرر ذلك بشهادته تعالى بقوله وفعله وإقراره إياه، وتصديقه له بالحجة والبرهان، وبالنصر والظهور، وبشهادة أهل العلم المنصفين. ويقابل بين ما جاء به من الحق في أخباره وأحكامه، وبين ما كان عليه أعداؤه، والمكذبون به، من الكذب في أخبارهم، والباطل في أحكامهم، كما يقرر ذلك بالمعجزات المتنوعة.
ويقرر الله المعاد بذكر كمال قدرته، وخلقه للسموات والأرض، اللتين هما أكبر من خلق الناس، وبأن الذي بدأ الخلق قادر على إعادته من باب أولى، وبأن الذي أحيا الأرض بعد موتها قادر على إحياء الموتى. ويذكر أيضا أيامه في الأمم، ووقوع المثلات التي شاهدها الناس في الدنيا، وأنها نموذج من جزاء الآخرة.
ويدعو جميع المبطلين من الكفار والمشركين والملحدين بذكر محاسن الدين، وأنه يهدي للتي هي أقوم، في عقائده وأخلاقه وأعماله، وبيان ما لله من العظمة والربوبية، والنعم العظيمة. وأن من تفرد بالكمال المطلق، والنعم كلها، هو الذي لا تصلح العبادة إلا له، وأن ما عليه المبطلون، إذا ميز وحقق وجد شرا وباطلا وعواقبه وخيمة.
ومن أصول التفسير، إذا فهمت ما دلت عليه الآيات الكريمة من المعاني مطابقة وتضمنا، فاعلم أن لوازم هذه المعاني، وما لا تتم إلا به، وشروطها وتوابعها، تابعة لذلك المعنى، فما لا يتم الخبر إلا به،
إذا أمر الله بشيء كان ناهيا عن ضده، وإذا نهى عن شيء كان آمرا بضده، وإذا أثنى على نفسه بنفي شيء من النقائص؛ كان إثباتا للكمال المنافي لذلك النقص. وكذلك إذا أثنى على رسله وأوليائه ونزههم عن شيء من النقائص؛ فهو مدح لهم بما يضاد ذلك النقص، ومثله نفي النقائص عن دار النعيم، يدل على إثبات ضد ذلك.
ومن الكليات؛ أنه إذا وضح الحق وظهر ظهورا جليا، لم يبق للمجادلات العلمية والمعارضات العملية محل، بل تبطل المعارضات، وتضمحل المجادلات.
ما نفاه القرآن؛ فإما أن يكون غير موجود، أو أنه موجود، ولكنه غير مفيد ولا نافع.
الموهوم لا يدفع المعلوم، والمجهول لا يعارض المحقق، وما بعد الحق إلا الضلال.
ذكر الله في القرآن الإيمان والعمل الصالح في مواضع كثيرة رتب عليهما من الجزاء العاجل والآجل والآثار الحميدة شيئا كثيرا، فالإيمان هو: التصديق الجازم، بما أمر الله ورسوله بالتصديق به، المتضمن لأعمال الجوارح.
والعمل الصالح هو: القيام بحقوق الله، وحقوق عباده، وكذلك أمر الله بالتقوى، ومدح المتقين، ورتب على التقوى حصول الخيرات، وزوال المكروهات. والتقوى الكاملة: امتثال أمر الله وأمر رسوله، واجتناب نهيهما وتصديق خبرهما.
وإذا جمع الله بين التقوى والبر ونحوه، كانت التقوى اسما لتوقي جميع المعاصي، والبر اسما لفعل الخيرات، وإذا أفرد أحدهما، دخل فيه الآخر.
وذكر الله الهدى المطلوب في مواضع كثيرة، وأثنى على المهتدي، وأخبر أن الهدى بيده، وأمرنا بطلبه منه، وبالسعي في كل سبب يحصل الهدى، وذلك شامل لهداية العلم والعمل.
فالمهتدي: من عرف الحق، وعمل به، وضده الغي والضلال، فمن عرف الحق ولم يعمل به فهو الغاوي، ومن جهل الحق فهو الضال.
أمر الله بالإحسان، وأثنى على المحسنين، وذكر ثوابهم المتنوع في آيات كثيرة. وحقيقة الإحسان: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك، وأن تبذل ما تستطيعه من النفع المالي والبدني والقولي إلى المخلوقين.
وأمر بالإصلاح وأثنى على المصلحين، وأخبر أنه لا يضيع ثوابهم وأجرهم.
والإصلاح هو: أن تسعى في إصلاح عقائد الناس وأخلاقهم. وجميع أحوالهم، بحيث تكون على غاية ما يمكن من الصلاح، وأيضا يشمل إصلاح الأمور الدينية، والأمور الدنيوية، وإصلاح الأفراد والجماعات، وضد هذا الفساد.
والإفساد، قد نهى عنه، وذم المفسدين، وذكر عقوباتهم المتعددة، وأخبر أنه لا يصلح أعمالهم الدينية والدنيوية.
أثنى الله على اليقين، وعلى الموقنين، وأنهم هم المنتفعون بالآيات القرآنية، والآيات الأفقية.
واليقين أخص من العلم، فهو: العلم الراسخ، المثمر للعمل والطمأنينة.
وكذلك أثنى الله على الشكر، وذكر ثواب الشاكرين، وأخبر أنهم أرفع الخلق في الدنيا والآخرة.
وحقيقة الشكر هو: الاعتراف بجميع نعم الله، والثناء على الله بها، والاستعانة بها على طاعة المنعم.
وذكر الله الخوف والخشية، في مواضع كثيرة. أمر به، وأثنى على أهله، وذكر ثوابهم، وأنهم المنتفعون بالآيات، التاركون للمحرمات.
وحقيقة الخوف والخشية: أن يخاف العبد مقامه بين يدي الله، ومقامه عليه، فينهى نفسه بهذا الخوف عن كل ما حرم الله.
والرجاء: أن يرجو العبد رحمة الله العامة، ورحمته الخاصة به. فيرجو قبول ما تفضل الله عليه به من الطاعات، وغفران ما تاب منه من الزلات، ويعلق رجاءه بربه في كل حال من أحواله.
وذكر الله الإنابة في مواضع كثيرة، وأثنى على المنيبين، وأمر بالإنابة إليه. وحقيقة الإنابة: انجذاب القلب إلى الله، في كل حالة من أحواله، ينيب إلى ربه عند النعماء بشكره، وعند الضراء بالتضرع إليه، وعند مطالب النفوس الكثيرة بكثرة دعائه في جميع مهماته، وينيب إلى ربه، باللهج بذكره في كل وقت.
[والإنابة أيضا: الرجوع إلى الله، بالتوبة من جميع المعاصي، والرجوع إليه في جميع أعماله وأقواله، فيعرضها على كتاب الله، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فتكون الأعمال والأقوال، موزونة بميزان الشرع] (١)
أمر تعالى بالإخلاص، وأثنى على المخلصين، وأخبر أنه لا يقبل إلا العمل الخالص.
وحقيقة الإخلاص: أن يقصد العامل بعمله وجه الله وحده وثوابه. وضده: الرياء، والعمل للأغراض النفسية.
نهى الله عن التكبر، وذم الكبر والمتكبرين، وأخبر عن عقوباتهم العاجلة والآجلة.
والتكبر هو: رد الحق، واحتقار الخلق، وضد ذلك التواضع، فقد أمر به، وأثنى على أهله، وذكر ثوابهم، فهو قبول الحق ممن قاله، وأن لا يحتقر الخلق، بل يرى فضلهم، ويحب لهم ما يحب لنفسه.
العدل، هو: أداء حقوق الله، وحقوق العباد.
والظلم: عكسه، فهو يشمل ظلم العبد لنفسه بالمعاصي والشرك وظلم العباد في دمائهم وأموالهم وأعراضهم.
الصدق، هو: استواء الظاهر والباطن في الاستقامة على الصراط المستقيم، والكذب بخلاف ذلك.
حدود الله هي: محارمه، وهي التي يقول فيها ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوهَا﴾ ويراد بها ما أباحه الله وحلله، وقدره، وفرضه، فيقول فيها ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوهَا﴾
الأمانة هي: الأمور التي يؤتمن عليها العبد. فيشمل ذلك أداء حقوق الله، وخصوصا الخفية، وحقوق خلقه كذلك.
العهود والعقود، يدخل فيها التي بينه وبين الله، وهو: القيام بعبادة الله مخلصا له الدين، والتي بينه وبين العباد من المعاملات ونحوها.
والإسراف والتبذير، مجاوزة الحد في الإنفاق. والتقتير والبخل عكسه: التقصير في النفقات الواجبة.
المعروف: اسم جامع لكل ما عرف حسنه ونفعه شرعا وعقلا والمنكر عكسه.
الاستقامة: لزوم طاعة الله، وطاعة رسوله على الدوام.
مرض القلب هو: اعتلاله، وهو نوعان: مرض شكوك في الحق، ومرض شهوة للأمور المحرمة.
النفاق: إظهار الخير، وإبطان الشر، فيدخل فيه النفاق الاعتقادي والنفاق العملي.
القرآن، كله محكم، وأحكمت آياته من جهة موافقتها للحكمة، وأن أخباره أعلى درجات الصدق، وأحكامه في غاية الحسن. وكله متشابه، من جهة اتفاقه في البلاغة والحسن، وتصديق بعضه لبعض وكمال اتفاقه.
ومنه محكم ومتشابه، من جهة أن متشابهه ما كان فيه إجمال أو احتمال لبعض المعاني. ومحكمه، واضح مبين صريح في معناه، إذا رد إليه المتشابه، اتفق الجميع، واستقامت معانيه.
معية الله التي ذكرها في كتابه، نوعان:
معية العلم والإحاطة، وهي: المعية العامة، فإنه مع عباده أينما كانوا.
ومعية خاصة، وهي: معيته مع خواص خلقه بالنصرة، واللطف، والتأييد.
الدعاء والدعوة، يشمل دعاء العبادة، فيدخل فيه كل عبادة أمر الله بها ورسوله.
ودعاء المسألة، وهو: سؤال الله جلب المنافع، ودفع المضار.
الطيبات: اسم جامع لكل طيب نافع، من العقائد، والأخلاق، والأعمال، والمآكل، والمشارب والمكاسب. والخبيث ضد ذلك.
وقد يراد بالخبيث: الرديء، وبالطيب: الخيار كقوله تعالى: ﴿يا أيها الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الأرْضِ﴾ (١)
النفقة، تشمل النفقة الواجبة: كالزكاة، والكفارة، ونفقة النفس، والعائلة، والمماليك، والنفقة المستحبة: كالنفقة في جميع طرق الخير.
التوكل على الله والاستعانة به، قد أمر الله بها، وأثنى على المتوكلين في آيات كثيرة.
وحقيقة ذلك: قوة اعتماد القلب على الله في جلب المصالح، ودفع المضار الدينية والدنيوية، مع الثقة به في حصول ذلك.
العقل الذي مدحه الله وأثنى على أهله، وأخبر أنهم هم المنتفعون بالآيات. هو: الذي يفهم، ويعقل الحقائق النافعة، ويعمل بها، ويعقل صاحبه عن الأمور الضارة، ولذلك قيل له: حجر، ولُب، ونُهى، لأنه يحجر صاحبه وينهاه عما يضره.
العلم هو: معرفة الهدى بدليله، فهو معرفة المسائل النافعة المطلوبة، ومعرفة أدلتها وطرقها، التي تهدي إليها.
والعلم النافع هو: العلم بالحق والعمل به، وضده الجهل.
لفظ "الأمة" في القرآن على أربعة أوجه: يراد به "الطائفة من الناس" وهو الغالب. ويراد به "المدة"،
لفظ "استوى" في القرآن على ثلاثة أوجه: إن عدي بـ "على" كان معناه العلو والارتفاع، ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾
وإن عدي بـ "إلى"، فمعناه قصد، كقوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾
وإن لم يعد بشيء، فمعناه "كَمُل"، كقوله تعالى ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى﴾
"التوبة" ورد في آيات كثيرة الأمر بها، ومدح التائبين وثوابهم، وهي: الرجوع عما يكرهه الله ظاهرا وباطنا، إلى ما يحبه الله ظاهرا وباطنا.
الصراط المستقيم، الذي أمر الله بلزومه وأثنى على المستقيمين عليه، هو: الطريق المعتدل الموصل إلى رضوان الله وثوابه، وهو متابعة النبي ﷺ في أقواله وأفعاله وكل أحواله.
الذكر لله الذي أمر به، وأثنى على الذاكرين، وذكر جزاءهم العاجل والآجل هو: عند الإطلاق، يشمل جميع ما يقرب إلى الله: من عقيدة، أو فكر نافع، أو خلق جميل، أو عمل قلبي أو بدني، أو ثناء على الله، أو تسبيح ونحوه، أو تعلم أحكام الشرع الأصولية والفروعية، أو ما يعين على ذلك، فكله داخل في ذكر الله. فصل
وقد تكرر كثير من أسماء الله الحسنى في القرآن بحسب المناسبات، والحاجة داعية إلى التنبيه إلى معانيها الجامعة، فنقول:
قد تكرر اسم "الرب" في آيات كثيرة.
و"الرب": هو المربي جميع عباده بالتدبير وأصناف النعم. وأخص من هذا تربيته لأصفيائه بإصلاح قلوبهم وأرواحهم وأخلاقهم. ولهذا كثر دعاؤهم له بهذا الاسم الجليل، لأنهم يطلبون منه هذه التربية الخاصة.
"الله": هو المألوه المعبود، ذو الألوهية والعبودية على خلقه أجمعين، لما اتصف به من صفات الألوهية التي هي صفات الكمال.
"الملك، المالك": الذي له الملك فهو الموصوف بصفة الملك، وهي صفات العظمة والكبرياء، والقهر والتدبير، الذي له التصرف المطلق في الخلق والأمر والجزاء، وله جميع العالم العلوي والسفلي، كلهم عبيد ومماليك، ومضطرون إليه.
"الواحد، الأحد": وهو الذي توحد بجميع الكمالات، بحيث لا يشاركه فيها مشارك. ويجب على العبيد توحيده، عقلا وقولا وعملا بأن يعترفوا بكماله المطلق، وتفرده بالوحدانية، ويفردوه بأنواع العبادة.
"الصمد": وهو الذي تقصده الخلائق كلها في جميع حاجاتها، وضروراتها وأحوالها، لما له من الكمال المطلق في ذاته، وأسمائه، وصفاته، وأفعاله.
"العليم، الخبير": وهو الذي أحاط علمه بالظواهر والبواطن، والأسرار والإعلان، وبالواجبات والمستحيلات والممكنات، وبالعالم العلوي والسفلي، وبالماضي والحاضر والمستقبل، فلا يخفى عليه شيء من الأشياء.
"الحكيم": وهو الذي له الحكمة العليا في خلقه وأمره، الذي أحسن كل شيء خلقه ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ فلا يخلق شيئا عبثا، ولا يشرع شيئا سدى، الذي له الحكم في الأولى والآخرة، وله الأحكام الثلاثة لا يشاركه فيها مشارك، فيحكم بين عباده، في شرعه، وفي قدره وجزائه.
"الرحمن، الرحيم، البر، الكريم، الجواد، الرؤوف، الوهاب".
هذه الأسماء تتقارب معانيها، وتدل كلها على اتصاف الرب بالرحمة، والبر، والجود، والكرم، وعلى سعة رحمته ومواهبه، التي عم بها جميع الوجود، بحسب ما تقتضيه حكمته، وخص المؤمنين منها بالنصيب الأوفر، والحظ الأكمل، قال تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ الآية.
والنعم والإحسان، كله من آثار رحمته، وجوده، وكرمه. وخيرات الدنيا والآخرة، كلها من آثار رحمته.
"السميع" لجميع الأصوات، باختلاف اللغات على تفنن الحاجات.
"البصير" الذي يبصر كل شيء وإن دق وصغر، فيبصر دبيب النملة السوداء في الليلة الظلماء على الصخرة الصماء. ويبصر ما تحت الأرضين السبع، كما يبصر ما فوق السموات السبع. وأيضا سميع بصير بمن يستحق الجزاء بحسب حكمته، والمعنى الأخير يرجع إلى الحكمة.
"الحميد" في ذاته، وأسمائه، وصفاته، وأفعاله، فله من الأسماء أحسنها، ومن الصفات أكملها، ومن الأفعال أتمها وأحسنها، فإن أفعاله تعالى دائرة بين الفضل والعدل.
"المجيد، الكبير، العظيم، الجليل" وهو الموصوف بصفات المجد، والكبرياء، والعظمة، والجلال، الذي هو أكبر من كل شيء، وأعظم من كل شيء، وأجل وأعلى. وله التعظيم والإجلال في قلوب أوليائه وأصفيائه، قد ملئت قلوبهم من تعظيمه وإجلاله، والخضوع له والتذلل لكبريائه.
"العفو، الغفور، الغفار" الذي لم يزل، ولا يزال بالعفو معروفا، وبالغفران والصفح عن عباده موصوفا، كل أحد مضطر إلى عفوه ومغفرته، كما هو مضطر إلى رحمته وكرمه، وقد وعد بالمغفرة والعفو لمن أتى بأسبابها، قال تعالى: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى﴾
"التواب" الذي لم يزل يتوب على التائبين، ويغفر ذنوب المنيبين، فكل من تاب إلى الله توبة نصوحا، تاب الله عليه، فهو التائب على التائبين أولا بتوفيقهم للتوبة والإقبال بقلوبهم إليه، وهو التائب عليهم بعد توبتهم قبولا لها، وعفوا عن خطاياهم.
"القدوس، السلام" أي: المعظم المنزه عن صفات النقص كلها، وأن يماثله أحد من الخلق، فهو المتنزه عن جميع العيوب، والمتنزه عن أن يقاربه أو يماثله أحد في شيء من الكمال ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾
فالقدوس كالسلام، ينفيان كل نقص من جميع الوجوه، ويتضمنان الكمال المطلق من جميع الوجوه، لأن النقص إذا انتفى ثبت الكمال كله.
"العلي الأعلى" وهو الذي له العلو المطلق من جميع الوجوه، علو الذات، وعلو القدر والصفات، وعلو القهر. فهو الذي على العرش استوى، وعلى الملك احتوى. وبجميع صفات العظمة والكبرياء والجلال والجمال وغاية الكمال اتصف، وإليه فيها المنتهى.
"العزيز" الذي له العزة كلها: عزة القوة، وعزة الغلبة، وعزة الامتناع. فامتنع أن يناله أحد من المخلوقات، وقهر جميع الموجودات، ودانت له الخليقة وخضعت لعظمته.
"القوي، المتين" هو في معنى العزيز.
"الجبار" هو بمعنى العلي الأعلى، وبمعنى القهار، وبمعنى "الرؤوف" الجابر للقلوب المنكسرة، وللضعيف العاجز، ولمن لاذ به ولجأ إليه.
"المتكبر" عن السوء والنقص والعيوب، لعظمته وكبريائه.
"المؤمن" الذي أثنى على نفسه بصفات الكمال، وبكمال الجلال والجمال، الذي أرسل رسله وأنزل كتبه بالآيات والبراهين، وصدق رسله بكل آية وبرهان، يدل على صدقهم وصحة ما جاؤوا به.
"المهيمن": المطلع على خفايا الأمور وخبايا الصدور، الذي أحاط بكل شيء علما.
"القدير" كامل القدرة، بقدرته أوجد الموجودات، وبقدرته دبرها، وبقدرته سواها وأحكمها، وبقدرته يحيي ويميت، ويبعث العباد للجزاء، ويجازي المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته، الذي إذا أراد شيئا قال له "كن فيكون"، وبقدرته يقلب القلوب، ويصرفها على ما يشاء ويريد.
"اللطيف" الذي أحاط علمه بالسرائر والخفايا، وأدرك الخبايا والبواطن والأمور الدقيقة، اللطيف بعباده المؤمنين، الموصل إليهم مصالحهم بلطفه وإحسانه، من طرق لا يشعرون بها، فهو بمعنى "الخبير" وبمعنى "الرؤوف".
"الحسيب" هو العليم بعباده، كافي المتوكلين، المجازي لعباده بالخير والشر، بحسب حكمته وعلمه بدقيق أعمالهم وجليلها.
"الرقيب" المطلع على ما أكنته الصدور، القائم على كل نفس بما كسبت، الذي حفظ المخلوقات وأجراها على أحسن نظام وأكمل تدبير.
"الحفيظ" الذي حفظ ما خلقه، وأحاط علمه بما أوجده، وحفظ أولياءه من وقوعهم في الذنوب والهلكات، ولطف بهم في الحركات والسكنات، وأحصى على العباد أعمالهم وجزاءها.
"المحيط" بكل شيء علما، وقدرة، ورحمة، وقهرا.
"القهار" لكل شيء، الذي خضعت له المخلوقات، وذلت لعزته وقوته وكمال اقتداره.
"المقيت" الذي أوصل إلى كل موجود ما به يقتات، وأوصل إليها أرزاقها وصرفها كيف يشاء بحكمته وحمده.
"الوكيل" المتولي لتدبير خلقه بعلمه وكمال قدرته وشمول حكمته، الذي تولى أولياءه، فيسرهم لليسرى، وجنبهم العسرى، وكفاهم الأمور. فمن اتخذه وكيلا كفاه ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾
"ذو الجلال والإكرام" أي: ذو العظمة والكبرياء، وذو الرحمة والجود، والإحسان العام والخاص، المكرم لأوليائه وأصفيائه، الذين يجلونه ويعظمونه ويحبونه.
"الودود" الذي يحب أنبياءه ورسله وأتباعهم، ويحبونه، فهو أحب إليهم من كل شيء، قد امتلأت قلوبهم من محبته، ولهجت ألسنتهم بالثناء عليه، وانجذبت أفئدتهم إليه ودا وإخلاصا وإنابة من جميع الوجوه.
"الفتاح" الذي يحكم بين عباده بأحكامه الشرعية، وأحكامه القدرية، وأحكام الجزاء، الذي فتح بلطفه بصائر الصادقين، وفتح قلوبهم لمعرفته ومحبته والإنابة إليه، وفتح لعباده أبواب الرحمة والأرزاق المتنوعة، وسبب لهم الأسباب التي ينالون بها خير الدنيا والآخرة ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ﴾
"الرزاق" لجميع عباده، فما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها. ورزقه لعباده نوعان:
رزق عام، شمل البر والفاجر، والأولين والآخرين، وهو رزق الأبدان.
ورزق خاص وهو رزق القلوب، وتغذيتها بالعلم والإيمان.
"الحكم، العدل" الذي يحكم بين عباده في الدنيا والآخرة بعدله وقسطه. فلا يظلم مثقال ذرة، ولا يحمِّل أحدا وزر أحد، ولا يجازي العبد بأكثر من ذنبه ويؤدي الحقوق إلى أهلها، فلا يدع صاحب حق إلا أوصل إليه حقه، وهو العدل في تدبيره وتقديره ﴿إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾
"جامع الناس" ليوم لا ريب فيه، وجامع أعمالهم وأرزاقهم، فلا يترك منها صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، وجامع ما تفرق واستحال من الأموات الأولين والآخرين، بكمال قدرته، وسعة علمه.
"الحي القيوم" كامل الحياة والقائم بنفسه. القيوم لأهل السموات والأرض، القائم بتدبيرهم وأرزاقهم، وجميع أحوالهم، فـ "الحي": الجامع لصفات الذات، و"القيوم" الجامع لصفات الأفعال.
"النور" نور السموات والأرض، الذي نوَّر قلوب العارفين بمعرفته والإيمان به، ونوَّر أفئدتهم بهدايته، وهو الذي أنار السموات والأرض بالأنوار التي وضعها، وحجابه النور، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه.
"بديع السموات والأرض" أي: خالقهما ومبدعهما، في غاية ما يكون من الحسن والخلق البديع، والنظام العجيب المحكم.
"القابض الباسط" يقبض الأرزاق والأرواح، ويبسط الأرزاق والقلوب، وذلك تبع لحكمته ورحمته.
"المعطي، المانع"، لا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع، فجميع المصالح والمنافع منه تطلب، وإليه يرغب فيها، وهو الذي يعطيها لمن يشاء، ويمنعها من يشاء بحكمته ورحمته.
"الشهيد" أي: المطلع على جميع الأشياء. سمع جميع الأصوات خفيها وجليها، وأبصر جميع الموجودات دقيقها وجليلها صغيرها وكبيرها، وأحاط علمه بكل شيء، الذي شهد لعباده وعلى عباده بما عملوه.
"المبدئ، المعيد" قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ ابتدأ خلقهم ليبلوهم أيهم أحسن عملا ثم يعيدهم ليجزي الذين أحسنوا بالحسنى، ويجزي المسيئين بإساءتهم. وكذلك هو الذي يبدأ إيجاد المخلوقات شيئا فشيئا، ثم يعيدها كل وقت.
"الفعال لما يريد" وهذا من كمال قوته ونفوذ مشيئته وقدرته، أن كل أمر يريده يفعله بلا ممانع ولا معارض، وليس له ظهير ولا عوين، على أي أمر يكون، بل إذا أراد شيئا قال له "كن فيكون". ومع أنه الفعال لما يريد، فإرادته تابعة لحكمته وحمده، فهو موصوف بكمال القدرة، ونفوذ المشيئة، وموصوف بشمول الحكمة، لكل ما فعله ويفعله.
"الغني، المغني" فهو الغني بذاته، الذي له الغنى التام المطلق، من جميع الوجوه والاعتبارات لكماله، وكمال صفاته، فلا يتطرق إليها نقص بوجه من الوجوه، ولا يمكن أن يكون إلا غنيا، لأن غناه من لوازم ذاته، كما لا يكون إلا خالقا، قادرا، رازقا، محسنا، فلا يحتاج إلى أحد بوجه من الوجوه، فهو الغني، الذي بيده خزائن السموات والأرض، وخزائن الدنيا والآخرة. المغني جميع خلقه غنى عاما، والمغني لخواص خلقه بما أفاض على قلوبهم من المعارف الربانية والحقائق الإيمانية.
"الحليم" الذي يدر على خلقه النعم الظاهرة والباطنة، مع معاصيهم وكثرة زلاتهم، فيحلم عن مقابلة العاصين بعصيانهم، ويستعتبهم كي يتوبوا، ويمهلهم كي ينيبوا.
"الشاكر، الشكور" الذي يشكر القليل من العمل، ويغفر الكثير من الزلل. ويضاعف للمخلصين أعمالهم بغير حساب، ويشكر الشاكرين، ويذكر من ذكره، ومن تقرب إليه بشيء من الأعمال الصالحة،
"القريب، المجيب" أي: هو تعالى القريب من كل أحد، وقربه تعالى نوعان: قرب عام من كل أحد، بعلمه، وخبرته، ومراقبته، ومشاهدته، وإحاطته. وقرب خاص، من عابديه، وسائليه، ومحبيه، وهو قرب لا تدرك له حقيقة، وإنما تعلم آثاره، من لطفه بعبده، وعنايته به، وتوفيقه وتسديده. ومن آثاره الإجابة للداعين، والإنابة (١) للعابدين، فهو المجيب إجابة عامة للداعين مهما كانوا، وأين كانوا، وعلى أي حال كانوا كما وعدهم بهذا الوعد المطلق، وهو المجيب إجابة خاصة للمستجيبين له المنقادين لشرعه، وهو المجيب أيضا للمضطرين، ومن انقطع رجاؤهم من المخلوقين وقوي تعلقهم به طمعا ورجاء وخوفا.
"الكافي" عباده جميع ما يحتاجون ويضطرون إليه، الكافي كفاية خاصة من آمن به، وتوكل عليه، واستمد منه حوائج دينه ودنياه.
"الأول، والآخر، والظاهر، والباطن".
قد فسرها النبي ﷺ تفسيرا جامعا واضحا، فقال: "أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء".
"الواسع" الصفات والنعوت ومتعلقاتها، بحيث لا يحصي أحد ثناء عليه، بل هو كما أثنى على نفسه. واسع العظمة والسلطان والملك، واسع الفضل والإحسان، عظيم الجود والكرم.
"الهادي، الرشيد" أي: الذي يهدي ويرشد عباده إلى جميع المنافع، وإلى دفع المضار، ويعلمهم ما لا يعلمون، ويهديهم لهداية التوفيق والتسديد، ويلهمهم التقوى، ويجعل قلوبهم منيبة إليه منقادة لأمره.
وللرشيد معنى بمعنى الحكيم، فهو الرشيد في أقواله وأفعاله، وشرائعه كلها خير ورشد وحكمة، ومخلوقاته مشتملة على الرشد.
"الحق" في ذاته وصفاته، فهو واجب الوجود، كامل الصفات والنعوت، وجوده من لوازم ذاته، ولا وجود لشيء من الأشياء إلا به. فهو الذي لم يزل ولا يزال بالجلال والجمال والكمال موصوفا، ولم يزل ولا يزال بالإحسان معروفا.
فقوله حق، وفعله حق، ولقاؤه حق، ورسله حق، وكتبه حق، ودينه هو الحق، وعبادته وحده لا شريك له هي الحق، وكل شيء ينسب إليه فهو حق. ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾
﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلا الضَّلالُ﴾ ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾
والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات. وصلى الله وسلم على محمد وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم إلى يوم الدين.
قال ذلك وكتبه العبد الفقير إلى ربه عبد الرحمن بن ناصر بن عبد الله بن ناصر السعدي غفر الله له ولوالديه، ومشايخه، وأحبابه، وجميع المسلمين آمين.
والمحافظة عليها: أداؤها بوقتها، وشروطها، وأركانها، وخشوعها، وجميع ما لها، من واجب ومستحب.
وبالمحافظة على الصلوات، تحصل المحافظة على سائر العبادات، وتفيد النهي عن الفحشاء والمنكر، خصوصا إذا أكملها كما أمر بقوله: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ أي: ذليلين مخلصين خاشعين، فإن القنوت دوام الطاعة مع الخشوع.
{٢٣٩} وقوله: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ﴾ حذف المتعلق، ليعم الخوف من العدو، والسبع، وفوات ما يتضرر العبد بفوته فصلوا، ﴿رِجَالا﴾ ماشين على أرجلكم.
﴿أَوْ رُكْبَانًا﴾ على الخيل والإبل، وسائر المركوبات، وفي هذه الحال، لا يلزمه الاستقبال، فهذه صفة صلاة المعذور بالخوف، فإذا حصل الأمن، صلى صلاة كاملة.
ويدخل في قوله: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ﴾ تكميل الصلوات، ويدخل فيه أيضا، الإكثار من ذكر الله، شكرا له على نعمة الأمن وعلى نعمة التعليم، لما فيه سعادة العبد.
وفي الآية الكريمة، فضيلة العلم، وأن على من علمه الله ما لم يكن يعلم الإكثار من ذكر الله.
وفيه الإشعار أيضا أن الإكثار من ذكره، سبب لتعليم علوم أخر، لأن الشكر مقرون بالمزيد.
ثم قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾
{٢٤٠} اشتهر عند كثير من المفسرين، أن هذه الآية الكريمة نسختها الآية التي قبلها وهي قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ وأن الأمر كان على الزوجة أن تتربص حولا كاملا، ثم نسخ بأربعة أشهر وعشر.
ويجيبون عن تقدم الآية الناسخة، أن ذلك تقدم في الوضع، لا في النزول، لأن شرط الناسخ أن يتأخر عن المنسوخ، وهذا القول لا دليل عليه.
ومن تأمل الآيتين، اتضح له أن القول الآخر في الآية هو الصواب، وأن الآية الأولى في وجوب التربص أربعة أشهر وعشرا على وجه التحتيم على المرأة، وأما في هذه الآية فإنها وصية لأهل الميت أن يبقوا زوجة ميتهم عندهم حولا كاملا، جبرا لخاطرها، وبرا بميتهم، ولهذا قال: ﴿وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ﴾ أي: وصية من الله لأهل الميت، أن يستوصوا بزوجته، ويمتعوها ولا يخرجوها.
فإن رغبت أقامت في وصيتها، وإن أحبت الخروج فلا حرج عليها، ولهذا قال: ﴿فَإِنْ خَرَجْنَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ﴾ أي: من التجمل واللباس. لكن الشرط أن يكون بالمعروف، الذي لا يخرجها عن حدود الدين والاعتبار، وختم الآية بهذين الاسمين العظيمين، الدالين على كمال العزة، وكمال الحكمة، لأن هذه أحكام صدرت عن عزته، ودلت على كمال حكمته، حيث وضعها في مواضعها اللائقة بها.
{٢٤١- ٢٤٢} ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ * كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ لما بيّن في الآية السابقة، إمتاع المفارقة بالموت، ذكر هنا أن كل مطلقة، فلها على زوجها، أن يمتعها ويعطيها ما يناسب حاله وحالها، وأنه حق، إنما يقوم به المتقون، فهو من خصال التقوى الواجبة أو المستحبة.
فإن كانت المرأة لم يسم لها صداق، وطلقها قبل الدخول، فتقدم أنه يجب عليه بحسب يساره وإعساره.
وإن كان مسمى لها، فمتاعها نصف المسمى.
وإن كانت مدخولا بها، صارت المتعة مستحبة، في قول جمهور العلماء.
ومن العلماء من أوجب ذلك، استدلالا بقوله: ﴿حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ والأصل في "الحق" أنه واجب، خصوصا وقد أضافه إلى المتقين، وأصل التقوى واجبة.
فلما بيّن تعالى هذه الأحكام الجليلة بين الزوجين، أثنى على أحكامه وعلى بيانه لها وتوضيحه، وموافقتها للعقول السليمة، وأن القصد من بيانه لعباده أن يعقلوا عنه ما بينه، فيعقلونها حفظا، وفهما، وعملا بها، فإن ذلك من تمام عقلها.
{٢٤٣} ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ﴾ أي: ألم تسمع بهذه القصة العجيبة الجارية على من قبلكم من بني إسرائيل، حيث حل الوباء بديارهم، فخرجوا بهذه الكثرة، فرارا من الموت، فلم ينجهم الفرار، ولا أغنى عنهم من وقوع ما كانوا يحذرون، فعاملهم بنقيض مقصودهم، وأماتهم الله عن آخرهم، ثم تفضل عليهم، فأحياهم، إما بدعوة نبي، كما قاله كثير من المفسرين، وإما بغير ذلك.
ولكن ذلك بفضله وإحسانه، وهو لا زال فضله على الناس، وذلك موجب لشكرهم لنعم الله بالاعتراف بها وصرفها في مرضاة الله، ومع ذلك فأكثر الناس قد قصروا بواجب الشكر.
وفي هذه القصة عبرة بأنه على كل شيء قدير، وذلك آية محسوسة على البعث، فإن هذه القصة معروفة منقولة نقلا متواترا عند بني إسرائيل ومن اتصل بهم، ولهذا أتى بها تعالى، بأسلوب الأمر الذي قد تقرر عند المخاطبين.
ويحتمل أن هؤلاء الذين خرجوا من ديارهم خوفا من الأعداء، وجبنا عن لقائهم، ويؤيد هذا أن الله ذكر بعدها الأمر بالقتال وأخبر عن بني إسرائيل أنهم كانوا مخرجين من ديارهم وأبنائهم.
وعلى الاحتمالين فإن فيها ترغيبا في الجهاد، وترهيبا من التقاعد عنه، وأن ذلك لا يغني عن الموت شيئا. ﴿قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ﴾
{٢٤٤- ٢٤٥} ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ جمع الله بين الأمر بالقتال في سبيله بالمال والبدن لأن الجهاد لا يقوم إلا بالأمرين، وحث على الإخلاص فيه، بأن يقاتل العبد لتكون كلمة الله هي العليا، فإن الله
وأيضا، فإنه إذا علم المجاهد في سبيله أن الله سميع عليم، هان عليه ذلك، وعلم أنه بعينه ما يتحمل المتحملون من أجله، وأنه لا بد أن يمدهم بعونه ولطفه.
وتأمل هذا الحث اللطيف على النفقة، وأن المنفق قد أقرض الله المليء الكريم، ووعده المضاعفة الكثيرة، كما قال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾
ولما كان المانع الأكبر من الإنفاق خوف الإملاق، أخبر تعالى أن الغنى والفقر بيد الله، وأنه يقبض الرزق على من يشاء، ويبسطه على من يشاء، فلا يتأخر من يريد الإنفاق خوف الفقر، ولا يظن أنه ضائع، بل مرجع العباد كلهم إلى الله، فيجد المنفقون والعاملون أجرهم عنده مدخرا، أحوج ما يكونون إليه، ويكون له من الوقع العظيم ما لا يمكن التعبير عنه.
والمراد بالقرض الحسن: هو ما جمع أوصاف الحسن، من النية الصالحة، وسماحة النفس بالنفقة، ووقوعها في محلها، وأن لا يتبعها المنفق منا ولا أذى؛ ولا مبطلا ومنقصا.
{٢٤٦} ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ إلى آخر القصة. يقص الله تعالى هذه القصة على الأمة ليعتبروا وليرغبوا في الجهاد، ولا ينكلوا عنه، فإن الصابرين صارت لهم العواقب الحميدة في الدنيا والآخرة، والناكلين خسروا الأمرين.
فأخبر تعالى أن أهل الرأي من بني إسرائيل وأصحاب الكلمة النافذة تراودوا في شأن الجهاد، واتفقوا على أن يطلبوا من نبيهم أن يعين لهم ملكا؛ لينقطع النزاع بتعيينه، وتحصل الطاعة التامة، ولا يبقى لقائل مقال.
وأن نبيهم خشي أن طلبهم هذا مجرد كلام لا فعل معه، فأجابوا نبيهم بالعزم الجازم، وأنهم التزموا ذلك التزاما تاما، وأن القتال متعين عليهم، حيث كان وسيلة لاسترجاع ديارهم؛ ورجوعهم إلى مقرهم ووطنهم.
{٢٤٧} وأنه عين لهم نبيهم طالوت ملكا، يقودهم في هذا الأمر الذي لا بد له من قائد يحسن القيادة، وأنهم استغربوا تعيينه لطالوت، وثم من هو أحق منه بيتا وأكثر مالا.
فأجابهم نبيهم: إن الله اختاره عليكم؛ بما آتاه الله من قوة العلم بالسياسة؛ وقوة الجسم، اللذين هما آلة الشجاعة والنجدة، وحسن التدبير، وأن الملك ليس بكثرة المال؛ ولا يكون صاحبه ممن كان الملك والسيادة في بيوتهم، فالله يؤتي ملكه من يشاء.
{٢٤٨} ثم لم يكتف ذلك النبي الكريم بإقناعهم بما ذكره؛ من كفاءة طالوت؛ واجتماع الصفات المطلوبة فيه حتى قال لهم: ﴿إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ﴾ وكان هذا التابوت قد استولت عليه الأعداء.
فلم يكتفوا بالصفات المعنوية في طالوت، ولا بتعيين الله له على لسان نبيهم، حتى يؤيد ذلك هذه المعجزة، ولهذا قال: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ فحينئذ سلموا وانقادوا.
{٢٤٩} فلما ترأس فيهم طالوت، وجندهم، ورتبهم، وفصل بهم إلى قتال عدوهم، وكان قد رأى منهم من ضعف العزائم والهمم، ما يحتاج إلى تمييز الصابر من الناكل، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ﴾ تمرون عليه وقت حاجة إلى الماء.
﴿فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي﴾ أي: لا يتبعني؛ لأن ذلك برهان على قلة صبره، ووفور جزعه، ﴿وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ لصدقه وصبره، ﴿إِلا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ﴾ أي: فإنه مسامح فيها.
فلما وصلوا إلى ذلك النهر وكانوا محتاجين إلى الماء، شربوا كلهم منه ﴿إِلا قَلِيلا مِنْهُمْ﴾ فإنهم صبروا ولم يشربوا.
﴿فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا﴾ أي: الناكلون أو الذين عبروا: ﴿لا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ﴾
فإن كان القائلون هم الناكلين، فهذا قول يبررون به نكولهم، وإن كان القائلون هم الذين عبروا مع طالوت، فإنه حصل معهم نوع استضعاف لأنفسهم، ولكن شجعهم على الثبات والإقدام أهل الإيمان الكامل حيث قالوا: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ بعونه وتأييده، ونصره، فثبتوا، وصبروا لقتال عدوهم جالوت وجنوده.
{٢٥٠} ﴿وَقَتَلَ دَاوُدُ﴾ -صلى الله عليه وسلم- ﴿جَالُوتَ﴾ وحصل بذلك الفتح والنصر على عدوهم.
﴿وَآتَاهُ اللَّهُ﴾ أي: داود ﴿الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ﴾ النبوة والعلوم النافعة، وآتاه الله الحكمة وفصل الخطاب.
{٢٥١} ثم بين تعالى فائدة الجهاد فقال: ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأَرْضُ﴾ باستيلاء الكفرة والفجار، وأهل الشر والفساد.
﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ حيث لطف بالمؤمنين، ودافع عنهم وعن دينهم، بما شرعه وبما قدره.
{٢٥٢} فلما بين هذه القصة قال لرسوله -صلى الله عليه وسلم-: ﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾
ومن جملة الأدلة على رسالته، هذه القصة، حيث أخبر بها وحيا من الله، مطابقا للواقع، وفي هذه القصة عبر كثيرة للأمة.
منها: فضيلة الجهاد في سبيله، وفوائده، وثمراته، وأنه السبب الوحيد في حفظ الدين، وحفظ الأوطان، وحفظ الأبدان والأموال، وأن المجاهدين- ولو شقت عليهم الأمور- فإن عواقبهم حميدة، كما أن الناكلين- ولو استراحوا قليلا- فإنهم سيتعبون طويلا.
ومنها: الانتداب لرياسة من فيه كفاءة، وأن الكفاءة ترجع إلى أمرين: إلى العلم الذي هو علم السياسة والتدبير، وإلى القوة التي ينفذ بها الحق، وأن من اجتمع فيه الأمران فهو أحق من غيره. ومنها: الاستدلال بهذه القصة على ما قاله العلماء، أنه ينبغي لأمير الجيوش
فهؤلاء الذين عزموا على القتال، وأتوا بكلام يدل على العزم المصمم، لما جاء الوقت نكص أكثرهم، ويشبه هذا قوله -صلى الله عليه وسلم-: (وأسألك الرضا بعد القضاء) ؛ لأن الرضا بعد وقوع القضاء المكروه للنفوس هو الرضا الحقيقي.
{٢٥٣} وقوله تعالى ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ يخبر الباري أنه فاوت بين الرسل في الفضائل الجليلة، والتخصيصات الجميلة، بحسب ما من الله به عليهم، وقاموا به من الإيمان الكامل؛ واليقين الراسخ، والأخلاق العالية، والآداب السامية، والدعوة، والتعليم، والنفع العميم.
فمنهم من اتخذه خليلا، ومنهم من كلمه تكليما، ومنهم من رفعه فوق الخلائق درجات.
وجميعهم لا سبيل لأحد من البشر إلى الوصول إلى فضلهم الشامخ.
وخص عيسى ابن مريم أنه آتاه البينات الدالة على أنه رسول الله حقا، وعبده صدقا، وأن ما جاء به من عند الله كله حق، فجعله يبرئ الأكمه والأبرص، ويحيي الموتى بإذن الله، وكلم الناس في المهد صبيا، وأيده بروح القدس، أي: بروح الإيمان.
فجعل روحانيته فائقة روحانية غيره، فحصل له بذلك القوة والتأييد، وإن كان أصل التأييد بهذه الروح عاما لكل مؤمن، بحسب إيمانه، كما قال: ﴿وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾ لكن ما لعيسى أعظم مما لغيره، لهذا خصه الله بالذكر.
وقيل: إن روح القدس- هنا- جبريل، أيده الله بإعانته ومؤازرته، لكن المعنى هو الأول.
ولما أخبر عن كمال الرسل، وما أعطاهم من الفضل والخصائص، وأن دينهم واحد، ودعوتهم إلى الخير واحدة، وكان موجب ذلك ومقتضاه أن تجتمع الأمم على تصديقهم، والانقياد لهم، لما آتاهم من البينات التي على مثلها يؤمن البشر، لكن أكثرهم انحرفوا عن الصراط المستقيم، ووقع الاختلاف بين الأمم.
فمنهم من آمن، ومنهم من كفر، ووقع لأجل ذلك الاقتتال الذي هو موجب الاختلاف والتعادي، ولو شاء الله لجمعهم على الهدى، فما اختلفوا، ولو شاء الله أيضا- بعدما وقع الاختلاف الموجب للاقتتال- ما اقتتلوا.
ولكن حكمته اقتضت جريان الأمور على هذا النظام بحسب الأسباب، ففي هذه الآية أكبر شاهد على أنه تعالى يتصرف في جميع الأسباب المقتضية لمسبباتها، وأنه إن شاء أبقاها، وإن شاء منعها، وكل ذلك تبع لحكمته وحده، فإنه فعال لما يريد، فليس لإرادته ومشيئته ممانع ولا معارض ولا معاون.
{٢٥٤} ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ يحث الله المؤمنين على النفقات في جميع طرق الخير؛ لأن حذف المعمول يفيد التعميم، ويذكرهم نعمته عليهم، بأنه هو الذي رزقهم، ونوع عليهم النعم، وأنه لم يأمرهم بإخراج جميع ما في أيديهم، بل أتى بـ "من" الدالة على التبعيض، فهذا مما يدعوهم إلى الإنفاق.
ومما يدعوهم أيضا إخبارهم أن هذه النفقات مدخرة عند الله في يوم لا تفيد فيه المعاوضات بالبيع ونحوه، ولا التبرعات، ولا الشفاعات، فكل أحد يقول: ما قدمت لحياتي.
فتنقطع الأسباب كلها، إلا الأسباب المتعلقة بطاعة الله والإيمان به، يوم لا ينفع مال ولا بنون، إلا من أتى الله بقلب سليم.
﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ﴾ ﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا﴾
ثم قال تعالى: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ وذلك لأن الله خلقهم لعبادته، ورزقهم، وعافاهم ليستعينوا بذلك على طاعته، فخرجوا عما خلقهم الله له، وأشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا، واستعانوا بنعمه على الكفر، والفسوق، والعصيان، فلم يبقوا للعدل موضعا، فلهذا حصر الظلم المطلق فيهم.
{٢٥٥} ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ أخبر -صلى الله عليه وسلم- أن هذه الآية أعظم آيات القرآن، لما احتوت عليه من معاني التوحيد والعظمة، وسعة الصفات للباري تعالى.
فأخبر أنه ﴿اللهُ﴾ الذي له جميع معاني الألوهية، وأنه لا يستحق الألوهية والعبودية إلا هو، فألوهية غيره، وعبادة غيره باطلة.
وأنه ﴿الْحَيُّ﴾ الذي له جميع معاني الحياة الكاملة، من السمع والبصر، والقدرة، والإرادة، وغيرها، والصفات الذاتية.
كما أن ﴿الْقَيُّومُ﴾ تدخل فيه جميع صفات الأفعال، لأنه القيوم الذي قام بنفسه، واستغنى عن جميع مخلوقاته، وقام بجميع الموجودات، فأوجدها وأبقاها، وأمدها بجميع ما تحتاج إليه في وجودها وبقائها. ومن كمال حياته وقيوميته، أنه
وأخبر أنه مالك جميع ما في السماوات والأرض فكلهم عبيد لله مماليك، لا يخرج أحد منهم عن هذا الطور، ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إِلا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ فهو المالك لجميع الممالك، وهو الذي له صفات الملك والتصرف، والسلطان، والكبرياء.
ومن تمام ملكه أنه لا ﴿يَشْفَعُ عِنْدَهُ﴾ أحد ﴿إِلا بِإِذْنِهِ﴾ فكل الوجهاء والشفعاء عبيد له مماليك، لا يقدمون على شفاعة حتى يأذن لهم. ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ والله لا يأذن لأحد أن يشفع إلا فيمن ارتضى، ولا يرتضي إلا توحيده، واتباع رسله، فمن لم يتصف بهذا، فليس له في الشفاعة نصيب.
ثم أخبر عن علمه الواسع المحيط، وأنه يعلم ما بين أيدي الخلائق، من الأمور المستقبلة، التي لا نهاية لها ﴿وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ من الأمور الماضية التي لا حد لها، وأنه لا تخفى عليه خافية ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾
وأن الخلق لا يحيط أحد بشيء من علم الله ومعلوماته ﴿إِلا بِمَا شَاءَ﴾ منها وهو ما أطلعهم عليه من الأمور الشرعية والقدرية، وهو جزء يسير جدا مضمحل في علوم الباري ومعلوماته، كما قال أعلم الخلق به، وهم الرسل والملائكة: ﴿سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلا مَا عَلَّمْتَنَا﴾
ثم أخبر عن عظمته وجلاله، وأن كرسيه، وسع السماوات والأرض، وأنه قد حفظهما ومن فيهما من العوالم بالأسباب والنظامات، التي جعلها الله في المخلوقات.
ومع ذلك فـ ﴿لا يَئُودُهُ﴾ أي: يثقله حفظهما، لكمال عظمته، واقتداره، وسعة حكمته في أحكامه.
﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ﴾ بذاته، على جميع مخلوقاته، وهو العلي بعظمة صفاته، وهو العلي الذي قهر المخلوقات، ودانت له الموجودات، وخضعت له الصعاب، وذلت له الرقاب.
﴿الْعَظِيمُ﴾ الجامع، لجميع صفات العظمة والكبرياء، والمجد والبهاء، الذي تحبه القلوب، وتعظمه الأرواح، ويعرف العارفون أن عظمة كل شيء، وإن جلت عن الصفة، فإنها مضمحلة في جانب عظمة العلي العظيم.
فآية احتوت على هذه المعاني التي هي أجل المعاني، يحق أن تكون أعظم آيات القرآن، ويحق لمن قرأها، متدبرا متفهما، أن يمتلئ قلبه من اليقين والعرفان والإيمان، وأن يكون محفوظا بذلك من شرور الشيطان.
{٢٥٦} ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ هذا بيان لكمال هذا الدين الإسلامي، وأنه لكمال براهينه، واتضاح آياته، وكونه هو دين العقل والعلم، ودين الفطرة والحكمة، ودين الصلاح والإصلاح، ودين الحق والرشد، فلكماله وقبول الفطرة له، لا يحتاج إلى الإكراه عليه؛ لأن الإكراه إنما يقع على ما تنفر عنه القلوب، ويتنافى مع الحقيقة والحق، أو لما تخفى براهينه وآياته، وإلا فمن جاءه هذا الدين، ورده ولم يقبله، فإنه لعناده.
فإنه قد تبين الرشد من الغي، فلم يبق لأحد عذر ولا حجة، إذا رده ولم يقبله، ولا منافاة بين هذا المعنى، وبين الآيات الكثيرة الموجبة للجهاد، فإن الله أمر بالقتال ليكون الدين كله لله، ولدفع اعتداء المعتدين على الدين.
وأجمع المسلمون على أن الجهاد ماض مع البر والفاجر، وأنه من الفروض المستمرة الجهاد القولي والجهاد الفعلي.
فمن ظن من المفسرين أن هذه الآية تنافي آيات الجهاد، فجزم بأنها منسوخة فقوله ضعيف، لفظا ومعنى، كما هو واضح بين لمن تدبر الآية الكريمة، كما نبهنا عليه.
ثم ذكر الله انقسام الناس إلى قسمين: قسم آمن بالله وحده لا شريك له، وكفر بالطاغوت- وهو كل ما ينافي الإيمان بالله من الشرك وغيره-، فهذا قد استمسك بالعروة الوثقى، التي لا انفصام لها، بل هو مستقيم على الدين الصحيح، حتى يصل به إلى الله؛ وإلى دار كرامته.
ويؤخذ القسم الثاني من مفهوم الآية، أن من لم يؤمن بالله، بل كفر به، وآمن بالطاغوت، فإنه هالك هلاكا أبديا، ومعذب عذابا سرمديا.
وقوله: ﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ﴾ أي: لجميع الأصوات، باختلاف اللغات، على تفنن الحاجات، وسميع لدعاء الداعين، وخضوع المتضرعين.
﴿عَلِيمٌ﴾ بما أكنته الصدور، وما خفي من خفايا الأمور، فيجازي كل أحد بحسب ما يعلمه، من نياته وعمله.
{٢٥٧} ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ هذه الآية مترتبة على الآية التي قبلها، فالسابقة هي الأساس، وهذه هي الثمرة.
فأخبر تعالى أن الذين آمنوا بالله، وصدقوا إيمانهم، بالقيام بواجبات الإيمان، وترك كل ما ينافيه، أنه وليهم، يتولاهم بولايته الخاصة، ويتولى تربيتهم، فيخرجهم من ظلمات الجهل والكفر والمعاصي والغفلة والإعراض، إلى نور العلم واليقين والإيمان، والطاعة والإقبال الكامل على ربهم، وينور قلوبهم بما يقذفه فيها من نور الوحي والإيمان، وييسرهم لليسرى، ويجنبهم العسرى.
وأما الذين كفروا، فإنهم لما تولوا غير وليهم، ولّاهم الله ما تولوا لأنفسهم، وخذلهم، ووكلهم إلى رعاية من تولاهم، ممن ليس عنده نفع ولا ضر، فأضلوهم وأشقوهم، وحرموهم هداية العلم النافع والعمل الصالح وحرموهم السعادة، وصارت النار مثواهم، خالدين فيها مخلدين.
اللهم تولنا فيمن توليت.
{٢٥٨} ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ يقص الله علينا من أنباء الرسل والسالفين، ما به تتبين الحقائق، وتقوم البراهين المتنوعة على التوحيد.
ولكن هذا الجبار غره ملكه وأطغاه، حتى وصلت به الحال إلى أن نفاه، وحاج إبراهيم الرسول العظيم، الذي أعطاه الله من العلم واليقين ما لم يعط أحدا من الرسل، سوى محمد -صلى الله عليه وسلم-.
فقال إبراهيم مناظرا له: ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ أي: هو المنفرد بالخلق والتدبير، والإحياء والإماتة، فذكر من هذا الجنس أظهرها، وهو الإحياء والإماتة، فقال ذلك الجبار مباهتا: ﴿أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾ وعنى بذلك أني أقتل من أردت قتله، وأستبقي من أردت استبقاءه.
ومن المعلوم أن هذا تمويه وتزوير، وحيدة عن المقصود، وأن المقصود أن الله تعالى هو الذي تفرد بإيجاد الحياة في المعدومات، وردها على الأموات، وأنه هو الذي يميت العباد والحيوانات بآجالها، بأسباب ربطها وبغير أسباب.
فلما رآه الخليل مموها تمويها، ربما راج على الهمج الرعاع، قال إبراهيم- ملزما له بتصديق قوله إن كان كما يزعم-: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾ أي: وقف، وانقطعت حجته، واضمحلت شبهته.
وليس هذا من الخليل انتقالا من دليل إلى آخر، وإنما هو إلزام لنمرود، بطرد دليله إن كان صادقا، وأتى بهذا الذي لا يقبل الترويج والتزوير والتمويه.
فجميع الأدلة: السمعية، والعقلية، والفطرية، قد قامت شاهدة بتوحيد الله، معترفة بانفراده بالخلق والتدبير، وأن من هذا شأنه، لا يستحق العبادة إلا هو، وجميع الرسل متفقون على هذا الأصل العظيم، ولم ينكره إلا معاند مكابر، مماثل لهذا الجبار العنيد، فهذا من أدلة التوحيد.
{٢٥٩- ٢٦٠} ثم ذكر أدلة كمال القدرة والبعث والجزاء، فقال: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾
هذان دليلان عظيمان، محسوسان في الدنيا قبل الآخرة، على البعث والجزاء، واحد أجراه الله على يد رجل شاك في البعث على الصحيح، كما تدل عليه الآية الكريمة، والآخر على يد خليله إبراهيم.
كما أجرى دليل التوحيد السابق على يده، فهذا الرجل مر على قرية قد دمرت تدميرا، وخوت على عروشها، قد مات أهلها وخربت عمارتها، فقال- على وجه الشك والاستبعاد-: ﴿أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ ؟، أي: ذلك بعيد، وهي في هذه الحال، يعني: وغيرها مثلها، بحسب ما قام بقلبه تلك الساعة.
فأراد الله رحمته ورحمة الناس، حيث أماته الله مائة عام، وكان معه حمار، فأماته معه، ومعه طعام وشراب، فأبقاهما الله بحالهما كل هذه المدد الطويلة، فلما مضت الأعوام المائة، بعثه الله، فقال: ﴿كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ وذلك بحسب ما ظنه، فقال الله: ﴿بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ﴾ والظاهر أن هذه المجاوبة على يد بعض الأنبياء الكرام.
ومن تمام رحمة الله به وبالناس، أنه أراه الآية عيانا، ليقتنع بها، فبعدما عرف أنه ميت قد أحياه الله، قيل له: ﴿فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ أي: لم يتغير في هذه المدد الطويلة، وذلك من آيات قدرة الله، فإن الطعام والشراب- خصوصا ما ذكره المفسرون: أنه فاكهة وعصير- لا يلبث أن يتغير، وهذا قد حفظه الله، مائة عام، وقيل له: ﴿وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ﴾ فإذا هو قد تمزق وتفرق، وصار عظاما نخرة.
﴿وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا﴾ أي: نرفع بعضها إلى بعض، ونصل بعضها ببعض، بعدما تفرقت، ﴿ثُمَّ نَكْسُوهَا﴾ بعد الالتئام ﴿لَحْمًا﴾ ثم نعيد فيه الحياة.
﴿فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ﴾ رأي عين لا يقبل الريب بوجه من الوجوه، ﴿قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾
فاعترف بقدرة الله على كل شيء، وصار آية للناس، لأنهم قد عرفوا موته وموت حماره، وعرفوا قضيته، ثم شاهدوا هذه الآية الكبرى، هذا هو الصواب في هذا الرجل.
وأما قول كثير من المفسرين: إن هذا الرجل مؤمن أو نبي من الأنبياء، إما عزير أو غيره، وأن قوله: ﴿أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ يعني: كيف تعمر هذه القرية بعد أن كانت خرابا، وأن الله أماته، ليريه ما يعيد لهذه القرية من عمارتها بالخلق، وأنها عمرت في هذه المدة، وتراجع الناس إليها، وصارت عامرة، بعد أن كانت دامرة، فهذا لا يدل عليه اللفظ، بل ينافيه، ولا يدل عليه المعنى.
فأي آية وبرهان، برجوع البلدان الدامرة إلى العمارة، وهذه لم تزل تشاهد، تعمر قرى ومساكن، وتخرب أخرى، وإنما الآية العظيمة في إحيائه بعد موته، وإحياء حماره، وإبقاء طعامه وشرابه، لم يتعفن ولم يتغير.
ثم قوله: ﴿فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ﴾ صريح في أنه لم يتبين له إلا بعدما شاهد هذه الحال الدالة على كمال قدرته عيانا.
{٢٦٠} وأما البرهان الآخر، فإن إبراهيم قال طالبا من الله، أن يريه كيف يحيي الموتى، فقال الله له: ﴿أَوَلَمْ تُؤْمِنْ﴾ ليزيل الشبهة عن خليله.
﴿قَالَ﴾ إبراهيم: ﴿بَلَى﴾ يا رب، قد آمنت أنك على كل شيء قدير، وأنك تحيي الموتى، وتجازي العباد، ولكن أريد
فأجاب الله دعوته، كرامة له، ورحمة بالعباد، ﴿قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ﴾ ولم يبين أي الطيور هي، فالآية حاصلة بأي نوع منها، وهو المقصود، ﴿فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾ أي: ضمهن، واذبحهن، ومزقهن.
﴿ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾
ففعل ذلك، وفرق أجزاءهن على الجبال، التي حوله، ودعاهن بأسمائهن، فأقبلن إليه، أي: سريعات، لأن السعي: السرعة، وليس المراد أنهن جئن على قوائمهن، وإنما جئن طائرات، على أكمل ما يكون من الحياة.
وخص الطيور بذلك، لأن إحياءهن أكمل وأوضح من غيرهن.
وأيضا أزال في هذا كل وهم، ربما يعرض للنفوس المبطلة، فجعلهن متعددات أربعة، ومزقهن جميعا، وجعلهن على رؤوس الجبال، ليكون ذلك ظاهرا علنا، يشاهد من قرب ومن بعد، وأنه نحاهن عنه كثيرا، لئلا يظن أن يكون عاملا حيلة من الحيل، وأيضا أمره أن يدعوهن فجئن مسرعات.
فصارت هذه الآية أكبر برهان على كمال عزة الله وحكمته.
وفيه تنبيه على أن البعث فيه يظهر للعباد كمال عزة الله وحكمته وعظمته وسعة سلطانه، وتمام عدله وفضله.
{٢٦١- ٢٦٢} ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ * الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أ، َ، ،، م، ْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ هذا حث عظيم من الله لعباده في إنفاق أموالهم في سبيله، وهو طريقه الموصل إليه، فيدخل في هذا إنفاقه في ترقية العلوم النافعة، وفي الاستعداد للجهاد في سبيله، وفي تجهز المجاهدين وتجهيزهم، وفي جميع المشاريع الخيرية النافعة للمسلمين.
ويلي ذلك الإنفاق على المحتاجين، والفقراء والمساكين.
وقد يجتمع الأمران، فيكون في النفقة دفع الحاجات، والإعانة على الخير والطاعات، فهذه النفقات مضاعفة، هذه المضاعفة بسبعمائة إلى أضعاف أكثر من ذلك، ولهذا قال: ﴿وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ وذلك بحسب ما يقوم بقلب المنفق من الإيمان، والإخلاص التام، وفي ثمرات نفقته ونفعها، فإن بعض طرق الخيرات يترتب على الإنفاق فيها منافع متسلسلة، ومصالح متنوعة، فكان الجزاء من جنس العمل.
ثم أيضا ذكر ثوابا آخر للمنفقين أموالهم في سبيله، نفقة صادرة، مستوفية لشروطها، منتفية موانعها، فلا يتبعون المنفق عليه منا منهم عليه، وتعدادا للنعم، وأذية له، قولية أو فعلية.
فهؤلاء ﴿لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ بحسب ما يعلمه منهم، وبحسب نفقاتهم ونفعها، وبفضله الذي لا تناله، ولا تصل إليه صدقاتهم.
﴿وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ فنفى عنهم المكروه الماضي، بنفي الحزن، والمستقبل بنفي الخوف عليهم، فقد حصل لهم المحبوب، واندفع عنهم المكروه.
{٢٦٣} ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ﴾ ذكر الله أربع مراتب للإحسان: المرتبة العليا: النفقة الصادرة عن نية صالحة، ولم يتبعها المنفق منا ولا أذى.
ثم يليها قول المعروف، وهو: الإحسان القولي بجميع وجوهه، الذي فيه سرور المسلم، والاعتذار من السائل إذا لم يوافق عنده شيئا، وغير ذلك من أقوال المعروف.
والثالثة: الإحسان بالعفو والمغفرة، عمن أساء إليك، بقول أو فعل.
وهذان أفضل من الرابعة، وخير منها وهي التي يتبعها المتصدق الأذى للمعطى، لأنه كدر إحسانه وفعل خيرا وشرا.
فالخير المحض- وإن كان مفضولا- خير من الخير الذي يخالطه شر، وإن كان فاضلا، وفي هذا التحذير العظيم لمن يؤذي من تصدق عليه، كما فعله أهل اللؤم والحمق والجهل.
﴿وَاللهُ﴾ تعالى ﴿غَنِيٌّ﴾ عن صدقاتهم، وعن جميع عباده.
﴿حَلِيمٌ﴾ مع كمال غناه، وسعة عطاياه، يحلم عن العاصين، ولا يعاجلهم بالعقوبة، بل يعافيهم ويرزقهم، ويدر عليهم خيره، وهم مبارزون له بالمعاصي.
{٢٦٤- ٢٦٦} ثم نهى أشد النهي عن المن والأذى، وضرب لذلك مثلا، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ * وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ * أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾ ضرب الله في هذه الآيات ثلاثة أمثلة: للمنفق ابتغاء وجهه، ولم يتبع نفقته منا ولا أذى، ولمن أتبعها منا وأذى، وللمرائي.
{٢٦٥} فأما الأول، فإنه لما كانت نفقته مقبولة مضاعفة، لصدورها عن الإيمان والإخلاص التام ﴿ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ أي: ينفقون، وهم ثابتون على وجه السماحة والصدق، فمثل هذا العمل ﴿كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ﴾ وهو المكان المرتفع، لأنه يتبين للرياح والشمس، والماء فيها غزير.
فإن لم يصبها ذلك الوابل الغزير، حصل طل كاف، لطيب منبتها، وحسن أرضها، وحصول جميع الأسباب الموفرة لنموها وازدهارها وإثمارها. ولهذا ﴿آتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ﴾ أي: متضاعفا.
وهذه الجنة التي على هذا الوصف، هي أعلى ما يطلبه الناس، فهذا العمل الفاضل بأعلى المنازل.
{٢٦٦} وأما من أنفق لله، ثم أتبع نفقته منا وأذى، أو عمل عملا، فأتى بمبطل لذلك العمل، فهذا مثله مثال صاحب هذه الجنة، لكن سلط عليها ﴿إِعْصَارٌ﴾ وهو الريح الشديدة ﴿فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ﴾ وله ذرية ضعفاء، وهو
فهذه الحال من أفظع الأحوال، ولهذا صدر هذا المثل بقوله: ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ﴾ إلى آخرها بالاستفهام المتقرر عند المخاطبين فظاعته، فإن تلفها دفعة واحدة، بعد زهاء أشجارها، وإيناع ثمارها، مصيبة كبرى.
ثم حصول هذه الفاجعة- وصاحبها كبير قد ضعف عن العمل، وله ذرية ضعفاء، لا مساعدة منهم له، ومؤنتهم عليه- فاجعة أخرى، فصار صاحب هذا المثل، الذي عمل لله، ثم أبطل عمله بمناف له، يشبه حال صاحب الجنة، التي جرى عليها ما جرى، حين اشتدت ضرورته إليها.
المثل الثالث: الذي يرائي الناس، وليس معه إيمان بالله، ولا احتساب لثوابه، حيث شبه قلبه بالصفوان، وهو الحجر الأملس، عليه تراب يظن الرائي أنه إذا أصابه المطر، أنبت كما تنبت الأراضي الطيبة، ولكنه كالحجر، الذي أصابه الوابل الشديد، فأذهب ما عليه من التراب، وتركه صلدا.
وهذا مثل مطابق لقلب المرائي، الذي ليس فيه إيمان، بل هو قاس لا يلين ولا يخشع.
فهذا أعماله ونفقاته لا أصل لها، تؤسس عليه، ولا غاية لها، تنتهي إليها، بل ما عمله، فهو باطل، لعدم شرطه.
والذي قبله بطل بعد وجود الشرط، لوجود المانع، والأول مقبول مضاعف، لوجود شرطه الذي هو الإيمان والإخلاص والثبات، وانتفاء الموانع المفسدة. وهذه الأمثال الثلاثة، تنطبق على جميع العاملين، فليزن العبد نفسه وغيره بهذه الموازين العادلة، والأمثال المطابقة. ﴿وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلا الْعَالِمُونَ﴾.
{٢٦٧- ٢٦٨} ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الأَرْضِ وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ * الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ يحث الباري عباده على الإنفاق مما كسبوا في التجارات، ومما أخرج لهم من الأرض، من الحبوب والثمار، وهذا يشمل زكاة النقدين، والعروض كلها، المعدة للبيع والشراء، والخارج من الأرض، من الحبوب والثمار، ويدخل في عمومها الفرض والنفل.
وأمر تعالى أن يقصدوا الطيب منها، ولا يقصدوا الخبيث، وهو الرديء الدون، يجعلونه لله، ولو بذله لهم من لهم حق عليه، لم يرتضوه ولم يقبلوه إلا على وجه المغاضاة والإغماض.
فالواجب إخراج الوسط من هذه الأشياء، والكمال إخراج العالي، والممنوع إخراج الرديء، فإن هذا لا يجزئ عن الواجب، ولا يحصل فيه الثواب التام في المندوب.
﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ فهو غني عن جميع المخلوقين، وهو الغني عن نفقات المنفقين، وعن طاعات الطائعين، وإنما أمرهم بها، وحثهم عليها، لنفعهم، ومحض فضله وكرمه عليهم.
ومع كمال غناه، وسعة عطاياه، فهو الحميد فيما يشرعه لعباده من الأحكام الموصلة لهم إلى دار السلام.
وحميد في أفعاله، التي لا تخرج عن الفضل والعدل والحكمة، وحميد الأوصاف، لأن أوصافه كلها محاسن وكمالات، لا يبلغ العباد كنهها، ولا يدركون وصفها.
{٢٦٨} فلما حثهم على الإنفاق النافع، ونهاهم عن الإمساك الضار، بين لهم أنهم بين داعيين:
داعي الرحمن، يدعوهم إلى الخير، ويعدهم عليه الخير، والفضل والثواب العاجل والآجل، وإخلاف ما أنفقوا.
وداعي الشيطان، الذي يحثهم على الإمساك ويخوفهم، إن أنفقوا أن يفتقروا، فمن كان مجيبا لداعي الرحمن، وأنفق مما رزقه الله، فليبشر بمغفرة الذنوب، وحصول كل مطلوب، ومن كان مجيبا لداعي الشيطان، فإنه إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير، فليختر العبد أي الأمرين أليق به.
وختم الآية بأنه ﴿وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ أي: واسع الصفات، كثير الهبات، عليم بمن يستحق المضاعفة من العاملين، وعليم بمن هو أهل، فيوفقه لفعل الخيرات، وترك المنكرات.
{٢٦٩} ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلا أُولُو الأَلْبَابِ﴾ لما ذكر أحوال المنفقين للأموال، وأن الله أعطاهم، ومن عليهم بالأموال التي يدركون بها النفقات في الطرق الخيرية، وينالون بها المقامات السنية، ذكر ما هو أفضل من ذلك، وهو أنه يعطي الحكمة من يشاء من عباده، ومن أراد بهم خيرا من خلقه.
والحكمة هي العلوم النافعة، والمعارف الصائبة، والعقول المسددة، والألباب الرزينة، وإصابة الصواب في الأقوال والأفعال.
وهذا أفضل العطايا، وأجل الهبات، ولهذا قال: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ ؛ لأنه خرج من ظلمة الجهالات إلى نور الهدى، ومن حمق الانحراف في الأقوال والأفعال، إلى إصابة الصواب فيها، وحصول السداد، ولأنه كمل نفسه بهذا الخير العظيم، واستعد لنفع الخلق أعظم نفع، في دينهم ودنياهم.
وجميع الأمور لا تصلح إلا بالحكمة، التي هي وضع الأشياء مواضعها، وتنزيل الأمور منازلها، والإقدام في محل الإقدام والإحجام في موضع الإحجام.
ولكن ما يتذكر هذا الأمر العظيم، وما يعرف قدر هذا العطاء الجسيم. ﴿إِلا أُولُو الأَلْبَابِ﴾ وهم أهل العقول الوافية، والأحلام الكاملة، فهم الذين يعرفون النافع فيعملونه، والضار فيتركونه.
وهذان الأمران، وهما بذل النفقات المالية، وبذل الحكمة العلمية، أفضل ما تقرب به المتقربون إلى الله، وأعلى ما وصلوا به إلى أجل الكرامات.
وهما اللذان ذكرهما النبي -صلى الله عليه وسلم- بقوله: (لا حسد إلا في اثنتين، رجل آتاه الله مالا فسلطه على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله الحكمة فهو يعلمها الناس).
{٢٧٠- ٢٧١} ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ يخبر تعالى، أنه مهما أنفق المنفقون أو تصدق المتصدقون، أو نذر الناذرون، فإن الله يعلم ذلك.
{٢٧١} وأخبر أن الصدقة إن أبداها المتصدق، فهي خير، وإن أخفاها، وسلمها للفقير، كان أفضل، لأن الإخفاء على الفقير، إحسان آخر.
وأيضا فإنه يدل على قوة الإخلاص، وأحد السبعة الذين يظلهم الله في ظله: "من تصدق بصدقة فأخفاها، حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه".
وفي قوله: ﴿وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ فائدة لطيفة، وهو أن إخفاءها خير من إظهارها، إذا أعطيت للفقير.
فأما إذا صرفت في مشروع خيري، لم يكن في الآية، ما يدل على فضيلة إخفائها، بل هنا قواعد الشرع، تدل على مراعاة المصلحة، فربما كان الإظهار خيرا، لحصول الأسوة والاقتداء، وتنشيط النفوس على أعمال الخير.
وقوله: ﴿وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ في هذا: أن الصدقات يجتمع فيها الأمران: حصول الخير، وهو: كثرة الحسنات والثواب والأجر، ودفع الشر والبلاء الدنيوي والأخروي، بتكفير السيئات.
﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ فيجازي كلا بعمله، بحسب حكمته.
{٢٧٢} ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ﴾ أي: إنما عليك- أيها الرسول- البلاغ، وحث الناس على الخير، وزجرهم عن الشر، وأما الهداية، فبيد الله تعالى.
ويخبرهم عن المؤمنين حقا، أنهم لا ينفقون إلا لطلب مرضاة ربهم، واحتساب ثوابه، لأن إيمانهم يدعوهم إلى ذلك، فهذا خير وتزكية للمؤمنين، ويتضمن التذكير لهم بالإخلاص.
وكرر علمه- تعالى- بنفقاتهم، لإعلامهم أنه لا يضيع عنده مثقال ذرة: ﴿وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾
{٢٧٣- ٢٧٤} ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ * الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ يعني أنه ينبغي أن تتحروا بصدقاتكم الفقراء، الذين حبسوا أنفسهم في سبيل الله، وعلى طاعته، وليس لهم إرادة في الاكتساب، أو ليس لهم قدرة عليه، وهم يتعففون، إذا رآهم الجاهل ظن أنهم أغنياء ﴿لا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ فهم لا يسألون بالكلية، وإن سألوا اضطرارا، لم يلحفوا في السؤال.
فهذا الصنف من الفقراء، أفضل ما وضعت فيهم النفقات لدفع حاجتهم، وإعانة لهم على مقصدهم وطريق الخير، وشكرا لهم على ما اتصفوا به من الصبر، والنظر إلى الخالق، لا إلى الخلق.
{٢٧٤} ومع ذلك، فالإنفاق في طرق الإحسان وعلى المحاويج حيثما كانوا، فإنه خير وأجر، وثواب عند الله، ولهذا قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾
فإن الله يظلهم بظله يوم لا ظل إلا ظله، وإن الله ينيلهم الخيرات ويدفع عنهم الأحزان والمخاوف والكريهات.
وقوله: ﴿فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ أي: كل أحد منهم بحسب حاله.
وتخصيص ذلك، بأنه عند ربهم، يدل على شرف هذه الحال، ووقوعها في الموقع الأكبر، كما في الحديث الصحيح: (إن العبد ليتصدق بالتمرة من كسب طيب فيتقبلها الجبار بيده، فيربيها لأحدكم كما يربي أحدكم فلوه حتى تكون مثل الجبل العظيم).
{٢٧٥- ٢٨١} ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لا يَقُومُونَ إِلا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ * يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ * إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ * وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ لما ذكر الله حالة المنفقين وما لهم من الله، من الخيرات، وما يكفر عنهم من الذنوب والخطيئات، ذكر الظالمين أهل الربا والمعاملات الخبيثة، وأخبر أنهم يجازون بحسب أعمالهم، فكما كانوا في الدنيا في طلب المكاسب الخبيثة كالمجانين، عوقبوا في البرزخ والقيامة، أنهم لا يقومون من قبورهم إلى يوم بعثهم ونشورهم ﴿إِلا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ أي: من الجنون والصرع.
وذلك عقوبة، وخزي وفضيحة لهم، وجزاء لهم على مراباتهم ومجاهرتهم بقولهم: ﴿إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا﴾ فجمعوا- بجراءتهم- بين ما أحل الله، وبين ما حرم الله، واستباحوا بذلك الربا.
ثم عرض تعالى العقوبة على المرابين وغيرهم، فقال: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾ بيان مقرون به الوعد والوعيد.
﴿فَانْتَهَى﴾ عما كان يتعاطاه من الربا ﴿فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾ مما تجرأ عليه وتاب منه.
﴿وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ فيما يستقبل من زمانه، فإن استمر على توبته، فالله لا يضيع أجر المحسنين.
﴿وَمَنْ عَادَ﴾ بعد بيان الله وتذكيره وتوعده لآكل الربا ﴿فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ في هذا أن الربا موجب لدخول النار والخلود فيها، وذلك لشناعته، ما لم يمنع من الخلود مانع الإيمان.
فالواجب أن تصدق جميع نصوص الكتاب والسنة، فيؤمن العبد بما تواترت به النصوص، من خروج من في قلبه أدنى مثقال حبة خردل من الإيمان من النار.
ومن استحقاق هذه الموبقات لدخول النار، إن لم يتب منها.
{٢٧٦} ثم أخبر تعالى أنه يمحق مكاسب المرابين، ويربي صدقات المنفقين، عكس ما يتبادر لأذهان كثير من الخلق، أن الإنفاق ينقص المال وأن الربا يزيده، فإن مادة الرزق وحصول ثمراته من الله تعالى، وما عند الله لا ينال إلا بطاعته وامتثال أمره.
فالمتجرئ على الربا، يعاقبه بنقيض مقصوده، وهذا مشاهد بالتجربة، ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلا﴾
﴿وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾ وهو الذي كفر نعمة الله، وجحد منة ربه، وأثم بإصراره على معاصيه.
ومفهوم الآية، أن الله يحب من كان شكورا على النعماء، تائبا من المآثم والذنوب.
{٢٧٧} ثم أدخل هذه الآية بين آيات الربا، وهي قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ﴾ الآية، لبيان أن أكبر الأسباب لاجتناب ما حرم الله من المكاسب الربوية تكميل الإيمان وحقوقه، خصوصا إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، فإن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، وإن الزكاة إحسان إلى الخلق، ينافي تعاطي الربا، الذي هو ظلم لهم، وإساءة عليهم.
{٢٧٨} ثم وجه الخطاب للمؤمنين، وأمرهم أن يتقوه، ويذروا ما بقي من معاملات الربا، التي كانوا يتعاطونها قبل ذلك، وأنهم إن لم يفعلوا ذلك، فإنهم محاربون لله ورسوله، وهذا من أعظم ما يدل على شناعة الربا، حيث جعل المصر عليه، محاربا لله ورسوله.
{٢٧٩} ثم قال: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ﴾ يعني من المعاملات الربوية.
﴿فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ﴾ الناس بأخذ الربا ﴿وَلا تُظْلَمُونَ﴾ ببخسكم رؤوس أموالكم.
فكل من تاب من الربا، فإن كانت معاملات سالفة، فله ما سلف، وأمره منظور فيه، وإن كانت معاملات موجودة، وجب عليه أن يقتصر على رأس ماله، فإن أخذ زيادة، فقد تجرأ على الربا.
وفي هذه الآية، بيان لحكمة الربا، وأنه يتضمن الظلم للمحتاجين بأخذ الزيادة، وتضاعف الربا عليهم، وهو واجب إنظارهم.
{٢٨٠} ولهذا قال: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ أي: وإن كان الذي عليه الدين معسرا، لا يقدر على الوفاء، وجب على غريمه أن ينظره إلى ميسرة.
وهو يجب عليه إذا حصل له وفاء بأي طريق مباح، أن يوفي ما عليه.
وإن تصدق عليه غريمه- بإسقاط الدين كله أو بعضه- فهو خير له، ويهون على العبد التزام الأمور الشرعية، واجتناب المعاملات الربوية، والإحسان إلى المعسرين، علمه بأن له يوما يرجع فيه إلى الله، ويوفيه عمله، ولا يظلمه مثقال ذرة، كما ختم هذه الآية بقوله:
{٢٨١} ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾
{٢٨٢- ٢٨٣} ثم قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى وَلا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا وَلا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلا تَرْتَابُوا إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلا تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ * وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ}
احتوت هاتان الآيتان، على إرشاد الباري عباده في معاملاتهم إلى حفظ حقوقهم بالطرق النافعة والإصلاحات التي لا يقترح العقلاء أعلى ولا أكمل منها، فإن فيها فوائد كثيرة.
منها: جواز المعاملات في الديون، سواء كانت ديون سلم أو شراء مؤجلا ثمنه، فكله جائز؛ لأن الله أخبر به عن المؤمنين، وما أخبر به عن المؤمنين، فإنه من مقتضيات الإيمان وقد أقرهم عليه الملك الديان.
ومنها: وجوب تسمية الأجل في جميع المداينات وحلول الإجارات.
ومنها: أنه إذا كان الأجل مجهولا، فإنه لا يحل، لأنه غرر وخطر، فيدخل في الميسر.
ومنها: أمره تعالى بكتابة الديون.
وهذا الأمر قد يجب، إذا وجب حفظ الحق، كالذي للعبد عليه ولاية، كأموال اليتامى، والأوقاف، والوكلاء، والأمناء، وقد يقارب الوجوب، كما إذا كان الحق متمحضا للعبد، فقد يقوى الوجوب وقد يقوى الاستحباب، بحسب الأحوال المقتضية لذلك.
وعلى كل حال، فالكتابة من أعظم ما تحفظ بها هذه المعاملات المؤجلة، لكثرة النسيان، ولوقوع المغالطات، وللاحتراز من الخونة الذين لا يخشون الله تعالى.
ومنها: أمره تعالى للكاتب أن يكتب بين المتعاملين بالعدل، فلا يميل مع أحدهما لقرابة ولا غيرها، ولا على أحدهما لعداوة ونحوها.
ومنها: أن الكتابة بين المتعاملين من أفضل الأعمال، ومن الإحسان إليهما، وفيها حفظ حقوقهما، وبراءة ذممهما كما أمره الله بذلك، فليحتسب الكاتب بين الناس هذه الأمور، ليحظى بثوابها.
ومنها: أن الكاتب لا بد أن يكون عارفا بالعدل، معروفا بالعدل؛ لأنه إذا لم يكن عارفا بالعدل لم يتمكن منه، وإذا لم يكن معتبرا عدلا عند الناس رضيا، لم تكن كتابته معتبرة، ولا حاصلا بها المقصود، الذي هو حفظ الحقوق.
ومنها: أن الكتابة من نعم الله على العباد التي لا تستقيم أمورهم الدينية ولا الدنيوية إلا بها، وأن من علمه الله الكتابة، فقد تفضل عليه بفضل عظيم، فمن تمام شكره لنعمة الله تعالى، أن يقضي بكتابته حاجات العباد، ولا يمتنع من الكتابة، ولهذا قال: ﴿وَلا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ﴾
ومنها: أن الذي يكتبه الكاتب، هو اعتراف من عليه الحق، إذا كان يحسن التعبير عن الحق الذي عليه، فإن كان لا يحسن ذلك- لصغره، أو سفهه، أو جنونه، أو خرسه، أو عدم استطاعته- أملى عنه وليه، وقام وليه في ذلك مقامه.
ومنها: أن الاعتراف من أعظم الطرق، التي تثبت بها الحقوق، حيث أمر الله تعالى أن يكتب الكاتب ما أملى عليه من عليه الحق.
ومنها: ثبوت الولاية على القاصرين، من الصغار والمجانين، والسفهاء ونحوهم.
ومنها: أن الولي يقوم مقام موليه، في جميع اعترافاته المتعلقة بحقوقه.
ومنها: أن من أمنته في معاملة، وفوضته فيها، فقوله في ذلك مقبول، وهو نائب منابك، لأنه إذا كان الولي على القاصرين ينوب منابهم، فالذي وليته باختيارك وفوضت إليه الأمر، أولى بالقبول، واعتبار قوله وتقديمه على قولك عند الاختلاف.
ومنها: أنه يجب على الذي عليه الحق- إذا أملى على الكاتب- أن يتقي الله، ولا يبخس الحق الذي عليه، فلا ينقصه في قدره، ولا في وصفه، ولا في شرط من شروطه، أو قيد من قيوده، بل عليه أن يعترف بكل ما عليه من متعلقات الحق، كما يجب ذلك إذا كان الحق على غيره له، فمن لم يفعل ذلك، فهو من المطففين الباخسين.
ومنها: وجوب الاعتراف بالحقوق الجلية والحقوق الخفية، وأن ذلك من أعظم خصال التقوى، كما أن ترك الاعتراف بها من نواقض التقوى ونواقصها.
ومنها: الإرشاد إلى الإشهاد في البيع، فإن كانت في المداينات، فحكمها حكم الكتابة كما تقدم، لأن الكتابة هي كتابة الشهادة، وإن كان البيع بيعا حاضرا، فينبغي الإشهاد فيه، ولا حرج فيه بترك الكتابة، لكثرته وحصول المشقة فيه.
ومنها: الإرشاد إلى إشهاد رجلين عدلين، فإن لم يمكن، أو تعذر، أو تعسر، فرجل وامرأتان، وذلك شامل لجميع المعاملات، بيوع الإدارة، وبيوع الديون، وتوابعها من الشروط والوثائق وغيرها.
وإذا قيل: قد ثبت أنه -صلى الله عليه وسلم- قضى بالشاهد الواحد مع اليمين، والآية الكريمة ليس فيها إلا شهادة رجلين، أو رجل وامرأتين، قيل: الآية الكريمة، فيها إرشاد الباري عباده إلى حفظ حقوقهم ولهذا أتى فيها بأكمل الطرق، وأقواها، وليس فيها ما ينافي ما ذكره النبي -صلى الله عليه وسلم- من الحكم بالشاهد واليمين.
فباب حفظ الحقوق في ابتداء الأمر، يرشد فيه العبد إلى الاحتراز والتحفظ التام، وباب الحكم بين المتنازعين، ينظر فيه إلى المرجحات والبينات، بحسب حالها.
ومنها: أن شهادة المرأتين قائمة مقام الرجل الواحد، في الحقوق الدنيوية، وأما في الأمور الدينية- كالرواية والفتوى- فإن المرأة فيه، تقوم مقام الرجل، والفرق ظاهر بين البابين.
ومنها: الإرشاد إلى الحكمة في كون شهادة المرأتين عن شهادة الرجل، وأنه لضعف ذاكرة المرأة غالبا، وقوة حافظة الرجل.
ومنها: أن الشاهد لو نسي شهادته، فذكّره الشاهد الآخر، فذكر أنه لا يضر ذلك النسيان، إذا زال بالتذكير لقوله: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى﴾ ومن باب أولى، إذا نسي الشاهد، ثم ذكر من دون تذكير، فإن الشهادة مدارها على العلم واليقين.
ومنها: أن الشهادة لا بد أن تكون عن علم ويقين، لا عن شك، فمتى صار عند الشاهد ريب في شهادته- ولو غلب على ظنه- لم يحل له أن يشهد إلا بما يعلم.
ومنها: أن الشاهد ليس له أن يمتنع، إذا دعي للشهادة سواء دعي للتحمل أو للأداء، وأن القيام بالشهادة من أفضل الأعمال الصالحة، كما أمر الله بها، وأخبر عن نفعها ومصالحها.
ومنها: أنه لا يحل الإضرار بالكاتب، ولا بالشهيد، بأن يدعيا في وقت أو حالة تضرهما.
وكما أنه نهي لأهل الحقوق والمتعاملين، وأن يضار الشهود والكتاب، فإنه أيضا نهي للكاتب والشهيد، أن يضار المتعاملين أو أحدهما.
وفي هذا أيضا أن الشاهد والكاتب إذا حصل عليهما ضرر في الكتابة والشهادة أنه يسقط عنهما الوجوب.
وفيها التنبيه على أن جميع المحسنين الفاعلين للمعروف، لا يحل إضرارهم، وتحميلهم ما لا يطيقون، فـ ﴿هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلا الإِحْسَانُ﴾ ؟
وكذلك على من أحسن وفعل معروفا، أن يتمم إحسانه يترك الإضرار القولي والفعلي بمن أوقع به المعروف، فإن الإحسان لا يتم إلا بذلك.
ومنها: أنه لا يجوز أخذ الأجرة على الكتابة والشهادة، حيث وجبت، لأنه حق أوجبه الله على الكاتب والشهيد، ولأنه من مضارة المتعاملين.
ومنها: التنبيه على المصالح والفوائد المترتبة على العمل بهذه الإرشادات الجليلة، وأن فيها حفظ الحقوق والعدل، وقطع التنازع والسلامة من النسيان والذهول، ولهذا قال: ﴿ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلا تَرْتَابُوا﴾ وهذه مصالح ضرورية للعباد.
ومنها: أن تعلم الكتابة من الأمور الدينية، لأنها وسيلة إلى حفظ الدين والدنيا وسبب للإحسان.
ومنها: أن من خصه الله بنعمة من النعم، يحتاج الناس إليها، فمن تمام شكر هذه النعمة، أن يعود بها على عباد الله، وأن يقضي بها حاجتهم، لتعليل الله النهي عن الامتناع عن الكتابة، بتذكير الكاتب بقوله: ﴿كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ﴾ ومع هذا: فمن كان في حاجة أخيه، كان الله في حاجته.
ومنها: أن الإضرار بالشهود والكتاب، فسوق بالإنسان، فإن الفسوق هو الخروج عن طاعة الله إلى معصيته، وهو يزيد وينقص، ويتبعض، ولهذا لم يقل: "فأنتم فساق" أو فاسقون"، بل قال:
{فَإِنَّهُ
واستدل بقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ أن تقوى الله، وسيلة إلى حصول العلم، وأوضح من هذا قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾ أي: علما تفرقون به بين الحقائق، والحق والباطل.
ومنها: أنه كما أنه من العلم النافع، تعليم الأمور الدينية المتعلقة بالعبادات، فمنه أيضا، تعليم الأمور الدنيوية المتعلقة بالمعاملات، فإن الله تعالى حفظ على العباد أمور دينهم ودنياهم، وكتابه العظيم فيه تبيان كل شيء.
{٢٨٣} ومنها: مشروعية الوثيقة بالحقوق، وهي الرهون والضمانات، التي تكفل للعبد حصوله حقه، سواء عامل برا أو فاجرا، أمينا أو خائنا، فكم في الوثائق من حفظ حقوق، وانقطاع منازعات.
ومنها: أن تمام الوثيقة في الرهن، أن يكون مقبوضا، ولا يدل ذلك على أنه لا يصح الرهن إلا بالقبض، بل التقييد بكون الرهن مقبوضا، يدل على أنه قد يكون مقبوضا، تحصل به الثقة التامة، وقد لا يكون مقبوضا، فيكون ناقصا.
ومنها: أنه يستدل بقوله: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ أنه إذا اختلف الراهن والمرتهن في مقدار الدين الذي به الرهن، أن القول قول المرتهن، صاحب الحق، لأن الله جعل الرهن وثيقة به، فلولا أنه يقبل قوله في ذلك، لم تحصل به الوثيقة لعدم الكتابة والشهود.
ومنها: أنه يجوز التعامل بغير وثيقة، ولا شهود، لقوله: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ ولكن في هذه الحال يحتاج إلى التقوى والخوف من الله، وإلا فصاحب الحق مخاطر في حقه، ولهذا أمر الله في هذه الحال، من عليه الحق، أن يتقي الله ويؤدي أمانته.
ومنها: أن من ائتمنه معامله، فقد عمل معه معروفا عظيما، ورضي بدينه وأمانته، فيتأكد على من عليه الحق، أداء الأمانة من الجهتين: أداء لحق الله، وامتثالا لأمره، ووفاء بحق صاحبه، الذي رضي بأمانته، ووثق به.
ومنها: تحريم كتم الشهادة، وأن كاتمها قد أثم قلبه، الذي هو ملك الأعضاء، وذلك لأن كتمها- كالشهادة بالباطل والزور- فيها ضياع الحقوق، وفساد المعاملات، والإثم المتكرر في حقه، وحق من عليه الحق.
وأما تقييد الرهن بالسفر- مع أنه يجوز حضرا وسفرا- فللحاجة إليه لعدم الكاتب والشهيد.
وختم الآية بأنه ﴿عَلِيمٌ﴾ بكل ما يعمله العباد، كالترغيب لهم في المعاملات الحسنة، والترهيب من المعاملات السيئة.
{٢٨٤} ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ يخبر تعالى، بعموم ملكه لأهل السماء والأرض، وإحاطة علمه بما أبداه العباد، وما أخفوه في أنفسهم، وأنه سيحاسبهم به، فيغفر لمن يشاء، وهو المنيب إلى ربه، الأواب إليه ﴿إِنَّهُ كَانَ لِلأَوَّابِينَ غَفُورًا﴾ ويعذب من يشاء، وهو المصر على المعاصي، في باطنه وظاهره.
وهذه الآية لا تنافي الأحاديث الواردة في العفو، عما حدث به العبد نفسه، ما لم يعمل أو يتكلم، فتلك الخطرات التي تتحدث بها النفوس، التي لا يتصف بها العبد ولا يصمم عليها، وأما هنا فهي العزائم المصممة، والأوصاف الثابتة في النفوس، أوصاف الخير، وأوصاف الشر، ولهذا قال: ﴿مَا فِي أَنْفُسِكُمْ﴾ أي: استقر فيها وثبت، من العزائم والأوصاف.
وأخبر أنه ﴿عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ فمن تمام قدرته، محاسبة الخلائق، وإيصال ما يستحقونه من الثواب والعقاب.
{٢٨٥- ٢٨٦} ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ * لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ ثبت عنه -صلى الله عليه وسلم- أن من قرأ هاتين الآيتين في ليلته كفتاه، أي: من جميع الشرور، وذلك لما احتوتا عليه من المعاني الجليلة، فإن الله أمر في أول هذه السورة الناس بالإيمان، بجميع أصوله في قوله: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ الآية.
وأخبر في هذه الآية، أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- ومن معه من المؤمنين، آمنوا بهذه الأصول العظيمة، وبجميع الرسل، وجميع الكتب، ولم يصنعوا صنيع من آمن ببعض، وكفر ببعض، كحالة المنحرفين من أهل الأديان المنحرفة.
وفي قرْن المؤمنين بالرسول -صلى الله عليه وسلم-، والإخبار عنهم جميعا بخبر واحد، شرف عظيم للمؤمنين.
وفيه أنه -صلى الله عليه وسلم- مشارك للأمة في توجه الخطاب الشرعي له، وقيامه التام به، وأنه فاق المؤمنين، بل فاق جميع المرسلين في القيام بالإيمان وحقوقه.
وقوله: ﴿وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ هذا التزام من المؤمنين، عام لجميع ما جاء به النبي -صلى الله عليه وسلم- من الكتاب والسنة، وأنهم سمعوه سماع قبول وإذعان وانقياد، ومضمون ذلك تضرعهم إلى الله في طلب الإعانة على القيام به وأن الله يغفر لهم ما قصروا فيه من الواجبات، وما ارتكبوه من المحرمات، وكذلك تضرعوا إلى الله في هذه الأدعية النافعة، والله تعالى قد أجاب دعاءهم على لسان نبيه -صلى الله عليه وسلم- فقال: "قد فعلت".
فهذه الدعوات مقبولة من مجموع المؤمنين قطعا، ومن أفرادهم، إذا لم يمنع من ذلك مانع في الأفراد، وذلك أن الله رفع عنهم المؤاخذة في الخطأ والنسيان، وأن الله سهل عليهم شرعه غاية التسهيل، ولم يحملهم من المشاق، والآصار، والأغلال، ما حمله على من قبلهم، ولم يحملهم فوق طاقتهم، وقد غفر لهم ورحمهم، ونصرهم على القوم الكافرين.
فنسأل الله تعالى، بأسمائه وصفاته، وبما من به علينا من التزام دينه، أن يحقق لنا ذلك، وأن ينجز لنا ما وعدنا على لسان نبيه، وأن يصلح أحوال المؤمنين.
ويؤخذ من هنا قاعدة التيسير، ونفي الحرج في أمور الدين كلها.
وقاعدة العفو عن النسيان والخطأ، في
وكذلك في حقوق الخلق من جهة رفع المأثم، وتوجه الذم.
وأما وجوب ضمان المتلفات، خطأ أو نسيانا، في النفوس والأموال، فإنه مرتب على الإتلاف بغير حق، وذلك شامل لحالة الخطأ والنسيان، والعمد.
تم تفسير سورة البقرة، ولله الحمد والثناء، وصلى الله على محمد وسلم.
تفسير سورة آل عمران وهي مدنية
{١- ٦} ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الم * اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ * نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ * مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ * إِنَّ اللَّهَ لا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ * هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ﴿الم﴾ من الحروف التي لا يعلم معناها إلا الله.
{٢- ٣} فأخبر تعالى أنه ﴿الْحَيُّ﴾ كامل الحياة، ﴿الْقَيُّومُ﴾ القائم بنفسه، المقيم لأحوال خلقه، وقد أقام أحوالهم الدينية، وأحوالهم الدنيوية والقدرية، فأنزل على رسوله محمد -صلى الله عليه وسلم- الكتاب بالحق، الذي لا ريب فيه، وهو مشتمل على الحق ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ من الكتب، أي: شهد بما شهدت به، ووافقها، وصدق من جاء بها من المرسلين.
وكذلك ﴿أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ﴾
{٤} ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ هذا الكتاب ﴿هُدًى لِلنَّاسِ﴾
وأكمل الرسالة وختمها بمحمد -صلى الله عليه وسلم-، وكتابه العظيم الذي هدى الله به الخلق، من الضلالات، واستنقذهم به من الجهالات، وفرق به بين الحق والباطل، والسعادة والشقاوة، والصراط المستقيم، وطرق الجحيم، فالذين آمنوا به واهتدوا، حصل لهم به الخير الكثير، والثواب العاجل والآجل.
و ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ التي بينها في كتابه وعلى لسان رسوله ﴿لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾ ممن عصاه.
{٥} ومن تمام قيوميته تعالى، أن علمه محيط بالخلائق ﴿لا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ﴾ حتى ما في بطون الحوامل.
{٦} فهو ﴿الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ من ذكر وأنثى، وكامل الخلق وناقصه، متنقلين في أطوار خلقته وبديع حكمته، فمن هذا شأنه مع عباده، واعتناؤه العظيم بأحوالهم، من حين أنشأهم إلى منتهى أمورهم لا مشارك له في ذلك- فيتعين أنه لا يستحق العبادة إلا هو.
﴿لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْعَزِيزُ﴾ الذي قهر الخلائق بقوته، واعتز عن أن يوصف بنقص أو ينعت بذم ﴿الْحَكِيمُ﴾ في خلقه وشرعه.
{٧- ٨} ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلا أُولُو الأَلْبَابِ * رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ يخبر تعالى عن عظمته، وكمال قيوميته، أنه هو الذي تفرد بإنزال هذا الكتاب العظيم، الذي لم يوجد- ولن يوجد- له نظير أو مقارب في هدايته، وبلاغته وإعجازه، وإصلاحه للخلق، وأن هذا الكتاب يحتوي على المحكم الواضح المعاني البين، الذي لا يشتبه بغيره، ومنه آيات متشابهات، تحتمل بعض المعاني، ولا يتعين منها واحد من الاحتمالين بمجردها، حتى تضم إلى المحكم.
فالذين في قلوبهم مرض وزيغ، وانحراف، لسوء قصدهم، يتبعون المتشابه منه، فيستدلون به على مقالاتهم الباطلة، وآرائهم الزائفة، طلبا للفتنة، وتحريفا لكتابه، وتأويلا له على مشاربهم ومذاهبهم ليضلوا ويضلوا.
وأما أهل العلم الراسخون فيه، الذين وصل العلم واليقين إلى أفئدتهم، فأثمر لهم العمل والمعارف- فيعلمون أن القرآن كله من عند الله، وأن كله حق، محكمه ومتشابهه، وأن الحق لا يتناقض ولا يختلف.
فلعلمهم أن المحكمات، معناها في غاية الصراحة والبيان، يردون إليها المشتبه، الذي تحصل فيه الحيرة لناقص العلم، وناقص المعرفة.
فيردون المتشابه إلى المحكم، فيعود كله محكما، ويقولون: ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ﴾ للأمور النافعة، والعلوم الصائبة ﴿إِلا أُولُو الأَلْبَابِ﴾
أي: أهل العقول الرزينة.
ففي هذا دليل على أن هذا من علامة أولي الألباب، وأن اتباع المتشابه، من أوصاف أهل الآراء السقيمة، والعقول الواهية، والقصود السيئة.
وقوله: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلا اللَّهُ﴾ إن أريد بالتأويل معرفة عاقبة الأمور، وما تنتهي وتؤول إليه، تعين الوقوف على "إلا الله" حيث هو تعالى المتفرد بالتأويل بهذا المعنى، وإن أريد بالتأويل: معنى التفسير، ومعرفة معنى الكلام كان العطف أولى، فيكون هذا مدحا للراسخين في العلم، أنهم يعلمون كيف ينزلون نصوص الكتاب والسنة، محكمها ومتشابهها، ولما كان المقام مقام انقسام إلى منحرفين ومستقيمين، دعوا الله تعالى أن يثبتهم على الإيمان، فقالوا: ﴿رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا﴾ أي: لا تملها عن الحق إلى الباطل.
﴿بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً﴾ تصلح بها أحوالنا ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ أي: كثير الفضل والهبات.
وذلك أن الله تعالى ذكر عن الراسخين، أنهم يسألونه أن لا يزيغ قلوبهم، بعد إذ هداهم، وقد أخبر في آيات أخر الأسباب التي بها تزيغ قلوب أهل الانحراف، وأن ذلك بسبب كسبهم، كقوله: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ ﴿ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾
فالعبد إذا تولى عن ربه، ووالى عدوه، ورأى الحق، فصدف عنه، ورأى الباطل فاختاره، ولاه الله ما تولى لنفسه، وأزاغ قلبه، عقوبة له على زيغه، وما ظلمه الله، ولكنه ظلم نفسه، فلا يلم إلا نفسه الأمارة بالسوء، والله أعلم.
{٩} ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ هذا
{١٠- ١١} ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ * كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ لما ذكر يوم القيامة، ذكر أن جميع من كفر بالله، وكذب رسول الله، لا بد أن يدخلوا النار ويصلوها، وأن أموالهم وأولادهم لن تغني عنهم شيئا من عذاب الله، وأنه سيجري عليهم في الدنيا من الأخذات والعقوبات، ما جرى على فرعون وسائر الأمم المكذبة بآيات الله ﴿فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ﴾ وعجل لهم العقوبات الدنيوية، متصلة بالعقوبات الأخروية.
﴿وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ فإياكم أن تستهينوا بعقابه، فيهون عليكم الإقامة على الكفر والتكذيب.
{١٢- ١٣} ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ * قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لأُولِي الأَبْصَارِ﴾ وهذا خبر وبشرى للمؤمنين، وتخويف للكافرين، أنهم لا بد أن يغلبوا في هذه الدنيا، وقد وقع كما أخبر الله، فغلبوا غلبة لم يكن لها مثيل ولا نظير.
وجعل الله تعالى ما وقع في "بدر" من آياته الدالة على صدق رسوله، وأنه على الحق، وأعداءه على الباطل، حيث التقت فئتان، فئة المؤمنين لا يبلغون إلا ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا مع قلة عددهم، وفئة الكافرين، يناهزون الألف، مع استعدادهم التام في السلاح وغيره، فأيد الله المؤمنين بنصره، فهزموهم بإذن الله، ففي هذا عبرة لأهل البصائر.
فلولا أن هذا هو الحق الذي إذا قابل الباطل أزهقه واضمحل الباطل لكان- بحسب الأسباب الحسية- الأمر بالعكس.
{١٤- ١٥} ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ * قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ أخبر تعالى في هاتين الآيتين، عن حالة الناس في إيثار الدنيا على الآخرة، وبين التفاوت العظيم، والفرق الجسيم بين الدارين، فأخبر أن الناس زينت لهم هذه الأمور، فرمقوها بالأبصار، واستحلوها بالقلوب، وعكفت على لذاتها النفوس، كل طائفة من الناس تميل إلى نوع من هذه الأنواع، قد جعلوها هي أكبر هممهم، ومبلغ علمهم، وهي- مع هذا- متاع قليل، منقض في مدة يسيرة.
فهذا ﴿مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾
{١٥} ثم أخبر عن ذلك بأن المتقين لله، القائمين بعبوديته، لهم خير من هذه اللذات، فلهم أصناف الخيرات، والنعيم المقيم، مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، ولهم رضوان الله الذي هو أكبر من كل شيء.
ولهم الأزواج المطهرة، من كل آفة ونقص، جميلات الأخلاق، كاملات الخلائق، لأن النفي يستلزم ضده، فتطهيرها من الآفات، مستلزم لوصفها بالكمالات.
﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ فييسر كلا منهم لما خلق له، أما أهل السعادة، فييسرهم للعمل لهذه الدار الباقية، ويأخذون من هذه الحياة الدنيا، ما يعينهم على عبادة الله وطاعته، وأما أهل الشقاوة والإعراض، فيقيضهم لعمل أهل الشقاوة، ويرضون بالحياة الدنيا، ويطمئنون بها، ويتخذونها قرارا.
{١٦- ١٧} ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ * الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ﴾ أي: هؤلاء الراسخون في العلم، أهل العلم والإيمان، يتوسلون إلى ربهم بإيمانهم، لمغفرة ذنوبهم، ووقايتهم عذاب النار، وهذا من الوسائل التي يحبها الله، أن يتوسل العبد إلى ربه، بما مَنَّ به عليه من الإيمان والأعمال الصالحة، إلى تكميل نعم الله عليه، بحصول الثواب الكامل، واندفاع العقاب.
{١٧} ثم وصفهم بأجمل الصفات: بالصبر الذي هو حبس النفوس على ما يحبه الله، طلبا لمرضاته، يصبرون على طاعة الله، ويصبرون عن معاصيه، ويصبرون على أقداره المؤلمة.
وبالصدق بالأقوال والأحوال، وهو استواء الظاهر والباطن، وصدق العزيمة على سلوك الصراط المستقيم، وبالقنوت الذي هو دوام الطاعة، مع مصاحبة الخشوع والخضوع، وبالنفقات في سبيل الخيرات، وعلى الفقراء، وأهل الحاجات، وبالاستغفار، خصوصا وقت الأسحار، فإنهم مدوا الصلاة إلى وقت السحر، فجلسوا يستغفرون الله تعالى.
{١٨} ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ هذه أجل الشهادات الصادرة من الملك العظيم، ومن الملائكة، وأهل العلم، على أجل مشهود عليه، وهو توحيد الله، وقيامه بالقسط، وذلك يتضمن الشهادة على جميع الشرع، وجميع أحكام الجزاء.
فإن الشرع والدين، أصله وقاعدته توحيد الله وإفراده بالعبودية، والاعتراف بانفراده بصفات العظمة والكبرياء، والمجد، والعز، والقدرة، والجلال، وبنعوت الجود، والبر والرحمة، والإحسان، والجمال، وبكماله المطلق الذي لا يحصي أحد من الخلق أن يحيطوا بشيء منه، أو يبلغوه، أو يصلوا إلى الثناء عليه، والعبادات الشرعية، والمعاملات وتوابعها، والأمر والنهي، كله عدل وقسط، لا ظلم فيه ولا جور، بوجه من الوجوه، بل هو في غاية الحكمة والإحكام، والجزاء على الأعمال الصالحة والسيئة، كله قسط وعدل.
﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ﴾ فتوحيد الله، ودينه، وجزاؤه، قد ثبت
وفي هذه الآية فضيلة العلم والعلماء؛ لأن الله خصهم بالذكر، من دون البشر، وقرن شهادتهم بشهادته، وشهادة ملائكته، وجعل شهادتهم من أكبر الأدلة والبراهين على توحيده ودينه وجزائه، وأنه يجب على المكلفين قبول هذه الشهادة العادلة الصادقة.
وفي ضمن ذلك: تعديلهم، وأن الخلق تبع لهم، وأنهم هم الأئمة المتبوعون، وفي هذا من الفضل والشرف، وعلو المكانة، ما لا يقادر قدره.
{١٩} ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ يخبر تعالى ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ﴾ أي: الدين الذي لا دين لله سواه، ولا مقبول غيره، هو ﴿الإِسْلامُ﴾ وهو الانقياد لله وحده، ظاهرا وباطنا بما شرعه على ألسنة رسله، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ فمن دان بغير دين الإسلام، فهو لم يدن لله حقيقة، لأنه لم يسلك الطريق الذي شرعه على ألسنة رسله.
ثم أخبر تعالى، أن أهل الكتاب يعلمون ذلك، وإنما اختلفوا، فانحرفوا عنه عنادا وبغيا، وإلا فقد جاءهم العلم المقتضي لعدم الاختلاف الموجب للزوم الدين الحقيقي.
ثم لما جاءهم محمد -صلى الله عليه وسلم- عرفوه حق المعرفة، ولكن الحسد والبغي والكفر بآيات الله هي التي صدتهم عن اتباع الحق.
﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ أي: فلينتظر ذلك فإنه آت، وسيجزيهم الله بما كانوا يعملون.
{٢٠} ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ لما بين أن الدين الحقيقي عنده الإسلام، وكان أهل الكتاب قد شافهوا النبي -صلى الله عليه وسلم- بالمجادلة، وقامت عليهم الحجة، فعاندوها، أمره الله تعالى عند ذلك، أن يقول ويعلن: أنه قد أسلم وجهه، أي: ظاهره وباطنه لله، وأن من اتبعه كذلك، قد وافقوه على هذا الإذعان الخالص.
وأن يقول للناس كلهم، من أهل الكتاب، والأميين، أي: الذين ليس لهم كتاب، من العرب وغيرهم: إن أسلمتم فأنتم على الطريق المستقيم، والهدى والحق، وإن توليتم فحسابكم على الله، وأنا ليس علي إلا البلاغ، وقد أبلغتكم وأقمت عليكم الحجة.
{٢١- ٢٢} ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ أي الذين جمعوا بين هذه الشرور: الكفر بآيات الله، وتكذيب رسل الله، والجناية العظيمة على أعظم الخلق حقا على الخلق وهم الرسل، وأئمة الهدى، الذين يأمرون الناس بالقسط، الذي اتفقت عليه الأديان والعقول.
{٢٢} فهؤلاء قد ﴿حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ﴾ واستحقوا العذاب الأليم، وليس لهم ناصر من عذاب الله، ولا منقذ من عقوبته.
{٢٣- ٢٥} ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ * فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ أي: ألا تنظر وتعجب من هؤلاء ﴿الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ﴾ و ﴿يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ﴾ الذي يصدق ما أنزله على رسله.
﴿ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ عن اتباع الحق، فكأنه قيل: أي داع دعاهم إلى هذا الإعراض، وهم أحق بالاتباع، وأعرفهم بحقيقة ما جاء به محمد -صلى الله عليه وسلم-؟ فذكر لذلك سببين:
أمنهم، وشهادتهم الباطلة لأنفسهم بالنجاة، وأن النار لا تمسهم إلا أياما معدودة حددوها بحسب أهوائهم الفاسدة، كأن تدبير الملك راجع إليهم، حيث قالوا: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ ومن المعلوم أن هذه أماني باطلة، شرعا وعقلا.
والسبب الثاني: أنهم لما كذبوا بآيات الله وافتروا عليه، زين لهم الشيطان سوء عملهم، واغتروا بذلك، وتراءى لهم أنه الحق، عقوبة لهم على إعراضهم عن الحق، فهؤلاء كيف يكون حالهم- إذا جمعهم الله يوم القيامة، ووفى العاملين ما عملوا، وجرى عدل الله في عباده، فهنالك لا تسأل عما يصلون إليه من العقاب، وما يفوتهم من الخير والثواب، وذلك بما كسبت أيديهم: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ﴾
{٢٦- ٢٧} ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ يأمر تعالى نبيه -صلى الله عليه وسلم- أصلا- وغيره تبعا- أن يقول عن ربه، معلنا بتفرده بتصريف الأمور، وتدبير العالم العلوي والسفلي، واستحقاقه باختصاصه بالملك المطلق، والتصريف المحكم، وأنه يؤتي الملك من يشاء، وينزع الملك ممن يشاء، ويعز من يشاء، ويذل من يشاء.
فليس الأمر بأماني أهل الكتاب، ولا غيرهم، بل الأمر أمر الله، والتدبير له، فليس له معارض في تدبيره، ولا معاون في تقديره، وأنه كما أنه المتصرف بمداولة الأيام بين الناس، فهو المتصرف بنفس الزمان.
{٢٧} ﴿تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ﴾ أي: يدخل هذا على هذا، ويحل هذا محل هذا، ويزيد في هذا، ما ينقص من هذا، ليقيم بذلك مصالح خلقه.
ويخرج الحي من الميت، كما يخرج الزروع والأشجار المتنوعة من بذورها، والمؤمن من الكافر، والميت من الحي.
كما يخرج الحبوب والنوى، والزروع والأشجار، والبيضة من الطائر، فهو الذي
وقوله ﴿بِيَدِكَ الْخَيْرُ﴾ أي: الخير كله منك، ولا يأتي بالحسنات والخيرات إلا الله، وأما الشر، فإنه لا يضاف إلى الله تعالى، لا وصفا، ولا اسما، ولا فعلا، ولكنه يدخل في مفعولاته، ويندرج في قضائه وقدره.
فالخير والشر، كله داخل في القضاء والقدر، فلا يقع في ملكه إلا ما شاءه، ولكن الشر لا يضاف إلى الله، فلا يقال: "بيدك الخير والشر"، بل يقال: "بيدك الخير" كما قاله الله، وقاله رسوله.
وأما استدراك بعض المفسرين حيث قال: "وكذلك الشر بيد الله" فإنه وهم محض، ملحظهم، حيث ظنوا أن تخصيص الخير بالذكر، ينافي قضاءه وقدره العام، وجوابه ما فصلنا.
وقوله: ﴿وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ وقد ذكر الله في غير هذه الآية الأسباب التي ينال بها رزقه كقوله: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ فعلى العباد أن لا يطلبوا الرزق، إلا من الله، ويسعوا فيه بالأسباب التي يسرها الله وأباحها.
{٢٨} ﴿لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾ هذا نهي من الله، وتحذير للمؤمنين، أن يتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين، فإن المؤمنين بعضهم أولياء بعض، والله وليهم.
﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾ التولي، ﴿فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ﴾ أي: فهو بريء من الله، والله بريء منه، كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾
وقوله: ﴿إِلا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾ أي: إلا أن تخافوا على أنفسكم في إبداء العداوة للكافرين، فلكم- في هذه الحال- الرخصة في المسالمة والمهادنة، لا في التولي الذي هو محبة القلب، الذي تتبعه النصرة.
﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ أي: فخافوه واخشوه، وقدموا خشيته على خشية الناس، فإنه هو الذي يتولى شؤون العباد، وقد أخذ بنواصيهم، وإليه يرجعون وسيصيرون إليه، فيجازي من قدم خوفه ورجاءه على غيره بالثواب الجزيل، ويعاقب الكافرين، ومن تولاهم بالعذاب الوبيل.
{٢٩- ٣٠} ﴿قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ يخبر تعالى بإحاطة علمه بما في الصدور، سواء أخفاه العباد، أو أبدوه، كما أن علمه محيط بكل شيء، في السماء والأرض، فلا تخفى عليه خافية.
ومع إحاطة علمه، فهو العظيم القدير على كل شيء، الذي لا يمتنع عن إرادته موجود.
{٣٠} ولما ذكر لهم من عظمته وسعة أوصافه، ما يوجب للعباد أن يراقبوه في كل أحوالهم، ذكر لهم أيضا، داعيا آخر إلى مراقبته وتقواه، وهو أنهم كلهم صائرون إليه، وأعمالهم- حينئذ، من خير وشر- محضرة.
فحينئذ يغتبط أهل الخير، بما قدموا لأنفسهم، ويتحسر أهل الشر إذا وجدوا ما عملوه محضرا ويودون أن بينهم وبينه أمدا بعيدا.
فإذا عرف العبد أنه ساع إلى ربه، وكادح في هذه الحياة، وأنه لا بد أن يلاقي ربه، ويلاقي سعيه، أوجب له أخذ الحذر، والتوقي من الأعمال التي توجب الفضيحة والعقوبة، والاستعداد بالأعمال الصالحة، التي توجب السعادة والمثوبة، ولهذا قال تعالى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ وذلك بما يبدي لكم من أوصاف عظمته، وكمال عدله وشدة نكاله، ومع شدة عقابه، فإنه رؤوف رحيم.
ومن رأفته ورحمته، أنه خوف العباد، وزجرهم عن الغي والفساد، كما قال تعالى- لما ذكر العقوبات -: ﴿ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ﴾ فرأفته ورحمته، سهلت لهم الطرق، التي ينالون بها الخيرات، ورأفته ورحمته، حذرتهم من الطرق التي تفضي بهم إلى المكروهات.
فنسأله تعالى أن يتمم علينا إحسانه بسلوك الصراط المستقيم، والسلامة من الطرق التي تفضي بسالكها إلى الجحيم.
{٣١- ٣٢} ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ * قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ هذه الآية هي الميزان، التي يعرف بها من أحب الله حقيقة، ومن ادعى ذلك دعوى مجردة، فعلامة محبة الله، اتباع محمد -صلى الله عليه وسلم-، الذي جعل متابعته وجميع ما يدعو إليه، طريقا إلى محبته ورضوانه، فلا تنال محبة الله ورضوانه وثوابه، إلا بتصديق ما جاء به الرسول من الكتاب والسنة وامتثال أمرهما، واجتناب نهيهما.
فمن فعل ذلك، أحبه الله، وجازاه جزاء المحبين، وغفر له ذنوبه، وستر عليه عيوبه، فكأنه قيل: ومع ذلك، فما حقيقة اتباع الرسول وصفتها؟
{٣٢} فأجاب بقوله: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾ بامتثال الأمر، واجتناب النهي، وتصديق الخبر، ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ عن ذلك، فهذا هو الكفر، والله ﴿لا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾
{٣٣- ٣٤} ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ * ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ إلى آخر القصة.
لله تعالى من عباده أصفياء، يصطفيهم ويختارهم، ويمن عليهم بالفضائل العالية، والنعوت السامية، والعلوم النافعة، والأعمال الصالحة، والخصائص المتنوعة، فذكر هذه البيوت الكبار، وما احتوت عليه من كمال الرجال، الذين حازوا أوصاف الكمال، وأن الفضل والخير تسلسل في ذراريهم وشمل ذكورهم ونساءهم، وهذا
﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ يعلم من يستحق الفضل والتفضيل، فيضع فضله حيث اقتضت حكمته.
{٣٤- ٣٦} فلما قرر عظمة هذه البيوت، ذكر قصة مريم وابنها عيسى -صلى الله عليه وسلم-، وكيف تسلسلا من هذه البيوت الفاضلة، وكيف تنقلت بهما الأحوال، من ابتداء أمرهما إلى آخره، وأن امرأة عمران، قالت- متضرعة إلى ربها، متقربة إليه بهذه القربة التي يحبها، التي فيها تعظيم بيته وملازمة طاعته -: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا﴾ أي: خادما لبيت العبادة، المشحون بالمتعبدين.
﴿فَتَقَبَّلْ مِنِّي﴾ هذا العمل، أي: اجعله مؤسسا على الإيمان والإخلاص، مثمرا للخير والثواب، ﴿إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى﴾
كان في هذا الكلام نوع تضرع منها، وانكسار نفس حيث كان نذرها بناء على أنه يكون ذكرا، يحصل منه من القوة والخدمة والقيام بذلك، ما يحصل من أهل القوة، والأنثى بخلاف ذلك، فجبر الله قلبها، وتقبل الله نذرها، وصارت هذه الأنثى، أكمل وأتم من كثير من الذكور، بل من أكثرهم، وحصل بها من المقاصد، أعظم مما يحصل بالذكر، ولهذا قال: ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا﴾ أي: ربيت تربية عجيبة، دينية، أخلاقية، أدبية، كملت بها أحوالها، وصلحت بها أقوالها وأفعالها، ونما فيها كمالها، ويسر الله لها زكريا كافلا.
وهذا من منة الله على العبد، أن يجعل من يتولى تربيته من الكاملين المصلحين.
{٣٧- ٣٩} ثم إن الله تعالى أكرم مريم وزكريا، حيث يسر لمريم من الرزق الحاصل بلا كد ولا تعب، وإنما هو كرامة أكرمها الله به.
إذ ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ﴾ وهو محل العبادة، وفيه إشارة إلى كثرة صلاتها وملازمتها لمحرابها، ﴿وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا﴾ هنيئا معدا.
﴿قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾
فلما رأى زكريا هذه الحال، والبر واللطف من الله بها، ذكره أن يسأل الله تعالى حصول الولد، على حين اليأس منه، فقال: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ * فَنَادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ اسمه أي: الكلمة التي من الله "عيسى ابن مريم".
فكانت بشارته بهذا النبي الكريم، تتضمن البشارة بـ "عيسى" ابن مريم، والتصديق له، والشهادة له بالرسالة.
فهذه الكلمة من الله، كلمة شريفة، اختص الله بها عيسى ابن مريم، وإلا فهي من جملة كلماته التي أوجد بها المخلوقات، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾
وقوله: ﴿وَسَيِّدًا وَحَصُورًا﴾ أي: هذا المبشر به وهو يحيى، سيد من فضلاء الرسل وكرامهم: "والحصور"، قيل: هو الذي لا يولد له، ولا شهوة له في النساء، وقيل: هو الذي عصم وحفظ من الذنوب والشهوات الضارة، وهذا أليق المعنيين.
﴿وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ الذين بلغوا في الصلاح ذروته العالية.
{٤٠} ﴿قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ﴾ فهذان مانعان، فمن أي طريق- يا رب- يحصل لي ذلك، مع ما ينافي ذلك؟!
﴿قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ فإنه كما اقتضت حكمته جريان الأمور بأسبابها المعروفة، فإنه قد يخرق ذلك، لأنه الفعال لما يريد، الذي قد انقادت الأسباب لقدرته، ونفذت فيها مشيئته وإرادته، فلا يتعاصى على قدرته شيء من الأسباب، ولو بلغت في القوة، ما بلغت.
{٤١} ﴿قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً﴾ ليحصل السرور والاستبشار، وإن كنت- يا رب- متيقنا ما أخبرتني به، ولكن النفس تفرح، ويطمئن القلب إلى مقدمات الرحمة واللطف.
﴿قَالَ آيَتُكَ أَلا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلا رَمْزًا﴾ (و) في هذه المدة ﴿اذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ﴾ أول النهار وآخره، فمنع من الكلام في هذه المدة، فكان في هذا، مناسبة لحصول الولد من بين الشيخ الكبير، والمرأة العاقر.
وكونه لا يقدر على مخاطبة الآدميين، ولسانه منطلق بذكر الله، وتسبيحه، آية أخرى.
فحينئذ حصل له الفرح والاستبشار، وشكر الله، وأكثر من الذكر والتسبيح بالعشايا والأبكار.
و، كان هذا المولود من بركات مريم بنت عمران، على زكريا، فإن ما من الله به عليها، من ذلك الرزق الهني، الذي يحصل بغير حساب، ذكره وهيجه على التضرع والسؤال، والله تعالى هو المتفضل بالسبب والمسبب، ولكنه يقدر أمورا محبوبة على يد من يحبه، ليرفع الله قدره، ويعظم أجره.
{٤٢} ثم عاد تعالى إلى ذكر مريم، وأنها بلغت في العبادة والكمال، مبلغا عظيما، فقال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ﴾ أي: اختارك، ووهب لك من الصفات الجليلة، والأخلاق الجميلة.
﴿وَطَهَّرَكِ﴾ من الأخلاق الرذيلة، ﴿وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾ ولهذا قال -صلى الله عليه وسلم-: (كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا مريم بنت عمران، وآسية بنت مزاحم، وخديجة بنت خويلد، وفضل عائشة على النساء، كفضل الثريد على سائر الطعام).
{٤٣} فنادتها الملائكة عن أمر الله لها بذلك، لتغتبط بنعم الله، وتشكر الله، وتقوم بحقوقه، وتشتغل بخدمته، ولهذا قالت الملائكة: ﴿يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ﴾ أي: أكثري من الطاعة، والخضوع والخشوع لربك، وأديمي ذلك ﴿وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ أي: صلي مع المصلين، فقامت بكل ما أمرت به وبرزت، وفاقت في كمالها.
ولما كانت هذه القصة وغيرها من أكبر الأدلة على رسالة محمد -صلى الله عليه وسلم-، حيث أخبر بها مفصلة محققة، لا زيادة فيها ولا نقص، وما ذاك إلا لأنه وحي من الله العزيز الحكيم، لا بتعلم من الناس- قال تعالى -: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ حيث جاءت بها أمها،
{٤٥} ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ أي: له الوجاهة، والجاه العظيم في الدنيا والآخرة عند الخلق.
ومع ذلك فهو- عند الله- من المقربين، الذين هم أقرب الخلائق إلى الله، وأعلاهم درجة، وهذه بشارة لا يشبهها شيء من البشارات.
ومن تمام هذه البشارة أنه: ﴿يُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ﴾ فيكون تكليمه آية من آيات الله، ورحمة منه بأمه وبالخلق، { (و) كذلك يكلمهم {كَهْلا} أي: في حال كهولة، وهذا تكليم النبوة والدعوة والإرشاد.
فكلامه في المهد، فيه آيات وبراهين على صدقه ونبوته، وبراءة أمه مما يظن بها من الظنون السيئة، وكلامه في كهولته، فيه نفعه العظيم للخلق، وكونه واسطة بينهم وبين ربهم، في وحيه، وتبليغ دينه وشرعه.
ومع ذلك فهو ﴿مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ الذين أصلح الله قلوبهم بمعرفته وحبه، وألسنتهم بالثناء عليه وذكره، وجوارحهم بطاعته وخدمته.
{٤٧} ﴿قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾ وهذا من الأمور المستغربة ﴿قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ ليعلم العباد أنه على كل شيء قدير، وأنه لا ممانع لإرادته.
﴿إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ﴾ أي: جنس الكتب السابقة، والحكم بين الناس، ويعطيه النبوة.
{٤٩} { (و) يجعله {رَسُولا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ} ويؤيده بالآيات البينات، والأدلة القاهرة حيث قال: ﴿أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ تدلكم أني رسول الله حقا.
وذلك ﴿أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الأَكْمَهَ﴾ وهو ممسوح العينين، الذي فقد بصره وعينيه، ﴿وَالأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ المذكور ﴿لآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ﴾ فأيده الله بجنسين من الآيات والبراهين الخوارق المستغربة التي لا يمكن لغير الأنبياء الإتيان بها، والرسالة والدعوة، والدين الذي جاء به، وأنه دين التوراة، ودين الأنبياء السابقين، وهذا أكبر الأدلة على صدق الصادقين.
فإنه لو كان من الكاذبين، لخالف ما جاءت به الرسل، ولناقضهم في أصولهم وفروعهم، فعلم بذلك أنه رسول الله، وأن ما جاء به حق لا ريب فيه.
وأيضا فقوله: ﴿وَلأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ أي: ولأخفف عنكم بعض الآصار، والأغلال.
{٥١} ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ * إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ﴾ وهذا ما يدعو إليه جميع الرسل، عبادة الله وحده لا شريك له، وطاعتهم.
وهذا هو الصراط المستقيم الذي من يسلكه أوصله إلى جنات النعيم، فحينئذ اختلفت أحزاب بني إسرائيل في عيسى، فمنهم من آمن به واتبعه، ومنهم من كفر به وكذبه، ورمى أمه بالفاحشة كاليهود.
{٥٢} ﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ﴾ والاتفاق على رد دعوته، ﴿قَالَ﴾ نادبا لبني إسرائيل على مؤازرته ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ﴾ أي: الأنصار.
﴿نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ وهذا من منة الله عليهم، وعلى عيسى، حيث ألهم هؤلاء الحواريين، الإيمان به، والانقياد لطاعته، والنصر لرسوله.
{٥٣} ﴿رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ﴾ وهذا التزام تام للإيمان، بكل ما أنزل الله، ولطاعة رسوله.
﴿فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ لك بالوحدانية، ولنبيك بالرسالة، ولدينك بالحق والصدق.
{٥٤} وأما من أحس عيسى منهم الكفر وهم جمهور بني إسرائيل، فإنهم ﴿مَكَرُوا﴾ بعيسى ﴿وَمَكَرَ اللَّهُ﴾ بهم، ﴿وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ فاتفقوا على قتله وصلبه، وشبه لهم شبه عيسى.
{٥٥} فقبضوا على من شبه لهم به، وقال الله لعيسى: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وصلبوا من قتلوه، ظانين أنه عيسى، وباءوا بالإثم العظيم.
وسينزل عيسى ابن مريم، في آخر هذه الأمة حكما عدلا، يقتل الخنزير، ويكسر الصليب، ويتبع ما جاء به محمد -صلى الله عليه وسلم-، ويعلم الكاذبون غرورهم وخداعهم، وأنهم مغرورون مخدوعون.
وقوله: ﴿وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ المراد بمن اتبعه: الطائفة التي آمنت به، ونصرهم الله على من انحرف عن دينه.
ثم لما جاءت أمة محمد -صلى الله عليه وسلم-، فكانوا هم أتباعه حقا، فأيدهم الله ونصرهم على الكفار كلهم، وأظهرهم بالدين الذي جاءهم به محمد -صلى الله عليه وسلم-: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ﴾ الآية.
ولكن حكمة الله عادلة، فإنها اقتضت أن من تمسك بالدين، نصره الله النصر المبين، وأن من ترك أمره ونهيه، ونبذ شرعه، وتجرأ على معاصيه، إنه يعاقبه ويسلط عليه الأعداء، ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾
وقوله: ﴿ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾
{٥٦- ٥٧} فقد بين ما يفعله بهم، فقال: {فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ * وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ
ثم لما بعث سيد المرسلين، وخاتم النبيين، ونسخت رسالته الرسالات كلها، ونسخ دينه جميع الأديان، صار المتمسك بغير هذا الدين من الهالكين.
{٥٨} وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَليْكَ مِنَ الآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ﴾ أي: هذا القرآن العظيم، الذي فيه نبأ الأولين والآخرين، والأنبياء والمرسلين، هو آيات الله البينات، وهو الذي يذكر العباد كل ما يحتاجونه، وهو الحكيم المحكم، صادق الأخبار، حسن الأحكام.
{٥٩- ٦٢} ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ * الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ * فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ * إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلا اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ لما ذكر قصة مريم وعيسى ونبأهما الحق، وأنه عبد أنعم الله عليه، وأن من زعم أن فيه شيئا من الإلهية، فقد كذب على الله، وكذب جميع أنبيائه، وكذب عيسى -صلى الله عليه وسلم-، فإن الشبهة التي عرضت لمن اتخذه إلها، شبهة باطلة، فلو كان لها وجه صحيح، لكان آدم أحق منه، فإنه خلق من دون أم ولا أب، ومع ذلك، فاتفق البشر كلهم على أنه عبد من عباد الله، فدعوى إلهية عيسى، بكونه خلق من أم بلا أب، دعوى من أبطل الدعاوى.
{٦٠} وهذا هو الحق الذي لا ريب فيه، أن عيسى- كما قال عن نفسه: ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾ وكان قد قدم على النبي -صلى الله عليه وسلم- وفد نصارى نجران، وقد تصلبوا على باطلهم، بعدما أقام عليهم النبي -صلى الله عليه وسلم- البراهين بأن عيسى عبد الله ورسوله، حيث زعموا إلهيته.
{٦١} فوصلت به وبهم الحال، إلى أن أمره الله تعالى أن يباهلهم، فإنه قد اتضح لهم الحق، ولكن العناد والتعصب منعاهم منه.
فدعاهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى المباهلة، بأن يحضر هو وأهله وأبناؤه، وهم يحضرون بأهلهم وأبنائهم، ثم يدعون الله تعالى، أن ينزل عقوبته ولعنته على الكاذبين، فتشاوروا هل يجيبونه إلى ذلك؟
فاتفق رأيهم أن لا يجيبوه، لأنهم عرفوا أنه نبي الله حقا وأنهم- إن باهلوه- هلكوا، هم وأولادهم وأهلوهم، فصالحوه وبذلوا له الجزية، وطلبوا منه الموادعة والمهادنة.
فأجابهم -صلى الله عليه وسلم- ولم يحرجهم، لأنه حصل المقصود من وضوح الحق، وتبين عنادهم حيث صمموا على الامتناع عن المباهلة، وذلك يبرهن على أنهم كانوا ظالمين.
{٦٢} ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ﴾ أي: لا ريب فيه، ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ الذي قهر بقدرته وقوته جميع الموجودات، وأذعنت له سكان الأرض والسماوات.
ومع ذلك فهو ﴿الْحَكِيمُ﴾ الذي يضع الأشياء مواضعها، وينزلها منازلها (١).
{٦٤} ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلا نَعْبُدَ إِلا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ هذه الآية الكريمة، كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يكتب بها إلى ملوك أهل الكتاب، وكان يقرأ أحيانا في الركعة الأولى من سنة الفجر: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ الآية.
ويقرأ بها في الركعة الآخرة من سنة الصبح، لاشتمالها على الدعوة إلى دين واحد، قد اتفق عليه الأنبياء والمرسلون، واحتوت على توحيد الإلهية المبني على عبادة الله وحده، لا شريك له، وأن يعتقد أن البشر وجميع الخلق كلهم في طور البشرية، لا يستحق منهم أحد شيئا من خصائص الربوبية، ولا من نعوت الإلهية.
فإن انقاد أهل الكتاب وغيرهم إلى هذا فقد اهتدوا.
﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ كقوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ إلى آخرها.
{٦٥- ٦٨} ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالإِنْجِيلُ إِلا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ * هَا أَنْتُمْ هَؤُلاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ * مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ كانت الأديان كلها، اليهود والنصارى، والمشركون، وكذلك المسلمون كلهم، يدعون أنهم على ملة إبراهيم.
فأخبر الله تعالى أن أولى الناس به، محمد -صلى الله عليه وسلم- وأتباعه، وأتباع الخليل، قبل محمد -صلى الله عليه وسلم-.
وأما اليهود والنصارى، والمشركون فإبراهيم بريء منهم، ومن ولايتهم، لأن دينه، الحنيفية السمحة، التي فيها الإيمان بجميع الرسل، وجميع الكتب، وهذه خصيصة المسلمين.
وأما دعوى اليهود والنصارى أنهم على ملة إبراهيم، فقد علم أن اليهودية والنصرانية، التي هم يدعون أنهم عليها، لم تؤسس إلا بعد الخليل.
فكيف يحاجون في هذا الأمر، الذي يعلم به كذبهم وافتراؤهم؟! فهب أنهم حاجوا فيما لهم به علم، فكيف يحاجون في هذه الحالة؟ فهذا قبل أن ينظر ما احتوى عليه قولهم من البطلان، يعلم فساد دعواهم.
وفي هذه الآية دليل على أنه لا يحل للإنسان أن يقول أو يجادل فيما لا علم له به.
وقوله: ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ فكلما قوي إيمان العبد، تولاه الله بلطفه، ويسره لليسرى، وجنبه العسرى.
{٦٩- ٧٤} {وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ * يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ * يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ
فقالت طائفة منهم: ﴿آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ﴾ أي: أوله، وارجعوا عن دينهم آخر النهار، فإنهم- إذا رأوكم راجعين، وهم يعتقدون فيكم العلم استرابوا بدينهم، وقالوا: لولا أنهم رأوا فيه ما لا يعجبهم، ولا يوافق الكتب السابقة، لم يرجعوا.
هذا مكرهم، والله تعالى هو الذي يهدي من يشاء، وهو الذي بيده الفضل، يختص به من يشاء فخصكم- يا هذه الأمة- بما لم يخص به غيركم.
ولم يدر هؤلاء الماكرون أن دين الله حق، إذا وصلت حقيقته إلى القلوب، لم يزدد صاحبه- على طول المدى- إلا إيمانا ويقينا.
ولم تزده الشبه، إلا تمسكا بدينه، وحمدا لله، وثناء عليه حيث من به عليه.
وقولهم: ﴿أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ يعني: أن الذي حملهم على هذه الأعمال المنكرة، الحسد والبغي، وخشية الاحتجاج عليهم.
كما قال تعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾ الآية.
{٧٥- ٧٦} ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ * بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ يخبر تعالى عن أهل الكتاب، أن منهم طائفة أمناء، بحيث لو أمنته على قناطير من النقود، وهي المال الكثير، يؤده إليك، ومنهم طائفة خونة، يخونك في أقل القليل، ومع هذه الخيانة الشنيعة، فإنهم يتأولون بالأعذار الباطلة فيقولون: ﴿لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾ أي: ليس علينا جناح إذا خناهم واستبحنا أموالهم، لأنهم لا حرمة لهم.
قال تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ أن عليهم أشد الحرج، فجمعوا بين الخيانة وبين احتقار العرب، وبين الكذب على الله، وهم يعلمون ذلك، ليسوا كمن فعل ذلك جهلا وضلالا.
ثم قال تعالى: ﴿بَلَى﴾ أي: ليس الأمر كما قالوا.
فإنه ﴿مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى﴾ أي: قام بحقوق الله، وحقوق خلقه، فإن هذا هو المتقي، والله يحبه.
أي: ومن كان بخلاف ذلك، فلم يف بعهده وعقوده، التي بينه وبين الخلق، ولا قام بتقوى الله، فإن الله يمقته، وسيجازيه على ذلك أعظم النكال.
{٧٧} ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلا أُولَئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ أي: إن الذين يشترون الدنيا بالدين، فيختارون الحطام القليل من الدنيا، ويتوسلون إليها بالأيمان الكاذبة، والعهود المنكوثة، فهؤلاء ﴿لا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ أي: قد حق عليهم سخط الله، ووجب عليهم عقابه، وحرموا ثوابه، ومنعوا من التزكية، وهي التطهير. بل يردون القيامة، وهم متلوثون بالجرائم، متدنسون بالذنوب العظائم.
{٧٨} ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ أي: وإن من أهل الكتاب فريقا هم محرفون لكتاب الله، ﴿يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ﴾ وهذا يشمل التحريف اللفظي، والتحريف المعنوي.
ثم هم- مع هذا التحريف الشنيع- يوهمون أنه من الكتاب، وهم كذبة في ذلك، ويصرحون بالكذب على الله، وهم يعلمون حالهم وسوء مغبتهم.
{٧٩- ٨٠} ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ * وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ أي: يمتنع ويستحيل كل الاستحالة لبشر من الله عليه بالوحي والكتاب والنبوة، وأعطاه الحكم الشرعي أن يأمر الناس بعبادته، ولا بعبادة النبيين والملائكة واتخاذهم أربابا، لأن هذا هو الكفر، فكيف، وقد بعث بالإسلام المنافي للكفر من كل وجه، فكيف يأمر بضده؟!! هذا من الممتنع، لأن حاله وما هو عليه، وما من الله به عليه من الفضائل والخصائص تقتضي العبودية الكاملة، والخضوع التام لله الواحد القهار.
وهذا جواب لوفد نجران، حين تمادى بهم الغرور، ووصلت بهم الحال والكبر أن قالوا: أتامرنا- يا محمد- أن نعبدك؟ حين أمرهم بعبادة الله وطاعته، فبين الباري انتفاء ما قالوا، وأن كلامهم وكلام أمثالهم في هذا ظاهر البطلان.
{٨١- ٨٢} ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ * فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ هذا إخبار منه تعالى أنه أخذ عهد النبيين وميثاقهم كلهم، بسبب ما أعطاهم ومن به عليهم، من الكتاب والحكمة، المقتضي للقيام التام، بحق الله وتوفيته، أنه إن جاءهم رسول مصدق لما معهم، بعث بما بعثوا به من التوحيد والحق والقسط والأصول التي اتفقت عليه الشرائع، أنهم يؤمنون به، وينصرونه.
فأقروا على ذلك، واعترفوا، والتزموا وأشهدهم، وشهد عليهم، وتوعد من خالف هذا الميثاق.
وهذا أمر عام بين الأنبياء أن جميعهم طريقهم واحد، وأن دعوة كل واحد منهم، قد اتفقوا وتعاهدوا عليها، وعموم ذلك أنه أخذ على جميعهم الميثاق، بالإيمان،
فمن تولى عن اتباع محمد، ممن يزعم أنه من أتباعهم، فإنه فاسق خارج عن طاعة الله، مكذب للرسول الذي يزعم أنه من أتباعه، مخالف لطريقه.
وفي هذا إقامة الحجة والبرهان، على كل من لم يؤمن بمحمد -صلى الله عليه وسلم- من أهل الكتب والأديان، وأنه لا يمكنهم الإيمان برسلهم، الذين يزعمون أنهم أتباعهم، حتى يؤمنوا بإمامهم وخاتمهم صلى الله عليه وسلم.
{٨٣-٨٥} ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ * قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ * وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ قد تقدم في سورة البقرة أن هذه الأصول التي هي أصول الإيمان التي أمر الله بها هذه الأمة قد اتفقت عليها الكتب والرسل، وأنها هي الفرض الموجه لكل أحد، وأنها هي الدين والإسلام الحقيقي، وأن من ابتغى غيرها، فعمله مردود، وليس له دين يعول عليه.
فمن زهد عنه، ورغب عنه، فأين يذهب إلى عبادة الأشجار والأحجار والنيران؟ أو إلى اتخاذ الأحبار والرهبان والصلبان، أو إلى التعطيل لرب العالمين؟، أو إلى الأديان الباطلة، التي هي من وحي الشياطين؟ وهؤلاء كلهم- في الآخرة- من الخاسرين.
{٨٦-٩١} ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ * خَالِدِينَ فِيهَا لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ * إِلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ * إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ يعني: أنه يبعد كل البعد، أن يهدي الله قوما عرفوا الإيمان، ودخلوا فيه، وشهدوا أن الرسول حق، ثم ارتدوا على أعقابهم، ناكصين ناكثين؛ لأنهم عرفوا الحق فرفضوه.
ولأن من هذه الحالة وصفه، فإن الله يعاقبه بالانتكاس، وانقلاب القلب جزاء له، إذ عرف الحق فتركه، والباطل فآثره، فولاه الله ما تولى لنفسه.
فهؤلاء ﴿عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ خالدين في اللعنة والعذاب ﴿لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ إذا جاءهم أمر الله لأن الله عمرهم ما يتذكر فيه من تذكر، وجاءهم النذير.
ثم إنه تعالى استثنى من هذا الوعيد، التائبين من كفرهم وذنوبهم، المصلحين لعيوبهم، فإن الله يغفر لهم ما قدموه، ويعفو عنهم ما أسلفوه.
{٩١} ولكن من كفر وأصر على كفره، ولم يزدد إلا كفرا حتى مات على كفره، فهؤلاء هم الضالون عن طريق الهدى، السالكون لطريق الشقاء، وقد استحقوا بهذا العذاب الأليم، فليس لهم ناصر من عذاب الله، ولو بذلوا ملء الأرض ذهبا ليفتدوا به، لم ينفعهم شيئا، فعياذا بالله من الكفر وفروعه.
{٩٢} ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ يعني: لن تنالوا وتدركوا البر، الذي هو اسم جامع للخيرات، وهو الطريق الموصل إلى الجنة، حتى تنفقوا مما تحبون، من أطيب أموالكم وأزكاها.
فإن النفقة من الطيب المحبوب للنفوس، من أكبر الأدلة على سماحة النفس، واتصافها بمكارم الأخلاق، ورحمتها ورقتها.
ومن أدل الدلائل على محبة الله، وتقديم محبته على محبة الأموال، التي جبلت النفوس على قوة التعلق بها، فمن آثر محبة الله على محبة نفسه، فقد بلغ الذروة العليا من الكمال، وكذلك من أنفق الطيبات، وأحسن إلى عباد الله، أحسن الله إليه ووفقه أعمالا وأخلاقا، لا تحصل بدون هذه الحالة.
وأيضا فمن قام بهذه النفقة على هذا الوجه، كان قيامه ببقية الأعمال الصالحة والأخلاق الفاضلة، من طريق الأولى والأحرى، ومع أن النفقة من الطيبات، هي أكمل الحالات، فمهما أنفق العبد من نفقه قليلة أو أكثر من طيب أو غيره، فإن الله به عليم.
وسيجزي كل منفق، بحسب عمله، سيجزيه في الدنيا بالخلف العاجل، وفي الآخرة بالنعيم الآجل.
{٩٣-٩٤} ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * فَمَنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ من جملة الأمور التي قدح فيها اليهود بنبوة عيسى ومحمد -صلى الله عليه وسلم-، أنهم زعموا أن النسخ باطل، وأنه لا يمكن أن يأتي نبي يخالف النبي الذي قبله.
فكذبهم الله بأمر يعرفونه، فإنهم يعترفون بأن جميع الطعام- قبل نزول التوراة- كان حلالا لبني إسرائيل، إلا أشياء يسيرة حرمها إسرائيل، وهو: يعقوب عليه السلام- على نفسه ومنعها إياه لمرض أصابه.
ثم إن التوراة، فيها من التحريمات التي نسخت، ما كان حلا قبل ذلك شيء كثير.
قل لهم- إن أنكروا ذلك-: ﴿فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ ك، ُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ بزعمكم أنه لا نسخ ولا تحليل ولا تحر، يم. ،
وهذا من أبلغ الحجج، أن يحتج على الإنسان بأمر يقوله ويعترف به ولا ينكره، فإن انقاد للحق، فهو الواجب، وإن أبى ولم ينقد بعد هذا البيان، تبين كذبه وافتراؤه، وظلمه وبطلان ما هو عليه، وهو الواقع من اليهود.
{٩٥} ﴿قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ أي: قل صدق الله في كل ما قاله، ومن أصدق من الله قيلا وحديثًا، وقد بين في هذه الآيات، من الأدلة على صحة رسالة محمد -صلى الله عليه وسلم-، وبراهين دعوته، وبطلان ما عليه المنحرفون من أهل الكتاب، الذين كذبوا رسوله، وردوا دعوته، فقد صدق الله في ذلك، وأقنع عباده على ذلك، ببراهين وحجج، تتصدع لها الجبال، وتخضع لها الرجال.
فإن إبراهيم كان معرضا عن كل ما يخالف التوحيد، متبرئا من الشرك وأهله.
{٩٦-٩٧} ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ * فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ يخبر تعالى بعظمة بيته الحرام، وأنه أول البيوت التي وضعها الله في الأرض لعبادته، وإقامة ذكره، وأن فيه من البركات، وأنواع الهدايات، وتنوع المصالح والمنافع للعالمين شيء كثير، وفضل غزير، وأن فيه آيات بينات، تذكر بمقامات إبراهيم الخليل، وتنقلاته في الحج، ومن بعده تذكر بمقامات سيد الرسل وإمامهم.
وفيه الأمن (١) الذي من دخله كان آمنا قدرا، مؤمنا شرعا ودينا.
فلما احتوى على هذه الأمور التي هذه مجملاتها، وتكثر تفصيلاتها أوجب الله حجه على المكلفين المستطيعين إليه سبيلا، وهو الذي يقدر على الوصول إليه بأي مركوب يناسبه، وزاد يتزوده، ولهذا أتى بهذا اللفظ الذي يمكنه تطبيقه على جميع المركوبات الحادثة، والتي ستحدث.
وهذا من آيات القرآن، حيث كانت أحكامه صالحة لكل زمان وكل حال، ولا يمكن الصلاح التام بدونها، فمن أذعن لذلك وقام به فهو من المهتدين المؤمنين، ومن كفر فلم يلتزم حج بيته، فهو خارج عن الدين، ومن كفر، فإن الله غني عن العالمين.
{٩٨-٩٩} ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ * قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ لما أقام فيما تقدم الحجج على أهل الكتاب- مع أنهم قبل ذلك يعرفون النبي -صلى الله عليه وسلم- كما يعرفون أبناءهم- وبخ المعاندين منهم بكفرهم بآيات الله، وصدهم الخلق عن سبيل الله، لأن عوامهم تبع لعلمائهم، والله تعالى يعلم أحوالهم وسيجازيهم على ذلك أتم الجزاء وأوفاه.
{١٠٠-١٠١} ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ * وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ لما أقام الحجج على أهل الكتاب، ووبخهم بكفرهم وعنادهم، حذر عباده المؤمنين عن الاغترار بهم، وبين لهم أن هذا الفريق منهم، حريصون على إضراركم وردكم إلى الكفر بعد الإيمان.
ولكن- ولله الحمد- أنتم- يا معشر المؤمنين- بعدما من الله عليكم بالدين، ورأيتم آياته ومحاسنه ومناقبه وفضائله، وفيكم رسول الله الذي أرشدكم إلى جميع مصالحكم، واعتصمتم بالله وبحبله الذي هو دينه، يستحيل أن يردوكم عن دينكم، لأن الدين الذي بني على هذه الأصول والدعائم الثابتة الأساس المشرقة الأنوار، تنجذب إليه الأفئدة، ويأخذ بمجامع القلوب، ويوصل العباد إلى أجل غاية، وأفضل مطلوب.
﴿وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ﴾ أي: يتوكل عليه، ويحتمي بحماه، ﴿فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ وهذا فيه الحث على الاعتصام به، وأنه السبيل إلى السلامة والهداية.
{١٠٢-١٠٥} ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ * وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ * وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ هذه الآيات فيها حث الله عباده المؤمنين أن يقوموا بشكر نعمه العظيمة، بأن يتقوه حق تقواه، وأن يقوموا بطاعته، وترك معصيته، مخلصين له بذلك، وأن يقيموا دينهم، ويستمسكوا بحبله الذي أوصله إليهم، وجعله السبب بينهم وبينه، وهو دينه وكتابه، والاجتماع على ذلك وعدم التفرق، وأن يستديموا ذلك إلى الممات.
وذكرهم ما هم عليه قبل هذه النعمة، وهو: أنهم كانوا أعداء متفرقين، فجمعهم بهذا الدين، وألف بين قلوبهم، وجعلهم إخوانا، وكانوا على شفا حفرة من النار، فأنقذهم من الشقاء، ونهج بهم طريق السعادة.
﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ إلى شكر الله والتمسك بحبله، وأمرهم بتتميم هذه الحالة، والسبب الأقوى الذي يتمكنون به من إقامة دينهم، بأن يتصدى منهم طائفة يحصل فيها الكفاية.
﴿يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ﴾ وهو الدين، أصوله، وفروعه وشرائعه.
﴿وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ﴾ وهو ما عرف حسنه شرعا وعقلا.
﴿وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ وهو ما عرف قبحه شرعا وعقلا.
﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ المدركون لكل مطلوب، الناجون من كل مرهوب.
ويدخل في هذه الطائفة أهل العلم والتعليم، والمتصدون للخطابة ووعظ الناس، عموما وخصوصا، والمحتسبون الذين يقومون بإلزام الناس بإقامة الصلوات، وإيتاء الزكاة، والقيام بشرائع الدين، وينهونهم عن المنكرات.
فكل من دعا الناس إلى خير على وجه العموم، أو على وجه الخصوص، أو قام بنصيحة عامة أو خاصة، فإنه داخل في هذه الآية الكريمة.
ثم نهاهم عن سلوك مسلك المتفرقين، الذين جاءهم الدين والبينات، الموجب لقيامهم به، واجتماعهم، فتفرقوا واختلفوا وصاروا شيعا، ولم يصدر ذلك عن جهل
{١٠٦-١٠٧} ثم يبين متى يكون هذا العذاب العظيم، ويمسهم هذا العذاب الأليم، فقال: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾
يخبر تعالى، بتفاوت الخلق يوم القيامة، في السعادة والشقاوة، وأنه تبيض وجوه أهل السعادة الذين آمنوا بالله، وصدقوا رسله، وامتثلوا أمره، واجتنبوا نهيه، وأن الله تعالى يدخلهم الجنات ويفيض عليهم أنواع الكرامات، وهم فيها خالدون.
وتسود وجوه أهل الشقاوة، الذين كذبوا رسله، وعصوا أمره، وفرقوا دينهم شيعا وأنهم يوبخون، فيقال لهم: ﴿أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ فكيف اخترتم الكفر على الإيمان؟! ﴿فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾.
{١٠٨-١٠٩} ﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ * وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ يثني تعالى، على ما قصه على نبيه من آياته، التي حصل بها الفرقان بين الحق والباطل، وبين أولياء الله وأعدائه، وما أعده لهؤلاء من الثواب، وللآخرين من العقاب، وأن ذلك مقتضى فضله وعدله، وحكمته، وأنه لم يظلم عباده، ولم ينقصهم من أعمالهم، أو يعذب أحدا بغير ذنبه، أو يحمل عليه وزر غيره.
ولما ذكر أن له الأمر والشرع، ذكر أن له تمام الملك والتصرف والسلطان، فقال: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ فيجازي المحسنين بإحسانهم، والمسيئين بعصيانهم.
وكثيرا ما يذكر الله أحكامه الثلاثة مجتمعة يبين لعباده أنه الحاكم المطلق، فله الأحكام القدرية والأحكام الشرعية، والأحكام الجزائية، فهو الحاكم بين عباده في الدنيا والآخرة.
ومن سواه من المخلوقات، محكوم عليها ليس لها من الأمر شيء.
{١١٠- ١١١} ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ * لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلا أَذًى وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الأَدْبَارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ﴾ هذا تفضيل من الله لهذه الأمة بهذه الأسباب، التي تميزوا بها وفاقوا بها سائر الأمم، وأنهم خير الناس للناس، نصحا، ومحبة للخير، ودعوة، وتعليما، وإرشادا، وأمرا بالمعروف، ونهيا عن المنكر، وجمعا بين تكميل الخلق، والسعي في منافعهم، بحسب الإمكان، وبين تكميل النفس بالإيمان بالله، والقيام بحقوق الإيمان.
وأن أهل الكتاب، لو آمنوا بمثل ما آمنتم به، لاهتدوا وكان خيرا لهم، ولكن لم يؤمن منهم إلا القليل، وأما الكثير، فهم فاسقون، خارجون عن طاعة الله، وطاعة رسوله، محاربون للمؤمنين، ساعون في إضرارهم بكل مقدورهم، ومع ذلك، فلن يضروا المؤمنين إلا أذى باللسان، وإلا فلو قاتلوهم، لولوا الأدبار، ثم لا ينصرون.
وقد وقع ما أخبر الله به، فإنهم لما قاتلوا المسلمين، ولوا الأدبار، ونصر الله المسلمين عليهم.
{١١٢} ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ هذا إخبار من الله تعالى أن اليهود ضربت عليهم الذلة، فهم خائفون أينما ثقفوا، ولا يؤمنهم شيء إلا معاهدة، وسبب يأمنون به، يرضخون لأحكام الإسلام، ويعترفون بالجزية.
أو ﴿وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ﴾ أي: إذا كانوا تحت ولاية غيرهم ونظارتهم، [كما شوهد حالهم سابقا ولاحقا، فإنهم لم يتمكنوا في الوقت الأخير من الملك المؤقت في فلسطين، إلا بنصر الدول الكبرى، وتمهيدهم لهم كل سبب] (١).
﴿وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ أي: قد غضب الله عليهم، وعاقبهم بالذلة والمسكنة، والسبب في ذلك كفرهم بآيات الله، وقتلهم الأنبياء بغير حق، أي ليس ذلك عن جهل، وإنما هو بغي وعناد.
تلك العقوبات المتنوعة عليهم ﴿بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ فالله تعالى لم يظلمهم ويعاقبهم بغير ذنب، وإنما الذي أجراه عليهم بسبب بغيهم وعدوانهم، وكفرهم وتكذيبهم للرسل، وجناياتهم الفظيعة.
{١١٣- ١١٥} ﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ * يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ * وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ﴾ لما ذكر الله المنحرفين من أهل الكتاب، بين حالة المستقيمين منهم، وأن منهم أمة مقيمين لأصول الدين وفروعه.
﴿يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ﴾ وهو الخير كله، وينهون عن المنكر وهو جميع الشر. كما قال تعالى: ﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾
﴿وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾ والمسارعة إلى الخيرات، قدر زائد على مجرد فعلها، فهو وصف لهم بفعل الخيرات، والمبادرة إليها، وتكميلها بكل ما تتم به من واجب ومستحب.
ثم بين تعالى أن كل ما فعلوه، من خير قليل أو كثير، فإن الله تعالى سيقبله، حيث كان صادرا عن إيمان وإخلاص، ﴿فَلَنْ يُكْفَرُوهُ﴾ يعني: لن ينكر ما عملوه، ولن يهدر.
﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ﴾ وهم الذين قاموا بالخيرات، وتركوا المحرمات،
{١١٦- ١١٧} ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ * مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ بين تعالى: أن الكفار، الذين كفروا بآيات الله، وكذبوا رسله، أنه لا ينقذهم من عذاب الله منقذ، ولا ينفعهم نافع، ولا يشفع لهم عند الله شافع، وأن أموالهم وأولادهم التي كانوا يعدونها للشدائد والمكاره، لا تفيدهم شيئا، وأن نفقاتهم التي أنفقوها في الدنيا لنصر باطلهم ستضمحل.
وأن مثلها ﴿كَمَثَلِ﴾ حرث أصابته ﴿رِيحٍ﴾ شديدة ﴿فِيهَا صِرٌّ﴾ أي: برد شديد، أو نار محرقة، فأهلكت ذلك الحرث، وذلك بظلمهم فلم يظلمهم الله ويعاقبهم بغير ذنب، وإنما ظلموا أنفسهم.
وهذه كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ﴾
{١١٨- ١١٩} ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ * هَا أَنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ * إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ هذا تحذير من الله لعباده عن ولاية الكفار، واتخاذهم بطانة، أو خصيصة وأصدقاء، يسرون إليهم، ويفضون لهم بأسرار المؤمنين، فوضح لعباده المؤمنين الأمور الموجبة للبراءة من اتخاذهم بطانة بأنهم لا يألونكم خبالا، أي: هم حريصون غير مقصرين في إيصال الضرر بكم، وقد بدت البغضاء من كلامهم، وفلتات ألسنتهم، وما تخفيه صدورهم، من البغضاء والعداوة، أكبر مما ظهر لكم من أقوالهم وأفعالهم.
فإن كانت لكم فهوم وعقول، فقد وضح الله لكم أمرهم. وأيضا، فما الموجب لمحبتهم واتخاذهم أولياء وبطانة، وقد تعلمون منهم الانحراف العظيم في الدين وفي مقابلة إحسانكم؟
فأنتم مستقيمون على أديان الرسل، تؤمنون بكل رسول أرسله الله، وبكل كتاب أنزله الله، وهم يكفرون بأجل الكتب، وأشرف الرسل، وأنتم تبذلون لهم من الشفقة والمحبة، ما لا يكافئونكم على أقل القليل منه. فكيف تحبونهم، وهم لا يحبونكم، وهم يداهنونكم وينافقونكم، فإذا لقوكم قالوا آمنا، وإذا خلوا مع بني جنسهم، عضوا عليكم الأنامل من شدة الغيظ والبغض لكم ولدينكم.
قال تعالى: ﴿قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ﴾ أي: سترون من عز الإسلام وذل الكفر ما يسوؤكم، وتموتون بغيظكم، فلن تدركوا شفاء ذلك بما تقصدون.
﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ فذلك بين لعباده المؤمنين، ما تنطوي عليه صدور أعداء الدين من الكفار والمنافقين.
﴿إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ﴾ عز ونصر وعافية وخير ﴿تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ﴾ من إدالة العدو، أو حصول بعض المصائب الدنيوية ﴿يَفْرَحُوا بِهَا﴾ وهذا وصف العدو الشديد عداوته.
لما بين تعالى شدة عداوتهم، وشرح ما هم عليه من الصفات الخبيثة، أمر عباده المؤمنين بالصبر، ولزوم التقوى، وأنهم إذا قاموا بذلك، فلن يضرهم كيد أعدائهم شيئا، فإن الله محيط بهم وبأعمالهم وبمكائدهم، التي يكيدونكم فيها. وقد وعدكم عند القيام بالتقوى، أنهم لا يضرونكم شيئا، فلا تشكوا في حصول ذلك.
{١٢١- ١٢٣} ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ﴾ إلى آخر القصة. وذلك يوم "أحد" حين خرج -صلى الله عليه وسلم- بالمسلمين، حين وصل المشركون- بجمعهم- إلى قريب من "أحد". فنزلهم -صلى الله عليه وسلم- منازلهم، ورتبهم في مقاعدهم، ونظمهم تنظيما عجيبا، يدل على كمال رأيه وبراعته الكاملة في فنون السياسة والحرب، كما كان كاملا في كل المقامات.
﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ لا يخفى عليه شيء من أموركم.
﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا﴾ وهم بنو سلمة وبنو حارثة، لكن تولاهما الباري بلطفه ورعايته وتوفيقه.
﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ فإنهم إذا توكلوا عليه، كفاهم وأعانهم، وعصمهم من وقوع ما يضرهم، في دينهم ودنياهم.
وفي هذه الآية ونحوها، وجوب التوكل وأنه على حسب إيمان العبد، يكون توكله، والتوكل هو اعتماد العبد على ربه في حصول منافعه، ودفع مضاره، فلما ذكر حالهم في "أحد" وما جرى عليهم من المصيبة، أدخل فيها تذكيرهم بنصره، ونعمته عليهم يوم "بدر" ليكونوا شاكرين لربهم، وليخفف هذا هذا، فقال: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾ في عددكم وعددكم، فكانوا ثلاثمائة، وبضعة عشر، في قلة ظهر، ورثاثة سلاح، وأعداؤهم يناهزون الألف، في كمال العدة والسلاح.
﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ الذي أنعم عليكم بنصره.
﴿إِذْ تَقُولُ﴾ مبشرا ﴿لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ مثبتا لجنانهم: ﴿أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ * بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا﴾ أي: من حملتهم هذه بهذا الوجه.
﴿يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾ أي: معلمين علامة الشجعان.
واختلف الناس، هل كان هذا الإمداد حصل فيه من الملائكة مباشرة للقتال، كما قاله بعضهم، أو أن ذلك تثبيت من الله لعباده المؤمنين، وإلقاء الرعب في قلوب المشركين كما قاله كثير من المفسرين.
ويدل عليه قوله: ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ وفي هذا أن الأسباب لا يعتمد عليها العبد، بل يعتمد على الله.
وإنما الأسباب وتوفرها، فيها طمأنينة للقلوب، وثبات على الخير.
﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ﴾ أي: نصر الله لعباده المؤمنين، لا يعدو أن يكون قطعا لطرف
{١٢٨} ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ لما أصيب -صلى الله عليه وسلم- يوم "أحد" وكسرت رباعيته، وشج في رأسه، جعل يقول: (كيف يفلح قوم، شجوا وجه نبيهم، وكسروا رباعيته)، فأنزل الله تعالى هذه الآية، وبين أن الأمر كله لله، وأن الرسول -صلى الله عليه وسلم- ليس له من الأمر شيء، لأنه عبد من عبيد الله، والجميع تحت عبودية ربهم، مدبَّرون لا مدبِّرون.
وهؤلاء الذين دعوت عليهم، أيها الرسول، أو استبعدت فلاحهم وهدايتهم، إن شاء الله تاب عليهم، ووفقهم للدخول في الإسلام، وقد فعل، فإن أكثر أولئك هداهم الله فأسلموا. وإن شاء عذبهم، فإنهم ظالمون، مستحقون لعقوبات الله وعذابه.
{١٢٩} ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ يخبر تعالى، أنه هو المتصرف في العالم العلوي والسفلي، وأنه يتوب على من يشاء، فيغفر له، ويخذل من يشاء، فيعذبه.
﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ فمن صفته اللازمة، كمال المغفرة والرحمة، ووجود مقتضياتهما في الخلق والأمر، يغفر للتائبين، ويرحم من قام بالأسباب الموجبة للرحمة، قال تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾
تم الجزء المجلد الأول من تيسير الرحيم الرحمن في تفسير القرآن بخط مؤلفه عبد الرحمن الناصر بن سعدي ٩ ربيع أول ١٣٤٣ غفر الله له ولوالديه وجميع المسلمين وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم ويليه المجلد الثاني أوله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَا﴾
جميع كتب التفسير لهذه الآية (١٠٨ كتب)
غريب الكلمات ومعانيها
معاني الكلمات الغريبة في الآية
- بِرَبِّ النَّاسِ
- مُرَبِّيهِمْ، وَخَالِقِهِمْ، وَمُدَبِّرِ أَحْوَالِهِمْ.
إعراب الآية ١ من سورة النّاس
من كتاب: إعراب القرآن
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
[كلام الناشر]
أبو جعفر أحمد بن محمد بن إسماعيل النحّاس (ت ٣٣٨ هـ)اسمه ولقبه ونشأته:
أبو جعفر، أحمد بن محمد بن إسماعيل، المصري النحوي، ابن النحّاس:
العلّامة، إمام العربية.
ولد في مصر، ونشأ فيها ثم ارتحل إلى بغداد فأخذ عن المبرّد، والأخفش علي ابن سليمان، ونفطويه، والزّجّاج وغيرهم. ثم عاد إلى مصر وتصدّر للتدريس، وكانت مصر خلال النصف الثاني من القرن الثالث والنصف الأول من الرابع للهجرة حلقة الوصل بين المغرب والمشرق، وقد قصده طلّاب المعرفة، كما قصدوا غيره، من المغرب وأخذوا عنهم صنوف علوم اللغة والقرآن، وعادوا بها إلى بلادهم. وبذلك انتقلت مصنّفات هؤلاء العلماء المصريين إلى هناك.
نشأ ابن النحاس محبّا للعلم وكان لا يتوانى أن يسأل أهل العلم والفقه ويفاتشهم بما يشكل عليه في تصانيفه.
[كتبه]
وقد صنّف كتبا حسنة مفيدة منها:كتاب الأنوار.
وكتاب الاشتقاق لأسماء الله عزّ وجلّ.
وكتاب معاني القرآن.
وكتاب اختلاف الكوفيين والبصريين سمّاه «المقنع».
وكتاب أخبار الشعراء.
وكتاب أدب الكتّاب.
وكتاب الناسخ والمنسوخ.
وكتاب الكافي في النحو.
وكتاب صناعة الكتاب.
وكتاب إعراب القرآن.
وكتاب شرح أبيات سيبويه.
وكتاب الاشتقاق.
وكتاب معاني الشعر.
وكتاب التفّاحة في النحو.
وكتاب أدب الملوك.
أهمية كتاب «إعراب القرآن» لابن النحّاس:
أهمية هذا الكتاب أنه أول كتاب وصل إلينا بهذا العمق وهذه المادة العلمية الغزيرة. حيث حشد ابن النحّاس الكثير من أقاويل علماء اللغة التي أخذها عن مشايخه أو من الكتب التي كانت بين يديه لمن سبقه.
وأهم الكتب التي اعتمدها:
كتاب سيبويه، وكتاب العين، وكتاب المسائل الكبير للأخفش سعيد بن مسعدة، وكتاب معاني القرآن للزجاج، وكتاب ما ينصرف وما لا ينصرف للزجاج، وكتاب معاني القرآن للفرّاء، وكتاب المصادر في القرآن للفرّاء، والمقصور والممدود للفراء، وكتاب القراءات لأبي عبيد القاسم بن سلام، وكتاب القراءات لابن سعدان النحوي، وكتاب الغريب المصنّف لأبي عبيد. وقد اشتمل كتابه «إعراب القرآن» على آراء أعلام المذهب البصري في النحو واللغة والقراءات مثل: أبي عمرو بن العلاء، ويونس، وقطرب، والأخفش سعيد بن مسعدة، وأبي عبيدة، وأبي عمرو الجرمي، وابن الأعرابي، والمازني، وأبي حاتم السجستاني، والمبرّد ومحمد ابن الوليد ولّاد، وأبي إسحاق الزجاج بالإضافة إلى الخليل بن أحمد وأبي الخطّاب الأخفش وسيبويه. وكذلك عرض ابن النحاس آراء النحاة واللغويين الكوفيين فكان يعرض آراء هؤلاء إلى جانب آراء البصريين فيرجّح مرّة ويترك الآراء دون ترجيح أحيانا.
ومن الكوفيين: الكسائي وثعلب والفراء ومحمد بن حبيب ومحمد بن سعدان وابن السكيت ونفطويه وابن رستم. أما الحفّاظ والمحدّثون من شيوخه فهم يؤلّفون جانبا من مصادر كتابه، ومن شيوخه:
بكر بن سهل الدمياطي، وأبي بكر جعفر بن محمد الفريابي والنّسائي أحمد بن شعب، والطحاوي أحمد بن محمد بن سلامة الأزدي، والحسن بن غليب المصري، وأبي الحسن أحمد بن سعيد الدمشقي وأبي القاسم عبد الله بن محمد البغوي، والطبري في تفسيره.
١- الشعر (عدد الشواهد ٦٠٢) وهي موزّعة على العصر الجاهلي والإسلامي والأموي.
٢- الحديث النبوي (عدد الشواهد ١٦٧).
٣- الأمثال والأقوال الأخرى.
وفاته:
توفّي ابن النحاس يوم السبت لخمس خلون من ذي الحجة سنة ٣٣٨ هـ أو ٣٣٧ هـ... وقد رويت حكاية محزنة لموته، وهي أنه كان جالسا على درج المقياس (وهو عمود من رخام قائم وسط بركة على شاطئ النيل له طريق يدخل إلى النيل يدخل الماء إذا زاد عليه وفي ذلك العمود خطوط يعرفون بوصول الماء إليها مقدار الزيادة) وكان النيل في أيام زيادته، وكان ابن النحاس يقطّع شيئا من الشعر عروضيا، فسمعه أحد العوام فظنّه يسحر النيل حتى لا يزيد فتغلو الأسعار فدفعه برجله فوقع في النيل فلم يعرف له خبر.
مصادر ترجمته:
النجوم الزاهرة ٣/ ٣٠٠.
البداية والنهاية ١١/ ٢٢٢.
إنباه الرواة ١/ ١٠١.
آداب اللغة ٢/ ١٨٢.
سير أعلام النبلاء ١٢/ ٧١ (دار الفكر).
المنتظم لابن الجوزي ٦/ ٣٦٤.
بغية الوعاة ١/ ٣٦٢.
وفيات الأعيان ١/ ٨٢.
كان القرآن الكريم على الدوام دليل المسلمين وقبلتهم ومثابة اجتهادهم، لذلك ما انفكّوا يعكفون عليه حفظا ودرسا وتمثّلا، ولا ينون يصرفون جهدا كبيرا متّصلا لتبيان معانيه وأحكامه، وناسخه ومنسوخه، ووجوه قراءته، ودقائق بلاغته، وآيات إعجازه، وسوى ذلك من النواحي التي يشتمل عليها موضوع علوم القرآن ومباحثه القديمة المتجددة.
ومن المباحث الأساسية في هذا المجال إعراب القرآن، ألفاظا وجملا. ولا يخفى ما لهذا المبحث من أهمية كبرى في الكشف عن معاني القرآن للارتباط الوثيق القائم بين المعنى والمبنى في اللغة العربية أو بالأحرى بين اللفظ وإعرابه بحيث يتلوّن المعنى بتلوّن الإعراب. وقد قيل: الإعراب فرع المعنى. ولعل ما يميز اللغة العربية عن معظم اللغات الأخرى هو هذا الارتباط الوثيق بين المعنى والإعراب، وبهذا الترتيب:
فالنصّ العربي يفهم أولا، ثم يقرأ قراءة صحيحة أي معربة على الوجه الصحيح.
والقارئ مهما بلغ من التمكّن في علم النحو، لا يستطيع أن يقرأ نصّا عربيّا لأول وهلة وعلى النحو الصحيح إن لم يكن متمثلا المعنى المراد أولا، خصوصا عند ما تغيب علامات الإعراب أو الشكل. هذا بخلاف ما يحصل بإزاء نص فرنسي مثلا، إذ يستطيع قراءته قراءة صحيحة حتى من دون أن يسبق له علم بالمعنى الموجود فيه. فالنص الفرنسي يقرأ ثم يفهم. من هنا يمكن القول إن اللغة العربية ما تزال لغة شفوية في المقام الأول.
إن العلاقة بين «علم إعراب القرآن» وعلم النحو لا تحتاج إلى إيضاح.
وبالتالي فقد اعتبر جمهور العلماء أن إعراب القرآن هو من علم النحو. ولكن العلاقة وثيقة أيضا بين إعراب القرآن وتفسيره، ولذلك ذهب البعض، ومنهم طاش كبري زادة في كتابه «مفتاح السعادة»، إلى أنه من فروع علم التفسير.
والحقيقة أن إعراب القرآن ضروري للتفسير ولا ينفصل عن علم القراءات. وعليه ثمّة علوم ثلاثة مترابطة هي: علم التفسير (التأويل) وعلم الإعراب وعلم القراءات. من هنا نلاحظ أن معظم كتب التفسير لا تخلو من إشارات إلى وجوه القراءة المختلفة وبالتالي إلى وجوه الإعراب.
ومنهم من أعربه كله كالعكبري.
وأشهر من صنّف في إعراب القرآن والقراءات في بابين مستقلين أو في باب واحد هم على التوالي:
١- يحيى بن زياد الفرّاء المتوفى سنة ٢٠٧ هـ: «إعراب القرآن» في أوجه القراءات والإعراب.
٢- أبو مروان عبد الملك بن حبيب المالكي القرطبي المتوفى سنة ٢٣٩ هـ: «إعراب القرآن» و «الواضحة في إعراب الفاتحة».
٣- أبو حاتم سهل بن محمد السجستاني (٢٤٨ هـ) :«إعراب القرآن» و «كتاب القراءات».
٤- أبو العباس محمد بن يزيد المبرّد (٢٨٦ هـ) :«إعراب القرآن» و «احتجاج القرّاء».
٥- أبو العباس أحمد بن يحيى المعروف بثعلب (٢٩١ هـ) :«غريب القرآن» و «كتاب إعراب القرآن» و «كتاب القراءات».
٦- أبو البركات عبد الرحمن بن أبي سعيد الأنباري (٣٢٨ هـ) :«البيان في إعراب غريب القرآن».
٧- أحمد بن محمد بن إسماعيل المرادي المصري، أبو جعفر النحّاس، (٣٣٨ هـ) :
«إعراب القرآن»، وهو كتابنا هذا.
٨- إبراهيم بن السري بن سهل، أبو إسحاق الزجّاج (٣١١ هـ) :«إعراب القرآن» و «مختصر إعراب القرآن ومعانيه».
١٠- عثمان بن جنّي (٣٩٢ هـ) :«المحتسب» في شرح الشواذ لابن مجاهد في القراءات.
١١- أبو الحسن علي بن إبراهيم الحوفي (٤٣٠ هـ) :«إعراب القرآن».
١٢- مكّي بن أبي طالب القيسي القيرواني (٤٣٧ هـ) :«مشكل إعراب القرآن» و «الكشف عن وجوه القراءات وعللها» و «الموجز» في القراءات.
١٣- يحيى بن علي بن محمد، الخطيب التبريزي (٥٠٢ هـ) :«المخلص في إعراب القرآن».
١٤- إسماعيل بن محمد بن الفضل الأصبهاني (٥٣٥ هـ) :«إعراب القرآن».
١٥- أبو البقاء عبد الله بن الحسين العكبري (٦١٦ هـ) :«التبيان في إعراب القرآن» و «إعراب الشواذ في القرآن».
١٦- عبد اللطيف بن يوسف البغدادي (٦٢٩ هـ) :«الواضحة في إعراب الفاتحة».
١٧- المنتجب بن أبي العز الهمداني (٦٤٣ هـ) :«المفيد في إعراب القرآن المجيد».
١٨- إبراهيم بن محمد السفاقسي (٧٤٢ هـ) :«المجيد في إعراب القرآن المجيد».
١٩- أحمد بن يوسف المعروف بابن السمين الحلبي (٧٥٦ هـ) :«الدرّ المصون في علم الكتاب المكنون» في إعراب القرآن.
٢٠- أحمد بن يوسف بن مالك الرعيني الأندلسي (٧٧٧ هـ) :«تحفة الأقران في ما قرئ بالتثليث من القرآن».
٢١- أحمد بن محمد، الشهير بنشانجي زادة (٩٨٦ هـ) :«إعراب القرآن» إلى سورة الأعراف- حاشية على أنوار التنزيل للبيضاوي.
١- اسم ما لم يسمّ فاعله: النائب عن الفاعل ٢- الإشمام: إشمام الحرف هو أن تشمّه الضمّة أو الكسرة، وهو أقلّ من روم الحركة لأنه لا يسمع وإنما يتبيّن بحركة الشّفة، ولا يعتدّ بها حركة لضعفها، والحرف الذي فيه الإشمام ساكن أو كالساكن.
٣- الإمالة: هي أن تنحو بالفتحة نحو الكسرة وبالألف نحو الياء، أو هي إحدى الظواهر الخاصة بنطق الفتحة الطويلة نطقا يجعلها بين الفتحة الصريحة والكسرة الصريحة.
٤- البيان والتفسير: التمييز ٥- التبرئة: النفي للجنس.
٦- الترجمة والتكرير: هو البدل عند البصريين.
٧- الحذف: حين تتجاوز أصوات متماثلة أو متقاربة تميل بعض اللهجات إلى حذف أحدها طلبا للتخفيف، وقد يكون هذا الحذف في الحروف وقد يكون في الحركات التي هي في بنية الكلمة أو للإعراب.
٨- حروف الخفض: حروف الجرّ.
٩- حروف اللّين: هي حروف المدّ التي يمدّ بها الصوت، وهي الألف، والواو، والياء.
١٠- الرّوم: هو تضعيف الصوت بالحركة حتى يذهب بذلك معظم صوتها فيسمع لها صوتا خفيا يدركه الأعمى بحاسة السمع.
١١- العماد: الفاصلة عند البصريين.
١٢- القطع: الحال.
١٣- المخالفة: هي ظاهرة صوتية تكون لميل بعض اللهجات العربية إلى السهولة بأن يجتمع صوتان متماثلان فيقلب أحدهما إلى صوت لين طويل.
١٤- المكنّى: الضمير.
١٦- المماثلة بين الحروف: الإدغام: هو ضرب من التأثير الذي يقع في الأصوات المتجاورة إذا كانت متماثلة أو متجانسة أو متقاربة فيختفي أحد الصوتين بالآخر.
١٧- النعت: وهو الصفة عند البصريين.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
[سورة الناس (١١٤) : آية ١]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١)الأصل عند سيبويه أناس والألف واللام بدل من الهمزة.
[سورة الناس (١١٤) : آية ٢]
مَلِكِ النَّاسِ (٢)نعت يقال: ملك بيّن الملك، ومالك بيّن الملك والملك.
[سورة الناس (١١٤) : آية ٣]
إِلهِ النَّاسِ (٣)نعت أو بدل.
[سورة الناس (١١٤) : آية ٤]
مِنْ شَرِّ الْوَسْواسِ الْخَنَّاسِ (٤)مِنْ شَرِّ الْوَسْواسِ هو الذي يوسوس الصدور كما قال الأعشى: [البسيط] ٦٠٠-
| تسمع للحلي وسواسا إذا انصرفت | كما استعان بريح عشرق زجل «١» |
[سورة الناس (١١٤) : آية ٥]
الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (٥)في موضع خفض على النعت ويجوز الرفع على إضمار مبتدأ.
[سورة الناس (١١٤) : آية ٦]
مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ (٦)| جمعت وفحشا غيبة ونميمة | ثلاث خصال لست عنها بمرعوي «١» |
| وما زال في الإسلام من آل هاشم | دعائم غرّ ما ترام ومفخر |
| وهم جبل الإسلام والنّاس حولهم | رضام إلى طود يروق ويقهر |
| بهاليل منهم جعفر وابن أمّه | عليّ ومنهم أحمد المتخيّر |
صلّى الله عليه وعلى آله الطاهرين وسلم تسليما كثيرا تم كتاب شرح إعراب القرآن الحمد لله رب العالمين وصلّى الله على سيدنا محمد النبي وعلى آله وسلّم تسليما حسبنا الله وكفى ونعم الوكيل.
سبب نزول الآية ١ من سورة النّاس
من كتاب: المحرر في أسباب نزول القرآن من خلال الكتب التسعة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
مقدمة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ومن دعا بدعوته واستن بسنته إلى يوم الدين.أما بعد:
فإن الله - عَزَّ وَجَلَّ - بعلمه وحكمته اختار لصحبة نبيه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أبر الناس قلوباً، وأصدقهم ألسناً، وأوعاهم حفظًا وفهماً، فشاهدوا التنزيل، وفقهوا التأويل، ووقفوا على ما لم يقف عليه غيرهم من طبقات الأمة، وكان أكبر همهم، ومنتهى سعيهم أن يفهموا خطاب الله لعباده، ويعرفوا مراده من كتابه فبذلك حازوا أفضل العلوم واكتسبوا خلاصة الفهوم.
ولم تزل الأمة تغترف من بحر علمهم وفقههم لا تتجاوز حد فهمهم برأي
أو قياس، سيما إذا كان الأمر يتعلق بكتاب الله حتى قال محمد بن سيرين: سألت عَبيدة عن آية من القرآن. فقال: اتق الله وقل سداداً، ذهب الذين يعلمون فيما أُنزل القرآن. يعني الصحابة.
وقد كفى سلف الأمة من العلماء الأعلام والرواة الأثبات من بعدهم مؤنة جمع العلم وتبويبه، وفقهه ودرايته حتى اجتمع للمتأخرين قدر كبير من المرويات في كل باب من أبواب العلم، وجملةٌ أكبر من الشروحات والتعليقات بحسب ما آتاهم الله من الفهم والاستنباط، وصارت مهمة الباحثين المعاصرين النظر والتأمل في ذلك التراث الضخم، والتدقيق، والترجيح، والتفنن في العرض والتأليف لجمع الشوارد، وتقريب البعيد، ولَمِّ الأشباه والنظائر والمقارنة والموازنة للوصول إلى أقرب النتائج للصواب وأسعدها بالدليل.
أسباب النزول
من خلال الكتب التسعة جمعاً ودراسة
وأعني بها موطأ مالك، ومسند أحمد، وسنن الدارمي، وصحيح البخاري، وصحيح مسلم، وسنن أبي داود، وجامع الترمذي، وسنن النَّسَائِي وسنن ابن ماجه.
* أهمية الموضوع:
تكمن أهمية البحث في هذا الموضوع في أمور عديدة من أهمها:
أولاً: شرف العلم بأسباب النزول، لشرف التنزيل، وشرف العلم مبني على شرف المعلوم، ولا شيء أشرف وأجل مما تكلم به سبحانه، أعني كلامه الذي (لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ)، فخير ما بذلت فيه الجهود، وصرفت فيه الأعمار الاشتغال بكتابه العزيز وفهمه وتدبره.
ثانياً: فائدة هذا العلم الجليل في تفسير كتاب الله، والكشف عن وجوه الحِكَم والأحكام التي لا تدرك إلا بالوقوف على أسباب نزول الآيات، قال الواحدي عن أسباب النزول: (إذ هي أوفى ما يجب الوقوف عليها، وأولى ما تصرف العناية إليها، لامتناع معرفة تفسير الآية، وقصد سبيلها، دون الوقوف على قصتها وبيان نزولها).
وقال ابن دقيق العيد: (بيان سبب النزول طريق قوي في فهم معاني القرآن).
بالإضافة إلى ما يتبع ذلك من تخصيص عام، أو دفع إيهام ونحوه.
* أسباب اختيار الموضوع:
أولاً: أهمية جمع أسباب النزول من مصادرها الأصلية مقرونة بدراسة وافية بين دفتي كتاب، وجاء اختياري للكتب التسعة لتكون مصادر لأسباب النزول لجلالة قدر مؤلفيها وعلو إسنادها، وتلقي الأمة للصحيحين منها بالقبول حتى تكاد تستوعب ما في سواها من دواوين السنة ولهذا اقتصرت على ما ورد فيها.
ثانياً: حاجة المكتبة القرآنية قديمًا وحديثًا إلى مؤلف مفرد يجمع الأسباب ويقدم لها دراسة متكاملةً كي يسهل على القارئ والباحث مقارنة الروايات في مقام واحد، ويلقي الضوء على أوجه الترجيح بينها.
ثالثاً: الحاجة إلى تحقيق المرويات ودراستها دراسة نقدية من الناحيتين التفسيرية والحديثية بسبب تعدد المرويات في الواقعة الواحدة، وتعارضها أحيانًا في أصلها أو أجزائها، وفشو المرويات الضعيفة في كتب التفسير والسنة وشيوعُها في الأمة، فكان لا بد من عمل علمي يستنبط الحقيقة المضيئة من عتامة المرويات المظلمة، ويستخرج الرواية النقية من النبع الصافي الذي كدرته الدلاء الدخيلة.
رابعاً: افتقار المؤلفات المعنية بهذا العلم إلى التحرير والترجيح، حيث يلحظ القارئ وبلا تكلف عناية المؤلفين لهذه المؤلفات بجانب السرد، دون التدقيق والتمحيص واختيار السبب الصحيح، وهذا ما سيضيفه هذا البحث.
خامساً: قصور بعض المؤلفات في هذا الفن عن استيعاب جميع أسباب النزول خصوصًا المذكورة في الكتب التسعة.
سادساً: حرصي على أن يكون موضوع أطروحتي لنيل الدكتوراه ذا فائدة علمية لي أولاً، ثم لأهل التخصص وعامة المسلمين ثانيًا.
تتابع العلماء - رحمهم اللَّه - في التأليف في علم أسباب النزول من قديم الزمان، وهي ما بين مطبوع، ومخطوط، ومفقود، ومع هذا فقد انبرى للتأليف في هذا الزمان جملة من العلماء والباحثين فأجادوا وأفادوا - جزاهم اللَّه خير الجزاء - وقد يسر الله لي الاطلاع على بعض ما أُلف في هذا الباب فرأيته حسناً مفيدًا لكنه لم يتناول هذا العلم على النسق الذي أردت والأسلوب الذي رسمت، وفي ظني - إن شاء اللَّه - أنه سيسهم مساهمة فعالةً في تنقيته من الدخيل والغريب.
ومن المؤلفات التي اطلعت عليها في هذا الباب:
١ - أسباب النزول للواحدي، وعليه بعض الملحوظات على أن هذا لا يعني القدح فيه فمنها:
أ - أن المؤلف قد فاته شيء كثير من أسباب النزول فلم يذكرها.
ب - أنه ساق روايات على أنها أسباب نزول وليست كذلك.
جـ - أنه أغفل مرويات قوية واستشهد بمرويات ضعيفة.
ويغني في وصف الكتاب قول أبي حيان: (وقد صنف الواحدي في ذلك كتاباً قلَّما يصح فيه شيء، وكان ينبغي أن لا يشتغل بنقل ذلك إلا ما صح) اهـ.
٢ - العجاب في بيان الأسباب للحافظ ابن حجر.
وهذا الكتاب لا يخرج في مضمونه في بعض الأسباب عن نسق غيره من المؤلفات المهتمة بجانب السرد دون الاستيعاب والتدقيق والترجيح، ودون استخراج الأسباب من المصادر الأصلية كالصحاح والسنن والمسانيد.
٣ - لباب النقول في أسباب النزول للسيوطي. وعليه الملاحظات التالية:
أ - أن كثيراً من الآيات لها أسباب نزول لم يذكرها وقد تكون صحيحة مشهورة.
جـ - قد يكون السبب في الصحيحين أو أحدهما ويترك العزو إليهما أو لأحدهما.
د - تصحيحه لبعض الأحاديث الضعيفة.
هـ - صيغة السبب يحولها من غير صريحة إلى صريحة.
٤ - الصحيح المسند من أسباب النزول للشيخ مقبل بن هادي الوادعي.
وهذا الكتاب تضمن أسبابًا صحيحة لكنه مع هذا يحتاج للإضافة سواء من حيث العدد، أو تحقيق صحتها، أو الجمع والترجيح.
٥ - أسباب النزول وأثرها في التفسير للدكتور عصام الحميدان، وقد وضع في كتابه قواعد مفيدة في أسباب النزول، وعقد مقارنة بين كتابي: الواحدي والسيوطي، وقام بدراسة لما فيهما دراسة مختصرة تشبه التعليق في أكثر الأحيان.
٦ - أسباب النزول أسانيدها وأثرها في تفسير القرآن الكريم للدكتور جمعة سهل، لم يتيسر لي الاطلاع عليها لكني اطلعت على فهرسها من أحد الفضلاء، ومن خلال اطلاعي على ذلك لم أجد الشيخ ذكر أسباب النزول، لكنه ذكر بعض الضوابط، والقواعد، وحِكم التشريع من خلال أسباب النزول، وما يتبع ذلك.
٧ - جامع النقول في أسباب النزول للشيخ ابن خليفة عليوي، فقد ذكر ما أخرجه الواحدي والسيوطي في كتابيهما ثم شرح الآيات التي تضمنتها أسباب النزول عندهما.
هذه بعض المؤلفات المصنفة في هذا الباب، وهناك العديد غيرها لكنها لا تخرج عن منوالها وطريقتها.
وإني لأرجو أن يكون البحث الذي أُقدم له الآن قد شق طريقًا جديدًا وأضاءَ مصباحًا منيراً، تأصيلاً وتأطيرًا، لكل سالك في ميدان أسباب النزول.
تتكون خطة البحث من مقدمة وتمهيد وقسمين وخاتمة.
مقدمة البحث: تتناول أهمية الموضوع، وأسباب اختياره والدراسات السابقة، وخطة البحث، ومنهجي في إعداده.
التمهيد: وفيه خمسة مباحث:
المبحث الأول: مكانة أسباب النزول وأهميتها.
المبحث الثاني: فوائد معرفة أسباب النزول.
المبحث الثالث: نشأة علم أسباب النزول.
المبحث الرابع: مصادر أسباب النزول.
المبحث الخامس: بواعث الخطأ في أسباب النزول.
القسم الأول: قواعد في أسباب النزول وضوابط الترجيح فيها، وفيه فصلان:
الفصل الأول: قواعد في أسباب النزول، وفيه ستة مباحث:
المبحث الأول: تعريف أسباب النزول ومفهومه لدى العلماء.
المبحث الثاني: أسباب النزول من حيث صيغتها.
المبحث الثالث: تعدد النازل والسبب واحد.
المبحث الرابع: تعدد السبب والنازل واحد.
المبحث الخامس: عموم اللفظ وخصوص السبب.
المبحث السادس: تكرر النزول.
الفصل الثاني: ضوابط الترجيح في أسباب النزول، وفيه ستة مباحث:
المبحث الأول: الترجيح بتقديم الصحيح على الضعيف.
المبحث الثاني: الترجيح بتقديم السبب الموافق لِلفظ الآية على غيره.
المبحث الثالث: الترجيح بتقديم قول صاحب القصة على غيره.
المبحث الرابع: الترجيح بتقديم قول الشاهد للسبب على الغائب عنه.
المبحث الخامس: الترجيح بدلالة السياق القرآني.
المبحث السادس: الترجيح بدلالة الوقائع التاريخية.
وسيكون ترتيب الدراسة على النحو التالي:
* ذكر الآية أو الآيات النازلة.
* ذكر السبب أو الأسباب التي نزلت بشأنها الآيات.
* دِرَاسَةُ السَّبَبِ أو الأسباب دراسة تفسيرية وحديثية.
* النتيجة وفيها خلاصة الدراسة.
خاتمة البحث: وفيها أهم النتائج التي توصلت إليها خلال البحث.
فهارس البحث:
فهرس الآيات القرآنية.
فهرس الأحاديث النبوية.
فهرس الأعلام المترجم لهم.
فهرس الأبيات الشعرية.
فهرس الألفاظ الغريبة.
فهرس الأماكن.
فهرس القبائل.
ثبت المصادر والمراجع.
فهرس محتويات الرسالة.
* منهجي في إعداد البحث:
وينقسم إلى قسمين:
القسم الأول: منهجي في إعداد الدراسة النظرية لعلم أسباب النزول.
وبتمثل عملي هنا في الآتي:
أ - قمت باستقراء ما كتب عن أسباب النزول قديمًا وحديثًا في المؤلفات التي تختص بهذا العلم، أو في المؤلفات التي تناولت علوم القرآن بوجه عام ومنها أسباب النزول، فإن أصبتُ فيها ما أُريد استخرجته، واستفدت منه.
جـ - بعد أن نقلت من أقوال العلماء ما أفادني، قمت باستخراج الأمثلة التي درستها في القسم الثاني من رسالتي، والتي أراها تناسب تلك القواعد وتؤيدها إذ لا يخفى أثر المثال في ترسيخ المقال، وقد أكثرت من الأمثلة، وكنت حريصاً على عدم التَّكرار.
والذي دعاني لهذا أن من سبقني من المؤلفين يكررون الأمثلة، وفي أكثر الأحيان لا تخلو من مقال، فأردت أن يدرك القارئ الكريم أمرين:
الأول: أن الأمثلة لا تعاني شحَّا. الثاني: أنها سليمة من المقال.
القسم الثاني: منهجي في إعداد الدراسة التطبيقية لأسباب النزول:
ويتمثل عملي هنا في الآتي:
١ - أبدأ بكتابة الآيات التي تضمنها سبب النزول.
٢ - إذا اختلفت ألفاظ الأحاديث في ذكر الآيات النازلة، فبعض الألفاظ مثلاً يذكر آيةً فقط، وبعضها يذكر أكثر من آية، فإني في البداية أذكر الزيادة وإن كنت لا أذكر اللفظ الذي وردت فيه.
٣ - قمت بترتيب الآيات حسب ورودها في المصحف.
٤ - قمت بعزو الآيات إلى مواضعها من القرآن.
٥ - قمت بجمع المادة العلمية (أسباب النزول) من مصادرها الأصلية بالبطاقات أقرأها كتاباً كتاباً فإذا وجدت السبب دونته في البطاقة وذكرت رقمه ورقم الجزء، والصفحة ومن أخرجه، ثم لما فرغت، قمت بترتيب البطاقات حسب الآيات، ثم رتبت البطاقات في كل آية حسب الوفيات، وقد استغرق هذا العمل مني سنةً وسبعة أشهر.
٦ - جعلت تحت الآيات عنواناً سميته (سبب النزول)، أسوق تحته الحديث الوارد في نزول الآية، أو الأحاديث الواردة إن كانت أكثر من حديث.
٧ - إذا كان الحديث قد أُخرج في أكثر من مصنف فإني أُقدم من ذكرتُ
٨ - إن كان لنزول الآية أكثر من سبب فإني أجعل لكل سبب رقماً مستقلاً، فإن كان للحديث لفظ آخر من طريق صحابي آخر فإني أجعل له أيضًا رقماً مستقلاً، وإن كان للحديث لفظ آخر من طريق الصحابي ذاته ذكرته بدون ترقيم.
٩ - أختار من ألفاظ الأحاديث ما اجتمع فيه صحة الإسناد، والتصريح بالنزول، فإن لم يجتمعا قدمت اللفظ الذي وقع فيه النزول لأن البحث يختص بأسباب النزول.
١٠ - إن كان الحديث في غير الصحيحين فإني أقوم بدراسة إسناده تارة بتوسع وتارةً باختصار حسبما يقتضيه الوصول إلى النتيجة.
١١ - في دراستي لأسانيد الأحاديث لا أنقل عن المتأخرين شيئًا في الحكم على الحديث.
١٢ - أحكم على أسانيد الأحاديث - ما وسعني ذلك - بالصحة والضعف، والرفع والوقف، والوصل والإرسال.
١٣ - بعد ذكر الأسباب وضعت عنوانًا سميته (دراسة السبب) ثم أبدؤه بقولي: هكذا جاء في سبب نزول هذه الآية، أو الآيات، وقد ذكر هذا الحديث جمهور المفسرين منهم......... ثم أنقل بعض أقوال المفسرين التي تؤيد كون الحديث سبباً للنزول فإن رأيته يتفق وقواعد النزول أعتمده ثم أمضي، وإن كان لي وجهة نظر فيما قالوه أبديتها، وإن كان لي دليل ذكرته، ثم أخلص إلى ما أراه صوابًا في المسألة.
فإن كان العلماء مختلفين في اعتبار الحديث سبباً للنزول ذكرت من يختاره منهم، ثم ذكرت من يخالفهم، وإن ذكروا أدلةً ذكرتها لهم، ثم ناقشتها وخلصت إلى النتيجة.
فإن كان للآية أكثر من سبب نقلت ما يفيد من أقوال العلماء، ثم قارنت بين الأسباب، وناقشتها نقاشاً علميًا، ثم خلصت إلى الصواب الذي أراه.
١٤ - عند المناقشة أسعى للجمع بين الأقوال ما أمكن، بشرط أن يكون الجمع سائغًا، فإن لم يكن سائغاً عدلت عنه إلى الترجيح.
١٦ - أكثرت من نقول العلماء في بحثي لأن هذا مما يزيد الأسباب رسوخاً وتثبيتاً.
١٧ - إن كان في الأسباب إشكالات علمية لا تمس النزول، ذكرتُها، وأجبتُ عنها.
١٨ - بعد الفراغ من الدراسة ذكرت عنواناً سميته (النتيجة) ذكرت فيه خلاصة ما انتهيت إليه، والأسباب التي دعتني إلى اختيار هذه النتيجة.
١٩ - في غالب دراستي للأسباب اعتمدت الكتب الآتية كمراجع ثابتة:
أ - جامع البيان للطبري. ت ٣١٠ هـ.
ب - معالم التنزيل للبغوي. ت ٥١٦ هـ.
جـ - أحكام القرآن لابن العربي. ت ٥٤٣ هـ.
د - المحرر الوجيز لابن عطية. ت ٥٤٦ هـ.
هـ - الجامع لأحكام القرآن للقرطبي. ت ٦٧١ هـ.
و تفسير القرآن العظيم لابن كثير. ت ٧٧٤ هـ.
ز - تيسير الكريم الرحمن للسعدي. ت ١٣٧٦ هـ.
ح - أضواء البيان للشنقيطي. ت ١٣٩٣ هـ.
ط - التحرير والتنوير لابن عاشور. ت ١٣٩٣ هـ.
وإنما اخترت هذه المراجع بخصوصها لأمور:
الأول: أن مناهج مؤلفيها متباينة، وهذا التباين يفتح آفاقاً أرحب للدارس.
الثاني: أن عامة هؤلاء المؤلفين ينزعون إلى الاجتهاد وترك التقليد.
الثالث: أن عصور مؤلفيها تمتد من القرن الرابع إلى العصر الحاضر.
٢٠ - قمت بشرح الألفاظ الغريبة في الأحاديث، معتمداً في ذلك على كتاب النهاية في غريب الحديث والأثر لابن الأثير باعتباره معنياً بألفاظ الأحاديث، فإن لم أجده فيه رجعت إلى لسان العرب لابن منظور لكونه
٢١ - قمت بالتعريف بالقبائل المذكورة معتمداً في هذا على كِتَابَي: (جمهرة أنساب العرب) لابن حزم، و (نهاية الأرب في معرفة أنساب العرب) للقلقشندي.
٢٢ - قمت بترجمة الأعلام غير المشهورين الذين يرد ذكرهم في الأحاديث، وأما الأعلام الذين ترد أسماؤهم في الدراسة فلم ألتزم بالترجمة لهم.
٢٣ - قمت بعزو الأبيات الشعرية إلى قائليها.
٢٤ - ألتزم بجعل أقوال العلماء التي أنقلها بين قوسين، فإن تصرفت فيها يسيراً أو اختصرت قليلاً، قلت: اهـ باختصار، أو بتصرف يسير.
أما إذا نقلت مضمون الكلام دون نصه فأنا لا ألتزم بهذا - أعني جعله بين قوسين -.
٢٥ - إذا نقلت أقوال العلماء فإني أرتبها حسب الوفاة إلا إذا اقتضى الأمر خلاف ذلك.
٢٦ - حين أذكر العلماء فإني لا ألتزم بالترحم عليهم؛ لأن التزام ذلك يطول، لكني أسأل الله لهم المغفرة والرحمة والرضوان على العلم النافع الذي تركوه لمن بعدهم.
٢٧ - إذا ذكرت المرجع أول مرة فإني أذكر اسمه كاملاً، واسم مؤلفه، وعند التكرار لا أذكر المؤلف، بينما المراجع تختلف، فمنها ما أذكره كاملاً، ومنها ما أذكر بعضه كجامع البيان.
٢٨ - تعيين الحديث من الكتاب، يتطلب ذكر اسم الكتاب، والترجمةِ في الباب وهنا أرمز إلى الكتاب بـ ك، وأما الترجمة في الباب فإن كانت مختصرة ذكرتها كاملة، وإن كانت طويلة اقتصرت على بعضها.
٢٩ - إذا تكرر السبب في موضعين فإني أحياناً أقوم بدراسته في الموضع الأول وفي الموضع الثاني أُحيل على الأول، وأحياناً أُرجئُ دراسته إلى الموضع الثاني وفي الموضع الأول أُشير إلى ذلك بقولي ستأتي دراسته في موضع كذا.
وفي خاتمة العمل فإني أحمد اللَّه - تعالى - وأشكره على التيسير والتسهيل، وأسأله سبحانه أن يقبل العمل مني، ويغفر زللي فيه، ثم أشكر والديَّ الكريمين على دعائهما، وتوجيههما، وأسأله جل وعلا أن يغفر لهما ويرحمهما كما ربياني صغيراً.
ثم أتقدم بالشكر الجزيل لجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، ولكلية أصول الدين في الرياض، وعلى وجه الخصوص قسمُ القرآن وعلومه الذي أتاح لي هذه الفرصة.
كما أدعو لشيخنا ووالدنا الفقيه العلامة الشيخ محمد بن صالح العثيمين - رحمه الله تعالى - وأسكنه الفردوس الأعلى، وجعل ما قدمه في ميزان حسناته، فإني لا أعلم في نفسي أحدًا أمنَّ عليَّ في صحبته وعلمه من فضيلته، وذلك أني لم أتلق العلم من عالم سواه، ولم أطوِ ركبتيَّ عند غيره، ولئن كان فضله عاماً على كل من تتلمذ عليه، ففضله على كاتب هذه السطور خاص، حتى في هذا البحث الذي أمرني بتسجيله، وعرض عليَّ المساعدة في ذلك.
ثم أشكر الشكر الجزيل شيخي الكريم الأستاذ الدكتور علي بن سليمان العبيد، حيث لم يأل جهداً في قراءة هذا البحث، وتصويبه، بل بذل الكثير من جهده، ووقته، وفكره، فكان مثالاً رائعًا سامياً في خلقه، ودينه. والحق أني أشعر بالفخر لإشرافه على رسالتي، وأسأل اللَّه جلّت قدرته أن يحسن إليه في الدنيا والآخرة، وأن يجزيه خير الجزاء وأن يبارك في علمه وعمره وذريته وأن يكثر من أمثاله.
كما لا يفوتني أن أشكر إخواني الكرام من طلاب العلم وأهله على جهودهم التي بذلوها سواءٌ ما كان يتعلق بتحقيق الأحاديث، أو إعارة الكتب، أو حتى المناقشات العلمية وإسداء النصيحة فجزاهم اللَّه خيراً، وأعظم أجورهم، وبارك في أعمارهم.
سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٨٢).
خالد بن سليمان المزيني
التمهيد
وفيه خمسة مباحث:المبحث الأول: مكانة أسباب النزول وأهميتها.
المبحث الثاني: فوائد معرفة أسباب النزول.
المبحث الثالث: نشأة علم أسباب النزول.
المبحث الرابع: مصادر أسباب النزول.
المبحث الخامس: بواعث الخطأ في أسباب النزول.
مكانة أسباب النزول وأهميتها
القرآن العظيم هو حبل اللَّه المتين وصراطه المستقيم، وحجته البالغة على العالمين يقول - جل وعلا - في وصفه: وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (٤١) لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (٤٢).
أنزله - عَزَّ وَجَلَّ - لهداية المتقين فقال - جل شأنه -: (الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢).
وجعل من حِكم إنزاله إخراج الناس به من ظلمات الجهل والكفر إلى نور العلم والإيمان به، فقال تعالى: (الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (١).
ثم لم يقصر المنعم المتفضل النعمة على إخراجهم من الظلمات إلى النور بل زادهم من لدنه خيراً كثيراً ثباتاً وهدى وبشرى فقال - جل وعلا -: (قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (١٠٢).
وهذه الأوصاف العظيمة وغيرها من المنح الإلهية لا تتحقق للعبد بدون التفكر في القرآن وتدبر معانيه، والنظر في حكمه، وأسراره، ونحن نشاهد أن أرسخ الناس إيماناً وأعمقهم فهماً هم العلماء الربانيون الذين أُوتوا من التدبر والتفكر حظاً عظيماً.
وإذا كان الشأن كذلك فلن يكون الأمر غريباً أن يعيب اللَّه على أولئك المعرضين عن التدبر بقوله: (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (٢٤)، لأن اللَّه أخبر وهو أصدق القائلين أنه إنما أنزل القرآن للتدبر والتذكر فقال جل شأنه: (كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو
فإذا كان التدبر لكتاب اللَّه، وهو مفتاح العلوم والمعارف موقوفاً على التفسير، والتفسير موقوفاً على سبب النزول، فإننا ندرك بذلك المنزلة العالية، والمكانة السامية التي تحظى بها أسباب النزول.
ولا شك أن لأسباب النزول أثراً في التفسير وبيان المراد، ومن ذلك:
١ - أن أسباب النزول في غالبها حكايات وقصص، منها ما هو مختصر ومنها ما هو طويل مبسوط، وهذه القصص تصور العصر الإسلامي الأول، وتصور واقع الذين كانت تتنزل عليهم الآيات القرآنية لتعليمهم، وتوجيههم، وتربيتهم، وتصور بيئتهم العامة، ومفاهيمهم التي كانت سائدة بينهم، من الأمور التي تقدم نفعاً جليلاً في فهم المعنى، إذ هي تبصرة بالمناخ الذي نزل فيه النص، وكثيرًا ما يقع المفسِّر في الخطأ؛ لأنه فهم النص وهو يضع في اعتباره واقع المجتمع الذي يعيش فيه، لا واقع البيئة والمجتمع الذي نزل النص لمعالجته بالتعليم والتوجيه والتربية.
وإذا أردت أن تتحقق من هذا فانظر في قصة الإفك مثلاً فإنها تصوِّر لك البيئة العامة، والخاصة، وتكشف لك الأنماط السائدة ذلك الوقت.
٢ - أن أسباب النزول تكشف لنا عن الظرفين الزماني والمكاني اللذين أنزلت فيهما الآيات، فهو يقدم للمفسر نفعًا جليلاً، ويهديه إلى مفهوم أدق وأقرب إلى المراد، وذلك أن من الآيات ما يلائم ظرفًا من الظروف في حين أنه قد لا يلائم ظرفًا آخر، إذ ما يلائم في مواسم الأعياد قد لا يلائم في أوقات التحريض على الجهاد، وما يلائم حال المناسك قد لا يلائم في مواضع البيع والشراء.
٣ - أن أسباب النزول تبين الحال النفسية والفكرية والاجتماعية التي كان
ويدخل في ذلك تصور حالات السلم والحرب، والأمن والخوف، وسعة الرزق والجوع، والنصر والهزيمة، والإيمان والكفر والنفاق ونحو ذلك من الأحوال النفسية التي يستدعي كلٌ منها ما يلائمه من التعليم والتوجيه والتربية.
ويدخل في ذلك تصور الحالات الاجتماعية كالبداوة والتحضر، والرفعة والضعة والقوة والضعف، والقيادة والانقياد وغيرها من الأحوال التي تتطلب ما يلائمها من البيان.
وكل هذا إنما ينكشف ويتبين بمعرفة أسباب النزول.
ومما يبرز أهمية أسباب النزول ومكانتها احتواؤها على حِكم التشريع البالغة وأسرارها الباهرة التي هي من أكبر الشواهد على كمال علم الرب تعالى، وحكمته، ورحمته وبره بعباده، ولطفه بهم، وما اشتملت عليه من بيان مصالح الدارين والإرشاد إليها، وبيان مفاسد الدارين والنهي عنها، وأنه سبحانه لم يرحمهم في الدنيا برحمة. ولم يحسن إليهم إحساناً أعظم من إحسانه إليهم بهذا الدين القيم وهذه الشريعة الكاملة، ولهذا لم يذكر في القرآن لفظة المن عليهم إلا في سياق ذكرها كقوله تعالى: (لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (١٦٤)، وقوله تعالى: (يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٧).
وليس يخفى على كل منصف أن العلم بالحكمة الداعية إلى التشريع، يزيد الإيمان واليقين في قلوب المكلفين، وتطمئن به نفوسهم، وتقر به عيونهم،
وقوله تعالى: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ).
وقوله تعالى: (فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا (٣).
وقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (٩١).
فأسباب النزول تكشف حِكَم الشريعة وأسرارها وفي هذا من الخير ما لا يخفى.
ومن الآثار الحسنة لأسباب النزول، والتي تظهر فيها مكانتها وتسمو بها منزلتها إزالتها للإشكالات التي قد تنشأ عند بعض الناس من فهم غير سديد لآيات القرآن فيفهم منها ما لا يُفهم، ويظن فيها ما لا يُظن، وما ذاك إلا لخفاء أسباب نزول الآيات على أولئك، وعدم علمهم بها، ولو علموا هذه الأسباب وفيما كانت، لتحولت أفهامهم، واستقامت على الصواب نظرتهم وإذا كانت المعاني القرآنية قد تشكل على بعض الصحابة كما وقع لقدامة بن مظعون - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - حين ظن أن شرب الخمر جائز واستدل على ذلك بالكتاب، حتى بيّن له عمر وابن عبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - أن الآية التي استدل بها هي حجة عليه، وعذراً لمن مات من الصحابة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - وهم يشربون الخمر قبل تحريمها.
أو تشكل على بعض كبار التابعين كما جرى لعروة بن الزبير - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مع خالته عائشة - رضي الله عنها - حين ظن أن السعي بين الصفا والمروة ليس واجبا أخذاً من قوله تعالى: (فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا) فبينت له أم المؤمنين - رضي الله عنها - سبب نزولها، وأن اللفظ لا يدل على عدم الوجوب.
أو كما جرى لمروان - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - حين أشكل عليه قوله تعالى: (لَا تَحْسَبَنَّ
أقول إذا كانت هذه الإشكالات تقع من هؤلاء الأكابر مع رسوخهم في الدين والعلم، فكيف الظن بمن بعدهم من الذين لم يدركوا ما أدرك هؤلاء السابقون من الخير والدين، ولم تسعفهم علومهم في فهم شيء من أسباب النزول بتة، ولم تنطلق ألسنتهم بلغة القرآن والسنة.
أليس هؤلاء أحوج ما يكونون إلى فهم أسباب النزول أجمعَ والعنايةِ بها ليتمكنوا من فهم معاني القرآن، وفيم نزل، وفيم أُريد به؟
والجواب: بلى وفي ظني وتقديري القاصرَيْن أن حاجتهم ماسة للجميع وليس للآيات المشكلة فحسب؛ لأن السحب بينهم وبين فهم القرآن جِدُّ كثيفة.
وقد تحدث ابن عاشور عن أهمية أسباب النزول ومكانتها في مقدمة تفسيره حيث قال: إن من أسباب النزول ما ليس المفسر بغنى عن علمه؛ لأن فيها بيان مجمل أو إيضاح خفي وموجز، ومنها ما يكون وحده تفسيرًا، ومنها ما يدل المفسر على طلب الأدلة، التي بها تأويل الآية أو نحو ذلك، ففي صحيح البخاري أن مروان بن الحكم أرسل إلى ابن عبَّاسٍ يقول: لئن كان كل امرئ فرح بما أتى، وأحب أن يحمد بما لم يفعل معذباً لنعذبن أجمعون، يشير إلى قوله تعالى: (لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٨٨)، فأجاب ابن عبَّاسٍ قائلاً: إنما دعا النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، اليهود، فسألهم عن شيء فكتموه إياه، وأخبروه بغيره فأروه أنهم قد استحمدوا إليه بما أخبروه عنه فيما سألهم وفرحوا بما أتوا من كتمانهم ثم قرأ ابن عبَّاسٍ: (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ... ) الآية.
وفي الموطأ عن هشام بن عروة بن الزبير عن أبيه أنه قال: قلت لعائشة أم المؤمنين وأنا يومئذٍ حديث السن: أرأيت قول اللَّه تعالى: (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ
ثم ذكر أنه تصفح أسباب النزول التي صحت أسانيدها فوجدها أقسامًا:
منها: ما هو المقصود من الآية يتوقف فهم المراد منها على علمه فلا بد من البحث عنه للمفسر، وهذا منه تفسير مبهمات القرآن مثل قوله تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾، ونحو: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا﴾ ومثل بعض الآيات التي فيها ﴿مِنَ النَّاسِ﴾.
ومنها: ما يفيد البحث فيه زيادة تفهم في معنى الآية، وتمثيلاً لحكمها وهي مساوي لمدلولات الآيات النازلة عند حدوثها مثل قصة عويمر العجلاني الذي نزلت عليه آية اللعان، ومثل حديث كعب بن عجرة الذي نزلت عليه آية: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ... (١٩٦)﴾.
ومنها: قسم يبين مجملات، ويدفع متشابهات مثل قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (٤٤)﴾.
فإذا ظن أحد أن (من) للشرط أشكل عليه كيف يكون الجور في الحكم كفرًا، ثم إذا علم أن سبب النزول هم النصارى علم أن (من) موصولة، وعلم أن الذين تركوا الحكم بالإنجيل لا يتعجب منهم أن يكفروا بمحمد - ﷺ -.
ومنها: ما لا يبين مجملاً، ولا يؤول متشابهًا، ولكنه يبين وجه تناسب الآي بعضها مع بعض كما في قوله تعالى في سورة النساء: {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا
وبهذا تتبين لنا مكانة أسباب النزول وأهميتها في فهم الكتاب العزيز، وإزالة ما قد يعلق بالأذهان من إشكال في فهم معاني القرآن، كما تكشف عن حكم الشريعة وأسرارها الباهرة، والله أعلم.
* * *
فوائد معرفة أسباب النزول
لمعرفة أسباب النزول فوائد عديدة تناول ذكرها طائفة من العلماء المحققين أوجزها في الآتي:
الفائدة الأولى: أن معرفة سبب النزول يعين على فهم الآية.
قال الواحدي عن أسباب النزول: (إذ هي أوفى ما يجب الوقوف عليها، وأولى ما تصرف العناية إليها، لامتناع معرفة تفسير الآية، وقصد سبيلها دون الوقوف على قصتها وبيان نزولها). اهـ.
وقال ابن دقيق العيد: (بيان سبب النزول طريق قوي في فهم معاني القرآن (٢١). اهـ.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (ومعرفة سبب النزول يعين على فهم الآية، فإن العلم بالسبب يورث العلم بالمسبب، ولهذا كان أصح قولي الفقهاء أنه إذا لم يعرف ما نواه الحالف رُجع إلى سبب يمينه، وما هيجها وأثارها). اهـ.
وقال الشاطبي مقرراً هذا المعنى: (إن علم المعاني والبيان الذي يعرف به إعجاز نظم القرآن فضلاً عن معرفة مقاصد كلام العرب إنما مداره على معرفة مقتضيات الأحوال: حال الخطاب من جهة نفس الخطاب، أو المخاطِب، أو المخاطَب، أو الجميع، إذ الكلام الواحد يختلف فهمه بحسب
ومن آيات القرآن التي كان لسبب النزول أثر في فهم معناها ما يلي: -
١ - أخرج البخاري وأحمد ومسلم والنَّسَائِي عن البراء بن عازب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: إن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صلى إلى بيت المقدس ستة عشر شهرًا أو سبعة عشر شهرًا، وكان يعجبه أن تكون قبلته قِبَل البيت وأنه صلى أو صلاها، صلاة العصر، وصلى معه قوم فخرج رجل ممن كان صلى معه فمر على أهل المسجد، وهم راكعون، قال: أشهد بالله، لقد صليت مع النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قِبل مكة فداروا كما هم قِبل البيت، وكان الذي مات على القبلة قبل أن تحول قِبل البيت رجال قتلوا لم ندر ما نقول فيهم، فأنزل اللَّه: (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٤٣)، فسبب النزول بيّن أن المراد بالإيمان هنا الصلاة، وليس الإقرار والاعتراف المتضمن للقبول والإذعان، ولولا سبب النزول ما كنا لِنقف على المعنى الصحيح للآية.
٢ - أخرج البخاري ومسلم عن البراء - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: نزلت هذه الآية فينا، كانت الأنصار إذا حجوا فجاؤوا، لم يدخلوا من قِبل أبواب بيوتهم ولكن من ظهورها، فجاء رجل من الأنصار، فدخل من قِبَل بابه فكأنه عُيِّر بذلك فنزلت: (وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا). فسبب النزول بيَّن أن المراد بالإتيان هو الدخول
٣ - أخرج البخاري ومسلم وأبو داود والنَّسَائِي عن عروة بن الزبير أنه سأل عائشة - رضي الله عنها -: (وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ) قالت: هي اليتيمة في حجر وليها فيرغب في جمالها، ومالها، ويريد أن يتزوجها بأدنى من سنة نسائها فنهوا عن نكاحهن إلا أن يقسطوا لهن في إكمال الصداق، وأمروا بنكاح من سواهن من النساء. فسبب النزول هنا بيَّن الصلة في الآية بين الأمر بالقسط في اليتامى، وبين نكاح ما طاب من النساء، ولولا وجود السبب لم تتبين الصلة.
الفائدة الثانية: أن العلم بسبب النزول يرفع الإشكال، ويحسم النزاع قال الشاطبي: (إن الجهل بأسباب التنزيل موقع في الشُّبه والإشكالات، ومُورِد للنصوص الظاهرة مُورَد الإجمال حتى يقع الاختلاف، وذلك مظنة وقوع النزاع ويوضح هذا المعنى ما روى أبو عبيد عن إبراهيم التيمي. قال: خلا عمر ذات يوم، فجعل يحدث نفسه: كيف تختلف هذه الأمة، ونبيها واحد، وقبلتها واحدة، فقال ابن عبَّاسٍ: يا أمير المؤمنين إنا أُنزل علينا القرآن فقرأناه، وعلمنا فيم نزل، وإنه سيكون بعدنا أقوام يقرؤون القرآن، ولا يدرون فيم نزل، فيكون لهم فيه رأي، فماذا كان لهم فيه رأي اختلفوا، فإذا اختلفوا اقتتلوا. قال: فزجره عمر وانتهره، فانصرف ابن عبَّاسٍ، ونظر عمر فيما قال، فعرفه فأرسل إليه، فقال: أعد عليَّ ما قلت، فأعاده عليه، فعرف عمر قوله وأعجبه، وما قاله صحيح في الاعتبار، ويتبين بما هو أقرب.
فقد روى ابن وهب عن بكير أنه سأل نافعًا كيف كان رأي ابن عمر في الحرورية؟
قال: يراهم شرار خلق الله، إنهم انطلقوا إلى آيات أُنزلت في الكفار فجعلوها على المؤمنين. فهذا معنى الرأي الذي نبه ابن عبَّاسٍ عليه، وهو الناشئ عن الجهل بالمعنى الذي نزل فيه القرآن.
وقد قال ابن مسعود في خطبة خطبها: واللَّه لقد علم أصحابُ النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أني من أعلمهم بكتاب اللَّه، وقال في حديث آخر: والذي لا إله غيره ما أُنزلت سورة من كتاب اللَّه إلا أنا أعلم أين أُنزلت؟ ولا أُنزلت آية من كتاب الله إلا وأنا أعلم فيم أُنزلت؟ ولو أعلم أحداً أعلمَ بكتاب الله مني تبلغه الإبل لركبت إليه.
وهذا يشير إلى أن علم الأسباب من العلوم التي يكون العالم بها عالماً بالقرآن.
وعن الحسن أنه قال: ما أنزل اللَّه آية إلا وهو يحب أن يُعلم فيم أُنزلت وما أراد بها؟ وهو نص في الموضع مشير إلى التحريض على تعلم علم الأسباب). اهـ باختصار.
ومن آيات القرآن التي كان لسبب النزول أثر في دفع الإشكال عنها ما يلي:
١ - أخرج البخاري ومالك وأحمد ومسلم وأبو داود والترمذي والنَّسَائِي وابن ماجه عن عروة بن الزبير قال: قلت لعائشة - رضي الله عنها - أرأيت قول اللَّه - تبارك وتعالى -: (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا) فلا أُرى على أحد شيئاً أن لا يطوف بهما؟ فقالت عائشة: كلا، لو كانت كما تقول، كانت فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما، إنما أُنزلت هذه الآية في الأنصار كانوا يهلون لمناة، وكانت مناةُ حذو قُديد، وكانوا يتحرجون أن يطوفوا بين الصفا والمروة، فلما جاء الإسلام سألوا رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن ذلك فأنزل اللَّه تعالى: (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا).
٢ - أخرج مسلم وأحمد والبخاري والترمذي والنَّسَائِي أن مروان قال: اذهب يا رافع (لبوَّابه) إلى ابن عبَّاسٍ فقل: لئن كان كل امرئ منا فرح بما أتى، وأحب أن يحمد بما لم يفعل معذبًا لنعذبن أجمعون، فقال ابن عبَّاسٍ: ما لكم ولهذه الآية؟ إنما أُنزلت هذه الآية في أهل الكتاب سألهم النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن شيء فكتموه إياه، وأخبروه بغيره، فخرجوا قد أروه أن قد أخبروه بما سألهم عنه، واستحمدوا بذلك إليه، وفرحوا بما أتوا من كتمانهم إياه ما سألهم عنه.
فسبب النزول هنا بيَّن أن الأمر ليس كما ظنه مروان، بل الآية نزلت بسبب اليهود حين كتموا رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ما سألهم عنه، وأخبروه بغيره وفرحوا بكتمانهم إياه ما سألهم عنه، واللَّه أعلم.
٣ - أخرج البخاري وأحمد والدارمي ومسلم عن أنس بن مالك - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: كنت ساقي القوم في منزل أبي طلحة، وكان خمرهم يومئذٍ الفضيخ فأمر رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مناديًا ينادي، ألا إن الخمر قد حُرِّمت، قال: فقال لي أبو طلحة: اخرج فأهرقها، فخرجت فهرقتها، فجرت في سكك المدينة، فقال بعض القوم: قد قُتل قوم وهي في بطونهم فأنزل الله: (لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا).
فمعنى هذه الآية أشكل على قدامة بن مظعون - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - حيث فهم منها جواز شرب الخمر قال الشاطبي:
(وروي أن عمر استعمل قدامة بن مظعون على البحرين، فقدم الجارود على عمر، فقال: إن قدامة شرب فسكر. فقال عمر: من يشهد على ما تقول؟
فقدامة بن مظعون - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لما جهل سبب نزول الآية استدل بها على جواز شرب الخمر فوقع في الإشكال، والصحابة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - لعلمهم بسبب النزول أبطلوا استدلاله بالآية على شرب الخمر.
الفائدة الثالثة: أن معرفة سبب النزول تبين الحكمة الداعية إلى تشريع الحكم.
منها: وجه الحكمة الباعثة على تشريع الحكم). اهـ.
قال الزرقاني مبينًا فائدة العلم بحكمة التشريع: (وفي ذلك نفع للمؤمن وغير المؤمن. أما المؤمن فيزداد إيماناً على إيمانه، ويحرص كل الحرص على تنفيذ أحكام اللَّه، والعمل بكتابه لما يتجلى له من المصالح والمزايا التي نيطت بهذه الأحكام، ومن أجلها جاء هذا التنزيل، وأما الكافر فتسوقه تلك الحكم الباهرة إلى الإيمان إن كان منصفًا حين يعلم أن هذا التشريع الإسلامي قام على رعاية مصالح الإنسان، لا على الاستبداد، والتحكم، والطغيان؛ خصوصًا إذا لاحظ سيرَ ذلك التشريع وتدرجه في موضوع واحد. وحسبك شاهدًا على هذا تحريم الخمر وما نزل فيه). اهـ.
ومن الأمثلة التي يبين فيها السببُ الحكمة الداعية إلى تشريع الأحكام ما يلي:
فالآية خلت من ذكر الحكمة الداعية إلى التشريع، بينما السبب نص عليها، وهي كف المشركين عن سب القرآن، ومن أنزله، ومن جاء به.
٢ - أخرج مسلم وأحمد والدارمي والترمذي والنَّسَائِي عن عبد اللَّه بن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - أنه سُئل عن المتلاعنين أيفرق بينهما؟ قال: سبحان الله نعم إن أول من سأل عن ذلك فلان بن فلان. قال: يا رسول اللَّه أرأيت أن لو وجد أحدنا امرأته على فاحشة كيف يصنع؟ إن تكلم تكلم بأمر عظيم، وإن سكت سكت على مثل ذلك... الحديث.
فآيات اللعان خلت من ذكر الحكمة الداعية إلى التشريع، لكن السبب بيّنها، ذلك أن الزوج هنا بيْن أمرين أحلاهما مرّ، فإن تكلم فحد القذف أمامه، وإن سكت سكت على أمر عظيم كما قال. ولن يطيق هذا مؤمن فكانت مشروعيةُ اللعان مخرجاً من حد القذف، أو السكوت على الريبة، واللَّه أعلم.
٣ - أخرج مسلم وأحمد والبخاري عن جابر بن عبد اللَّه - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - قال: دخل أبو بكر يستأذن على رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فوجد الناس جلوساً ببابه، لم
فسبب النزول بيَّن الحكمة الباعثة على تخييرهن بهذه الآية، وهي سؤالهن النفقة من رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، أما الآية فلم تتناول الحكمة بالحديث عنها، والله أعلم.
الفائدة الرابعة: أن يخصص الحكم بالسبب الذي نزل من أجله.
قال الزركشي: (ومنها: تخصيص الحكم به - أي بالسبب - عند من يرى أن العبرة بخصوص السبب). اهـ.
وتخصيص الحكم بالسبب لا ينافي العموم، لكنّ القائلين به يقولون: أخذنا ذلك العموم من القياس، أي قياس الحوادث المشابهة على الحوادث الواقعة في العهد النبوي، ولم نأخذ العموم من طريق اللفظ العام؛ لأن هذا اللفظ العام مختص بسببه، وكل سبب نزول يصح أن يكون مثالاً لهذا عند من يرى أن العبرة بخصوص السبب.
الفائدة الخامسة: دفع توهم الحصر.
قال الزركشي: (قال الشافعي في معنى قوله تعالى: (قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا... ) الآية: إن الكفار لما حرموا ما أحل الله، وأحلوا ما حرم اللَّه، وكانوا على المضادة والمحادة، جاءت الآية مناقضة لغرضهم فكأنه قال: لا حلال إلا ما حرمتموه، ولا حرام إلا ما أحللتموه نازلاً
الفائدة السادسة: بيان أخصية السبب بالحكم.
قال الطوفي: (أي أن السبب أخص بالحكم من غيره من صوره لأن اللفظ ورد بياناً لحكم السبب فكان مقطوعًا به فيه فيمتنع تخصيصه بالاجتهاد). اهـ بتصرف.
الفائدة السابعة: معرفة التاريخ.
قال الطوفي: (معرفة تاريخ الحكم بمعرفة سببه، مثل أن يقال: قذف هلال بن أمية امرأته في سنة كذا فنزلت آية اللعان فيعرف تاريخها بذلك، وفي معرفة التاريخ فائدة معرفة الناسخ من المنسوخ). اهـ.
الفائدة الثامنة: قال الطوفي: (ومنها توسعة علم الشريعة بمعرفة الأحكام بأسبابها، فيكثر ثواب المصنفين، كالذين صنفوا أسباب نزول القرآن، والمجتهدين بسعة محل اجتهادهم). اهـ.
الفائدة التاسعة: التأسي والاقتداء بما وقع للسلف من حوادث في الصبر على المكاره واحتمال الأقدار المؤلمة.
قال الطوفي: (ومنها: التأسي بوقائع السلف وما جرى لهم، فيخف حكم المكاره على الناس، كمن زنت زوجته فلاعنها، فهو يتأسى بما جرى لهلال بن أُمية، وعويمر العجلاني في ذلك، ويقول: هؤلاء خير مني، وقد جرى لهم هذا فلي أُسوة بهم). اهـ.
الفائدة العاشرة: تعيين المبهم.
قال السيوطي: (ومنها معرفة اسم النازل فيه الآية وتعيين المبهم فيها). اهـ.
وسأذكر بعض الأمثلة الدالة على هذا فأقول:
١ - أخرج البخاري عن البراء بن عازب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: وقال السفهاء من الناس - وهم اليهود -:
| (مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا | )، فقد فسر السفهاء هنا بأنهم اليهود. |
قال: أنتم خير منه فنزلت: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا (٥١).
٣ - أخرج البخاري عن يوسف بن ماهك قال: كان مروان على الحجاز، استعمله معاوية، فخطب فجعل يذكر يزيد بن معاوية لكي يبايع له بعد أبيه فقال له عبد الرحمن بن أبي بكر شيئاً فقال: خذوه، فدخل بيت عائشة فلم يقدروا، فقال مروان: إن هذا الذي أنزل الله فيه: (وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا أَتَعِدَانِنِي) فقالت عائشة من وراء الحجاب: ما أنزل اللَّه فينا شيئاً من القرآن إلا أن اللَّه أنزل عذري).
الفائدة الحادية عشر: تيسير الفهم والحفظ.
قال الزرقاني: (تيسير الحفظ وتسهيل الفهم، وتثبيت الوحي في ذهن كل من يسمع الآية إذا عرف سببها، وذلك لأن ربط الأسباب بالمسببات،
هذه أبرز الفوائد الناشئة عن معرفة أسباب النزول، وأهمها الثلاثة الأول، واللَّه أعلم.
* * *
نشأة علم أسباب النزول
مدخل: نشأة علم ما أمرٌ يحتاج إلى رصدٍ وملاحظةٍ منذ اللَّبِنَات الأولى التي قام عليها بناء هذا العلم، وهكذا تبدا العلوم بجزئيات متفرقة لا تحمل اسماً يميزها، ومع تكاثرها، وظهور شيء من ملامحها العامة تنطوي تحت الاسم العام الذي يشملها، ويشمل غيرها بجامع من التجانس العلمي، ولكن هذا ليس آخر المطاف - بالنسبة إلى بعض العلوم - حيث يمضي في التشكل والنمو، وتتظافر الهمم في دراسته وتطويره حتى يستقل بنفسه ويتميز باسمه الخاص، وهكذا علم أسباب النزول بدأ بروايات متفرقة لا يضمها اسم، ولا يجمعها كتاب، فلم يزل ينمو ويتطور حتى انتهى به المآل إلى الحال التي هو عليها الآن مروراً بالمراحل التالية:
أولاً: عهد النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - والصحابة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -:
ارتبط هذا العلم في بداياته الأولى بالوحي الإلهي الذي كان ينزل به جبريل - عليه السلام - من رب العالمين - جل وعلا - على النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - على إثر حادثة تحدث، أو سؤالٍ يُسأل، أو مقالةٍ تقال، أو شكاية ترفع فينزل الوحي لبيان هذا الأمر الطارئ، فيحفظ ذلك من حضره من أصحاب النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ويكون ذلك من جملة العلم الذي تلقوه عن نبيهم - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لكنه يتميز بأنه أمر حادث يعقبه وحي إلهي ينزل، ويحفظ في الصدور، حيث لم تكن الكتابة آنذاك أسلوباً مستعملاً لعامة الناس.
فالصحابة عرب خُلص أُميون لا يقرؤون ولا يكتبون، فكل اعتمادهم على ملكاتهم في الحفظ، وقوة شأنهم فيه، واعتبر ذلك بحالهم في الجاهلية فقد حفظوا أنسابهم، ومناقبهم، وأشعارهم، وخطبهم.
ثانياً: عهد التابعين قبل تدوين السنة:
انتهى العهد النبوي الشريف بموت المصطفى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وحمل الراية بعده أصحابه الكرام، حيث نذروا أنفسهم لتبليغ الدين بكل ما يستطيعون من قول أو عمل أو جهاد أو بذل، فكان التابعون يقصدون أصحاب النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لأخذ العلم عنهم بالسؤال تارةً، وبصحبتهم وسماع ما يروون تارةً، وكان هذا العلم من جملة ما حفظه التابعون عن أصحاب النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - واشتهر لبعض الصحابة رواة وتلاميذ يأخذون عنهم، ويروون علمهم فهذا عبد اللَّه بن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وتلاميذه زر بن حبيش وأبو وائل شقيق بن سلمة، وعلقمة، والأسود، وغيرهم، وهذا عبد اللَّه بن عبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - وتلاميذه سعيد بن جبير، وعطاء ابن أبي رباح، وطاووس بن كيسان اليماني وغيرهم، وهذه أم المؤمنين عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وتلاميذها كمسروق، وعروة بن الزبير، وأبي سلمة بن عبد الرحمن وغيرهم، وقد نُقل هذا العلم في هذه المرحلة بطريق التلقي والحفظ في الصدور أيضاً.
ثالثاً: عهد تدوين السنة:
التدوين على نحو محدود كان موجودًا حتى على عهد النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ولهذا كتب رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كتابه الشهير لعمرو بن حزم، وأذن للصحابة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - أن يكتبوا لأبي شاه، وكذلك على عهد الصحابة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - كما كتب أبو بكر لأنس بن مالك - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كتابًا في شأن زكاة بهيمة الأنعام، واستمرت الحال كذلك على نحو فردي، حتى جاء الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز - رحمه الله - ورأى الحاجة داعيةً إلى تدوين الأحاديث وكتابتها، فكتب بذلك على رأس المائة الأولى إلى عامله وقاضيه على المدينة أبي بكر بن حزم: (انظر ما كان من حديث رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فاكتبه فإني خفت دروس العلم، وذهاب العلماء) وأوصاه أن يكتب له ما عند عمرة بنت عبد الرحمن الأنصارية، والقاسم بن
وكان معظم هذه المصنفات والمجاميع يضم الحديث الشريف وفتاوى الصحابة والتابعين كما يتجلى لنا هذا في موطأ الامام مالك بن أنس.
رابعا: عهد تصنيف العلوم:
بعد المرحلة السابقة رأى بعضهم أن تفرد أحاديث النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في مؤلفات خاصة، فأُلفت المسانيد، وهي كتب تضم أحاديث رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بأسانيدها خالية من فتاوى الصحابة والتابعين تجمع فيها أحاديث كل صحابي، ولو كانت في مواضيع مختلفة تحت اسم مسند فلان ومسند فلان وهكذا، وأول من ألف المسانيد أبو داود سليمان بن داود الطيالسي (٢٠٤ هـ)، كما يعتبر مسند الإمام أحمد بن حنبل - وهو من أتباع أتباع التابعين أوفى تلك المسانيد وأوسعها -.
جمع هؤلاء الأئمة الحديث ودونوه بأسانيده، وذكروا طرقاً كثيرة لكل حديث يتمكن بها جهابذة هذا العلم، وصيارفته من معرفة الصحيح من الضعيف والقوي من المعلول.
ثم رأى بعض الأئمة أن يصنفوا في الحديث الصحيح فقط، وكان أول من صنف ذلك الإمام البخاري (٢٥٦ هـ) ثم الإمام مسلم (٢٦١ هـ).
ثم ظهرت الكتب الأربعة مرتبةً على الأبواب كسنن أبي داود السجستاني
وكانت أسباب النزول القرآني مبثوثة في بطون هذه المؤلفات الضخمة حتى جاءت المرحلة اللاحقة وهي:
خامساً: مرحلة إفراد أسباب النزول بالتأليف:
وسأذكر المؤلفات التي أفردت أسباب النزول بشكل مستقل حسب الوفاة وهي على النحو التالي:
١ - (تفصيل لأسباب التنزيل) عن ميمون بن مهران ت (١١٧ هـ) مخطوط.
٢ - (أسباب النزول) لعلي بن المديني ت (٢٣٤ هـ).
٣ - (القصص والأسباب التي نزل من أجلها القرآن) للمحدث القاضي عبد الرحمن بن محمد بن عيسى بن فطيس ت (٤٠٢ هـ) في نحو مائة جزء ونيف.
٤ - (أسباب النزول) لأبي الحسن علي بن أحمد الواحدي ت (٤٦٨ هـ).
٥ - (أسباب النزول والقصص الفرقانية) لأبي المظفر محمد بن أسعد العراقي الحنفي الحكيمي ت (٥٦٧ هـ) وهو كتاب يخلو من الأسانيد تماماً.
٦ - (الأسباب والنزول على مذهب آل الرسول) لأبي جعفر محمد بن علي بن شهر آشوب الطبري الشيعي ت (٥٨٨ هـ).
٧ - (أسباب النزول) لأبي الفرج ابن الجوزي ت (٥٩٧ هـ).
٨ - (أسباب نزول الآي) للأرتقي ت (٦١٩ هـ). وهو مختصر كتاب الواحدي.
٩ - (عجائب النقول في أسباب النزول) لأبي إسحاق إبراهيم بن عمر
١٠ - (سبب النزول في تبليغ الرسول) لابن الفصيح: فخر الدين أحمد بن علي بن أحمد الكوفي ت (٧٥٥ هـ).
١١ - (رسالة في أسباب النزول) لعلي بن شهاب الدين حسن بن محمد الهمذاني ت (٧٨٦ هـ).
١٢ - (العجاب في بيان الأسباب) للحافظ ابن حجر العسقلاني ت (٨٥٢ هـ).
١٣ - (مدد الرحمن في أسباب نزول القرآن) للقاضي زين الدين عبد الرحمن بن علي بن إسحاق التميمي الداري الخليلي المقدسي الشافعي ت (٨٧٦ هـ).
١٤ - الباب النقول في أسباب النزول) للحافظ جلال الدين السيوطي ت (٩١١ هـ).
١٥ - (إرشاد الرحمن لأسباب النزول والنسخ المتشابه وتجويد القرآن) لعطية اللَّه بن عطية البرهاني الشافعي الأجهوري ت (١١٩٠ هـ).
١٦ - (أسباب التنزيل) لأحمد بن علي بن أحمد بن محمود الحنفي (مجهول الوفاة).
١٧ - (أسباب النزول) لعبد الجليل النقشبندي.
أما الكتب الحديثة التي تناولت أسباب النزول فمنها:
أ - (أسباب النزول عن الصحابة والمفسرين) تأليف عبد الفتاح القاضي.
ب - (الصحيح المسند من أسباب النزول) للشيخ مقبل الوادعي.
جـ - (أسباب النزول القرآني) للدكتور غازي عناية.
د - (أسباب نزول القرآن) للدكتور حماد عبد الخالق حلوة.
و (تسهيل الوصول إلى معرفة أسباب النزول) الجامع بين روايات الطبري والنيسابوري وابن الجوزي، والقرطبي وابن كثير والسيوطي، تصنيف الشيخ خالد عبد الرحمن العك.
ز - (أسباب النزول وأثرها في التفسير) رسالة جامعية لم تطبع بعد للدكتور عصام الحميدان.
ح - (أسباب النزول) للدكتور الشيخ جمعة سهل. رسالة جامعية لم تطبع بعد.
أما المؤلفات التي تناولت أسباب النزول ضمن موضوعات عديدة فمنها:
أ - (البرهان في علوم القرآن) للإمام بدر الدين محمد بن عبد اللَّه الزركشي ت (٧٩٤ هـ).
ب - (الإتقان في علوم القرآن) تأليف جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي.
جـ (مناهل العرفان في علوم القرآن) للشيخ محمد بن عبد العظيم الزرقاني.
د - (المدخل لدراسة القرآن الكريم) للشيخ الدكتور محمد بن محمد أبو شهبة.
هـ - (مباحث في علوم القرآن) للدكتور مناع بن خليل القطان.
و (مباحث في علوم القرآن) للدكتور صبحي الصالح.
وبهذا نصل إلى آخر العتبات التاريخية التي انتهى إليها علم أسباب النزول في نشأته وتطوره، على أن كل مرحلتين متتاليتين بينهما قدر من التداخل والمخالطة.
* * *
مصادر أسباب النزول
وأعني بها المؤلفات التي روت أسباب النزول، سواءٌ أكانت مرويةً بأسانيدها كما في أكثر المؤلفات أم بغير أسانيد كما في بعضها الآخر، وتعتبر مرجعا رئيسًا في أسباب النزول.
وهذه المؤلفات يمكن تقسيمها إلى ثلاثة مصادر رئيسة:
الأول: كتب السنة.
الثاني: كتب التفسير.
الثالث: كتب أسباب النزول، وإليك التعريف بأبرزها:
* المصدر الأول: كتب السنة:
١ - الموطأ للإمام مالك.
المؤلف: إمام دار الهجرة، مالك بن أنس بن مالك بن أبي عامر الحِمْيري الأصبحي، أبو عبد اللَّه، ولد سنة ثلاث وتسعين، وطلب العلم وهو حدث فأخذ عن خلق كثير، وتأهل للفتيا، وجلس للإفادة، وله إحدى وعشرون سنة، وكانت وفاته - رحمه الله - سنة تسع وسبعين ومائة، وله من العمر ست وثمانون سنة.
هذا الكتاب ألفه مالك في الحديث على طريقة الأبواب، ولم يلتزم قصره على الأحاديث المرفوعة إلى رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بل أضاف إليه أقوال الصحابة، وفتاوى التابعين.
وحين البداءة بالموضوع يقدم حديث رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثم ما ورد من أقوال الصحابة، ثم ما ورد من فتاوى التابعين، وغالبًا يكونون من أهل المدينة، وأحيانًا يذكر ما عليه العمل أو الأمر المجمع عليه بالمدينة وقد يذكر بعض آرائه الفقهية، ومع هذا فصبغة الكتاب حديثية لا فقهية كما أنه - رحمه الله - لم يتقيد بالمسند المتصل، بل ذكر فيه حتى المرسل والمنقطع والبلاغات، وهي ما يقول فيها مالك: بلغني أو نحوه من غير أن يعين من روى عنه.
وقد روي أن عبد العزيز بن عبد اللَّه الماجشون سبق مالكًا فعمل كتابًا ذكر فيه ما اجتمع عليه أهل المدينة وأنه عمل ذلك كلامًا وآراء بغير حديث، فلما رآه مالك نظر فيه وقال: ما أحسن ما عمل، ولو كنت أنا الذي عملت لابتدأت بالآثار، ثم شددت ذلك بالكلام، ويظهر أن هذا هو الذي قوّى عزمه على إخراج كتابه كما أراد.
وقد اختلف في سبب تسميته (الموطأ) فقيل: إن مالكاً قال: عرضت كتابي هذا على سبعين فقيهًا من فقهاء المدينة، فكلهم واطأني عليه فسميته الموطأ.
وقيل: لأنه بصنيعه هذا قد وطأ العلم والحديث ويسرهما للناس.
وقد روي الموطأ بروايات مختلفة تختلف في ترتيب الأبواب، وفي عدد الأحاديث، وقد ذكر القاضي عياض أن الذي اشتهر من نسخ الموطأ نحو عشرين نسخة، وذكر بعضهم أنها ثلاثون.
والذي يظهر أن سبب الاختلاف يرجع إلى أن الإمام مالكًا كان دائم التهذيب والتنقيح لموطئه وحذف بعض الأحاديث، والذين سمعوا الموطأ سمعوه في أزمان مختلفة، فكان من ذلك الاختلاف في النسخ.
وقد اختلف في عدد أحاديث الموطأ نتيجة لاختلاف النسخ.
أما درجة أحاديثه فمن أهل العلم من قدمه على الصحيحين كأبي بكر بن
وقد اختصر الموطأ: الإمام الخطابي حمْد بن محمد البستي المتوفى سنة ٣٨٨ هـ. وأبو الوليد سليمان بن خلف الباجي المتوفى سنة ٤٧٤ هـ، وابن رشيق القيرواني المتوفى سنة ٤٥٦ هـ.
أما شروحه فكثيرة أجلها وأوسعها "التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد" لأبي عمر يوسف بن عبد البر النمري المتوفى سنة ٤٦٣ هـ.
وقد شرحه أيضا أبو محمد عبد اللَّه بن محمد النحوي البطليوسي المتوفى سنة ٥٢١ هـ.
وكذا القاضي اابو بكر بن العربي المتوفى سنة ٥٤٦ هـ، وسماه (القبس).
وممن شرحه الجلال السيوطي المتوفى سنة ٩١١ هـ، وسمى شرحه (كشف المغطا في شرح الموطأ).
وكذا شرحه ولي اللَّه الدهلوي أحمد بن عبد الرحيم المتوفى سنة ١١٧٦ هـ، وسماه (المصفّى).
أما أسباب النزول في الموطأ فهي قليلة، والموجود منها متفرق في أجزاء الكتاب.
٢ - مسند الإمام أحمد بن حنبل.
المؤلف: أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال الذهلي الشيباني المروزي ثم البغدادي هو الإمام حقًا، وشيخ الإسلام صدقًا، ولد في ربيع الأول سنة أربع وستين ومائة، وطلب الحديث وهو ابن خمس عشرة سنة، عدة شيوخه الذين روى عنهم في المسند مائتان وثمانون ونيف، امتحن في فتنة القول بخلق القرآن، وعُذب على ذلك، فصبر ولم يجبهم، كانت وفاته - رحمه الله - في ربيع
الكتاب: المسند.
المسند في اصطلاح المحدثين هو الكتاب الذي جمعت فيه أحاديث كل صحابي على حدة من غير نظر إلى وحدة الموضوع، فحديث صلاة بجانب حديث زكاة وهكذا، فإذا فرغ من حديث الصحابي أخذ في حديث غيره حتى يتم الكتاب.
وقد اختلف أصحاب هذه الطريقة في ترتيب الصحابة، فمنهم من يرتبهم على حسب الفضل بأن يبدأ بالعشرة المبشرين بالجنة ثم بمن بعدهم كما فعل الإمام أحمد، ومنهم من يرتبهم على حروف المعجم كما فعل الطبراني في المعجم الكبير ومنهم من يرتبهم حسب القبائل.
وقد انتقى الإمام مسنده من ألوف الأحاديث التي كان يحفظها ويرويها وقد قال أبو موسى المديني: (هذا الكتاب أصل كبير، ومرجع وثيق لأصحاب الحديث، انتقى من حديث كثير ومسموعات وافرة فجعله إماماً، ومعتمداً، وعند التنازع ملجأً ومستنداً، ثم روى بسنده عن حنبل بن إسحاق قال: جمعنا عمي أنا وصالح وعبد الله، وقرأ علينا المسند، وما سمعه منه تاماً غيرنا، وقال لنا: إن هذا الكتاب قد جمعته وانتقيته من أكثر من سبعمائة وخمسين ألفاً فما اختلف المسلمون فيه من حديث رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فارجعوا إليه، فإن كان فيه وإلا فليس بحجة).
أما عدد أحاديثه فما بين ثلاثين وأربعين ألفاً، ومن هذه الألوف ما يزيد على ثلاثمائة حديث ثلاثية الإسناد أي بين الرسول فيها والإمام ثلاثة رواة.
وقد زاد على المسند عبد الله بن الإمام، وتلميذه أبو بكر القطيعي لكنهما لم يلتزما فيما زاداه ما التزمه الإمام من شدة التحري والتثبت، فمن ثمَّ وجد في المسند أحاديث ضعيفة.
وسبب وجود الموضوعات في المسند يعود إلى أمور:
الأول: أن الإمام أحمد كان ينوي تهذيب الكتاب وتنقيحه، لكن حلت به المنية قبل حصول الأُمنية.
الثاني: التساهل في رواية الفضائل فقد روي عنه قوله: (نحن إذا روينا في الحلال والحرام شددنا، وإذا روينا في الفضائل تساهلنا) ولا يعني هذا إخراج الموضوعات لكن النظر يختلف في تحديد الموضوع من الضعيف عند العلماء.
الثالث: ما زاده ابنه عبد اللَّه، وأبو بكر القطيعي وفي تلك الزيادات أحاديث كثيرة موضوعة.
وقد اختصره زين الدين عمر بن أحمد الشماع الحلبي وسمى مختصره: (در المنتقد من مسند الإمام أحمد) وكذا اختصره سراج الدين عمر بن علي المعروف بابن الملقن الشافعي، المتوفى سنة ٨٠٤ هـ.
أما ترتيبه: فقد قام به أبو بكر محمد بن المحب الصامت فرتبه على معجم الصحابة ورتب الرواة كذلك كترتيب كتب الأطراف، ثم أضاف ابن كثير لهذا الترتيب أحاديث الكتب الستة، ومعجم الطبراني الكبير، ومسند البزار، ومسند أبي يعلى الموصلي إلا مسند أبي هريرة فإنه مات قبل إكماله.
قال ابن الجزري: (وقد بلغني أن بعض فضلاء الحنابلة بدمشق رتبه على ترتيب صحيح البخاري وهو الشيخ أبو الحسن علي بن زكنون الحنبلي).
وقد قيض الله لترتيب المسند في القرن الهجري الأخير أحمد بن عبد الرحمن البنا الشهير بالساعاتي وقد قسمه سبعة أقسام وفق الترتيب التالي: -
١ - التوحيد وأصول الدين. ٢ - الفقه. ٣ - التفسير. ٤ - الترغيب.
أما شروحه: فقد شرحه شرحًا وجيزًا أبو الحسن بن عبد الهادي السندي المتوفى سنة ١١٣٨ هـ. كتعليقاته على كتب الحديث الستة.
وكذلك الشيخ أحمد بن عبد الرحمن البنا الساعاتي وهو شرح وجيز على كتابه الجليل (الفتح الرباني) سماه (بلوغ الأماني من أسرار الفتح الرباني).
أما أسباب النزول في المسند فهي كثيرة لكنها مفرقة في نواحيه لأنه مرتب على المسانيد.
٣ - المسند الجامع للدارمي.
المؤلف: هو عبد الله بن عبد الرحمن بن الفضل بن بهرام بن عبد اللَّه أبو محمد التميمي ثم الدارمي السمرقندي. طوّف أبو محمد الأقاليم، وصنف التصانيف، يضرب به المثل في الديانة، والحلم، والرزانة، والاجتهاد والعبادة، كانت وفاته سنة خمس وخمسين ومائتين يوم التروية بعد العصر، ودُفن يوم عرفة يوم الجمعة وهو ابن خمس وسبعين سنة - رحمه اللَّه تعالى -.
الكتاب: المسند الجامع.
اعتنى الدارمي في كتابه بإخراج حديث رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وآثار الصحابة والتابعين ومن بعدهم من الأئمة أهل العلم في الفقه والزهد ومسائل الفروع وبيان اختلافهم وأدلة مذاهبهم، ولم يقتصر على ما صح عن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
وبكل حال فإن غالب ما في الأصول أحاديث صحيحة أو حسنة، والأحاديث الضعيفة غالباً ما تكون في الفضائل والترغيب والترهيب، وربما يوردها في الشواهد والمتابعات.
كما أن المصنف إذا أورد الحديث علق عليه بفائدة فقهية، أو بيان مذهبه، أو قول الأئمة فيه، أو يعدل أو يجرح أحد رواته، أو يذكر اختلاف الحفاظ في إسناده باتصال أو انقطاع.
ومن الملاحظ أيضا أنه رتب كتابه على أبواب الفقه، لكن جعل له مقدمة ضمنها خمسة عشر باباً في فضائل النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ومعجزاته، ثم أتبع تلك المقدمة بأبواب العلم ذكر فيها ستة وخمسين بابًا... وهكذا.
وله في كتابه أربعة عشر حديثاً ثلاثيًا إلى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
أما أسباب النزول في هذا المسند فليست كثيرة كما أنها مفرقة في نواحي الكتاب.
٤ - صحيح البخاري.
المؤلف: محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بَرْدزَبة وهي لفظة بخارية معناها الزراع، ولد أبو عبد اللَّه في شوال سنة أربع وتسعين ومائة، روى عن ألف وثمانين شيخًا، وكانت وفاته - رحمه اللَّه تعالى - سنة ست وخمسين ومائتين.
الكتاب: الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وسننه وأيامه.
جمع الإمام الحافظ البخاري كتابه في الأحاديث الصحيحة عن
وقد مكث في تأليفه ست عشرة سنة، وانتقاه من ستمائة ألف حديث.
ولئن كان الكتاب حديثياً فإنه مع هذا لم يخل من الفوائد الفقهية، فاستخرج بفهمه من المتون معاني كثيرة فرقها في أبواب كتابه، ففقهه يتجلى في تراجمه، ولذلك قيل: (فقه البخاري في تراجمه). وقد قسم البخاري كتابه إلى كتب والكتب إلى أبواب، فعدة كتبه (٩٧) كتاباً وعدة أبوابه (٣٤٥٠) باباً.
ومما ينبغي أن يعلم أن النسخ كما اختلفت في تقديم بعض الكتب والأبواب على بعض اختلفت في اعتبار بعض الكتب أبواباً وبعض الأبواب كتباً كما يعلم ذلك من مراجعة متن البخاري المطبوع وكتب الشروح، كما أنه يقع في كثير من أبوابه أحاديث كثيرة، وفي بعضها حديث واحد، وفي بعضها آية، وبعضها لا شيء فيه ألبتة، وقد ادعى بعضهم أنه صنع ذلك عمداً، وغرضه أن يبين أنه لم يصح عنده حديث بشرطه في المعنى الذي ترجم عليه.
وقد جرى البخاري في صحيحه على تكراره لبعض الأحاديث، وتقطيعه لها، واختصارها في الأبواب المختلفة.
فأما تكراره فلمعانٍ وفوائد متعددة منها:
١ - أنه يخرج الحديث عن صحابي ثم يورده عن صحابي آخر ليخرج الحديث عن حد الغرابة.
٢ - تكثير الطرق بأن يورده في كل باب من طريق غير الطريق الأولى فيزداد الحديث صحة وقوة.
٣ - إزالة الشبهة عن ناقليها وذلك في الأحاديث التي يرويها بعض الرواة تامة وبعضهم مختصرة.
ومنها: أحاديث تعارض فيها الوصل والإرسال، ورجح عنده الوصل فاعتمده وأورد المرسل لينبه على عدم تأثيره.
ومنها: أحاديث تعارض فيها الوقف والرفع والحكم فيها كذلك.
١ - لأنه إن كان المتن قصيرًا أو مرتبطًا بعضه ببعض وقد اشتمل على حكمين فصاعدًا فإنه يعيده بحسب ذلك.
٢ - إن كان المتن مشتملاً على جمل متعددة لا تعلق لإحداها بالأخرى يخرج كل جملة في باب مستقل فرارًا من التطويل وربما نشط فساقه بتمامه.
وأما اقتصاره على بعض المتن ثم لا يذكر الباقي في موضع آخر فإنه لا يقع له ذلك في الغالب إلا حيث يكون المحذوف موقوفًا على الصحابي فيقتصر بالنقل على قول صاحب الشرع لأنه موضوع كتابه.
أما المعلقات في صحيحه فمنها ما هو مرفوع ومنها ما هو موقوف، ومنها ما هو بصيغة الجزم كقال وروى، ومنها ما هو بصيغة التمريض كقيل ورُوي.
أما ثلاثيات البخاري فعدتها اثنان وعشرون حديثًا.
أما عدد أحاديثه الموصولة بلا تكرير (٢٦٠٢) حديثًا، وبالمكرر (٧٣٩٧).
أما شروحه فكثيرة أبرزها:
١ - أعلام الحديث لأبي سليمان الخطابي المتوفى (٣٨٨ هـ).
٢ - الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري لشمس الدين الكرماني المتوفى (٧٨٦ هـ).
٣ - فتح الباري بشرح صحيح البخاري للحافظ ابن حجر العسقلاني المتوفى (٨٥٢ هـ) وهو أجمل الشروح مطلقًا.
٤ - عمدة القاري لبدر الدين العيني المتوفى سنة ٨٥٥ هـ.
٥ - إرشاد الساري إلى صحيح البخاري لشهاب الدين القسطلاني المتوفى (٩٢٢ هـ).
٥ - صحيح مسلم.
المؤلف: هو الإمام الكبير الحافظ المجود أبو الحسين مسلم بن الحجاج بن مسلم بن ورد بن كوشاذ القشيري النيسابوري ولد سنة أربع ومائتين، وقد روى عن شيوخ كثر، وكانت وفاته - رحمه الله - سنة إحدى وستين ومائتين بنيسابور عن بضع وخمسين سنة.
الكتاب: المسند الصحيح.
هو أحد الكتابين اللذين هما أصح الكتب بعد كتاب اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ -، وقد بالغ مسلم في البحث والتحري عن الرجال وتمحيص المرويات وليس أدل على هذا من انتقائه لكتابه من ألوف الروايات المسموعة، روي عنه أنه قال: (صنفت هذا الحديث من ثلاثمائة ألف حديث مسموعة)، وقد مكث مع بعض تلاميذه خمس عشرة سنة يكتبون ويحررون حتى أتم تأليفه.
ومن خصائص هذا الصحيح أن مؤلفه سلك فيه طريقة حسنة حيث يجمع المتون كلها بطرقها في موضع ولا يفرقها، إلا أن يأتي موضع لا يستغنى فيه عن ترداد حديث فيه زيادة، أو إسناد يقع إلى جنب إسناد لعلة تكون هناك فلا بد من إعادة الحديث.
ومن هذه الخصائص التدقيق في الألفاظ والمحافظة عليها ما وسعه الأمر، حتى إذا خالف راو غيره في لفظة والمعنى واحد بيّنه، وكذا إذا قال راو حدثنا، وقال آخر أخبرنا بيّن الخلاف في ذلك، وكذا إذا تغايرت الألفاظ يقول: (واللفظ لفلان) أما التحويل: فإنه سلك مسلك الإيجاز في كتابه بالجمع بين المتفق عليه من رجال الأسانيد وذكر غير المتفق عليه من الرجال وهو ما يعرف بالتحويل وقد أكثر مسلم من هذه الطريقة ورمز إلى ذلك بحرف (ح).
أما التعاليق: فلم يكثر في كتابه من التعليق فليس فيه منها إلا اثنا عشر موضعاً وهي في المتابعات لا في الأصول، ثم هي موصولة من جهات صحيحة في نفس الكتاب. ومن تحريه وورعه أيضاً أنه إذا ذُكر بعض الرواة باسمه من غير نسبته أو بكنيته فإنه يبين نسبته بما يدل على أنه منه.
ولصحيح مسلم مقدمة قيمة عرض فيها لتقسيم الأخبار، وما يخرجه في صحيحه منها وأحوال الرواة، والكشف عن معايبهم، وبيان حرمة الكذب على رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، والحث على التثبت في الرواية، وبيان أن الإسناد من الدين إلى غير ذلك.
أما تراجم الكتاب: فينبغي أن يعلم أن مسلماً لم يضع لكتابه تراجم للأبواب وإنما جمع الأحاديث المتعلقة بموضوع واحد في مكان واحد، وأحسن من ترجم لهذه الإمام النووي.
أما عدد أحاديثه فيقال إنها أربعة آلاف حديث أصول دون المكررات.
أما شروحه: فمنها (المعلم بفوائد كتاب مسلم) لأبي عبد اللَّه محمد بن علي المازري المتوفى سنة ٥٣٦ هـ.
ومنها: إكمال المعلم في شرح صحيح مسلم للقاضي عياض بن موسى اليحصبي المالكي المتوفى سنة ٥٤٤ هـ.
ومنها: المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاج لأبي زكريا النووي المتوفى سنة ٦٧٦ هـ.
ومنها: شرح أبي الفرج عيسى بن مسعود الزواوي المتوفى سنة ٧٤٤ هـ.
أما مختصراته: فمنها:
١ - مختصر الشيخ أبي عبد اللَّه شرف الدين محمد بن عبد الله المرسي المتوفى سنة ٦٥٦ هـ.
٢ - مختصر الشيخ الإمام أحمد بن عمر القرطبي، وله شرح على هذا المختصر سماه المفهم لما أشكل من تلخيص صحيح مسلم.
وأما أسباب النزول في هذا الكتاب، فليست مجموعة وإِنَّمَا مفرقة وفق اختلاف الكتب التي تنتمى إليها.
٦ - سنن أبي داود:
المؤلف: سليمان بن الأشعث بن شداد بن عمرو بن عامر الإمام شيخ السنة مقدم الحفاظ أبو داود الأزدي السجستاني محدث البصرة، ولد سنة اثنتين ومائتين، ورحل، وجمع، وصنف وبرع في هذا الشأن، كانت وفاته - رحمه الله - سنة خمس وسبعين ومائتين.
الكتاب: سنن أبي داود.
كانت المؤلفات في الحديث - الجوامع والمسانيد ونحوها - يذكر فيها إلى جانب الأحكام أحاديث الفضائل والقصص والمواعظ والآداب حتى جاء أبو داود فجعل كتابه خاصًا بالسنن والأحكام مع الاستيفاء والاستقصاء.
- ولم يلتزم فيه مؤلفه تخريج الصحيح فحسب بل حتى الحسن لذاته ولغيره والضعيف المحتمل، وما لم يجمع الأئمة على تركه، وأما ما فيه وهن شديد فقد بينه ونبه عليه.
وقد بيّن أبو داود طريقته في سننه وبيان درجة أحاديثها في رسالته التي كتبها إلى أهل مكة جوابًا لهم.
قال ابن القيم عن كتابه: (إنه جمع شمل أحاديث الأحكام، ورتبها أحسن ترتيب، ونظمها أحسن نظام، مع انتقائها أحسن انتقاء، وإطراحه منها أحاديث المجروحين والضعفاء).
أما شروحه: فمنها.
١ - معالم السنن لأبي سليمان الخطابي المتوفى سنة ٣٨٨ هـ.
٢ - شرح سراج الدين ابن الملقن المتوفى سنة ٨٠٤ هـ فقد شرح زوائده على الصحيحين في مجلدين.
٣ - شرح قطب الدين اليمني الشافعي المتوفى سنة ٦٥٢ هـ في أربعة مجلدات كبار. وغيرها.
أما أسباب النزول هنا فهي مفرقة وفق مناسبات الكتب والأبواب.
٧ - سنن الترمذي:
المؤلف: هو محمد بن عيسى بن سورة بن موسى بن الضحاك الحافظ العلم البارع ابن عيسى السلمي الترمذي ولد في حدود سنة عشر ومائتين، وارتحل فسمع بخراسان والعراق والحرمين، وقد أضر في كبره بعد رحلته وكتابته العلم، وكانت وفاته - رحمه الله - سنة تسع وسبعين ومائتين بترمذ.
الكتاب: جامع الترمذي.
كتاب الترمذي كبقية كتب السنن لم يلتزم فيه مؤلفه تخريج الصحيح وحده، لكنه يبين عن علته إذا كان معلولاً.
وقد التزم أن لا يخرج في كتابه إلا حديثاً عمل به فقيه أو احتج به محتج، وهذا شرط واسع، وكان من طريقته - رحمه الله - أن يترجم الباب الذي فيه حديث مشهور عن صحابي قد صح الطريق إليه، وأخرج من حديثه في الكتب
قال الذهبي عنه: (إنه يترخص في قبول الأحاديث ولا يشدد، ونَفَسُه في التضعيف رخْوٌ).
وكتاب الترمذي يتميز بأمور:
الأول: من جهة حسن الترتيب وعدم التكرار.
الثاني: من جهة ذكر مذاهب الفقهاء ووجوه الاستدلال لكل أحد من أهل المذاهب.
الثالث: من جهة بيان أنواع الحديث من الصحيح والحسن والضعيف والغريب والمعلل.
الرابع: من جهة بيان أسماء الرواة وألقابهم وكناهم ونحوها من الفوائد، وفي آخره كتاب العلل، وفيه من الفوائد الحسنة ما لا يخفى على الفطن.
وللترمذي ثلاثي واحد بينه وبين رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثلاثة رواة.
أما شروحه فمنها:
عارضة الأحوذي على الترمذي لأبي بكر بن العربي المتوفى سنة ٥٤٣ هـ.
ومنها شرح أبي الفتح محمد بن سيد الناس اليعمري الشافعي المتوفى سنة ٧٣٤ هـ.
بلغ فيه نحو ثلثي الجامع ولم يتم، ثم كمله الحافظ زبن الدين العراقى المتوفى سنة ٨٠٦ هـ.
ومنها: شرح الحافظ زين الدين عبد الرحمن بن رجب الحنبلي المتوفى سنة ٧٩٥ هـ وغيرها كثير.
فمنها مختصر الجامع لنجم الدين محمد بن عقيل الميالسي المتوفى سنة ٧٢٩ هـ.
ومنها: مختصر الجامع لنجم الدين سليمان بن عبد القوي الطوفي الحنبلي المتوفى سنة ٧١٠ هـ.
أما أسباب النزول هنا فهي مفرقة، وعدد لا بأس به منها موجود في أبواب تفسير القرآن.
٨ - سنن النَّسَائِي.
المؤلف: أحمد بن شعيب بن علي بن سنان بن بحر الخراساني النَّسَائِي أبو عبد الرحمن الإمام الحافظ الثبت، ناقد الحديث، ولد بنَسَا في سنة خمس عشرة ومائتين، وطلب العلم في صغره، وكان من بحور العلم مع الفهم والإتقان ونقد الرجال، وحسن التأليف، وكانت وفاته - رحمه الله - سنة ثلاث وثلاثمائة.
الكتاب: المجتبى من السنن.
ألف النَّسَائِي كتابه (المجتبى) مقتصرًا فيه على الصحيح، وذلك بعد أن أهدى كتابه (السنن الكبرى) إلى أمير الرملة، فسأله: هل كل ما فيها صحيح؟ فقال: فيها الصحيح والحسن وما يقاربها، فقال له: ميز لي الصحيح من غيره، فصنف كتابه السنن الصغرى وسماه المجتبى من السنن، وكتاب السنن مرتب على الأبواب الفقهية كبقية كتب السنن.
وكان النَّسَائِي متشددًا في نقد الرجال، مبالغًا في التحري، فمن ثم قال العلماء إن درجة السنن الصغرى بعد الصحيحين لأنها أقل السنن بعدهما ضعيفا، وليس بقليل من يفضل المجتبى على سنن أبي داود.
وأما ما ذكره بعض أهل العلم من أن كل ما في السنن صحيح فتساهل صريح وقول غير دقيق ولذا قال ابن كثير: (فيه رجال مجهولون إما عيناً وإما حالاً، وفيهم المجروح، وفيه أحاديث ضعيفة ومعللة ومنكرة).
وهذه السنن الصغرى هي التي عدت من الأصول المعتمدة عند أهل الحديث ونقاده، وأما سننه الكبرى فكان من طريقته فيها أن يخرج عن كل من لم يجمع على تركه.
أما شروحه:
فمنها زهر الربى على المجتبى لجلال الدين السيوطي المتوفى سنة ٩١١ هـ، وهو إلى التعليق أقرب منه إلى الشرح.
ومنها: تعليق أبي الحسن السندي المتوفى ١١٣٨ هـ.
أما أسباب النزول عند النَّسَائِي ففي سننه الكبرى جمعها في كتاب التفسير، وفي المجتبى فرقها من نواحيه، ولم يضع فيه كتابًا للتفسير.
٩ - سنن ابن ماجه:
المؤلف: محمد بن يزيد ابن ماجة، أبو عبد اللَّه القزويني، حافظ قزوين في عصره، ولد سنة تسع ومائتين، ارتحل إلى العراقين، ومكة والشام ومصر والري لِكَتْبِ الحديث، وكانت وفاته - رحمه الله - سنة ثلاث وسبعين ومائتين.
الكتاب: سنن ابن ماجه.
هذا الكتاب رابع كتب السنن المشهورة بالأربعة وقد رتبه مؤلفه على الكتب والأبواب، وقد ذكروا أن كتبه اثنان وثلاثون كتاباً، وجملة أبوابه ألف وخمسمائة باب، وجملة ما فيه أربعة آلاف حديث، وهي مرتبة ترتيباً فقهيًا، وقد بدأ كتابه بباب اتباع سنة رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
أما شروحه: فمنها الديباجة لكمال الدين الدميري المتوفى سنة ٨٠٨ هـ.
ومنها: ما تمس إليه الحاجة على سنن ابن ماجه لسراج الدين بن الملقن المتوفى سنة ٨٠٤ هـ.
أما أسباب النزول عند ابن ماجه فهي قليلة كما أنها مفرقة في نواحي الكتاب.
* المصدر الثاني: كتب التفسير:
لا ريب أن كتب التفسير عمومًا، والتي تعنى بالتفسير بالمأثور خصوصًا لها النصيب الأوفى في إيراد أسباب النزول عند تفسير الآيات، ولبعض هذه المؤلفات التصاق أكبر بأسباب النزول من غيرها، وسأتناول بالتعريف ما رأيت أنه أكثر احتواءً لها.
١ - جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري:
المؤلف: محمد بن جرير بن يزيد بن كثير الإمام العلم، المجتهد، أبو جعفر الطبري صاحب التصانيف البديعة من أهل آمُل طبرستان، ولد سنة أربع وعشرين ومائتين، وأكثر الترحال، ولقي نبلاء الرجال، وكان من أفراد الدهر علماً، وذكاءً، وكثرة تصانيف قل أن تر العيون مثله، وكانت وفاته - رحمه الله - سنة عشر وثلاثمائة ببغداد.
الكتاب: جامع البيان عن تأويل آي القرآن.
وقال عنه أيضاً: (وهو من أجل التفاسير وأعظمها قدرًا) اهـ.
وهذا التفسير وإن اشتُهر عنه أنه من كتب التفسير بالمأثور إلا أن مؤلفه لم يقتصر فيه على المأثور عن السلف بل كان له فيه صولة وجولة ورأي ونظر.
أما منهجه في تفسيره فإنه إذا أراد تفسير الآية يقول: القول في تأويل قوله تعالى كذا وكذا ثم يذكر أحد المعاني في تفسيرها ثم يستشهد على ذلك بما يرويه عن السلف في ذلك المعنى، فإن كان في الآية قولان فأكثر فإنه يعرض كل قول على حدة ثم يمضي في سرد الروايات عن السلف في ذلك المعنى مسندة فإن كان للآية سبب نزول بدا به قبل غيره، وفي ذلك يقول: (وأول ما نبدأ به من القول في ذلك الإبانة عن الأسباب التي البداية بها أولى، وتقديمها قبل ما عداها أحرى).
والطبري من المكثرين من أسباب النزول، فلا تكاد تمر آية وفيها سبب نزول إلا أورده مسندًا، وبأكثر من إسناد، معزوًا لمن قاله من الصحابة والتابعين ثم يتحول بعد ذلك إلى الترجيح والتعليل.
ومن منهج الطبري أنه يفسر القرآن بالقرآن، وبالسنة، وأقوال الصحابة والتابعين وباللغة.
وله عناية فائقة في القراءات فيوردها، ويرجح بينها، وليس بغريب أن يكون كذلك لأنه من علماء القراءات المشهورين.
كما أنه يورد أقوال الفقهاء في آيات الأحكام، وينفرد أحيانًا ببعض الآراء مؤيدًا قوله بالدليل.
فمن مزاياه:
١ - الالتزام بأحسن طرق التفسير من تفسير القرآن بالقرآن، وبالسنة وبأقوال الصحابة والتابعين، وتابعيهم.
٢ - جمع أقوال أعلام المفسرين من السلف والاحتفاظ بخلاصة تفاسير مأثورة سابقة، فقدت، وضاعت أصولها.
٣ - ذكر أسانيد الروايات المأثورة ولو تعددت طرقها، وهذا ضروري للحكم على هذه الأحاديث، ولو لم يذكر الأسانيد ما أمكن ذلك.
٤ - جمعه بين الأثر والنظر، والمنقول والمعقول.
٥ - ذكر أقوال المخالفين وأدلتهم، وهذا من الإنصاف والموضوعية.
٦ - ترجيح الراجح من الأقوال في تفسير الآية، وذكر أسباب الترجيح، وعدم ترك القارئ حيران في متاهات الاختلاف.
٧ - تقرير قواعد وأسس التفسير المنهجية، سواءً في بداية تفسيره أم في أثنائه.
أما المآخذ عليه فمنها:
١ - عدم نقد الروايات والطرق والأسانيد التي يوردها، وعدم الحكم عليها.
٢ - الخوض في (مبهمات القرآن) ومحاولة تفسيرها من الإسرائيليات التي لم تصح.
٣ - عدم إسناد القراءات إلى أصحابها من القراء المشهورين وعدم التمييز بين الصحيح والشاذ.
٤ - وجود الجمل الكثيرة المعترضة في الصياغة مما يكلف القارئ (في) إعادة الضمائر في الجمل، وربط الجمل بعضها ببعض.
المؤلف: عبد الرحمن بن محمد بن إدريس بن المنذر بن داود بن مهران الحنظلي الغطفاني من تميم بن حنظلة بن يربوع، وقيل عرف بالحنظلي لأن أباه كان يسكن في درب حنظلة بمدينة الري، العلامة الحافظ، يكنى أبا محمد، ولد سنة أربعين أو إحدى وأربعين ومائتين، كان بحرًا في العلوم، ومعرفة الرجال وكان زاهداً يعد من الأبدال، وكانت وفاته - رحمه الله - سنة سبع وعشرين وثلاثمائة بالري، وله بضع وثمانون سنة.
الكتاب: تفسير القرآن العظيم مسنداً عن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - والصحابة والتابعين.
وكان الحامل للمؤلف على تأليف الكتاب أن جماعة من إخوانه سألوه أن يخرج تفسيراً للقرآن مختصراً بأصح الأسانيد، مع حذف الطرق، والشواهد، والحروف، والروايات، وتنزيل السور، وأن يخرج التفسير مجردًا، مع تقصي كل حرف من القرآن له تفسير.
فأجابهم إلى طلبهم، وتحرى إخراج ذلك بأصح الأخبار إسنادًا، وأشبهها متنًا، فإذا وجد التفسير عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لم يذكر معه أحداً من الصحابة (ممن) أتى بمثل ذلك، وإذا وجده عن الصحابة، فإن كانوا متفقين ذكره عن أعلاهم درجة بأصح الأسانيد، وسمى موافقيهم بحذف الإسناد.
وإن كانوا مختلفين، ذكر اختلافهم، وذكر لكل واحد منهم إسناداً، وسمى موافقيهم بحذف الإسناد، فإن لم يجد عن الصحابة، ووجده عن التابعين، عمل فيه مثل ما عمل في الصحابة، وكذا الأمر في أتباع التابعين وأتباعهم.
وهذا الكتاب قد تميز بأمور:
١ - أنه جمع بين دفتيه تفسير الكتاب بالسنة وآثار الصحابة والتابعين بالإسناد.
٢ - أنه ذكر روايات كثيرة لا توجد عند غيره، وبأسانيده هو.
٤ - أنه مصدر أصيل معتمد لدى جمهور علماء التفسير في كل العصور بعده، ولهذا نجد معظم التفاسير تنقل عنه كثيرًا من الآثار والروايات التي سردها.
أما أسباب النزول فهي كثيرة في تفسيره، فإن ذكر آية لها سبب ذكره ضمن الروايات فيها.
٣ - تفسير الثعلبي:
المؤلف: هو العلامة، أبو إسحاق أحمد بن محمد بن إبراهيم النيسابوري، كان أحد أوعية العلم، كان صادقاً موثقًا، بصيرًا بالعربية، طويل الباع في الوعظ، وكانت وفاته - رحمه الله - سنة سبع وعشرين وأربعمائة.
الكتاب: الكشف والبيان عن تفسير القرآن.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية عن هذا التفسير: (فيه فوائد جليلة، وفيه غث كثير من المنقولات الباطلة وغيرها، والثعلبي فيه سلامة من البدع وإن ذكرها تقليدًا لغيره) اهـ.
وقد ذكر المؤلف الحامل له على التأليف وهو أنه لم يجد في كتب من سبقه كتاباً جامعًا مهذبًا يعتمد عليه، ثم ذكر ما كان من رغبة الناس إليه في إخراج كتاب في تفسير القرآن، فأجاب طلبهم رعاية لحقهم، وتقرباً إلى الله تعالى.
وقد بدأ تفسيره بمقدمة ألقى فيها الضوء عليه، وأبان عن منهجه وطريقته فيه، كما ذكر في أول كتابه أسانيده إلى من يروي عنهم التفسير من علماء السلف مكتفياً بذلك عن تكرارها في ثنايا الكتاب، كما ذكر أسانيده إلى
كما أن له عناية في اللغة وأصولها، وتصاريفها ويستشهد على قوله بشعر العرب، وكان يتوسع في الأحكام الفقهية، وخصوصًا مذهب الشافعي.
كما كان مولعاً بالأخبار والقصص ولهذا يتوسع في ذكر الإسرائيليات بدون تعقب أو تنبيه كما كان ينقل ما وجد في كتب التفسير حتى من الموضوعات، وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (والثعلبي هو في نفسه كان فيه خير ودين، وكان حاطب ليل ينقل ما وجد في كتب التفسير من صحيح وضعيف وموضوع) اهـ.
وكان يذكر القراءات في الآية ويعتني بتوجيهها، والاستدلال لها.
أما أسباب النزول فكان يعتني بسردها، دون عزو أو إسناد كما أنه لا يتعقبها بالتعليق.
٤ - تفسير البغوي:
المؤلف: الإمام العلامة أبو محمد الحسين بن مسعود بن محمد بن الفراء البغوي الشافعي المفسر، كان زاهداً قانعاً باليسير، وكان أبوه يعمل الفراء ويبيعها، كانت وفاته - رحمه الله - في مرو الروذ من مدائن خراسان سنة ست عشرة وخمسمائة، وعاش بضعًا وسبعين سنة.
الكتاب: معالم التنزيل:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (تفسير البغوي مختصر من تفسير الثعلبي، وحذف منه الأحاديث الموضوعة، والبدع التي فيه وحذف أشياء غير ذلك) اهـ.
أما الأحاديث الموضوعة فقد نفاها من كتابه، وكذلك البدع التي ملأ الثعلبي بها كتابه.
أما أحاديث بني إسرائيل فقد اجتنب أكثرها لكنه مع ذلك روى بعضها، وهي في تفسيره أقل من غيره.
كما أن عنايته باللغة والنحو عناية يسيرة سريعة، وإن عرضها كان عرضه إياها موجزًا ومختصرًا.
أما القراءات فله حظ فيها، فكان يفصل فيها، ويبسطها، ويذكر الفرق بين القراءتين.
وكان يذكر المسائل الفقهية، ويعتني بها، ولعل ذلك يعود لكونه من فقهاء الشافعية.
وكان يبين في أوائل السور المكي والمدني، ويعتمد في ذلك على المأثور، وأحيانًا يرجح ويختار، وأحيانًا يدع الأمر مرسلاً بلا تحديد.
أما أسباب النزول فله بها عناية لاعتماده على المأثور في التفسير، مع ما للأسباب من أثر بيِّن في بيان المعنى، وهي كثيرة في تفسيره.
وبالجملة فكتاب البغوي يغلب عليه النقل، ويقل فيه الترجيح والنقد.
٥ - تفسير ابن كثير:
المؤلف: الحافظ الكبير عماد الدين إسماعيل بن عمر بن كثير بن ضوء بن زرع البصري ثم الدمشقي، الفقيه، الشافعي، ولد بقرية من أعمال بُصرى سنة سبعمائة، وقيل إحدى وسبعمائة، ثم انتقل إلى دمشق سنة ست وسبعمائة، برع في الفقه والتفسير والنحو، وأمعن النظر في الرجال والعلل، وكان كثير الاستحضار، قليل النسيان، جيد الفهم، وكانت وفاته - رحمه الله - سنة أربع وسبعين وسبعمائة.
هذا الكتاب من أنفع كتب التفسير، وأكثرها شيوعًا، وهو يعد من كتب التفسير بالمأثور.
وقد كان مؤلفه يعتمد في تفسيره طريقة ابن جرير الطبري حيث يفسر القرآن بالقرآن، وبالسنة، وأقوال الصحابة والتابعين.
وكان له عناية بدراسة المسائل الفقهية لكن على نحو معتدل بعيدًا عن المبالغة والتقصير.
كما كان له عناية بالأحداث التاريخية التي تناولها القرآن بالحديث عنها، وهذا ليس بغريب إذا علمنا أن مؤلفه البداية والنهاية يعد من المراجع التاريخية، أما الإسرائيليات فقد كان يكثر منها في تفسيره، وكثيرًا ما كان يتعقبها وينهج في ذلك ما أذن الشارع في نقله منها مما لا يخالف كتابًا ولا سنة.
أما أسباب النزول فهي كثيرة في تفسيره، وأحيانًا يحرر القول في متونها وأسانيدها وأحيانًا أخرى يرويها ولا يتعقبها بشيء.
وكان اهتمامه باللغة في تفسير القرآن ودلالاتها، محدودًا.
ومن مميزات هذا التفسير ما يلي:
١ - اختار أن يفسر القرآن بالمأثور وهذه الطريقة من أحسن الطرق في التفسير.
٢ - سلامة المعتقد في باب الأسماء والصفات، فقد خلا تفسيره من البدع.
٣ - عنايته بنقد الأسانيد، وهذا قليل وجوده في كتب التفسير.
٤ - عدم استطراده في المباحث التي لا تمس التفسير.
أما أبرز المآخذ فمنها:
١ - أنه حفل بالكثير من الإسرائيليات.
٢ - أنه يحشد أعدادًا كبيرة من الأحاديث بأسانيدها في المعنى الواحد وهذا يبلبل القارئ.
المؤلف: الحافظ جلال الدين أبو الفضل عبد الرحمن بن أبي بكر بن محمد بن سابق السيوطي الشافعي، صاحب التصانيف، ولد سنة تسع وأربعين وثمانمائة.
سمع الحديث من جماعة، وأجازه أكابر علماء عصره، وبرز في جميع الفنون وفاق الأقران، واشتهر ذكره، وبعُدَ صيته، وكانت وفاته سنة إحدى عشرة وتسعمائة.
الكتاب: الدر المنثور في التفسير بالمأثور.
هذا الكتاب اختصره المؤلف من كتاب آخر أوسع منه وهو (ترجمان القرآن) ساق فيه التفسير بالأسانيد، فلما رأى الهمم عن تحصيله قاصرة والرغبة في الاقتصار على متون الأحاديث وافرة لخصه في كتابه الدر المنثور، وهذا الكتاب يحوي بين دفتيه الروايات المأثورة من كتب الحديث الصحاح، والسنن، والمسانيد، والمصنفات، وكتب التفسير.
ولم يقتصر كتابه على الصحيح من الروايات بل أورد فيه الضعيف والموضوع والإسرائيليات.
وأما أسباب النزول في كتابه فهي كثيرة ضرورة كثرة المرويات، لكنها بحاجة إلى دراسة نقدية في أسانيدها ومتونها واللَّه أعلم.
* ثالثاً: المصادر المستقلة:
وأعني بها المصادر التي أفردت أسباب النزول بالتناول، وهي كثيرة إلا أني سأقتصر في التعريف على كتابين يعدان من أشهرها، وأكثرها تداولاً بين أهل التخصص وهما:
١ - أسباب النزول للواحدي:
تصدر للتدريس مدة، وعظم شأنه، وكانت وفاته - رحمه الله - سنة ثمان وستين وأربعمائة.
الكتاب: أسباب النزول:
قدم الواحدي كتابه بمقدمة بيَّن فيها أهمية علوم القرآن، والآثار الدالة على جواز تفسيره، وكيف نزل ابتداءً، وأول وآخر ما نزل ثم تكلم عن كل آية لها سبب منقول، ومن منهجه:
أنه رتب الآيات على ترتيب المصحف إلا في مواضع نادرة، كما أنه يذكر اسم السورة، وبعد ذكر الآية يتبعها بذكر السبب أو الأسباب، وأحيانًا يذكر السبب بدون ذكر الآية قبله، وأحيانًا يذكر الخلاف في سبب نزول الآية، وقد يعدد الروايات للسبب الواحد، كما أنه أحيانًا يذكر الحديث المتصل والمرسل بالسند، وأحيانًا بغير سند، لكن إسناده للمتصل أكثر من إسناده للمرسل.
أما إسناده القول للمفسرين فتارة يقول قال المفسرون، أو قال أكثر المفسرين أو قال أهل التفسير، أو عند أكثر المفسرين نزلت في كذا، ونحو هذا، وأحيانًا لا يعين المفسرين، بل يقول قال آخرون، وقال قوم، يروى، روي، ومن الكثير عنده أنه لا ينسب السبب لقائله.
كما أنه في بعض المواضع يبين معاني الآيات، كما أنه قد يذكر بعض الفوائد في معاني الأحاديث، وقد يذكر الآية، ويبين معناها من غير ذكر سبب نزولها وقد يعقب على ذكر الحديث الذي رواه بسنده فيقول رواه البخاري أو مسلم أو الحاكم عن فلان.
٢ - لباب النقول في أسباب النزول:
المؤلف: تقدم التعريف به.
الكتاب:
هذا الكتاب يعد من الكتب الرئيسة في علم أسباب النزول، فقد حوى منها شيئاً كثيراً، واستفاد مؤلفه من كتاب الواحدي الذي سبقه في اقتناص محاسنه وزاد عليها من عنده ومن ذلك:
أ - أنه حفظ في كتابه نصوصًا من كتب مفقودة، فكتابه فيها مرجع أصيل.
ب - حكمه على بعض الأحاديث والآثار بالصحة أو الضعف أو غيرهما.
جـ - نقله لأقوال العلماء في الحكم على بعض الأحاديث والآثار.
د - ذكره لطريق الحديث والأثر مما يعين على الحكم على السبب خاصة إذا كان الكتاب مفقودًا.
هـ - ذكره عدة أسباب لنزول الآية، ومحاولة الجمع بينها.
وتعقيبه على بعض الأقوال العلمية.
ز - ترجيحه واختياره لبعض الأسباب دون بعضها.
حـ - تحديده لظروف نزول الآية هل هي مكية أو مدنية ليلية أو نهارية.
أما ما يلاحظ على كتابه فالآتي:
أ - أنه لم يستوعب جميع الآيات التي ورد فيها سبب نزول.
ب - أنه ذكر بعض الأحاديث والآثار الضعيفة مع أنه أشار في مقدمة كتابه إلى عدم ذكر ذلك.
جـ - في مواضع نادرة لا يرتب الآيات كترتيب المصحف.
بواعث الخطأ في أسباب النزول
من رحمة اللَّه بهذه الأمة حفظه لكتابها الذي لا يقوم دينها إلا به، وصيانته من التحريف والتبديل الذي نال كثيراً من الكتب السماوية السابقة فقال - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)، بل زاد على ذلك أن صانه من الاختلاف والتناقض فقال - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (٨٢)، فتمت بذلك كلمة ربك صدقاً وعدلاً أن الاختلاف واقع ولا بد إلا من المعصوم - صلوات الله وسلامه عليه - كما قال عنه ربه - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤)، وإن نظرةً في العلوم عامةً على اختلاف مشاربها، وتنوع مصادرها تجد فيها اختلافاً كثيرًا، فما كان بالأمس من النظريات ثابتًا قائماً لا يجوز تكذيبه، أصبح اليوم نائمًا لا يجوز تصديقه، وما كان في السابق من الظنيات أصبح في الحاضر من الحقائق المسلّمات.
وليست علوم الشريعة بجميع تخصصاتها بلا استثناء سِلْمَا من هذا فقد نالها حظها ونصيبها من الاختلاف، إلا أن ما يميز تلك العلوم عن غيرها ثبوت الأصلين شامخين معصومين من الخطأ والزلل، كتاب الله، وسنة رسوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مما يفتح الباب واسعًا لكل من ينشد التحقيق والتدقيق في تحرير المسائل وتصويبها إن استمسك بغرز هذين الأصلين.
وإن علوم التفسير عامة، وأسباب النزول على وجه الخصوص قد أصابها ما أصابها من ذلك، فتجد من يقول: سبب نزول الآية كذا، وآخر يقول: هذا لا يصح أن يكون سببًا لها، وآخر يذكر حدثًا ثم يقول: فأنزل الله، وآخر يذكر القصة نفسها ثم يقول: فتلا عليه، أو يقول: فذلك قوله تعالى.
اختلاف وتباين يجعل الحليم حيرانًا، يقرأ وينظر لكنه لم يستفد إلا بلبلة الفكر وتشتت الذهن.
وقد حاولت في هذا المبحث جمع الأسباب التي قادت إلى الوقوع في الخطأ وحصرها مع التمثيل لكل منها بعدد من الأمثلة ليتبين للناظر حقيقة الأمر بدليله.
وإني أعتقد جازماً أن هذا المبحث ثمرة حسنة من ثمار البحث لأمرين:
أولاً: أن العلم بسبب الخطأ سبب للوقاية منه، وقد قيل: من لا يعرف الشوك لا يتقيه.
ثانياً: الوقوف على القواعد المعتبرة، والضوابط المقررة في تحديد سبب النزول من غيره، وإن العلم بالخطأ يورث العلم بالصواب، وقد قيل: وبضدها تتميز الأشياء.
وقد تبين لي بعد التتبع والاستقراء أن البواعث الرئيسة على الخطأ تنحصر في خمسة يندرج تحتها صور متعددة، وأقسام متنوعة، سأذكر تحت كل قسم خمسة أمثلة، وأُحيل في الحاشية إلى المواضع الأخرى.
السبب الأول: أن تقع المخالفة بين سبب النزول وآيات القرآن باعتبار التاريخ وهو قسمان:
أ - أن تقع المخالفة بين ما نزل قبل الهجرة أو بعدها. وإليك الأمثلة:
١ - أخرج ابن ماجه عن خباب - رضي الله عنه- في قوله: (وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ) - إلى قوله -: (فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ) قال: جاء الأقرع بن حابس التميمي، وعيينة بن حصن الفزاري فوجدوا رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مع صهيب وبلال وعمار وخباب قاعدًا في ناس من الضعفاء من المؤمنين، فلما رأوهم حول - النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حقروهم، فأتوه، فخلوا به وقالوا: إنا نريد أن تجعل لنا منك مجلسًا تعرف لنا به العرب فضلنا، فإن وفود العرب تأتيك فنستحي أن ترانا العرب مع هذه الأعبد، فإذا نحن جئناك فأقمهم عنك، فإذا نحن فرغنا فاقعد معهم إن شئت. قال: (نعم) قالوا: فاكتب لنا عليك كتاباً، قال: فدعا
قال ابن عطية: (وهذا تأويل بعيد في نزول الآية لأن الآية مكية وهؤلاء الأشراف لم يفدوا إلا في المدينة، وقد يمكن أن يقع هذا القول منهم، لكنه إن كان وقع فبعد نزول الآية بمدة) اهـ.
وقال ابن كثير: (وهذا حديث غريب، فإن هذه الآية مكية، والأقرع بن حابس وعيينة إنما أسلما بعد الهجرة بدهر). اهـ.
٢ - أخرج البخاري ومسلم عن أنس بن مالك - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: قال أبو جهل: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم، فنزلت: (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (٣٣).
وقد أخرج البخاري عن سعيد بن جبير قال: قلت لابن عبَّاسٍ: سورة الأنفال. قال: نزلت في بدر وقال ابن عاشور: (وقد اتفق رجال الأثر كلهم على أنها نزلت في غزوة بدر. قال ابن إسحاق: أُنزلت في أمر بدر سورة الأنفال بأسرها). اهـ.
وجه المخالفة: أن سورة الأنفال بالاتفاق نزلت بعد الهجرة، وأن دعاء أبي جهل كان بمكة لقوله تعالى: (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ) وإنما كان فيهم قبل الهجرة.
٣ - أخرج الترمذي عن ابن أخي عبد اللَّه بن سلام قال: لما أُريد عثمان جاء عبد اللَّه بن سلام، فقال له عثمان: ما جاء بك؟ قال: جئت في نصرتك، قال: اخرج إلى الناس فاطردهم عني فإنك خارجٌ خير لي منك داخل، فخرج عبد اللَّه إلى الناس، فقال: أيها الناس، إنه كان اسمي في الجاهلية فلان، فسماني رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عبد اللَّه، ونزلت فيَّ آيات من كتاب اللَّه، نزلت فيَّ: (وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ.. ) ونزلت فيَّ: (قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ (٤٣).
وقال ابن كثير: (قيل: نزلت في عبد اللَّه بن سلام. قاله مجاهد، وهذا القول غريب لأن هذه الآية مكية، وعبد اللَّه بن سلام إنما أسلم في أول مقدم النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - المدينة).
وقال ابن عاشور: (وقيل: أُريد به عبد اللَّه بن سلام، الذي آمن بالنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في أول مقدمه المدينة، ويبعده أن السورة مكية).
والآية المقصودة هنا آية سورة الرعد.
٤ - أخرج الترمذي عن أبي سعيد الخدري - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: كانت بنو سلمة في ناحية المدينة فأرادوا النقلة إلى قرب المسجد فنزلت هذه الآية: (إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ) فقال رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: (إن آثاركم تكتب فلا تنتقلوا).
قال ابن عطية: (وهذه السورة مكية بإجماع إلا أن فرقة قالت: إن قوله: (وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ) نزلت في بني سلمة، وليس الأمر كذلك إنما نزلت الآية بمكة ولكنه احتج بها عليهم في المدينة). اهـ. باختصار.
وقال ابن كثير عن هذا الحديث: (وفيه غرابة من حيث ذكر نزول هذه الآية، والسورة بكمالها مكية فاللَّه أعلم). اهـ.
وقال ابن عاشور: (وتوهم راوي الحديث أن هذه الآية نزلت في ذلك وسياق الآية يخالفه، ومكيتها تنافيه). اهـ.
٥ - أخرج أحمد والترمذي عن ابن عبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - قال: مر يهودي برسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وهو جالس، قال: كيف تقول يا أبا القاسم يوم يجعل الله السماء على ذِه وأشار بالسبابة، والأرض على ذِه، والجبال على ذِه، وسائر الخلق على ذِه؟ كل ذلك يشير بأصابعه، قال: فأنزل اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ).
قال ابن عطية: (فرسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تمثل بالآية وقد كانت نزلت). اهـ.
ب - أن تقع المخالفة فيما نزل بعد الهجرة كان في أولها أم في آخرها وإليك الأمثلة:
١ - أخرج مسلم عن أبي هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: كان رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول حين يفرغ من صلاة الفجر من القراءة ويكبر، ويرفع رأسه (سمع اللَّه لمن حمده ربنا ولك الحمد) ثم يقول وهو قائم: (اللهم انج الوليد بن الوليد وسلمة بن هشام وعياش بن أبي ربيعة، والمستضعفين من المؤمنين، اللهم اشدد وطأتك على مضر، واجعلها عليهم كسني يوسف، اللهم العن لحيان ورعلاً وذكوان وعصية عصت الله ورسوله) ثم بلغنا أنه ترك ذلك لما أُنزل: (لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ (١٢٨).
وجه المخالفة: أن قصة رعل، ولحيان، وذكوان وعصية كانت لما قُتل القراء في بئر معونة وذلك في صفر من السنة الرابعة، والآية فى سياق غزوة أحد، فكيف يتقدم النزول على السبب؟
٢ - أخرج أبو داود والترمذي عن ابن عبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - قال: نزلت هذه الآية: (وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ) في قطيفة حمراء فقدت يوم بدر، فقال بعض الناس: لعل رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أخذها فأنزل اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ.. ) الآية.
أفاد ابن عاشور أن هذا الحديث لا يصح أن يكون سبباً لنزول الآية، إذ كيف تفقد القطيفة يوم بدر، ولا تنزل الآية لأجل هذا إلا يوم أحد مع أن بين الغزوتين سنة وشهرًا.
٣ - أخرج البخاري وأحمد عن عائشة - رضي الله عنها - زوج النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قالت:
قال ابن كثير عن هذا الحديث: (المشهور في قصة سودة أنها كانت بعد نزول الحجاب). اهـ. وإذا كان كذلك فكيف تكون القصة سبب نزول الآية ولم تقع إلا بعدها.
٤ - أخرج البخاري وأحمد عن المسور بن مخرمة ومروان في قصة الحديبية قالا: خرج رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - زمن الحديبية حتى كانوا ببعض الطريق فذكر الحديث... إلى أن قالا: وينفلت منهم أبو جندلِ بن سهيل فلحق بأبي بصير فجعل لا يخرج من قريش رجل قد أسلم إلا لحق بأبي بصير حتى اجتمعت منهم عصابة فوالله ما يسمعون بعيرٍ خرجت لقريش إلى الشأم إلا اعترضوا لها، فقتلوهم وأخذوا أموالهم، فأرسلت قريش إلى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تناشده باللَّه والرحم: لمَّا أَرسل: فمن أتاه فهو آمن، فأرسل النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إليهم، فأنزل اللَّه تعالى: (وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ... ).
قال ابن حجر: (ظاهره أنها نزلت في شأن أبي بصير، وفيه نظر، والمشهور في سبب نزولها ما أخرجه مسلم من حديث سلمة بن الأكوع، ومن حديث أنس بن مالك أيضاً وأخرجه أحمد والنَّسَائِي من حديث عبد اللَّه بن مغفل بسند صحيح أنها نزلت بسبب القوم من قريش الذين أرادوا أن يأخذوا من المسلمين غِرةً، فظفروا بهم، فعفا عنهم النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فنزلت الآية). اهـ. وهذا كان في الحديبية، وقصة أبي بصير بعد الحديبية.
٥ - أخرج البخاري وأحمد ومسلم عن أنس بن مالك - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: قيل للنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: لو أتيتَ عبد اللَّه بن أُبي، فانطلق إليه النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وركب
قال ابن عاشور: (ويناكد هذا - أي القول بأنها سبب النزول - أن تلك الوقعة كانت في أول أيام قدوم رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - المدينة، وهذه السورة نزلت سنة تسع من الهجرة). اهـ. مختصرًا.
ومن هنا نعلم أنه من رام السلامة من الخطأ في تحديد السبب فلا بد له من معرفة وقت النزول ووقت السبب.
السبب الثاني: أن تقع المخالفة بين سبب النزول وآيات القرآن باعتبار السياق وهو ثلاثة أقسام:
أ - أن يقع الاختلاف بينهما في الألفاظ وإليك الأمثلة:
١ - أخرج أحمد وأبو داود والترمذي والنَّسَائِي عن عمر بن الخطاب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: لما نزل تحريم الخمر، قال: اللهم بيّن لنا في الخمر بياناً شفاءً فنزلت هذه الآية التي في البقرة: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ) قال: فدعي عمر فقرئت عليه.
بيان مخالفة السبب للآية من وجهين:
الأول: أن الآية فيها السؤال عن الخمر والميسر جميعاً، بينما حديث عمر فيه الدعاء بالبيان عن الخمر فقط.
الثاني: أن الله قال في الآية: (يَسْأَلُونَكَ) وعمر لم يسأل النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كما يدل على هذا لفظ الحديث، وإنما فيه أنه دعا الله، وفرق بين دعاء اللَّه وسؤال رسوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
وجه المخالفة هنا: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نفى حقه في الدية فكيف يكون له قصاص مع أن شأن القصاص أعظم وأكبر ثم يقال: فأنزل الله: (وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ). اهـ.
٣ - أخرج مسلم وأحمد وأبو داود والترمذي والنَّسَائِي عن سعد بن أبي وقاص - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: نزلت فيَّ أربع آيات أصبت سيفاً فأتيت به النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقلت: يا رسول اللَّه نفلنيه: فقال: (ضعه) ثم قام، فقال له النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: (ضعه من حيث أخذته) ثم قام، فقال: نفلنيه يا رسول اللَّه فقال: (ضعه) فقام فقال: يا رسول اللَّه نفلنيه. أَأُجعل كمن لا غناء له؟ فقال له النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: (ضعه من حيث أخذته) قال: فنزلت هذه الآية: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ).
قال أبو العباس القرطبي عن حديث سعد: (يقتضي أن يكون ثمَّ سؤال عن حكم الأنفال، ولم يكن هنالك سؤال عن ذلك على ما يقتضيه هذا الحديث). اهـ. فالذي وقع في حديث سعد أنه سأل نفلاً وفرق بين من يسأل عن الشيء وبين من يسأل الشيء، فالأول مستفهم والثاني يريد العطاء.
٤ - أخرج البخاري وأحمد ومسلم وأبو داود والنَّسَائِي عن عبد اللَّه بن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: سألت أو سئل رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أَيُّ الذنب عند اللَّه أكبر؟ قال: (أن تجعل لله ندًا وهو خلقك) قلت: ثم أَيٌّ؟ قال: (ثم أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك) قلت: ثم أيّ؟ قال: (أن تزاني بحليلة جارك) قال: ونزلت هذه الآية تصديقًا لقول رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: (وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ) فالفرق بين الآية وحديث ابن مسعود أن الحديث حصر القتل في الولد خشية الطعام وحصر الزنا بحليلة الجار وهذا الحصر لا يوافق العموم في الآية. اهـ.
قال ابن كثير عن الآية: (أي بيِّن واضح يراه كل أحد، وعلى ما فسر به ابن مسعود إنما هو خيال رأوه في أعينهم من شدة الجوع والجهد، وهكذا قوله تعالى: (يَغْشَى النَّاسَ) أي يتغشاهم ويعميهم ولو كان أمراً خيالياً يخص أهل مكة المشركين لما قيل فيه (يَغْشَى النَّاسَ). اهـ.
وقال أبو العباس القرطبي: (لا شك في أن تسمية هذا دخانًا تجوز، وحقيقة الدخان ما ذكر في حديث أبي سعيد). اهـ.
ب - أن يقع الاختلاف بينهما في المقصود بالخطاب وإليك الأمثلة:
١ - أخرج الإمام أحمد والنَّسَائِي عن ابن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: أخَّر رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صلاة العشاء ثم خرج إلى المسجد فإذا الناس ينتظرون الصلاة. قال: (أما إنه ليس من أهل هذه الأديان أحد يذكر اللَّه هذه الساعة غيركم) قال: وأنزل هؤلاء الآيات: (لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ) - حتى بلغ - (وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ).
وجه المخالفة: أن القول بالنزول يقتضي نفي المساواة بين الذين آمنوا من هذه الأمة وبين أهل الكتاب.
بينما اتفق المفسرون على أن الآية تنفي المساواة بين مؤمني أهل الكتاب وكافريهم قال ابن العربي: (وقد اتفق المفسرون أنها نزلت فيمن أسلم من أهل الكتاب وعليه يدل ظاهر القرآن، ومفتتح الكلام نفي المساواة بين من أسلم منهم وبين من بقي منهم على الكفر). اهـ.
وقال ابن عاشور: (استئناف قصد به إنصاف طائفة من أهل الكتاب بعد
٢ - أخرج أبو داود والنَّسَائِي عن ابن عبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - قال: (إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ) - إلى قوله - (غَفُورٌ رَحِيمٌ) نزلت هذه الآية في المشركين فمن تاب منهم قبل أن يقدر عليه لم يمنعه ذلك أن يُقام فيه الحد الذي أصابه.
وجه المخالفة: أن الله قال في آيات الحرابة: (إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) والحديث يقتضي المؤاخذة إذا تاب المحارب قبل القدرة.
قال القرطبي: (وقد أجمعوا على أن أهل الشرك إذا وقعوا في أيدينا فأسلموا أن دماءهم تحرم). اهـ. فإذا كان الإجماع منعقداً على قبول توبة المشرك بعد القدرة فقبلها من باب أولى.
٣ - أخرج النَّسَائِي عن عبد اللَّه بن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - في قوله تعالى: (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا) قال: هو بلعم، وقال نزلت في أُمية.
وجه المخالفة: أن اللَّه قال عن المذكور: (آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا) فكيف لأمية بن أبي الصلت أن تأتيه الآيات.
٤ - أخرج البخاري عن محمد بن عباد بن جعفر أن ابن عبَّاسٍ قرأ: (ألا إنهم تثنوني صدورهم) قلت: يا أبا العباس ما تثنوني صدورهم؟ قال: كان الرجل يجامع امرأته فيستحي أو يتخلى فيستحي فنزلت: (ألا إنهم تثنوني صدورهم).
قال ابن عاشور بعد ذكر السبب: (وهذا التفسير لا يناسب موقع الآية ولا اتساق الضمائر. فلعل مراد ابن عبَّاسٍ أن الآية تنطبق على صنيع هؤلاء وليس فعلهم هو سبب نزولها). اهـ.
٥ - أخرج الدارمي عن يحيى بن جعدة قال: أُتي النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بكتف فيه كتاب، فقال: كفى بقوم ضلالاً أن يرغبوا عما جاء به نبيهم إلى ما جاء به نبي غير نبيهم أو كتاب غير كتابهم فأنزل الله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ).
وجه المخالفة بين الآية والحديث: أن اللَّه قال قبل هذه الآية: (وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) وقال بعدها: (قُلْ كَفَى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيدًا يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْبَاطِلِ وَكَفَرُوا بِاللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ) فالضمير في (يَكْفِهِمْ) يعود على الكافرين القائلين: (لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ).
والحديث يقتضي أن عدم الاكتفاء واقع من بعض المؤمنين.
جـ - أن يقع الاختلاف بينهما في أصل الموضوع وإليك الأمثلة:
١ - أخرج ابن ماجه عن ابن عبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - قال: كان الرجل يقوت أهله قوتاً فيه سعة، وكان الرجل يقوت أهله قوتاً فيه شدة فنزلت: (مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ).
وجه المخالفة: أن حديث الآية عن الكفارة حين يحنث الحالف في يمينه، بينما السبب يدور على القوت والإنفاق وفرق كبير بين هذين.
٢ - أخرج أحمد والترمذي والنَّسَائِي وابن ماجه عن ابن عبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - قال: كانت امرأة حسناء تصلي خلف رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: فكان بعض القوم يستقدم في الصف الأول لئلا يراها، ويستأخر بعضهم حتى يكون في الصف
قال الطبري: (وأولى الأقوال بالصحة قول من قال معنى ذلك: ولقد علمنا الأموات منكم يا بني آدم فتقدم موته ولقد علمنا المستأخرين الذين استأخر موتهم لدلالة ما قبله من الكلام وهو قوله: (وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ) وما بعده وهو قوله: (وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ). اهـ. بتصرف.
وقال ابن عاشور عن الحديث: (وهو خبر واهٍ لا يلاقي انتظام هذه الآيات ولا يكون إلا من التفاسير الضعيفة). اهـ. باختصار.
٣ - أخرج البخاري ومالك ومسلم والنَّسَائِي عن عائشة - رضي الله عنها -: (وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا) أنزلت في الدعاء.
وجه المخالفة هنا: أن اللَّه نهى عن المخافتة بالصلاة في الآية، ولو كان المراد بالصلاة الدعاء لما نهى عن المخافتة لأن هذا هو الأصل في الدعاء لقوله تعالى: (ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً).
٤ - أخرج الترمذي عن أبي سعيد الخدري - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: كانت بنو سلِمة في ناحية المدينة فأرادوا النُّقلة إلى قرب المسجد فنزلت هذه الآية: (إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ) فقال رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: (إدْ آثاركم تكتب فلا تنتقلوا).
وجه المخالفة: أن حديث الآية عن الموتى لقوله: (إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى) بينما الحديث في الأحياء، فكيف تنزل بسببه.
قال ابن عطية: (ووافقها - أي الآية - قول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في المعنى فمن هنا قال منْ قال: إنها نزلت في بني سلمة) والمراد بقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: (دياركم تكتب آثاركم).
٥ - أخرج الترمذي عن يوسف بن سعد قال: قام رجل إلى الحسن بن
قال ابن كثير: (ومما يدل على ضعف هذا الحديث أنه سيق لذم بني أمية، ولو أُريد ذلك لم يكن بهذا السياق، فإن تفضيل ليلة القدر على أيامهم، لا يدل على ذم أيامهم فإن ليلة القدر شريفة جدًا، والسورة الكريمة إنما جاءت لمدح ليلة القدر فكيف تمدح بتفضيلها على أيام بني أُمية التي هي مذمومة بمقتضى هذا الحديث.
والسورة مكية فكيف يحال على ألف شهر هي دولة بني أُمية ولا يدل عليها لفظ الآية ولا معناها، والمنبر إنما صنع بالمدينة بعد مدة من الهجرة فهذا كله مما يدل على ضعف الحديث ونكارته واللَّه أعلم). اهـ. بتصرف.
وقال ابن عاشور: (وهو مختل المعنى وسمات الوضع لائحة عليه وهو من وضع أهل النحل المخالفة للجماعة). اهـ. باختصار.
ومن هنا يمكن القول أنه لا بد لاستقامة السبب وقبوله أن يوافق الآية في اللفظ، والخطاب، وأصل الموضوع.
السبب الثالث: وقوع الخطأ في الإسناد وهو أقسام:
أ - أن يكون السبب ضعيف الإسناد وإليك الأمثلة:
١ - أخرج الترمذي وابن ماجه عن عبد اللَّه بن عامر بن ربيعة عن أبيه - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: كنا مع النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في سفر في ليلة مظلمة فلم ندرِ أين القبلة فصلى كل رجل منا على حياله، فلما أصبحنا ذكرنا ذلك للنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فنزل: (فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ).
٢ - أخرج النَّسَائِي عن عبد اللَّه بن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - أن رجلاً أتى امرأته في دبرها في عهد رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فوجد من ذلك وجدًا شديدًا فأنزل اللَّه تعالى: (نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ).
ظاهر هذا الإسناد الصحة ولكنه ليس كذلك فقد نص أبو حاتم الرازي على علته وأن الأصح في سنده هو ما رواه عبد اللَّه بن نافع الصائغ عن داود بن قيس عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثم قال ابنه ما نصه: (قال أبي: هذا أشبه - أي كونه من حديث أبي سعيد - وهذا أيضاً منكر، وهو أشبه من حديث ابن عمر لأن الناس أقبلوا قِبل نافع فيما حكى عن ابن عمر في قوله: (نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ) في الرخصةِ، فلو كان عند زيد بن أسلم عن ابن عمر لكانوا لا يولعون بنافع، وأول ما رأيت حديث ابن عبد الحكم استغربناه ثم تبين لي علته).
٣ - أخرج أحمد والترمذي والنَّسَائِي وابن ماجه عن ابن عبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - قال: كانت امرأة حسناء تصلي خلف رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: فكان بعض القوم يستقدم في الصف الأول لئلا يراها، ويستأخر بعضهم حتى يكون في الصف المؤخر، فإذا ركع نظر من تحت إبطيه فأنزل اللَّه في شأنها: (وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ (٢٤).
قال ابن كثير: (وهذا الحديث فيه نكارة شديدة، فالظاهر أنه من كلام أبى الجوزاء). اهـ. مختصرًا.
ومدار الحديث على عمرو بن مالك النكري لم يوثقه أحد من ذوي الشأن باستثناء ابن حبان ومع ذلك فقد قال: (يخطئ ويغرب).
٤ - أخرج الترمذي عن أبي أُمامة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال:
وإسناد هذا الحديث يدور على عبيد الله بن زحر عن علي بن يزيد عن القاسم بن عبد الرحمن.
قال الدارقطني: (عبيد الله بن زحر عن علي بن يزيد نسخة باطلة).
وقال ابن حبان: (وإذا روى ابن زحر عن علي بن يزيد أتى بالطامات، وإذا اجتمع في إسنادٍ خبر عبيد اللَّه بن زحر، وعلي بن يزيد، والقاسم بن عبد الرحمن لا يكون متن ذلك الخبر إلا مما عملت أيديهم فلا يحل الاحتجاج بهذه الصحيفة). اهـ. مختصراً.
٥ - أخرج الترمذي عن يوسف بن سعد قال: قام رجل إلى الحسن بن علي بعدما بايع معاوية فقال: سودت وجوه المؤمنين، أو يا مسود وجوه المؤمنين فقال: لا تؤنبني - رحمك اللَّه - فإن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أُري بني أُمية على منبره فساءه ذلك فنزلت: (إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ) يا محمد يعني: نهرًا في الجنة ونزلت: إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (٢) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (٣)، يملكها بعدك بنو أُمية يا محمد. قال القاسم: فعددناها فإذا هي ألف شهر لا تزيد يومًا ولا تنقص.
قال ابن كثير: (ثم هذا الحديث على كل تقدير منكر جداً قال شيخنا الإمام الحافظ الحجة أبو الحجاج المزي: هو حديث منكر... ثم ذكر كلامًا حتى قال: فهذا كله مما يدل على ضعف الحديث ونكارته والله أعلم). اهـ. باختصار.
وقال ابن عاشور: (واتفق حذاق العلماء على أنه حديث منكر صرح بذلك ابن كثير وذكره عن شيخه المزي، وأقول: هو مختل المعنى، وسمات الوضع لائحة عليه). اهـ. باختصار.
١ - أخرج مسلم وأحمد والبخاري والدارمي عن أبي هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: كان رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول حين يفرغ من صلاة الفجر من القراءة ويكبر ويرفع رأسه (سمع اللَّه لمن حمده ربنا ولك الحمد) ثم يقول وهو قائم: (اللهم انج الوليد ابن الوليد، وسلمة بن هشام، وعياش بن أبي ربيعة والمستضعفين من المؤمنين اللهم اشدد وطأتك على مضر واجعلها عليهم كسني يوسف اللهم العن لحيان، ورعلاً وذكوان، وعصية عصت اللَّه ورسوله) ثم بلغنا أنه ترك ذلك لما أُنزل: (لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ (١٢٨).
هذه الرواية في تسمية القبائل تفرد بها يونس بن يزيد الأيلي عن الزهري عند مسلم وقد تابعه اثنان بدونها: شعيب، وإبراهيم بن سعد عند البخاري، والحديث له طريق أخرى عن أبي هريرة بدونها أيضاً من رواية الأعرج عند البخاري، فهذه الرواية شاذة لأن يونس تفرد بها عن بقية الثقات.
وقال ابن حجر عن رواية البخاري للحديث وقوله: (حتى أنزل اللَّه): (ثم ظهر لي علة الخبر وأن فيه إدراجاً، وأن قوله: حتى أنزل اللَّه منقطع من رواية الزهري عمن بلَّغه، بيَّن ذلك مسلم في رواية يونس المذكورة فقال هنا - يعني الزهري -: ثم بلغنا أنه ترك ذلك لما نزلت وهذا البلاغ لا يصح لما ذكرته). اهـ. يعني الانقطاع.
٢ - أخرج مالك وأحمد والبخاري ومسلم والنَّسَائِي عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: خرجنا مع رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في بعض أسفاره حتى إذا كنا بالبيداء أو بذات الجيش، انقطع عقد لي فأقام رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - على التماسه وأقام الناس معه، وليسوا على ماء، وليس معهم ماء فأتى الناس إلى أبي بكر الصديق فقالوا: ألا ترى ما صنعت عائشة؟ أقامت برسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - والناس، وليسوا
وفي لفظ للبخاري: ثم إن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - استيقظ، وحضرت الصبح فالتُمس الماء فلم يوجد فنزلت: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ).
وهذه الزيادة في ذكر الآية انفرد بذكرها عمرو بن الحارث بن يعقوب الأنصاري، وخالف الجماعة الذين أعرضوا عن ذكرها، وعمرو بن الحارث وإن كان من الثقات الأثبات فقد ذكر أحمد أن له مناكير.
٣ - أخرج البخاري وأحمد عن عائشة - رضي الله عنها - زوج النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قالت: كان عمر بن الخطاب يقول لرسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - احجب نساءك، قالت: فلم يفعل، وكان أزواج النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يخرجن ليلاً إلى ليلِ قِبَل المناصع، فخرجت سودة بنت زمعة، وكانت امرأة طويلةً فرآها عمر بن الخطاب وهو في المجلس، فقال: عرفناك يا سودة حرصاً على أن ينزل الحجاب قالت: فأنزل اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - آية الحجاب.
وللشيخين عنها: قالت: فأوحى الله إليه ثم رفع عنه، وإن العرق في يده ما وضعه فقال: (إنه قد أُذن لكنَّ أن تخرجن لحاجتكن).
وهذا الحديث رواه عن عائشة عروة وعنه اثنان، الأول: ابنه هشام بدون ذكر الآية.
الثاني: الزهري وعنه جماعة كلهم ذكروا الآية، وهذه الرواية وإن كانت ثابتة عن الزهري إلا أن مما يؤيد رواية هشام حديث أنس في قصة زينب بنت جحش حيث وقع النزول.
ولفظ مسلم ونزلت: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا... ).
فالتصريح بالنزول شاذ غير محفوظ إذ انفرد به عبد اللَّه بن شقيق ولم يتابعه على الزيادة أحد من أصحاب أبي هريرة الذين أكثروا عنه، وهم أثبت منه عموماً، وفي أبي هريرة خصوصًا.
٥ - أخرج البخاري ومسلم وأحمد والنَّسَائِي عن عبد اللَّه بن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: إن قريشاً لما استعصت على النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دعا عليهم بسنين كسني يوسف فأصابهم قحط وجهد، حتى جعل الرجل ينظر إلى السماء فيرى بينه وبينها كهيئة الدخان من الجهد فذكر الحديث... حتى قال فأنزل اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (١٠) يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (١١).
فالتصريح بالنزول إنما جاء من طريق أبي معاوية محمد بن خازم، وقد خالف سبعة من أصحاب الأعمش كلهم لم يذكروا نزول الآية، والأعمش أيضًا قد توبع بدونها فتكون شاذة لا اعتبار بها.
١ - أخرج أحمد وأبو داود والنَّسَائِي عن زيد بن ثابت - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال كان رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يصلي الظهر بالهاجرة، ولم يكن يصلي صلاة أشد على أصحاب النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - منها قال فنزلت: (حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى) وقال: إن قبلها صلاتين وبعدها صلاتين.
فهذا يخالف ما روى مسلم وأحمد والبخاري وأبو داود والترمذي والنَّسَائِي عن زيد بن أرقم - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: كنا نتكلم في الصلاة، يكلم الرجل صاحبه وهو إلى جنبه في الصلاة حتى نزلت: (وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ) فأُمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام.
وفي رواية للبخاري: (إن كنا لنتكلم في الصلاة على عهد النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يكلم أحدنا صاحبه بحاجته حتى نزلت: (حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ) فأمرنا بالسكوت).
فهذا الحديث أصح سندًا ومتنًا من حديث زيد بن ثابت، وتفصيل ذلك في الدراسة.
٢ - أخرج البخاري عن عبد اللَّه بن أبي أوفى - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أن رجلاً أقام سلعة في السوق فحلف فيها، لقد أُعطي بها ما لم يُعْطَه لبوقع فيها رجلاً من المسلمين فنزلت: (إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا... ) الآية.
فهذا يخالف ما روى البخاري وأحمد ومسلم وأبو داود والترمذي والنَّسَائِي وابن ماجه عن عبد الله بن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: (قال رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من حلف على يمين وهو فاجر ليقتطع بها مال امرئ مسلم لقي اللَّه وهو عليه غضبان) قال: فقال الأشعث بن قيس: فيَّ واللَّه كان ذلك، كان بيني وبين رجل من اليهود أرض فجحدني، فقدمته إلى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقال لي رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: (ألك بينة)؟ قال: قلت لا. قال: فقال لليهودي: احلف. قال: فقلت: يا رسول اللَّه إذن يحلف وبذهب بمالي قال: فأنزل الله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا) إلى آخر الآية.
٣ - أخرج البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أن رجالاً من المنافقين على عهد رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان إذا خرج رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلى الغزو تخلفوا عنه، وفرحوا بمقعدهم خلاف رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فإذا قدم رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اعتذروا إليه وحلفوا وأحبوا أن يحمدوا بما لم يفعلوا فنزلت: (لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا... ) الآية. فهذا يخالف ما روى مسلم وأحمد والبخاري والترمذي والنَّسَائِي عن ابن عبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - أن هذه الآية أُنزلت في أهل الكتاب ثم تلا ابن عبَّاسٍ: (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ) هذه الآية. وتلا ابن عبَّاسٍ: (لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا) وقال ابن عبَّاسٍ: سألهم النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن شيء فكتموه إياه، وأخبروه بغيره، فخرجوا قد أروه أن قد أخبروه بما سألهم عنه واستحمدوا بذلك إليه وفرحوا بما أتوا من كتمانهم إياه ما سألهم عنه.
فهذا السبب أصح من حديث أبي سعيد من أنها نزلت في المنافقين، لأنه مؤيد بالسياق القرآني.
٤ - أخرج النَّسَائِي عن ابن عبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - قال: نزل تحريم الخمر في قبيلتين من قبائل الأنصار، شربوا حتى إذا نهلوا عبث بعضهم ببعض، فلما صحوا جعل الرجل يرى الأثر بوجهه وبرأسه ولحيته فيقول: قد فعل بي هذا أخي - وكانوا إخوةً ليس في قلوبهم ضغائن - واللَّه لو كان بي رءوفا رحيماً ما فعل بي هذا فوقعت في قلوبهم الضغائن فأنزل الله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ) - إلى قوله - (مُنْتَهُونَ) فقال ناس: هي رجس... الحديث. اهـ. موضع الشاهد.
فهذا يخالف ما روى مسلم وأحمد عن سعد بن أبي وقاص - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: وأتيت على نفرٍ من الأنصار والمهاجرين فقالوا: تعال نطعمك ونسقيك خمراً. وذلك قبل أن تحرم الخمر. قال: فأتيتهم في حشٍّ - والحش البستان -
فهذا السبب أصح من حديث ابن عبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - في سبب النزول.
٥ - أخرج أحمد والترمذي والنَّسَائِي عن ابن عبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - قال: قالت قريش ليهود أعطونا شيئاً نسأل عنه هذا الرجل، فقالوا: سلوه عن الروح، فسألوه فنزلت: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (٨٥)، قالوا: أُوتينا علماً كثيراً، أوتينا التوراة، ومن أُوتي التوراة فقد أُوتي خيراً كثيراً قال فأنزل الله - عَزَّ وَجَلَّ -: (قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي).
فهذا الحديث يخالف ما روى البخاري وأحمد ومسلم والترمذي والنَّسَائِي عن عبد الله بن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: كنت مع النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في حرث بالمدينة، وهو يتوكأ على عسيب، فمر بنفر من اليهود، فقال بعضهم: سلوه عن الروح وقال بعضهم: لا تسألوه، لا يسمعكم ما تكرهون، فقاموا إليه، فقالوا: يا أبا القاسم حدثنا عن الروح، فقام ساعة ينظر، فعرفت أنه يُوحى إليه، فتأخرت عنه حتى صعد الوحي ثم قال: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي).
فهذا الحديث أصح سنداً ومتناً من حديث ابن عبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -.
وبهذا يتبين أن كثيراً من الأخطاء في روايات أسباب النزول ناتج من عدم النظر في أسانيدها من حيث صحتها وضعفها، وشذوذها وحفظها. واللَّه أعلم.
١ - أن يعبر عن التفسير بالنزول وإليك الأمثلة:
١ - أخرج مسلم والبخاري وابن ماجه عن البراء بن عازب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: (يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ) قال: نزلت في عذاب القبر، فيقال له: من ربك؟ فيقول: ربي اللَّه، ونبيي محمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فذلك قول اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ -: (يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ).
فلم أرَ من صرح بأن للآية سبب نزول، وأن هذا هو سببها، بل الحديث من باب التفسير فقط.
٢ - أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: قال رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: (إن موسى كان رجلاً حييًا ستيرًا لا يُرى من جلده شيء استحياء منه فآذاه من آذاه من بني إسرائيل، فقالوا: ما يستتر هذا التستر إلا من عيب بجلده، إما برص، وإما أُدرة، وإما آفة، وإن اللَّه أراد أن يبرئه مما قالوا لموسى فخلا يومًا وحده، فوضع ثيابه على الحجر ثم اغتسل، فلما فرغ أقبل إلى ثيابه ليأخذها، وإن الحجر عدا بثوبه، فأخذ موسى عصاه، وطلب الحجر، فجعل يقول: ثوبي حجر، ثوبي حجر حتى انتهى إلى ملأ من بني إسرائيل فرأوه عريانًا أحسن ما خلق اللَّه، وأبرأه مما يقولون، وقام الحجر، فأخذ ثوبه فلبسه، وطفق بالحجر ضربًا بعصاه، فواللَّه إن بالحجر لنَدَبا من أثر ضربه ثلاثًا أو أربعًا أو خمسًا فدْلك قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا (٦٩).
ولفظ مسلم ونزلت: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى... ) الآية.
فهذا تفسير النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - للآية، أما النزول فلا يصح لشذوذه، وعدم وجود الحدث زمن النزول.
٣ - أخرج أحمد والبخاري عن طاووس قال: سأل رجل ابن عبَّاسٍ
وقد صحح ابن حجر بأن مقصود ابن عبَّاسٍ التفسير وليس السبب، فقال: (وقوله: (إلا أن تصلوا) كلام ابن عبَّاسٍ تفسير لقوله تعالى: (إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى) فعرف بهذا أن المراد ذكر بعض الآية بالمعنى على جهة التفسير). اهـ.
٤ - أخرج البخاري عن عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: ما سمعت النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول لأحد يمشي على الأرض إنه من أهل الجنة إلا لعبد اللَّه ابن سلام، قال: وفيه نزلت هذه الآية: (وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ) يقول الشعبي: (واللَّه ما نزلت في عبد الله بن سلام، ما نزلت إلا بمكة، وما أسلم عبد اللَّه إلا في المدينة، ولكنها خصومة خاصم محمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بها قومه منزلت: (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ).
٥ - أخرج النَّسَائِي عن ابن عبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - قال: لما أراد اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - أن يرفع عيسى - عليه السلام - إلى السماء، خرج على أصحابه وهم في بيت اثنا عشر رجلاً، ورأسه يقطر ماء، فقال: أيُّكم يُلقى شبهي عليه فيقتل مكاني، فيكون معي في درجتي؟ فقام شاب من أحدثهم سنًا، فقال: أنا، فقال: اجلس، ثم أعاد عليهم، فقام الشاب فقال: أنا فقال: اجلس، ثم أعاد عليهم الثالثة فقال الشاب: أنا، فقال عيسى - عليه السلام - نعم أنت، فأُلقي عليه شبه عيسى، ثم رُفع عيسى من روزنة كانت في البيت إلى السماء، وجاء الطلب من اليهود، فأخذوا الشاب للشبه فقتلوه ثم صلبوه فتفرقوا ثلاث فرق فقالت فرقة: كان فينا اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - ما شاء ثم صعد إلى السماء وهؤلاء اليعقوبية وقالت فرقة: كان فينا ابن الله ما شاء اللَّه ثم رفعه الله إليه وهؤلاء النسطورية وقالت طائفة: كان فينا عبد اللَّه
فهذا الحديث لا يكون من أسباب النزول لأن الحدث سبق النزول بزمن طويل واللَّه أعلم.
ب - أن يعبر عن التلاوة والقراءة بالنزول وإليك الأمثلة:
١ - أخرج الترمذي وابن ماجه عن أبي عبيدة قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: (إن بني إسرائيل لما وقع فيهم النقص كان الرجل فيهم يرى أخاه يقع على الذنب فينهاه عنه فإذا كان الغد لم يمنعه ما رأى منه أن يكون أكيله وشريبه وخليطه فضرب الله قلوب بعضهم ببعض، ونزل فيهم القرآن فقال: (لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ) - حتى بلغ - فَاسِقُونَ) وكان نبي اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - متكئًا فجلس فقال: لا حتى تأخذوا على يد الظالم فتأطروه على الحق أطرًا).
فالتصريح بالنزول لا يصح لأن الحديث عن الأمم السابقة، وبعض المفسرين لما ذكر الحديث قال: ثم قرأ: (لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ).
٢ - أخرج البخاري وأحمد ومسلم وأبو داود والنَّسَائِي عن عبد اللَّه بن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: سألت أو سُئل رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أيُّ الذنب عند اللَّه أكبر؟ قال: (أن تجعل للَّه ندًا وهو خلقك) قلت: ثم أيٌّ قال: (ثم أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك) قلت: ثم أي؟ قال: (أن تزاني بحليلة جارك) قال: ونزلت هذه الآية تصديقًا لقول رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: (وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ).
| (وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ | ولم يقل ونزلت. |
٣ - أخرج أحمد والنَّسَائِي عن عبد اللَّه بن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: جاء رجل إلى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من أهل الكتاب، فقال: يا أبا القاسم، أبلغك أن اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - يحمل الخلائق على إصبع والسماوات على إصبع، والأرضين على إصبع، والشجر على إصبع، والثرى على إصبع، فضحك النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حتى بدت نواجذه فأنزل الله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ).
وفي لفظ: ثم قرأ: (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ).
قال ابن عطية: (فرسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تمثل بالآية وقد كانت نزلت). اهـ. وقال ابن عاشور: (وفي بعض روايات الحديث فنزل قوله تعالى: (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ) وهو وهم من بعض رواته وكيف وهذه مكية، وقصة الحبر مدنية). اهـ.
٤ - أخرج البخاري ومسلم وأحمد والنَّسَائِي عن عبد الله بن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: إن قريشًا لما استعصت على النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دعا عليهم بسنين كسني يوسف فأصابهم قحط وجهد حتى جعل الرجل ينظر إلى السماء فيرى بينه وبينها كهيئة الدخان من الجهد فذكر الحديث... حتى قال: فأنزل اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (١٠) وفي لفظ للبخاري: ثم قرأ: (فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (١٠) يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (١١).
فهذا ليس سببًا للنزول لعدم وجود الحدث الذي يقتضي ذلك.
٥ - أخرج مسلم عن ابن عبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - قال: مُطر الناس على عهد النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: (أَصبح من الناس شاكر ومنهم كافر. قالوا: هذه رحمة الله، وقال بعضهم: لقد صدق نوء كذا وكذا، قال: (فنزلت هذه الآية: (فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ) - حتى بلغ - (وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ).
السبب الخامس: مخالفة السبب للمستقر الثابت من حال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وأصحابه، وإليك الأمثلة:
١ - أخرج أبو داود والترمذي عن ابن عبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - قال: نزلت هذه الآية: (وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ) في قطيفة حمراء فُقدت يوم بدر. فقال بعض الناس: لعل رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أخذها، فأنزل اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ) إلى آخر الآية.
قال الطبري: (لو كان إنما نهى بذلك أصحاب رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن يتهموا رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بالغلول لعقَّب ذلك بالوعيد على التهمة وسوء الظن برسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لا بالوعيد على الغلول). اهـ. مختصراً.
٢ - أخرج النَّسَائِي عن أنس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: لما جاء نعي النجاشي، قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: (صلوا عليه) قالوا: يا رسول الله نصلي على عبد حبشي؟ فأنزل اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ).
فقول الصحابة حسب الحديث: نصلي على عبد حبشي، لا يليق بهم، ولا يوافق الواقع؛ لأن النجاشي ليس عبدًا بل هو ملك حر، فالعبد شرعاً: هو الرقيق المملوك.
أما كونه لا يليق بهم فلأنهم أوفى الناس للناس، ويعرفون فضله ووقوفه معهم حين هاجروا إليه مرتين، مع أن هذا القول لو ثبت عنهم لكان يتضمن أيضًا ردًا لقول رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وأمره.
وقد أفاد ابن عاشور بأن أولئك ليسوا مؤمنين؛ لأن المؤمنين لا يستهزئون برسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مع أن الآية صُدرت بنداء الإيمان.
٤ - أخرج أحمد والترمذي والنَّسَائِي وابن ماجه عن ابن عبَّاسٍ - رضي الله عنه - قال: كانت امرأة حسناء تصلي خلف رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: فكان بعض القوم يستقدم في الصف الأول لئلا يراها، ويستأخر بعضهم حتى يكون في الصف المؤخر فإذا ركع نظر من تحت إبطيه فأنزل الله في شأنها: (وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ (٢٤).
فهذا السبب لا يصح للنزول لما يتضمنه من القدح في أصحاب رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - والنيل منهم، والله أعلم. اهـ.
٥ - أخرج الترمذي عن علي بن أبي طالب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: لما نزلت: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً) قال لي النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: (ما ترى. دينار؟) قلت: لا يطيقونه، قال: (فنصف دينار؟) قلت: لا يطيقونه.
قال: (فكم؟) قلت: شعيرة. قال: (إنك لزهيد) قال: فنزلت: (أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ) قال: فبي خفف اللَّه عن هذه الأمة.
هذا الحديث يقتضي أن علياً أرحم بالناس من رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وليس الأمر كذلك فليس أحد أرحمَ بالمؤمنين من رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كما قال تعالى: (لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨).
قواعد في أسباب النزول وضوابط الترجيح فيها
وفيه فصلان:
الفصل الأول: قواعد في أسباب النزول.
وفيه ستة مباحث:
المبحث الأول: تعريف أسباب النزول ومفهومه لدى العلماء.
المبحث الثاني: أسباب النزول من حيث صيغتها.
المبحث الثالث: تعدد النازل والسبب واحد.
المبحث الرابع: تعدد السبب والنازل واحد.
المبحث الخامس: عموم اللفظ وخصوص السبب.
المبحث السادس: تكرر النزول.
الفصل الثاني: ضوابط الترجيح في أسباب النزول.
وفيه ستة مباحث:
المبحث الأول: الترجيح بتقديم الصحيح على الضعيف.
المبحث الثاني: الترجيح بتقديم السبب الموافق للفظ الآية على غيره.
المبحث الثالث: الترجيح بتقديم قول صاحب القصة على غيره.
المبحث الرابع: الترجيح بتقديم قول الشاهد للسبب على الغائب عنه.
المبحث الخامس: الترجيح بدلالة السياق القرآني.
المبحث السادس: الترجيح بدلالة الوقائع التاريخية.
قواعد في أسباب النزول
وفيه ستة مباحث:
المبحث الأول: تعريف أسباب النزول ومفهومه لدى العلماء.
* معنى السبب.
* معنى النزول.
* معنى سبب النزول.
* الأركان التي تُعرف بها أسباب النزول.
المبحث الثاني: أسباب النزول من حيث صيغتها.
المبحث الثالث: تعدد النازل والسبب واحد.
المبحث الرابع: تعدد السبب والنازل واحد.
المبحث الخامس: عموم اللفظ وخصوص السبب.
المبحث السادس: تكرر النزول.
تعريف أسباب النزول ومفهومه لدى العلماء
هذه اللفظة (أسباب النزول) تتكون من كلمتين: (أسباب) و (نزول)، ولمعرفة معناها لا بد من بيان معنى كل كلمة، ثم معنى الكلمتين معاً بعد أن صارتا عَلَماً لعلم مخصوص فأقول:
معنى السبب: هو كل شيء يتوصل به إلى غيره.
وقيل: كل شيء يتوسل به إلى شيء غيره، والجمع أسباب، والسبب يأتي لعدة معاني منها:
(١) الوصل والمودة، قال الله تعالى: (إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ (١٦٦)، أي: الوُصَل والمودات.
(٢) ومنها الحبل، قال تعالى: (مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ (١٥) أي: فليمدد بحبل إلى السماء.
(٣) ومنها الباب، قال تعالى: (وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (٣٦) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى.. ) الآية، أي لعلي أبلغ أبواب السماوات.
والجامع بين هذه المعاني هو الوصول بالشيء إلى غيره.
معنى النزول: النزول في الأصل هو انحطاطٌ من عُلوٍّ، يقال: نزل عن دابته ونزل في مكان كذا حطَّ رحله فيه، والآيات الدالة على هذا المعنى كثيرة.
وقال تعالى: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ).
وقال تعالى: (وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا (٤٨).
وقال تعالى: (وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ).
* * *
من منهج العلماء في مؤلفاتهم وضع التعريفات لبعض المصطلحات العلمية، لأن التعريفات حدود تدل على الشيء، وتمنع غيره من الدخول فيه، ومن الطبيعي أن يكون لسبب النزول حدود وضوابط، يُعرف بها السبب، ويتميز عن غيره سيما إذا أدركنا أن أسباب النزول نشأت مع نزول القرآن.
ومن الملفت للنظر أنه لا يوجد تعريف واضح لهذا المصطلح عند المتقدمين، ولعل هذا يعود إلى عدم عنايتهم بالدراسات النظرية لعلم أسباب النزول فقد كان همهم منصبًّا على ذكر الأحاديث وتطريقها شأنهم شأن المؤلفين في تلك العصور.
ونظرًا لهذا فإني سأذكر هنا بعض التعريفات المتداولة في كتب المتأخرين ثم ما ترجح لديَّ في تعريف سبب النزول، ثم أقوم بشرحه مع التمثيل مستغنيًا بذلك عن الاستدراك المباشر على هذه التعريفات.
ولعل أقرب من عرف سبب النزول - فيما أعلم - هو السيوطي حيث قال: (والذي يتحرر في سبب النزول أنه ما نزلت الآية أيام وقوعه). اهـ.
وقال الزرقاني: (سبب النزول هو ما نزلت الآية، أو الآيات متحدثةً عنه، أو مبينة لحكمه أيام وقوعه). اهـ.
وقال القطان: (ولذا نعرف سبب النزول بما يأتي: هو ما نزل قرآن بشأنه وقت وقوعه كحادثة أو سؤال). اهـ.
أما التعريف الذي خلصت إليه بعد التتبع والاستقراء فهو:
وإنما اخترت التعبير عن السبب: بالقول والفعل لأن أعمال المكلفين لا تعدو ثلاثة: النية والقول والفعل.
فالنية المجردة عن معمولها لا يترتب عليها أثرها، ولهذا لا صلة لها بأسباب النزول ولا بغيرها من سائر الأحكام.
فلم يبق إلا الأقوال والأفعال، وهذان يتناولان جميع أحوال المرء الظاهرة، وعليها يترتب الأثر في الدنيا والآخرة.
وقولي: (كل قول): هذا يتناول السؤال، والدعاء، والتعجب، والعرض، والتمني والخبر، والطلب، وغير ذلك.
وسواءً أكان ذلك من رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أم من أصحابه أم من المنافقين، أم من اليهود، أم من المشركين.
ولم أرَ من نبّه إلى أن قول رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أو قول الشهداء، أو قول الجن يكون سبباً لنزول الآية مع وجود الأدلة على ذلك.
بل من كتب في هذا إنما يذكر سؤالاً وجهه أحد الحاضرين إلى رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فنزلت الآية مع أن الأسئلة لا تمثل إلا نسبة يسيرة من الأقوال.
وقولي: (أو فعلٍ) أي كل فعل، ويتناول ذلك الأفعال في العبادات والعادات والمعاملات في السفر والحضر، والسلم والحرب، والأمن والخوف.
وسواءٌ أكان ذلك من رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أم من أصحابه أم من
وأول من وقفت على قوله في إشارة إلى أن فعل رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قد يكون سبباً للنزول هو الرومي حيث قال: (والحادثة التي ينزل القرآن لأجلها قد تكون من الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كما حدث في سبب نزول عبس... ).
وقولي: (نزل) احترازاً من المتلو والمقروءِ، فلو قرأ النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الآية عند حدث ما، لما كان هذا من أسباب النزول، بل كان هذا من باب الاستشهاد بالآية على الحدث.
مثاله ما روى الشيخان عن علي بن أبي طالب أن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - طرقه وفاطمةَ بنت النبي - عليه الصلاة والسلام - ليلةً، فقال: (ألا تصليان) فقلت: يا رسول اللَّه، أنفسنا بيد الله، فإذا شاء أن يبعثنا بعثنا، فانصرف حين قلنا ذلك، ولم يرجع إليَّ شيئاً، ثم سمعته وهو مولٍ، يضرب فخذه وهو يقول: (وكان الإنسان أكثر شيء جدلاً).
وقولي: (بشأنه) أي بسببه ولأجله، وقد اقتضت حكمة اللَّه البالغة ربط الأسباب بالمسبَبَات، ورتب على وجودها أثرها، فمن الآيات ما لا ينزل من السماء حتى يقع السبب في الأرض، ومنها ما ليس له سبب حاضر، فليس النزول موقوفاً على السبب دوماً، بل يكون أحياناً به، وأحيانًا أخرى بغيره وهذا أكثر.
وقولي: (قرآن) هذا يتناول السورة وبعضها، والآية وبعضها، وسواءٌ أكان
وقولي: (عند وقوعه) وجه التعبير ب (عند) لأمرين:
الأول: أنها تدل على الزمن والدليل على هذا ما روى الشيخان عن أبي هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: قال رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: (ليس الشديد بالصرعة إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب).
ومثله ما روى البخاري عن عمرو بن الحارث - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: ما ترك رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عند وفاته درهماً، ولا دينارًا، ولا عبداً، ولا أَمة ولا شيئًا إلا بغلته البيضاء، وسلاحه، وأرضاً جعلها صدقة.
الثاني: أنها تدل على المقاربة لما روى الشيخان عن ابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: (ما حقُّ امرئ مسلم له شيء يوصي فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده).
ومثله ما روى البخاري عن أبي بكر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: قال ومن بلغت صدقتُه بنتَ لبون وليست عنده، وعنده بنت مخاض، فإنها تقبل
وبهذه الأمثلة تتبين دلالة (عند) على الزمن والمقاربة كما قاله ابن هشام والذي دعاني لاستعمال الظرف الدال على المقاربة دون التحديد أن لديَّ سببين تأخر النزول فيهما وهما قصة الإفك في أم المؤمنين - رضي الله عنها - حيث تأخر نزول براءتها شهراً، وقصة كعب بن مالك وصاحبيه - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - حيث تخلفوا عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في خروجه إلى غزوة تبوك فأرجأ اللَّه التوبة عليهم خمسين ليلةً.
ولو عبرتُ بقولهم: زمن وقوعه، أو أيام وقوعه فربما فُهم من هذا المبادرة والمباشرة وهذا ما لا أُريده ولا أَعنيه.
فالمقاربة المستفادة من الظرف نسبية فمن الآيات ما قرب نزوله من سببه كثيراً ومنها ما بَعُدَ قليلاً ومنها ما بين ذلك.
وسأذكر بعض الأمثلة الدالة على التفاوت في زمن النزول على سبيل الاختصار.
فمن الآيات التي نزلت مباشرة: -
١ - قوله تعالى: (غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ) فما فرغ ابن أم مكتوم من شكايته حتى نزل الوحي، وإن فخذ النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - على فخذ زيد بن ثابت - رضي الله عنه.
ومن الآيات التي تأخر نزولها يسيراً: -
١ - نهي النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن الصلاة على أحد من المنافقين بعد صلاته على ابن أُبي.
٢ - قضية نزول الحجاب، ومكثهم في بيت رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يتحدثون حتى أحرجوه فأنزل اللَّه الآية.
ومن الآيات التي تأخر نزولها كثيراً: قضية الإفك، وكعب بن مالك وصاحبيه - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -.
ومن الأسباب ما يكون زمن نزوله بين ذلك وفق ما تقتضيه الحكمة الإلهية واللَّه أعلم.
* * *
وبعد تعريف سبب النزول وشرحه تبين لي أنه يرتكز على أربعة أركان ينضبط باجتماعها، ويختلُّ باختلالها أو بعضها وهي:
أولاً: الحدث الجديد، فلا بد من تصورِ أمرٍ جديدٍ قد وقع سواءٌ أكان قولاً أم فعلاً، والغالب الكثير من الأسباب أن يقع ذلك بعد بعثة النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حتى إني لم أجد إلا ستة أسباب، كان الحدث فيها قبل البعثة ومع هذا فقد أنزل اللَّه بشأنها قرآناً.
والسبب في ذلك، - والله أعلم - أنها كانت تتجدد بعد رسالته - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إما سنوياً، وإما أقل من ذلك، فلما كانت تتجدد أصبحت كالحدث الجديد، وإليك الأسباب:
١ - أخرج البخاري ومالك وأحمد ومسلم وأبو داود والترمذي والنَّسَائِي وابن ماجه عن عروة بن الزبير قال: قلت لعائشة - رضي الله عنها - زوج النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وأنا يومئذٍ حديث السن: أرأيت قول الله - تبارك وتعالى -: (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا) فلا أُرى على أحد شيئاً أن لا يطوف بهما؟ فقالت عائشة: كلا، لو كانت كما تقول كانت: فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما، إنما أُنزلت هذه الآية في الأنصار: كانوا يهلون لمناة، وكانت مناةُ حذو قديد، وكانوا يتحرجون أن يطوفوا بين الصفا والمروة، فلما جاء الإسلام سألوا رسول الله - ﷺ - عن ذلك، فأنزل اللَّه تعالى: (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا).
فالحرج استمر حتى بعد الإسلام، ولهذا سألوا رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن ذلك، فكان كالحدث الجديد.
وفي رواية للبخاري والنَّسَائِي عنه - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: كانوا إذا أحرموا في الجاهلية أتوا البيت من ظهره فأنزل الله تعالى: (وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا).
والدليل على تجدد الفعل هنا أن الآية نزلت عقب تعييره لما دخل البيت من بابه فدل على وقوعه في زمن الرسالة، بل بعد الهجرة لأنها نزلت في الأنصار.
جـ - أخرج مسلم والبخاري والترمذي والنَّسَائِي وابن ماجه عن هشام بن عروة بن الزبير عن أبيه قال: كانت الحمس لا يخرجون من مزدلفة، وكان الناس كلهم يبلغون عرفات. قال هشام: فحدثني أبي عن عائشة قالت: الحمس هم الذين أنزل اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - فيهم: (ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ) قالت: كان الناس يفيضون من عرفات، وكان الحمس يفيضون من مزدلفة يقولون: لا نفيض إلا من الحرم. فلما نزلت: (أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ) رجعوا إلى عرفات.
وفي رواية للشيخين عنها - رضي الله عنها - قالت: كانت قريش ومن دان دينها يقفون بالمزدلفة، وكانوا يسمون الحمس، وكان سائر العرب يقفون بعرفات، فلما جاء الإسلام أمر اللَّه نبيه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن يأتي عرفات، ثم يقف بها ثم يفيض منها، فذلك قوله تعالى: (ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ).
وجه تجدد الفعل هنا: أن وقوفهم في مزدلفة استمر حتى حج رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في السنة العاشرة فأمره اللَّه أن يأتي عرفات ثم يفيض منها.
د - أخرج الترمذي عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: كان الناس والرجل يطلق امرأته ما شاء أن يطلقها، وهي امرأته إذا ارتجعها وهي في العدة وإن طلقها مائة مرة أو أكثر حتى قال رجل لامرأته: واللَّه لا أُطلقك فتبيني مني، ولا آويك
هـ - أخرج البخاري وأبو داود والنَّسَائِي عن ابن عبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ) قال: كانوا إذا مات الرجل كان أولياؤه أحق بامرأته إن شاء بعضهم تزوجها، وإن شاؤوا زوجوها، وإن شاؤوا لم يزوجوها، فهم أحق بها من أهلها فنزلت هذه الآية في ذلك.
فقوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا... ) الآية، هذا النداء لم يقع لهم إلا بعد الرسالة لأنهم قبلها لم يكونوا من أهل الإيمان، ولو لم يكن هذا الفعل فيهم لكان نهيهم عنه لغواً ينزه عنه القرآن.
و أخرج مسلم والنَّسَائِي عن ابن عبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - قال: كانت المرأة تطوف بالبيت وهي عريانة فتقول: من يعيرني تِطوَافاً؟ تجعله على فرجها وتقول:
| اليوم يبدو بعضه أو كله | فما بدأ منه فلا أُحِلُّه |
وبما تقدم يمكن أن أقول: إن السبب المصطلح عليه ينقسم إلى قسمين من حيث النشأة:
الأول: أن ينشأ السبب سواء أكان فعلاً أم قولاً بعد الرسالة، وهذا الغالب.
الثاني: أن يكون السبب موجودًا قبل الرسالة لكنه يتجدد بعدها فيكون كالجديد أصلاً.
ثانياً: الموافقة بين اللفظين، لفظ الآية، ولفظ الحديث فلا بد أن يكون
ثالثاً: سياق الآيات وأعني به الآيات التي تسبق موضع النزول وتتبعه، فهذه الآيات لا بد أن تكون في موضوعها وخطابها غير مخالفة للسبب في أصله وخطابه فلو كان سياق الآيات في أهل الكتاب ما صح أن يكون السبب في آيةٍ منه نازلاً في المشركين وكذلك أصل الموضوع فلو كان السياق القرآني في موضوع يخالف موضوع السبب قطعنا بأنه ليس بينهما صلة، وإن كان الحديث صحيحًا صريحاً في النزول.
رابعاً: مراعاة التاريخ بين السبب والنزول، وقد لاحظت من تتبعي للأسباب أن السبب لا يتأخر عن النزول إلا لحكمة إلهية وفي أمثلة معروفة، فإذا وقعت المباعدة بينهما علمنا أنها ليست مما نحن فيه، وسواءٌ أكانت المباعدة الزمنية بين مكي ومدني أو بين المدني المتقدم أوائل الهجرة والمدني النازل في أواخرها.
هذه أركان السبب كما بدت لي فمن حفظها ورعاها فهو حري أن يصيب ولا يخطئ في تحديد السبب من غيره، ومن تركها وأهملها فقد أضاع المفتاح الذي يفتح بابها.
وثمَّ أمران آخران ليسا كهذه الأركان في المنزلة وإن كانا مؤثرين وهما: صحة الإسناد والتعبير بالنزول.
فأما صحة الحديث فهي قرينة قوية في صحة السبب وثبوته، ومع هذا فمراسيل التابعين الذين تلقوا التفسير عن كبار الصحابة كانت ولا زالت تحظى بالقبول من العلماء، والاحتجاج بها في المعاني والأسباب.
وأما التعبير بالنزول فلا ريب أنه ينفي التردد، وبجرئ القلب على الإقدام، والحكم بالسببية، فوجوده قرينة قوية في الدلالة على الأسباب، والله الموفق للصواب.
أسباب النزول من حيث صيغتها
صيغة أسباب النزول من المباحث الرئيسة عند المؤلفين في الدراسات القرآنية عامة، وأسباب النزول خاصة، ولا تكاد عين القارئ تخطئ هذا الموضوع عند الحديث عن أسباب النزول، إلا أن الحديث في بعضها قديم تليد، وفي بعضها حديث جديد، وسأذكر ابتداء أقوالهم في الموضوع، ناقلاً قول الزرقاني في تقسيمه ذلك إلى صيغة صريحة، وغير صريحة؛ لأنه أول من قسم هذا التقسيم - حسب علمي - ثم تتابع المؤلفون بعده على ذلك بلا تعقب أو تنبيه، ثم أُعقِّب على ذلك بما أراه صحيحاً راجحاً في الموضوع. فأقول:
لأسباب نزول القرآن عند المعاصرين صيغتان:
الأولى: صيغة صريحة قال عنها الزرقاني: (تختلف عبارات القوم في التعبير عن سبب النزول فتارةً يصرح فيها بذكر السبب فيقال: (سبب نزول الآية كذا) وهذه العبارة نص في السببية لا تحتمل غيرها، وتارة لا يصرح بلفظ السبب ولكن يؤتى بفاء داخلة على مادة نزول الآية عقب سرد حادثة، وهذه العبارة مثل تلك في الدلالة على السببية أيضًا، ومثاله رواية جابر الآتية قريبًا، ومرة يسأل الرسول فيوحى إليه، ويجيب بما نزل عليه، ولا يكون تعبير بلفظ سبب النزول، ولا تعبير بتلك الفاء، ولكن السببية تفهم قطعًا من المقام كرواية ابن مسعود الآتية عندما سُئل النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن الروح، وحكم هذه أيضًا حكم ما هو نص في السببية). اهـ. موضع الشاهد وخلاصة هذا الكلام أن الصريح عنده قسمان:
الثاني: قول الراوي: (حدث كذا فنزل كذا أو فنزلت الآية).
وذكر حالاً أخرى جعل حكمها كحكم الأول، وهي أن يسأل النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن أمر فيُوحى إليه بشأنه، ويجيب بما نزل عليه بدون ذكر السبب أو الفاء الداخلة على مادة النزول.
فأما الأول وهو قوله: (سبب نزول الآية كذا) فهذا لا وجود له في الواقع فمع معاصرتي لأسباب النزول طوال مدة البحث، وكثرة تقليبي لها لم أجد سببًا واحدًا وردت فيه هذه الصيغة، كما أن الزرقاني لم يذكر مثالاً لهذا، ولا يخفى أن القواعد إنما تستمد من الأمثلة فأين هي الأمثلة هنا؟.
ولعلي أعتذر للزرقاني هنا بأنه كان يتصور وجود شيء من هذا مع عدم استحضاره للمثال حين الكتابة فسطَّر ما كان يتصور.
لكني أعجب كثيرًا ممن تابعه من المؤلفين على ذلك، إذ كان بإمكانهم البحث والتحرير قبل التسليم والتسطير.
وأما الثاني: وهو دخول الفاء على مادة النزول بعد سرد حادثة فهذا أكثر الأساليب استعمالاً في أسباب النزول، ومع هذا فلا يعني وجود هذه الصيغة أن يكون الحديث سببًا للنزول، ولديّ من الأمثلة ما يكفي لإثبات هذا.
١ - أخرج البخاري وأحمد ومسلم والترمذي والنَّسَائِي عن زيد بن ثابت - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: لما خرج النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلى أحد رجع ناس ممن خرج معه، وكان أصحاب النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فرقتين، فرقة تقول: نقاتلهم، وفرقة تقول: لا نقاتلهم فنزلت: (فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا) وقال: إنها طيبة تنفي الذنوب كما تنفي النار خبث الفضة.
٢ - أخرج مالك وأحمد والبخاري ومسلم والنَّسَائِي عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: خرجنا مع رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في بعض أسفاره حتى إذا كنا بالبيداء، أو بذات الجيش انقطع عقد لي فأقام رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - على التماسه. وأقام الناس معه وليسوا على ماء، وليس معهم ماء، فأتى الناس إلى أبي بكر الصديق
وفي لفظ للبخاري: ثم إن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - استيقظ، وحضرت الصبح فالتمس الماء فلم يوجد فنزلت: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ) فقال أُسيد بن حضير: لقد بارك اللَّه للناس فيكم يا آل أبي بكر، ما أنتم إلا بركةً لهم.
٣ - أخرج مسلم وأحمد وأبو داود والترمذي والنَّسَائِي عن سعد بن أبي وقاص - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: نزلت فيَّ أربع آيات. أصبت سيفاً، فأتى به النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقال: يا رسول اللَّه نفلنيه، فقال: (ضعه) ثم قام، فقال له النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: (ضعه من حيث أخذته) ثم قام فقال: نفلنيه يا رسول اللَّه. فقال: ضعه، فقام فقال يا رسول اللَّه نفلنيه أَأُجعل كمن لا غناء له؟ فقال له النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: (ضعه من حيث أخذته) قال: فنزلت هذه الآية: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ).
٤ - أخرج البخاري عن محمد بن عباد بن جعفر أن ابن عبَّاسٍ قرأ: (ألا إنهم تثنوني صدورهم) قلت: يا أبا العباس ما تثنوني صدورهم؟ قال: كان الرجل يجامع امرأته فيستحي، أو يتخلى فيستحي فنزلت: (ألا إنهم تثنوني صدورهم).
٥ - أخرج البخاري وأحمد ومسلم وأبو داود والنَّسَائِي عن عائشة - رضي الله عنها - أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يمكث عند زينب بنت جحش ويشرب عندها عسلاً
لعائشة وحفصة: (وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ) لقوله: (بل شربت عسلاً) فهذه الأحاديث وقع فيها المنصوص وهو دخول فاء التعقيب على مادة النزول وليست أسباب نزول كما سيتضح من دراستها.
وأما الحال الملحقة بالقسم الأول وهي قوله: (ومرةً يُسأل الرسول فيوحى إليه، ويجيب بما نزل عليه، ولا يكون تعبير بلفظ سبب النزول ولا تعبير بتلك الفاء لكن السببية تُفهم قطعاً من المقام).
فأقول: إذا كانت السببية إنما تُفهم من المقام، فهذا يعني عدم وجود صيغة فضلاً عن كونها صريحة.
ثم كيف يكون حكمُ هذه حكمَ ما هو نص في السببية، مع أن هذا النص ليس له وجود أصلاً.
بل لو قال قائل: إن هذا من أبين الأدلة على عدم وجود صيغ معينة لأسباب النزول فضلاً عن تقسيمها إلى صريحة وغير صريحة لكان قائله حرياً بالصواب.
الثانية: صيغة غير صريحة.
قال الزرقاني: (ومرةً أخرى لا يصرح بلفظ السبب، ولا يؤتى بتلك الفاء ولا بذلك الجواب المبني على السؤال بل يقال: (نزلت هذه الآية في كذا) وهذه العبارة ليست نصاً في السببية بل تحتملها وتحتمل أمراً آخر وهو بيان ما تضمنته الآية من الأحكام.
والقرائن وحدها هي التي تعيّن أحد هذين الاحتمالين أو ترجحه). اهـ.
وقال الزركشي: (وقد عرف من عادة الصحابة والتابعين أن أحدهم إذا قال: نزلت هذه الآية في كذا، فإنه يريد بذلك أن هذه الآية تتضمن هذا الحكم لا أن هذا كان السبب في نزولها فذكر كلامًا... حتى قال: فهو من جنس الاستدلال على الحكم بالآية لا من جنس النقل لما وقع). اهـ.
وقد قيّد بعض الفضلاء كلام هذين العَلَمَين فقال: (وقول هذين الإمامين لا ينطبق إلا إذا كان المحكي من الراوي حكمًا فقهياً لا حدثا أو شخصًا نزلت في أحدهما الآية، فإن الاسم أو الحدث لا يمكن أن يقال فيه: عُني بهذه الآية كذا وكذا، وإنما يُقال نزلت في فلان أو في الحدث الفلاني.
وهذا القيد لم أرَ من سبق إليه، مع أنه واضح في كلام المتقدمين كما مضى والحمد للَّه على توفيقه). اهـ.
ثم ذكر في الحاشية أنه وجد عبارةً لابن تيمية تقارب ما ذكر من تخصيص السبب بذكر الشخص.
وإنما الغرض من نقل هذا الكلام هنا لأجل أن أُبين أن كلام شيخ الإسلام - رحمه الله - لا يدل على تخصيص السبب بذكر الشخص.
وبيان ذلك أن شيخ الإسلام قال: (الصنف الثاني): أن يذكر كلٌّ منهم من الاسم العام بعض أنواعه على سبيل التمثيل، وتنبيه المستمع على النوع لا على سبيل الحد المطابق للمحدود في عمومه وخصوصه ثم ذكر أمثلة لهذا حتى قال: وقد يجيء كثيرًا من هذا الباب قولهم: هذه الآية نزلت في كذا، لا سيما إن كان المذكور شخصًا كأسباب النزول المذكورة في التفسير، ثم ذكر كلامًا قال بعده: وإذا عُرف هذا فقول أحدهم نزلت في كذا، لا ينافي قول الآخر
كما أن الأمثلة التي بين يديّ تتفق وما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية من أنهم تارةً يريدون بقولهم نزلت في كذا أنه سبب نزول، وتارةً يريدون أن ذلك داخل في الآية دن لم يكن السبب.
فأما الأمثلة على إرادة السببية فمنها: -
١ - قال الله تعالى: (لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٨٨).
أخرج مسلم وأحمد والبخاري والترمذي والنَّسَائِي أن ابن عبَّاسٍ قال: ما لكم ولهذه الآية؟ إنما أُنزلت هذه الآية في أهل الكتاب، ثم تلا ابن عبَّاسٍ: (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ) وقال ابن عبَّاسٍ: سألهم النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن شيء فكتموه، وأخبروه بغيره فخرجوا قد أروه أن قد أخبروه بما سألهم عنه، واستحمدوا بذلك إليه، وفرحوا بما أتوا من كتمانهم إياه ما سألهم عنه.
٢ - أخرج أحمد والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنَّسَائِي عن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنه قال: نزلت: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ) في عبد اللَّه بن حذافة السهمي إذ بعثه رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في السرية.
٣ - أخرج أبو داود والترمذي وابن ماجه عن أبي هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: نزلت هذه الآية في أهل قباء: (فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا) قال: كانوا يستنجون بالماء فنزلت فيهم هذه الآية.
١ - أخرج البخاري عن زيد بن وهب قال: مررت بالربذة فإذا أنا بأبي ذر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فقلت له: ما أنزلك منزلك هذا؟ قال: كنت بالشأم فاختلفت أنا ومعاوية في: (وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ) قال معاوية: نزلت في أهل الكتاب، فقلت: نزلت فينا وفيهم، فكان بيني وبينه في ذاك، وكتب إلى عثمان - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يشكوني، فكتب إليَّ عثمان أن أقدم المدينة فقدمتها... الحديث.
٢ - أخرج مسلم والبخاري والنَّسَائِي عن عبد الله بن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: (أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ) قال: نزلت في نفر من العرب كانوا يعبدون نفرًا من الجن، فأسلم الجنيُّون، والإنس الذين كانوا يعبدونهم لا يشعرون فنزلت: (أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ).
٣ - أخرج البخاري ومسلم والنَّسَائِي وابن ماجه عن أبي ذر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنه كان يقسم قسمًا: إن هذه الآية: (هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ) نزلت في الذين برزوا يوم بدر: حمزةَ وعلي وعبيدةَ بن الحارث، وعتبة وشيبة ابني ربيعة، والوليد بن عتبة.
والخلاصة التي تبينت لي بعد تتبع الموضوع واستقرائه أنه لا يوجد صيغة محددة لأسباب النزول سواء أكانت صريحة، أم غير صريحة إما لعدم الدليل على ذلك ألبتَّة كما في قولهم: سبب نزول الآية كذا، وإما لاضطراب الأساليب المستعملة في ذلك واختلافها وتناقضها من حيث التطبيق، وإن كان أكثرها شيوعًا قولهم: فأنزل اللَّه، أو فنزلت، ومع هذا فلا يعني استعمال هذين اللفظين تحقق السببية فيما دخلا عليه، وإنما يعني التصريح بذكر النزول فقط، والأساليب المستعملة في التعبير عن النزول كثيرة كقولهم: ونزلت، حتى أنزل اللَّه، فلما أنزل اللَّه، فيَّ نزلت، فينا نزلت، حتى نزل القرآن، حتى نزلت، ونزل فيهم القرآن، فأنزل الله تصديق ذلك، فبلغنا أنها نزلت، ما أحسب هذه الآية أُنزلت إلا في ذلك.
ولعلي أُبين بعض الأسباب التي أَدت إلى عدم إحكام أساليب التعبير عن أسباب النزول فأقول:
أولاً: تصرف الرواة في الألفاظ كثير في هذا الباب، وإذا كانوا يُبدلون تلا بأنزل مع ما بينهما من فرق فلأن يكون الإبدال فيما هو أقل من ذلك من باب أولى.
ثانياً: توسع السلف - رحمهم اللَّه - في استعمال التعبير بالنزول حيث يطلقون هذا المفهوم على ما تضمنته الآية بعمومها من صور وأَمثلة فيظن من بعدهم أنهم يريدون بالنزول ما اصْطُلِح عليه أخيراً، وهو الحدث الذي تنزل بسببه الآية، وليس الأمر كذلك عندهم.
ثالثاً: ظن بعضهم - رحمهم اللَّه - في قضايا معينة أنها أسباب لنزول بعض الآيات وليس الأمر كذلك كما في الأمثلة التالية:
١ - أخرج البخاري وأحمد والنَّسَائِي عن سالم بن عبد اللَّه بن عمر عن أبيه - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنه سمع رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذا رفع رأسه من الركوع في الركعة الآخرة من الفجر يقول: (اللهم العن فلاناً وفلاناً وفلاناً) بعدما يقول: (سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد) فأنزل الله: (لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ) إلى قوله: (فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ).
٢ - أخرج البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - أن رجالاً من المنافقين على عهد رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان إذا خرج رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلى الغزو تخلفوا عنه، وفرحوا بمقعدهم خلاف رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فإذا قدم رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اعتذروا إليه وحلفوا، وأحبوا أن يحمدوا بما لم يفعلوا فنزلت: (لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا... ) الآية.
وحينئذٍ يبقى أن أقول إن ذكر مادة النزول في الحديث قرينة قوية، ورافد مهم في السببية لكن بضمها إلى غيرها.
فالحديث إذا تحققت فيه أركان السبب كان سبباً للنزول وإن غابت عنه مادة النزول.
كما أن المادة لا تغني عن الحديث شيئاً، ولا تصيره سبباً إذا دخلت عليه لكن غابت عنه أركان السبب. واللَّه أعلم.
* * *
تعدد النازل والسبب واحد
المراد هنا بتعدد النازل أن تكون الآيات النازلة بسبب واحد متعددة المواضع فبعضها في سورة، وبعضها في سورة أُخرى مع أن السبب الذي أدى إلى نزولها واحد، وقد ذكر المعاصرون أمثلة لهذا، أعرضت عنها لعلمي بضعفها في الدلالة على المقصود باستثناء مثال واحد ذكروه أرى أنه موافق للصواب، وسأشير إليه عند تدوينه وإليك الأمثلة:
١ - أخرج النَّسَائِي عن ابن عبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - قال: لما قدم كعب بن الأشرف مكة قالت له قريش: أنت خير أهل المدينة وسيدهم؟ قال: نعم، قالوا: ألا ترى إلى هذا المنْبَتِر من قومه يزعم أنه خير منا؟ ونحن - يعني أهل الحجيج وأهل السدانة - قال: أنتم خير منه فنزلت: (إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ) ونزلت: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ) - إلى قوله -: (فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا).
ب - أخرج البخاري وأحمد ومسلم والنَّسَائِي عن المسيب قال: لما حضرت أبا طالب الوفاة، جاءه رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فوجد عنده أبا جهل وعبد اللَّه بن أبي أُمية بن المغيرة، فقال: (أيْ عمِّ، قل لا إله إلا اللَّه، كلمةً أحاجُّ لك بها عند اللَّه) فقال أبو جهل، وعبد اللَّه بن أبي أُمية: أترغب عن ملة عبد المطلب فلم يزل رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يعرضها عليه، ويعيدانه بتلك المقالة، حتى قال أبو طالب آخر ما كلمهم: على ملة عبد المطلب، وأبى أن يقول: لا إله إلا اللَّه قال: قال رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: (واللَّه لأستغفرن لك ما لم أُنه عنك)
جـ - أخرج الترمذي والنَّسَائِي عن أم سلمة - رضي الله عنها - أنها قالت: يغزو الرجال، ولا تغزو النساء، وإنما لنا نصف الميراث فأنزل اللَّه: (وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ) قال مجاهد: وأنزل فيها: (إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ) وكانت أم سلمة أول ظعينة قدمت مهاجرة.
د - أخرج البخاري ومسلم والنَّسَائِي عن ابن عبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - أن ناساً من أهل الشرك كانوا قد قتلوا وأكثروا، وزنوا وأكثروا فأتوا محمداً - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقالوا: إن الذي تقول وتدعو إليه لحسن لو تخبرنا أن لما عملنا كفارةً فنزل: (وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ)، ونزل: (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ).
وهذا النوع - أعني - تعدد الآيات النازلة لسبب أو حدث واحد واقع ولا إشكال فيه، ولا يوجد مانع من حصوله كما ظهر في الأمثلة.
* * *
تعدد السبب والنازل واحد
المراد هنا أن تتعدد الأسباب ويكون النازل آيةً أو آيات في موضع واحد، وقد ذكر المؤلفون في أسباب النزول، وعلوم القرآن عددا من الأمثلة على ذلك، لكنها لا تخلو من مقال. ولا تسلم من نقد، سيما أن هذه الأمثلة مكررة ينقلها اللاحق عن السابق.
وسأذكر هنا الأمثلة التي تبينت لي بعد دراستي لأسباب النزول:
١ - قال اللَّه تعالى: (أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (١٨٧).
أخرج البخاري وأحمد والدارمي وأبو داود والترمذي والنَّسَائِي عن البراء بن عازب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: كان أصحابُ محمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذا كان الرجل صائماً فحضر الإفطار، فنام قبل أن يفطر، لم يأكل ليلته ولا يومه حتى يمسي، وإن قيس بن صرمة الأنصاري كان صائمًا فلما حضر الإفطار أتى امرأته فقال لها: أعندك طعام؟ قالت: لا ولكن أنطلق فأطلب لك، وكان يومه يعمل، فغلبته عيناه، فجاءته امرأته فلما رأته قالت: خيبةً لك، فلما انتصف النهار غشي عليه، فذكر ذلك للنبي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فنزلت هذه الآية: (أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ) ففرحوا بها فرحًا شديداً، ونزلت: (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ).
فالسبب تعدد هنا وهو الجوع والجهد، مع خيانة بعضهم أنفسهم في إتيان النساء مع أن النازل واحد.
ب - قال الله تعالى: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٨٩).
أخرج البخاري ومسلم عن البراء - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: نزلت هذه الآية فينا، كانت الأنصار إذا حجوا فجاؤوا لم يدخلوا من قِبل أبواب بيوتهم ولكن من ظهورها فجاء رجل من الأنصار فدخل من قِبَل بابه، فكانه عُيِّر بذلك فنزلت: (وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا).
فالآية نزلت على سببين:
أحدهما: سؤالهم لرسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن الأهلة، وجواب اللَّه لهم.
الثاني: دخولهم لبيوتهم من ظهورها حال إحرامهم، فبين اللَّه أن ذلك ليس من البر.
جـ - قال اللَّه تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا (٤٣).
أخرج أبو داود والترمذي عن علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أن رجلاً من الأنصار دعاه وعبد الرحمن بن عوف فسقاهما قبل أن تحرم الخمر فأمهم عليٌّ في المغرب فقرأ: (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ) فخلط فيها فنزلت: (لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ).
وأخرج البخاري ومسلم والنَّسَائِي عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: خرجنا مع
فهذان سببان نزلت الآية بشأنهما، وهما الصلاة حال السكر، والتيمم عند عدم الماء.
د - قال اللَّه تعالى:
| (إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا | ) إلى آخر السورة. |
مبايعتهم لرسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - على القتال حين أُشيع أن عثمان قد قتل فكان ذلك سببًا لنزول قول اللَّه تعالى: (لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ... ) الآية.
ومن ذلك: كف اللَّه أيدي المشركين عن المؤمنين حين همت طائفة منهم بالعدوان عليهم فأنزل اللَّه: (وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا (٢٤).
إلى غير ذلك من الأسباب المتعددة التي تناولتها السورة بالحديث عنها واللَّه أعلم.
وهكذا نجد أنه بالإمكان أن تتعدد الأسباب وينزل في ذلك آية واحدة أو آيات متعددة في موضع واحد وليس ثمةَ ما يمنع من ذلك.
* * *
عموم اللفظ وخصوص السبب
هذا المبحث أساسه ومصدره من المباحث الأصولية الهامة والمؤثرة في التطبيقات العملية للأحكام الشرعية، ونظراً لصلته الوثيقة بالنصوص الشرعية بوجه عام، فسيكون لزاماً أن يرتبط بأسباب النزول على نحو خاص، ويكون من المباحث الرئيسة في هذا الموضوع.
وقبل الشروع في المقصود أود التعريف باللفظ العام والسبب الخاص فأقول:
اللفظ العام: هو لفظ وضع وضعاً واحداً لكثير فير محصور مستغرق جميع ما يصلح له.
مثال ذلك: لفظ المحسنين في قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ).
وقد احتُرز بقوله: (وضع وضعاً واحداً) عن المشترك، كالعين مثلاً تطلق على العين المعهودة، والجاسوس، والماء.
وبقوله: (لكثير) عما لم يوضع للكثير كزيد وعمرو.
وبقوله: (غير محصور): عن أسماء العدد فإن المائة مثلاً وضعت وضعاً واحدًا للكثير، لكن الكثير محصور.
وبقوله: (مستغرق جميع ما يصلح له) عن الجمع المنكر الذي تدل القرينة على أنه غير عام، فإن هذا يكون واسطةٌ بين العام والخاص، نحو رأيت رجالاً، فإن من المعلوم أن جميع الرجال غير مرئي.
- وقد ذكر بعض أهل العلم أن القسمة العقلية لأحوال اللفظ مع السبب في العموم والخصوص لا تجاوز أربعة أحوال وهي:
١ - أن يكون السبب عاماً، واللفظ النازل عليه خاصاً.
٢ - أن يكون كلٌّ من السبب واللفظ النازل عليه عاماً.
٣ - أن يكون كل من السبب واللفظ النازل عليه خاصاً.
٤ - أن يكون السبب خاصًا واللفظ النازل عليه عاماً.
وسأنظر فيما يمكن قبوله أو رده من هذه الأحوال وفقا لما بين يديّ من الأسباب وأقوال العلماء.
فأما الحال الأولى: وهي أن يكون السبب عامًا واللفظ النازل عليه خاصاً فهذا لا وجود له في أسباب النزول، وقد قال أبو شهبة:
(وهذا القسم وإن صح عقلاً لكنه لا يجوز بلاغةً لعدم وجود التطابق بين السبب الذي هو بمنزلة السؤال، واللفظ النازل عليه الذي هو بمنزلة الجواب له فيكون بمنزلة من يقول هل للمسلمين أن يفعلوا كذا؟ فيجاب بأن لفلان أن يفعل كذا، ويترك حال الباقين، ومن ثمَّ لم يقع هذا في الكلام البليغ كالقرآن والسنة). اهـ.
قلت: هذا يأتي في الكلام المعتاد وقد قال الطوفي:
(ولو سأله جميع نسائه الطلاق، فقال فلانة طالق، اختص الطلاق بها وإن عمَّ السبب). اهـ.
لكن العموم في السبب هنا ليس مطلقًا، بل هو نسبي لاختصاصه بنسائه فقط.
وأما الحال الثانية: وهي أن يكون كلٌّ من السبب واللفظ النازل عليه
١ - الآيات النازلة في غزوة بدر، والآيات النازلة في غزوة أحد من سورة آل عمران.
٢ - قوله تعالى: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ).
٣ - قوله تعالى: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ).
٤ - قوله تعالى: (وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ).
ففي آية المحيض سأل المسلمون رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن معاملة الحائض.
وفي الثانية سألوه عن كيفية توزيع الأنفال، وفي الثالثة سألوه عن معاملة يتامى النساء المسلمات في النكاح.
فالسائلون جماعة من المسلمين وليس واحداً، فمن ثمَّ كان السؤال عاماً.
وعندي - والله أعلم - أن هذا ليس دقيقاً، وفي نفسي منه شىء، ويعكر عليه أمران:
الأول: أن الأُصوليين وهم أصحاب الشأن لم يذكروا أن السبب يكون عاماً - حسب اطلاعي - وهذا يوجب الشك فيما ذكره غيرهم.
الثاني: ثبت في الصحيح عن جابر بن عبد اللَّه - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - قال: مرضت فجاءني رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يعودني، وأبو بكر وهما ماشيان، فأتاني وقد أُغمي عليَّ، فتوضأ رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثم صب وضوءه عليَّ، فأفقت، فقلت: يا رسول اللَّه، كيف أقضي في مالي، كيف أصنع في مالي؟ قال: فما أجابَنِي بشيء حتى نزلت آية الميراث.
وآية الميراث هي قوله تعالى: (يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ... ).
وجه الدلالة من الحديث على المقصود أن يقال:
الأولى: أن تقولوا إن السبب خاص وليس عامًا لأن السائل واحد وهو جابر فيقال لكم: ما الفرق إذن بين قوله: يسألونك، وقوله: يستفتونك، لأن طريقتكم تقتضي أن الأول سبب عام، والثاني سبب خاص؟
الثانية: أن تقولوا إن السبب عام إذ لا فرق بين يسألونك ويستفتونك، وحينئذٍ يقال لكم كيف جعلتم هذا سبباً عاماً مع أن السائل واحد وهو جابر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -؟
وهذا المثال بيِّن في التعكير على ما ذكروه من خصوص السبب وعمومه والله أعلم.
أما الحال الثالثة: وهي أن يكون كلٌ من السبب واللفظ النازل عليه خاصاً فهذا واقع، والأمثلة عليه من أسباب النزول كثيرة ومنها:
١ - أخرج أحمد ومسلم والترمذي والنَّسَائِي وابن ماجه عن أنس بن مالك - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: لما كان يوم أحد كسرت رباعية رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وشُج في وجهه، قال: فجعل الدم يسيل على وجهه، فجعل يمسح الدم عن وجهه ويقول: (كيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيهم بالدم وهو يدعوهم إلى الله؟ قال: فأنزل اللَّه: (لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ (١٢٨).
فالسبب واللفظ كلاهما خاص هنا.
٢ - أخرج مسلم وأحمد والبخاري والترمذي والنَّسَائِي عن أنس بن مالك - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: بلغ رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن أصحابه شيء فخطب فقال: (عرضت عليَّ الجنة والنار، فلم أرَ كاليوم في الخير والشر، ولو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً؛ قال: فما أتى على أصحاب رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يوم أشدُّ منه، قال: غطوا رؤوسهم ولهم خنين، قال: فقام عمر فقال: رضينا باللَّه رباً، وبالإسلام دينًا، وبمحمد نبياً، قال: فقام ذاك الرجل فقال: من أبي؟ قال: أبوك فلان فنزلت: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ).
٣ - أخرج البخاري وأحمد والترمذي والنَّسَائِي عن عمر بن الخطاب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: لما مات عبد اللَّه بن أُبي بن سلول، دُعي له رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ليصلي عليه، فلما قام رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وثبتُ إليه فقلت: يا رسول اللَّه أَتصلي على ابن أُبي وقد قال يوم كذا وكذا كذا وكذا؟ أُعدد عليه قوله، فتبسم رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وقال: (أخِّر عني يا عمر) فلما أكثرت عليه قال: (إني خيرت فاخترت، لو أعلم أني إن زدت على السبعين يغفر له لزدت عليها) قال: فصلى عليه رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثم انصرف فلم يمكث إلا يسيرًا حتى نزلت الآيتان من براءة: (وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا) - إلى قوله -: (وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ).
فالسبب خاص بصلاة رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - على هذا المنافق، واللفظ خاص به أيضًا، لأن النفاق المانع من الصلاة على صاحبه لا يُعلم إلا من قِبَل اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ -.
٤ - أخرج البخاري وأحمد ومسلم والترمذي والنَّسَائِي عن أنس بن مالك - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: لما تزوج رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - زينب بنت جحش، دعا الناس طعموا ثم جلسوا يتحدثون، قال: فأخذ كأنه يتهيأ للقيام فلم يقوموا فلما رأى ذلك قام فلما قام قام من قام معه من الناس وبقي ثلاثة، وإن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جاء ليدخل فماذا القوم جلوس ثم إنهم قاموا فانطلقوا، قال: فجئت فأخبرت النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنهم قد انطلقوا فجاء حتى دخل، فذهبت أدخل فأرخى الحجاب بيني وبينه وأنزل الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ) - إلى قوله -: (إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا).
فالسبب خاص بالصحابة المتحدثين واللفظ خاص بالصحابة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -.
٥ - أخرج البخاري وأحمد ومسلم والترمذي والنَّسَائِي عن ابن عبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - في قوله: (لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ) قال: كان رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذا نزل جبريل بالوحي، وكان مما يحرك به لسانه وشفتيه، فيشتد عليه، وكان يعرف منه فأنزل الله الآية التي في: (لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ) (لَا تُحَرِّكْ بِهِ
فالسبب واللفظ كلاهما خاص برسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
وأما الحال الرابعة: وهي أن يكون اللفظ عاماً والسبب خاصاً فهذه الحال لبُّ المبحث وخلاصته، والغاية منه، ونظراً لهذا فسوف أتوسع قليلاً في ذكر أقوال العلماء وحججهم في هذه المسألة سواءً أكانوا من الأُصوليين أم غيرهم فأقول:
اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:
الأول: أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فلا يَسقط عموم اللفظ بالسبب الذي ورد عليه وإلى هذا ذهب أكثر العلماء منهم أبو حنيفة والشافعي وأحمد وهو المذهب المعتبر عند المحققين من الفقهاء والأُصوليين وعزاه ابن الحاجب إلى الجمهور واستدلوا بما يلي:
أولاً: أن هذا اللفظ الوارد على سبب خاص، لو عري عن السبب كان عاماً؛ لأن دلالة العموم لفظية لا لعدم السبب، وإذا كانت دلالة العموم مستفادة من لفظه، فإن ورود اللفظ مع وجود السبب كوروده مع عدم السبب، فيكون مقتضيًا للعموم مع وجود السبب كما كان مقتضياً له مع عدمه.
ثانياً: أن الحجة في لفظ الشارع لا في السبب، وإذا كان الأمر كذلك وجب مراعاة اللفظ عمومًا وخصوصًا كما لو ورد ابتداءً على غير سبب، فلو سألت امرأة زوجها الطلاق فقال كل نسائي طوالق عمهن الطلاق مع خصوص السبب، ولو سأله جميعُ نسائه الطلاق فقال: فلانة طالق اختص الطلاق بها وإن عم السبب.
ثالثاً: لو كان ورود اللفظ العام على سبب خاص يسقط العموم لكان المانع للعموم وجودَ السبب وهذا ممتنع لوجهين:
الأول: أن الأصل عدم منع السبب للعموم ومن ادعى ذلك فعليه الدليل.
رابعاً: اللفظ العام الوارد على سبب خاص لا يقصر على سببه كالخطاب الوارد في مكان وزمان فإنه لا يقصر عليهما.
خامساً: أن تخصيص اللفظ العام الوارد على سبب خاص بسببه الخاص يعني إلغاء الزيادة التي تكلم بها، وإذا قيل بعمومه كان ذلك اعتبارًا لها، واعتبار الزيادة أولى من إلغائها.
القول الثاني: أن العبرة بخصوص السبب لا بعموم اللفظ، فيسقط عموم اللفظ بالسبب الذي ورد عليه، وقد نقل هذا المذهب عن مالك والشافعي وأحمد، وأبي ثور، والمزني وغيرهم وقال به جمع كثير من أهل العلم واستدلوا بما يلي:
أولاً: أن المراد بهذا اللفظ بيان حكم السبب فقط، ولولا ذلك لما أخَّر بيان الحكم إلى زمن وقوع الواقعة لأنه ممتنع، وإذا كان المقصود بيان حكم السبب فقط وجب قصر اللفظ عليه.
وأُجيب عن هذا بجوابين:
أحدهما: أن وقوع الواقعة في هذا الوقت أمر تقتضيه حكمة الله التي استأثر بعلمها دون غيره، فربما تفوت المصلحة، ولا يتأتى انقياد العباد لو تقدم الوقوع أو تأخر.
الثاني: أنه يلزم منه أن تكون العمومات الواردة على أسباب خاصة كآية الظهار واللعان مختصةً بأسبابها لأنه أخر البيان إلى وقوع الواقعة وذلك خلاف الإجماع.
ثانياً: لو كان اللفظ العام الوارد على سبب خاص مقصوداً به العموم لجاز تخصيص السبب وإخراجه عن العموم بالاجتهاد كما يجوز تخصيص غيره من الصور الداخلة تحت العموم بالاجتهاد ضرورة تساوي نسبة العموم إلى جميع الصور الداخلة تحته.
ثالثاً: لولا اختصاص الحكم بسببه لما نقل الراوي السبب؛ لأن نقله على هذا التقدير يكون عديم الفائدة، لكن لما نقل الرواة أسباب الأحكام، وحافظوا على نقلها دل ذلك على اختصاص الحكم بالسبب.
وأجيب بأنا لا نسلم أن نقل السبب لا فائدة له بل له فوائد:
منها: بيان أخصية السبب بالحكم، أي أن السبب أخص بالحكم من غيره من صوره فيمتنع تخصيصه على ما سبق فيه.
ومنها: معرفة تاريخ الحكم بمعرفة سببه، وفي معرفة التاريخ فائدة معرفة الناسخ من المنسوخ.
ومنها: توسعة علم الشريعة بمعرفة الأحكام بأسبابها.
ومنها: التأسي بوقائع السلف، وما جرى لهم، فيخف حكم المكاره على الناس.
رابعاً: أن العام الوارد على سبب خاص، جواب له، والأصل في جواب السؤال أن يكون مطابقاً له، فلو كان هذا العام مراداً به العموم لم يكن مطابقًا، بل يصير ابتداء كلام فدل ذلك على أنه مراد به الاختصاص بسببه.
وأجيب: بأنه إن أُريد بمطابقة الجواب للسؤال الكشف عنه وبيان حكمه فقد وجد. وإن أُريد بها أن يكون الجواب مساوياً للسؤال فلا يكون بياناً لغير ما سُئل عنه فلا نسلم أنها الأصل. ولهذا لما سأل اللَّه موسى بقوله: (وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى (١٧) قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى)، فقد كان يكفي في الإجابة قوله: (هِيَ عَصَايَ) ولو كان الاقتصار على نفس المسؤول عنه هو الأصل لكان بيان موسى - عليه السلام - لذلك على خلاف الأصل.
وبما تقدم من أدلة القولين فقد تبين أن أسعد القولين بالصواب قول من قال: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، لسلامة الأدلة وخلوها من معارض صحيح.
ولا يعني الخلاف في المسألة أن الأحكام النازلة بسبب حوادث خاصة أنها تختص بمن نزلت بسببهم، بل هي عامة لهم ولغيرهم حتى على قول من يرى أن العبرة بخصوص السبب لكن الفرق بين القولين أن من يرى أن العبرة بعموم اللفظ يقول أخذنا هذا العموم عن طريق اللفظ العام.
أما من يرى أن العبرة بخصوص السبب فيقولون لم نأخذ العموم في هذه الأحكام من طريق اللفظ العام؛ لأن هذا اللفظ العام مختص بسببه، ولكن أخذنا ذلك العموم من القياس، أي قياس الحوادث المشابهة لما حدث لعويمر، وهلال، وأَوس على ما حدث لهؤلاء والله أعلم.
وبعد ذكر قول الأُصوليين في المسألة سأذكر ما وقفت عليه من أقوال العلماء في اعتبارهم لعموم اللفظ دون خصوص السبب. فأقول:
قال الطبري مقرراً هذه القاعدة: (وأن الآية كانت قد نزلت لسبب من الأسباب ويكون الحكم بها عاماً في كل ما كان بمعنى السبب الذي نزلت فيه) اهـ.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (وقد يجيء كثيرًا من هذا الباب قولهم هذه الآية نزلت في كذا لا سيما إن كان المذكور شخصاً كأسباب النزول المذكورة في التفسير كقولهم: إن آية الظهار نزلت في امرأة أوس بن الصامت) فذكر كلامًا... حتى قال: (فالذين قالوا ذلك لم يقصدوا أن حكم الآية مختص
والناس وإن تنازعوا في اللفظ العام الوارد على سبب هل يختص بسببه أم لا؟ فلم يقل أحد من علماء المسلمين إن عمومات الكتاب والسنة تختص بالشخص المعين وإنما غاية ما يقال إنها تختص بنوع ذلك الشخص فيعم ما يشبهه، ولا يكون العموم فيها بحسب اللفظ). اهـ.
وقال أيضاً في قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ) ووجهه ظاهر الخطاب، فإنه عام فيجب إجراؤه على عمومه، إذ لا موجب لخصوصه، وليس هو مختصاً بنفس السبب بالاتفاق، لأن حكم غير عائشة من أزواج النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - داخل في العموم، وليس هو من السبب، ولأن قصر عمومات القرآن على أسباب نزولها باطل، فإن عامة الآيات نزلت بأسباب اقتضت ذلك، وقد علم أن شيئًا منها لم يقصرعلى سببه).
وقال ابن كثير في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ... ) الآية: (قلت: والصحيح أن الآية عامة وإن صح أنها وردت على سبب خاص، والأخذ بعموم اللفظ لا بخصوص السبب عند الجماهير من العلماء). اهـ.
وقال السيوطي: (اختلف أهل الأصول هل العبرة بعموم اللفظ أو بخصوص السبب؟ والأصح عندنا الأول، وقد نزلت آيات في أسباب واتفقوا على تعديتها إلى غير أسبابها). اهـ.
وقال السعدي: (العبرة بعموم الألفاظ لا بخصوص الأسباب، وهذه قاعدة نافعة جدًا بمراعاتها يحصل للعبد خير كثير، وعلم غزير، وبإهمالها وعدم ملاحظتها يفوته علم كثير ويقع الغلط والارتباك، وهذا الأصل اتفق عليه المحققون من أهل الأصول وغيرهم). اهـ.
فالجواب: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سُئل بما معناه هل العبرة بعموم اللفظ أو بخصوص السبب؟ فأجاب بما معناه أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
ثم ساق حديث ابن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أن رجلاً أصاب من امرأة قبلةً فأتى رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فذكر ذلك له فأنزلت عليه: (وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ) قال الرجل: ألي هذه؟ قال: (لمن عمل بها من أمتي)، وفي رواية في الصحيح قال: الجميع أمتي كلهم).
فهذا الذي أصاب القبلة من المرأة نزلت فى خصوصه آية عامة اللفظ، فقال للنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ألي هذه؟ ومعنى ذلك: هل النص خاص بي لأني سبب وروده؟ أو هو على عموم لفظه؟ وقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - له: (لجميع أُمتي) معناه أن العبرة بعموم لفظ: (إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ) لا بخصوص السبب والعلم عند اللَّه تعالى). اهـ.
وبعد هذا التقرير من اعتبار عموم الألفاظ دون خصوص الأسباب سأذكر عددًا من الأمثلة تناولتها بالدراسة تدل على ذلك. ومنها:
١ - أخرج البخاري وأحمد والدارمي والترمذي والنَّسَائِي عن أنس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: قال عمر: وافقت ربي في ثلاث، فقلت: يا رسول اللَّه لو اتخذنا من مقام إبراهيم مصلى فنزلت: (وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى).
٢ - أخرج البخاري وأحمد والدارمي وأبو داود والترمذي والنَّسَائِي عن البراء بن عازب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: كان أصحاب محمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذا كان الرجل
٣ - أخرج البخاري وأحمد ومسلم وأبو داود والترمذي والنَّسَائِي وابن ماجه عن كعب بن عجرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: وقف عليَّ رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بالحديبية ورأسي يتهافت قملاً، فقال: (يؤذيك هوامك) قلت: نعمِ قال: (فاحلق رأسك) قال: فيَّ نزلت هذه الآية: (فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ... ) إلى آخرها فقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: (صم ثلاثة أيام، أو تصدق بفَرَق بين ستة أو انسك بما تيسر).
٤ - أخرج البخاري وأبو داود والترمذي والنَّسَائِي عن معقل بن يسار - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنها نزلت فيه: (وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ) قال: زوجت أُختاً لي من رجل فطلقها حتى إذا انقضت عدتها جاء يخطبها، فقلت له: زوجتك وفرشتك وأكرمتك، فطلقتها ثم جئت تخطبها لا والله لا تعود إليك أبدًا، وكان رجلاً لا بأس، وكانت المرأة تريد أن ترجع إليه فأنزل اللَّه هذه الآية: (فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ) فقلت: الآن أفعل يا رسول اللَّه قال: (فزوجها إياه).
٥ - أخرج أحمد والترمذي وابن ماجه عن جابر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: جاءت امرأة سعد بن الربيع إلى رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بابنتيها من سعد، فقالت: يا رسول اللَّه، هاتان ابنتا سعد بن الربيع، قُتل أبوهما معك في أحد شهيداً، وإن عمهما أخذ مالهما فلم يدع لهما مالاً، ولا ينكحان إلا ولهما مال قال: فقال:
وآية الميراث هي قوله تعالى: (يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ... ) الآية.
بقي أن يُقال جاء عن أبي أيوب الأنصاري، وابن عبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - ما يدل على أنهما يريان أن العبرة بخصوص السبب لا بعموم اللفظ.
فأما أبو أيوب فقد أخرج الترمذي وأبو داود والنَّسَائِي عن أسلم أبي عمران التجيبي قال: كنا بمدينة الروم، فأخرجوا إلينا صفاً عظيماً من الروم، فخرج إليهم من المسلمين مثلهم أو أكثر، وعلى أهل مصر عقبة بن عامر، وعلى الجماعة فضالة بن عبيد فحمل رجل من المسلمين على صف الروم حتى دخل فيهم، فصاح الناس وقالوا سبحان اللَّه، يلقي بيديه إلى التهلكة، فقام أبو أيوب الأنصاري، فقال: يا أيها الناس إنكم لتأولون هذه الآية هذا التأويل، وإنما أُنزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار لما أعز اللَّه الإسلام وكثر ناصروه فقال بعضنا لبعض سراً دون رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: إن أموالنا قد ضاعت، وإن اللَّه قد أعز الإسلام وكثر ناصروه فلو أقمنا في أموالنا فأصلحنا ما ضاع منها، فأنزل اللَّه على نبيه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يرد علينا ما قلنا: (وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ).
والجواب أن يقال: لا دلالة في الحديث على اعتبار خصوص السبب دون عموم اللفظ لأن أبا أيوب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كان يرى الاقتحام في صفوف الأعداء مأذوناً به شرعاً لأنه كان يشاهد ذلك من أصحاب رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ولا ينكر عليهم وإذا أُذن فيه شرعاً فلن تنهى الآية عنه، وأما ما عدا ذلك من صور إلقاء النفس إلى التهلكة فإن الآية تتناولها، ولا تختص بمن نزلت فيه وهم الأنصار واللَّه أعلم.
وأما ابن عبَّاسٍ فقد أخرج مسلم وأحمد والبخاري والترمذي والنَّسَائِي أن مروان قال: اذهب يا رافع (لبوَّابه) إلى ابن عبَّاسٍ فقل: لئن كان كل امرئ منا فرح بما أتى، وأحب أن يحمد بما لم يفعل معذباً لنعذبن أجمعون. فقال ابن
والجواب عن هذا أن يقال: لا دلالة في الحديث على اعتبار خصوص السبب دون عموم اللفظ ولعل هذا يتبين بتقسيم القضية إلى صورتين:
الأولى: أن يفرح المرء بما أتى من فعل لا معصية فيه، وأحب أن يحمد بما لم يفعل، من غير أن يقع منه كتمان شيء أو كذب على أحد فهذا لا تتناوله الآية كما قاله ابن عبَّاسٍ لأن صاحبه لم يقع منه عمل.
غاية الأمر: أنه أحب أن يحمد بما لم يفعل، وهذه طبيعة النفس البشرية، وهذا هو الذي قصده مروان، ويدل على ذلك قوله: (لنعذبن أجمعون)، ولا يخفى أنه ليس كل الناس يكتمون ويكذبون، فتبين أن مراده ما تقدم.
الثانية: أن يفعل المرء عين ما فعل اليهود من الكذب والكتمان فهذا ما يتناوله نص الآية، ولا فرق بين أن يقع الفعل من اليهود أو من غيرهم، وهذه الصورة لم يسأل عنها مروان لأنه لا يُستغرب أن يعذَّب من هذا حاله، وإنما كان استغرابه أن يُعذَّب على فعلٍ يقع من الجميع، ولا ذنب فيه.
* * *
تكرر النزول
القول بتكرر نزول بعض آيات القرآن من المباحث القديمة المتجددة، يبعثه ويغذيه بعض الروايات المتعارضة في الظاهر، حيث ألجأت بعض العلماء إلى القول بهذا لما أشكل عليهم الجمع بينها أو ترجيح بعضها، وسأذكر ما وقفت عليه من قولي العلماء، وما احتجوا به على هذه المسألة، ثم أُتبع هذا بدراسة الأمثلة التي احتجوا بها على التكرر دراسة مختصرة ثم أُبين الراجح في المسألة فأقول:
اختلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين:
الأول: قول من يرى أن من القرآن ما تكرر نزوله واختار هذا ابن الحصار والسخاوي والزركشي والسيوطي.
قال ابن الحصار: (قد يتكرر نزول الآية تذكيراً وموعظة). اهـ. وقال السخاوي: (فإن قيل: فما فائدة نزولها مرة ثانية؟ قلت: يجوز أن تكون نزلت أول مرة على حرف واحد، ونزلت في الثانية ببقية وجوهها نحو: ملك، ومالك، والسِّراط، والصراط ونحو ذلك). اهـ.
وقال الزركشي: (وقد ينزل الشيء مرتين تعظيماً لشأنه، وتذكيراً به عند حدوث سببه خوف نسيانه.
والعالِم قد يحدث له حوادث فيتذكر أحاديث وآيات تتضمن الحكم في تلك الواقعة وإن لم تكن خطرت له تلك الحادثة قبل، مع حفظه لذلك النص). اهـ.
وقال السيوطي: (تنبيه: قد يجعل من ذلك الأحرف التي تقرأ على وجهين فأكثر ويدل له ما أخرجه مسلم من حديث أُبي: (إن ربي أرسل إليَّ أن اقرأ القرآن على حرف فرددت إليه أن هون على أُمتي، فأرسل إليَّ أن اقرأه على حرفين فرددت إليه أن هون على أمتي فأرسل إليَّ أن اقرأه على سبعة أحرف) فهذا الحديث يدل على أن القرآن لم ينزل من أول وهلة بل مرةً بعد أخرى). اهـ.
وخلاصة حجتهم ما يلي:
١ - أن النزول يتكرر لغرض إنزال بقية الأحرف السبعة التي نزل القرآن عليها.
٢ - تذكير المخاطبين وموعظتهم بها.
٣ - تعظيم شأن المنزل.
٤ - تذكير رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بها خوف النسيان.
٥ - وجود أمثلة من القرآن تدل على هذا.
القول الثاني: أنه ليس في القرآن شيء تكرر نزوله واحتجوا بما يلي:
١ - أن هذا خلاف الأصل، قال ابن حجر: (والأصل عدم تكرر النزول).
٣ - عدم الدليل الصحيح على وقوع التكرر.
والبداية بالجواب عما ذكره القائلون بتكرر النزول.
فقولهم: إن النزول يتكرر لغرض إنزال بقية الأحرف السبعة التي نزل القرآن عليها. فالجواب عنه من وجوه:
أ - أن من لازم القول بهذا ارتباطَ الأحرف السبعة بأسباب النزول؛ لأن النزول لن يتكرر إلا بوجود أسبابه.
والواقع أن الأحرف السبعة تخالف أسباب النزول في الموضوع والغاية، فالغرض من تكرر النزول على فرض وقوعه معالجة ما يستدعي ذلك من القضايا الخاصة، بينما الغرض من إنزال القرآن على سبعة أحرف التيسير والتسهيل على الأمة عامة في قراءة القرآن وفرق بيِّن بين الأمرين.
ب - أن مقتضى استدلالكم بنزول الأحرف السبعة على تكرر النزول أن يكون لما ذكرتم من الأمثلة صلة بالأحرف وهذا ما لا يوجد، حتى أنتم لما ذكرتم التكرار لم تقولوا إنها في النزول الأول كانت بحرف كذا، وبالنزول الثاني كانت بحرف كذا، بل غاية الأمر عندكم أنكم لجأتم للقول بتكرر النزول لما اشتبه عليكم المكي بالمدني.
جـ - أن الأحرف السبعة التي نزل القرآن بها لو كان لها صلة بتكرر النزول لكانت الأدلة على تكرر النزول تربو عن المذكور بكثير، وهذا ليس بغريبٍ، إذا علمنا أن الأحرف سبعة وأن عدد سور القرآن يبلغ مائة وأربع عشرة سورة، فلماذا اقتصرتم على بضعة أمثلة يرددها اللاحق عن السابق، وتركتم الجم الغفير منها، ولم تصدروا بها قولكم مع أن الأدلة والأمثلة هي مادة حياة القول وسبب بقائه.
وأما قولهم: إن في تكرر النزول لبعض الآيات تذكيراً وموعظةً بها.
فالجواب أن يقال: إن التذكير والموعظة يحصل بالتفكر والتدبر في آيات اللَّه الشرعية والكونية.
وقال تعالى: (فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ (٤٥).
وقال تعالى: (أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (١٨٥).
فالذكرى تنال بالتدبر والتفكر لا بتكرار النزول، ولو كان التذكير والموعظة يستلزم التكرار لترتب على هذا أمران:
الأول: تعطيل التفكر والتدبر في كتاب اللَّه مع أنه الغاية من الإنزال كما دلت على هذا الآية السابقة.
الثاني: استمرار النزول ودوامه إلى قيام الساعة لأن حاجة الناس للتذكير والموعظة لا تنقطع، فهل كلما دعت حاجة إلى التذكير اقتضى الأمر النزول؟ هذا لا يقوله أحد، حتى وإن قال بتكرر النزول، ولعل المرء يقول القول لكن يغيب عن ذهنه لازمُه وما يترتب عليه واللَّه أعلم.
وأما قولهم: إن في تكرر النزول تعظيماً لشأن المنزّل.
فالجواب أن يقال: المنزّل لا يفتقر للتكرار حتى يكون عظيمًا بل يكفيه تعظيماً وتشريفًا أنه كلام اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - فهذا أعظم شرف للقرآن.
ولو أننا ضربنا مثلاً - وللَّه المثل الأعلى - بملِكين من ملوك الدنيا، أحدهما يُصدر الأمر بالشيء فتتم الاستجابة لأمره بشكل كامل، ومن غير إبطاء.
والآخر يفعل الشيء نفسه لكن أمره أحيانًا يواجه بالرفض، وأحيانًا بالتنفيذ الجزئي، وأحياناً بالإبطاء، فهو يضطر لفعل الشيء الواحد أن يصدر عددًا من الأوامر.
فأيُّ المَلِكين أعظم شأناً في أمره وسلطانه؟
فالجواب: بلا ريب أن الأول أعظم شأناً في نفسه وأمره مع أنه لم يكرر أمره، بخلاف الثاني فالضعف يلتف حوله ويحيط بأمره مع كونه يكرر الأوامر التي لم تغن عنه شيئاً.
وبهذا يتبين أن التكرر في النزول لا يدل على تعظيم المنزّل، بل التعظيم حاصل بنزوله فقط مرة واحدة. والله أعلم.
وأما قولهم: إن في تكرر النزول تذكيراً لرسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بها خوف نسيانه.
فالجواب عن هذا أن يقال: إن الله تعالى قال: (اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ) وقال تعالى: (اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ).
ولن يصطفي الله لرسالته أحداً إلا إن كان مهيأ للرسالة، صالحاً لها، مع إمداده، بما يكون به صلاح الدعوة، وقوة الحجة من الأسباب المادية الحسية والمعنوية، ولرسولنا محمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من الأسباب أسماها وأعلاها، كيف لا وهو سيد ولد آدم، وخاتم النبيين، ورسالته أوعبت الجنس والمكان والزمان.
أفيمكن بعد هذا أن يقال إنه نسي الآية التي بين يديه، أو خفيت عليه دلالتها على تلك الحادثة حتى ينزل الوحي مرة ثانية.
إن أحداً من العلماء الراسخين لو وقع هذا منه لكان مستغرباً باعثاً على الشك في حسن فهمه لنصوص الوحي، فكيف يقال هذا في رسول الله -- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ --؟
فقول الزركشي: (قد ينزل الشيء مرتين تعظيماً لشأنه وتذكيراً به عند حدوث سببه خوف نسيانه) لا يخلو من أمرين:
الأول: إن أراد أن النسيان واقع من الصحابة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - فرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بين أظهرهم يذكرهم بكتاب الله، وحينئذٍ تنتفي الحاجة للتكرار.
الثاني: إن أراد أن النسيان واقع من رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فهذا عين الخطأ والخطل والخطر، والله المستعان.
أما استدلالهم ببعض الروايات على تكرر النزول لتعارضها في الظاهر فإليك مناقشتها:
وقد استُدل على نزولها بمكة بأن الله ذكرها في سورة الحجر بقوله: (وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ) ومما يدل على أن المراد بالآية هنا سورة الفاتحة ما روى البخاري عن أبي سعيد بن المعلى قال: كنت أُصلي في المسجد، فدعاني رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فلم أجبه، فقلت: يا رسول الله، إني كنت أُصلي فقال: (ألم يقل اللَّه: اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ) ثم قال لي: (لأعلمنك سورة هي أعظم السور في القرآن قبل أن تخرج من المسجد)، ثم أخذ بيدي، فلما أراد أن يخرج، قلت له: ألم تقل: لأعلمنك سورة هي أعظم سورة في القرآن. قال: (الحمد للَّه رب العالمين هي السبع المثاني، والقرآن العظيم الذي أوتيتُه).
وجه الدلالة من الحديث على أنها مكية أن اللَّه تعالى ذكر إيتاءها رسوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في سورة الحجر، وهذه السورة مكية كلها.
قال ابن عاشور: (حكي الاتفاق عليها).
وإذا كان الأمر كذلك فلا بد أن تكون الفاتحة قد نزلت قبل سورة الحجر، وبناءً عليه لا بد أيضًا أن يكون نزولها في مكة.
أما من استدل على نزولها بالمدينة فاحتج بما روى مسلم عن ابن عبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - قال: بينما جبريل قاعد عند النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سمع نقيضًا من فوقه فرفع رأسه، فقال: هذا باب من السماء فتح اليوم، لم يفتح قط إلا اليوم. فنزل منه ملك. فقال: هذا ملك نزل إلى الأرض، لم ينزل قط إلا اليوم فسلم وقال: أبشر بنورين أُوتيتهما لم يؤتهما نبي قبلك، فاتحة الكتاب، وخواتيم سورة البقرة لن تقرا بحرف منهما إلا أُعطيته.
والراجح - واللَّه أعلم - أنه لا معارضة بين الحديثين، وأن السورة إنما أُنزلت في مكة فقط، أما حديث ابن عبَّاسٍ فلا يدل على أنها مدنية، بل غاية الأمر أن الحديث يدل على فضلها ولهذا قال القرطبي: (إن جبريل - عليه السلام - نزل بها في مكة، ونزل هذا الملك بفضلها وثوابها في المدينة، فجبريل هو أمين الوحي وقد قال اللَّه تعالى: (نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ) وهذا يقتضي نزوله بجميع القرآن دون استثناء). اهـ.
ثانياً: قوله تعالى: (مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (١١٣).
أ - أخرج البخاري وأحمد ومسلم والنَّسَائِي عن المسيب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: لما حضرت أبا طالب الوفاة، جاءه رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فوجد عنده أبا جهل ابن هشام، وعبد اللَّه بن أبي أُمية بن المغيرة، قال رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لأبي طالب: (يا عَمِّ قل لا إله إلا الله كلمة أشهد لك بها عند اللَّه) فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أُمية: أترغب عن ملة عبد المطلب فلم يزل رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يعرضها عليه، ويعودان بتلك المقالة حتى قال أبو طالب آخر ما كلمهم هو على ملة عبد المطلب، وأبى أن يقول لا إله إلا اللَّه، فقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: (أما واللَّه لأستغفرن لك ما لم أُنه عنك) فأنزل الله فيه: (مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ... ).
ب - أخرج أحمد والترمذي والنَّسَائِي عن علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: سمعت رجلاً يستغفر لأبويه، وهما مشركان. فقلت: أيستغفر الرجل لأبويه وهما مشركان؟ فقال: أوَلم يستغفر إبراهيم لأبيه؟ فذكرت ذلك للنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فنزلت: (مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ) - إلى قوله -: (تَبَرَّأَ مِنْهُ) قال: (لما مات).
هذه ثلاثة أحاديث جاء فيها نزول هذه الآية الكريمة، فذهب بعض العلماء لتكرر النزول. وعندي - واللَّه أعلم - أن هذه الأحاديث لا تدل على ذلك، وبيان ذلك أن يقال:
إن حديث ابن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - في زيارة النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قبر أمه واستغفاره لها، ونزول الآية فيه لا يصح سبباً للنزول لضعف سنده وقد قال فيه الذهبي: (هذا من غرائب الحديث) وقال ابن كثير: (غريب).
وأما حديث علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - في سماعه رجلاً يستغفر لأبويه وهما مشركان فالحديث أيضاً لا يصح لضعفه في سنده، وشذوذه في متنه، فكيف يحتج به على النزول. فلم يبق إلا حديث المسيب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - في استغفار رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لعمه أبي طالب لصحة إسناده، واحتجاج جمهور العلماء به واللَّه أعلم.
ثالثاً: قال اللَّه تعالى: (وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ (١١٤).
أخرج البخاري وأحمد ومسلم والترمذي والنَّسَائِي وابن ماجة عن عبد الله بن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أن رجلاً أصاب من امرأةٍ قبلةً فأتى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فأخبره فأنزل اللَّه: (وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ) فقال الرجل: يا رسول الله ألي هذا؟ قال: (لجميع أمتي كلهم).
وما ذكره الزركشي لا ريب أنه ضعيف، وقوله: إنها مكية بالاتفاق ليس بصحيح فقد قال ابن عبَّاسٍ وقتادة: إنها مدنية، وحسبك. بهما، ولا مانع أن تكون السورة مكيةً وهذه الآية منها مدنية لوجود السبب الدال على ذلك، وحينئذ ينتفي القول بتكرر النزول.
رابعاً: قال الله تعالى: (وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ (١٢٦).
أخرج الترمذي والنَّسَائِي عن أُبيّ بن كعب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: لما كان يوم أحد أُصيب من الأنصار أربعة وستون رجلاً، ومن المهاجرين ستة منهم حمزة فمثلوا بهم، فقالت الأنصار: لئن أصبنا منهم يومًا مثل هذا لنربينَّ عليهم، قال: فلما كان يوم فتح مكة فأنزل الله تعالى: (وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ) فقال رجل: لا قريش بعد اليوم، فقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: (كفوا عن القوم إلا أربعة).
قال ابن الحصار: (إنها نزلت أولاً بمكة قبل الهجرة مع السورة لأنها مكية، ثم ثانيًا بأحد، ثم ثالثًا يوم الفتح تذكيرًا من الله لعباده). اهـ.
وعندي - واللَّه أعلم - أن ما ذكره ابن الحصار في تكرر النزول ثلاث مرات قول ضعيف لا يستند إلى دليل.
والعلماء متفقون على أن الآية نزلت لما همَّ الصحابة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - أن يضاعفوا العقوبة بالمشركين حين مثَّلوا بشهدائهم يوم أُحد.
قال ابن عطية: (أطبق أهل التفسير أن هذه الآية مدنية نزلت في شأن التمثيل بحمزة في يوم أحد). اهـ.
وأما قوله: إنها نزلت ثالثًا يوم الفتح فليس له دليل إلا ما جاء في حديث أُبي: فلما كان يوم فتح مكة فأنزل اللَّه تعالى: (وَإِنْ عَاقَبْتُمْ... ) الآية.
فهذا وهم بلا ريب إذ كيف يتأخر النزول عن السبب خمس سنين، ومما يدل على تطرق الوهم للحديث أن مداره على الربيع بن أنس وهو صدوق له أوهام.
فإذا انتفى القول بنزولها قبل الهجرة ويوم الفتح لم يبق إلا نزولها عند غزوة أُحد واللَّه أعلم.
خامساً: قال اللَّه تعالى: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (٨٥).
أ - أخرج البخاري وأحمد ومسلم والترمذي والنَّسَائِي عن عبد اللَّه بن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: كنت مع النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في حرث بالمدينة وهو يتوكأ على عسيب، فمر بنفر من اليهود. فقال بعضهم: سلوه عن الروح، وقال بعضهم: لا تسألوه، لا يسمعكم ما تكرهون، فقاموا إليه فقالوا: يا أبا القاسم، حدثنا عن الروح، فقام ساعة ينظر، فعرفت أنه يُوحى إليه، فتأخرت عنه حتى صعد الوحي ثم قال: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي).
ب - أخرج أحمد والترمذي والنَّسَائِي عن ابن عبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - قال: قالت قريش لليهود: أعطونا شيئاً نسأل عنه هذا الرجل فقالوا: سلوه عن الروح فسألوه فنزلت: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ... ) قالوا: أُوتينا علماً كثيرًا أُوتينا التوراة ومن أُوتي التوراة فقد أُوتي خيرًا كثيرًا قال: فأنزل اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ -: (قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا (١٠٩).
وعندي - واللَّه أعلم - أن ما ذكره الزركشي ليس بسديد لأن القول بأن الإسراء مكية بالاتفاق يعارضه حديث ابن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - الدال على نزول هذه الآية في المدينة، ونزول السورة في مكة لا يعني أنها بكمالها مكية، بل هي مكية في الغالب.
هذا من حيث المكي والمدني، أما النظر في الإسناد فحديث ابن مسعود في الصحيحين وغيرهما وليس الأمر كذلك بالنسبة لحديث ابن عبَّاسٍ فكيف إذا كان مختلَفًا في وصله وإرساله.
ثم ابن مسعود كان حاضرًا مشاهدًا لما وقع وقد روى ما شهد، بينما ابن عباس كان صغيراً لا يصح تحمله أو لم يولد بعد فكيف يكون حديثه على ما فيه ندًا لحديث ابن مسعود، وُيبنى عليه القول بالتكرار؟
سادساً: قال الله تعالى: (الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣) فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ... ) الآيات.
أخرج الترمذي عن أبي سعيد قال: لما كان يوم بدر ظهرت الروم على فارس فأعجب ذلك المؤمنين فنزلت: (الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ) - إلى قوله -: (يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ) ففرح المؤمنون بظهور الروم على فارس.
فهذا الحديث يدل على نزول الآيات يوم بدر، وهذا يعني أنها مدنية، بينما دلت الآثار وأقوال المفسرين على نزولها في مكة لما غلبت الفرسُ الرومَ فاستبشر بذلك المشركون.
ومن هنا ذهب من ذهب إلى تكرر النزول لأنها نزلت قبل الهجرة وبعدها.
إن الحديث يدل على أن ظهور الروم على فارس إنما وقع يوم بدر، وإذا كان الأمر كذلك فكيف يبشر اللَّه المؤمنين بأن الروم ستنتصر على فارس في بضع سنين، والنصر قد تم للروم في يوم بدر - حسبما يقتضيه الحديث -.
وإذا أضفت إلى هذه العلةِ إعراضَ المفسرين عنه واختيارهم لخلافه، وكون السورة مكية، وضعف إسناده واضطرابه تبين لك أنه لم يبق في الحديث رمق، وحينئذٍ تبقى آثار السلف وأقوال المفسرين الدالة على نزولها في مكة سالمةً من معارض صحيح، فينتفي القول بتكرر النزول لعدم الدليل عليه واللَّه أعلم.
سابعاً: قال الله تعالى: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤).
أخرج أحمد والترمذي عن أُبي بن كعب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أن المشركين قالوا للنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يا محمد انسب لنا ربك فأنزل اللَّه: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ... ) السورة.
فهذا الحديث يدل على نزولها في مكة لأن المشركين كانوا في مكة.
وذهب بعض أهل العلم إلى نزولها في المدينة لأن السائلين من اليهود.
قال الزركشي: (وكذلك ما ورد في (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) أنها جواب للمشركين في مكة، وأنها جواب لأهل الكتاب بالمدينة). اهـ.
والراجح - واللَّه أعلم - أن سورة الصمد لم تنزل إلا مرةً واحدةً في مكة، هذا على افتراض أن الحديث في سؤال المشركين لرسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن نسب ربه يصح الاحتجاج به وإلا فالحديث مرسل ضعيف لأن مداره على أبي جعفر الرازي وهو صدوق سيئ الحفظ، وروايته عن الربيع خصوصًا فيها اضطراب كثير.
وبناءً على ما تقدم هل يصح القول بتكرر النزول مع عدم الدليل الصحيح على ذلك؟
الجواب: لا، فليس للقائلين بتكرر النزول مثال واحد صحيح يسلم عند البحث والمناظرة، مع أن الأمثلة هي أقوى ما يُحتج به لقولهم. واللَّه أعلم.
وأما القائلون بعدم تكرر النزول فاحتجوا بما يلي:
أ - أن تكرر النزول خلاف الأصل. قال ابن حجر: (والأصل عدم تكرر النزول). وهذا حق أن الأصل عدمه، ومن خالف الأصل طولب بالدليل.
ب - عدم الفائدة في تكرر النزول لأنه تحصيل حاصل، وهذا صحيح فلم أجد فيما ذكروا فائدة من تكرر النزول، بل هو تحصيل أمرٍ حاصل موجود.
جـ - عدم وجود الدليل الصحيح على التكرر. وهذا حق بعدما تبين من دراسة الأمثلة التي ذكروها، وإذا انتفى دليل القول انتفى القول ضرورةً.
وبما تقدم يتبين أنه ليس لتكرر نزول بعض السور والآيات وجود أصلاً في كتاب اللَّه تعالى أو سنّة رسوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
وقد ذكر ابن القيم معنًى خاصاً لقولهم: نزلت مرتين وهو التذكير بالآية إما من النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وإما من جبريل فأُطلق على ذلك النزول.
ولهذا لما ذكر قول بعض العلماء في نزول قوله تعالى: (إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ) وأنها نزلت في بني سلمة لما أرادوا النُّقلة إلى قرب المسجد قال: (وفي هذا القول نظر، فإن سورة يس مكية، وقصة بني سلمة بالمدينة إلا أن يُقال هذه الآية وحدها مدنية، وأحسن من هذا أن تكون
وفي قول ابن القيم - رحمه الله - نظر من وجهين:
الأول: أن المعنى الذي ذكره لا يسعفه اللفظ؛ لأن التذكير لا يعبر عنه بالنزول، ولو أرادوا بتكرر النزول التذكير بالنازل لقالوا فذكرهم بها ولم يقولوا نزلت مرة بعد مرة.
الثانى: أن هذا التوجيه منه متوجه لو كان بأيدينا مثال صحيح، أما مع عدم الدليل فلا يصح واللَّه أعلم.
* * *
ضوابط الترجيح في أسباب النزول
وفيه ستة مباحث:
المبحث الأول: الترجيح بتقديم الصحيح على الضعيف.
المبحث الثاني: الترجيح بتقديم السبب الموافق للفظ الآية على غيره.
المبحث الثالث: الترجيح بتقديم قول صاحب القصة على غيره.
المبحث الرابع: الترجيح بتقديم قول الشاهد للسبب على الغائب عنه.
المبحث الخامس: الترجيح بدلالة السياق القرآني.
المبحث السادس: الترجيح بدلالة الوقائع التاريخية.
ضوابط الترجيح في أسباب النزول
الضوابط الترجيحية بمنزلة النجوم التي يُهتدى بها في ظلمات البر والبحر كما قال اللَّه تعالى: (وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ (١٦)، كما أن أثرها عميق في تحديد الراجح من المرجوح، وبيان الصواب من الخطأ، ولهذا أكبَّ بعض العلماء على تحديد الضوابط المؤثرة في الترجيح، وألَّفوا لأجل ذلك المؤلفات، وصنّفوا المصنفات إما استقلالاً، وإما تبعاً وإلحاقاً، إدراكاً منهم لأهمية ذلك في تحديد المسائل وتحريرها.
ولئن كانت الضوابط مفيدة في الترجيح بين الأقوال والأسباب، فإن هذا لا يعني اطرادها في كل مسألة، فقد يتخلف هذا أحياناً إذا اقتضى الأمر ذلك ودلت عليه الدلائل من هنا وهناك كما هو الشأن فى سائر القواعد والضوابط.
كما أن الحديث عن الترجيح بين الأسباب لا يعني بالضرورة أن يوجد سببان فأكثر، فتطبيق تلك الضوابط ممكن حتى مع وجود السبب الواحد فقط، فقد يتبين من إعمال الضوابط أن الآية لم تنزل على سبب أصلاً وإنما نزلت ابتداءً، وقد يتبين أيضاً أن للآية سببًا آخر غير الذي معنا.
ومهما يكن من أمر فإن الغرض هنا هو الوصول إلى النتيجة عبر وسائل شرعية ومسالك علمية بعيداً عن هوى النفس وحظوظها.
أما اختياري لهذه الضوابط دون غيرها فلاعتقادي أن لها تأثيراً في تعيين الأسباب.
وسأجتهد في ذكر بعض الأمثلة التي تناولتها بالدراسة، إذ لا يخفى أثر المثال في ترسيخ المقال.
وسأذكر - إن شاء الله - لكل ضابط خمسة أمثلة ليتبين للناظر وفرة الأمثلة
وأنا عازم - بإذن اللَّه - على بذل وسعي في اجتناب تكرار الأمثلة ما استطعت ومع هذا السعي فقد يوجد شيء تقتضيه مناسبة المثال.
* * *
الترجيح بتقديم الصحيح على الضعيف
عناية العلماء بأسباب نزول القرآن خاصةً تبعٌ لعنايتهم بمباحث السنّة النبوية عامة، ذلك أن أسباب النزول أحاديث وقعت في العصر النبوي فنزل القرآن بسببها، وحينئذٍ يكون شأنها كشأن سائر الأحاديث سواء بسواء.
ومن صور ذلك: العناية بدراسة أسانيدها، وتمييز صحيحها من سقيمها، وقد بذل العلماء لأجل ذلك جهوداً مضنية عظيمة، وأوقاتاً ثمينةً من أعمارهم وألّفوا المؤلفات المختصرة والمطولة في التاريخ، والطبقات، والجرح والتعديل، وارتحلوا لأجل ذلك شرقاً وغرباً، طلباً للحديث، تحملاً وأداءً، سماعاً وإسماعاً، ووضعوا الأسانيد، وقعّدوا القواعد التي لم يجرِ لها نظير في التاريخ، كل ذلك وغيره طلباً لحفظ سنّة النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وصيانة لها من الضعيف والدخيل.
وكانت نتيجة ذلك إعمالَ تلك القواعد في النصوص الشرعية، وتطبيقها عليها، وصولاً إلى خلاصة ذلك وهي معرفة أحكام اللَّه على المكلفين.
ولئن كان هذا هو الأصل في الموضوع، فإن نظرةً في مناهج المحدثين تنبئك بأن هذا ليس مطرداً دوماً، إذ اعتمد العلماء أحاديث ضعيفة في الأحكام، ورتبوا عليها القول بالحلال والحرام.
ومثلهم المفسرون فاستدلالهم بالأحاديث والآثار الضعيفة في إثبات المعاني، وأسباب النزول لا يخفى على من نظر فيه.
ولعل سبب سلوكهم هذا المنهج مع الأحاديث والآثار الضعيفة نظراً منهم، ومراعاةً لما يحتف بها من قرائن الترجيح المتعددة.
وقد شجعني هذا على الاعتقاد بأن بعض الأحاديث التي تناولتها بالبحث
وسأذكر من أقوال العلماء ما يدل على أن صحة الإسناد ليست شرطاً ثابتًا لقبول الحديث والاحتجاج به، بل إذا احتف به ما يقويه كان ذلك كافيًا في قبوله، والاعتماد عليه.
وقال الزركشي: وقد يعلم الفقيه صحة الحديث بموافقة الأصول أو آية من كتاب اللَّه تعالى فيحمله ذلك على قبول الحديث، والعمل به، واعتقاد صحته، وإذا لم يكن في سنده كذاب فلا بأس بإطلاق القول بصحته إذا وافق كتاب اللَّه تعالى وسائر أصول الشريعة.
قال ابن حجر: (وقد صرح أبو الحسن بن القطان أحد الحفاظ النقاد من أهل المغرب بأن هذا القسم - يعني الضعيف والمنقطع - لا يحتج به كله، بل يعمل به في فضائل الأعمال، ويتوقف عن العمل به في الأحكام إلا إذا كثرت طرقه، أو عضده اتصال عمل، أو موافقة شاهد صحيح، أو ظاهر القرآن، وهذا حسن قوي رايق ما أظن منصفاً يأباه واللَّه الموفق).
وقال بعده بيسير: (والقلب إلى ما حرره ابن القطان أميل). اهـ بتصرف يسير.
وقال اللكنوي: (قال أبو الحسن بن الحضّار المالكي: قد يعلم الفقيه صحة الحديث - إذا لم يكن في سنده كذاب - بموافقة آية من كتاب اللَّه، أو بعض أصول الشريعة فيحمله ذلك على قبوله والعمل به). اهـ.
ونقل عن السيوطي أنه اختار ذلك فقال: (المقبول ما تلقاه العلماء بالقبول، أو اشتهر عند أئمة الحديث بغير نكير منهم، أو وافق آية من القرآن،
وقد نقل اللكنوي نصوصًا كثيرة عن العلماء في هذا الباب تدل على ما تقدم، ولا ريب أن هذا يوجب للقلب طمأنينة وراحة في سلوك هذا المسلك والركون إليه.
ومع هذا فلا يعني الكلام المتقدم إهمال صحة الإسناد، وعدم اعتباره، بل إذا اجتمعت ضوابط الترجيح مع صحة الإسناد كان الحديث هو المقدم في سبب النزول.
وسأذكر من أقوال العلماء ما يبين رعايتهم لصحة الإسناد في إثبات الأسباب: -
أولاً: البغوي ففي نزول قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ... ) الآية. ذكر حديث البراء عند مسلم في قضية اليهودي الذي زنى، ثم ذكر قضية القبيلتين من اليهود وحال الدية بينهما فقال: (والأول أصح لأن الآية في الرجم).
ثانياً: ابن العربي ففي نزول قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ... ) الآية.
فقد ذكر ابن العربي ستة أسباب لنزول الآية ثم قال: (هذه الروايات ضعيفة إلا الأولى - يعني بها قصة زينب - والسادسة - يعني بها حديث أنس عن عمر في موافقته لله). اهـ.
ثالثاً: ابن كثير ففي قوله تعالى: (وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ... ) الآية.
لما ذكر حديث خباب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: جاء الأقرع بن حابس التميمي،
قال ابن كثير: (وهذا حديث غريب فإن هذه الآية مكية، والأقرع بن حابس وعيينة إنما أسلما بعد الهجرة بدهر). اهـ.
رابعاً: ابن حجر العسقلاني ففي قوله تعالى: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا).
لما ذكر حديث ابن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: (قال: وهذا يدل على أن نزول الآية وقع بالمدينة لكن روى الترمذي ثم ساق حديث ابن عبَّاسٍ...
ثم قال: ويمكن الجمع بأن يتعدد النزول بحمل سكوته في المرة الثانية على توقع مزيد بيان في ذلك، وإن ساغ هذا وإلا فما في الصحيح أصح).
وسأذكر أمثلة تناولتها بالدراسة يتبين فيها ترجيح الصحيح على الضعيف.
١ - قال اللَّه تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (٩٤).
فقد أخرج البخاري ومسلم وأبو داود والنَّسَائِي عن ابن عبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -: (وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا) قال: كان رجل في غنيمة له فلحقه المسلمون، فقال: السلام عليكم، فقتلوه، فأخذوا غنيمته، فأنزل اللَّه في ذلك إلى قوله: (تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) تلك الغنيمة.
فهذا الحديث هو سبب نزول الآية لصحة إسناده وليس ما رواه أحمد من حديث عبد اللَّه بن أبي حدرد - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: بعثنا رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلى إِضَم فخرجت في نفر من المسلمين... الحديث.
فإن هذا الحديث ضعيف لا يقارب حديث ابن عبَّاسٍ في صحة الإسناد.
أخرج البخاري ومسلم والنَّسَائِي عن عائشة - رضي الله عنها -: (وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا) قالت: الرجل تكون عنده المرأة، ليس بمستكثر منها، يريد أن يفارقها، فتقول: أجعلك من شأني في حلٍ فنزلت هذه الآية في ذلك.
فهذا الحديث هو سبب نزولها لصحة سنده وليس ما رواه الترمذي عن ابن عبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - قال: خشيت سودة أن يطلقها رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقالت: لا تطلقني وأمسكني واجعل يومي لعائشة ففعل فنزلت: (فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ) فما اصطلحا عليه من شيء فهو جائز. فهذا الحديث ضعيف لا يحتج به. والله أعلم.
٣ - قال اللَّه تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (١٠١) قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ (١٠٢).
فقد أخرج مسلم وأحمد والبخاري والترمذي والنَّسَائِي عن أنس بن مالك - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: بلغ رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن أصحابه شيء فخطب فقال: (عرضت عليَّ الجنة والنار، فلم أرَ كاليوم في الخير والشر ولو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً، ولبكيتم كثيراً) قال: فما أتى على أصحاب رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يوم أشدُّ منه، قال: غطوا رؤوسهم ولهم حنين قال: فقام عمر فقال: رضينا باللَّه ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد نبياً، قال: فقام ذاك الرجل فقال: من أبي؟ قال: (أبوك فلان) فنزلت: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ).
فهذا الحديث هو سبب نزول الآية لصحة سنده، وليس سببها ما أخرجه أحمد والترمذي وابن ماجه عن علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: لما نزلت هذه الآية: (وَللَّهِ
٤ - قال اللَّه تعالى: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١).
أخرج أبو داود والنَّسَائِي من حديث ابن عبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - قال: قال رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يوم بدر من فعل كذا وكذا فله من النفل كذا وكذا قال: فتقدم الفتيان ولزم المشيخة الرايات فلم يبرحوها، فلما فتح اللَّه عليهم قال المشيخة: كنا ردءاً لكم لو انهزمتم لفئتم إلينا فلا تذهبوا بالمغنم ونبقى فأبى الفتيان وقالوا: جعله رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لنا فأنزل اللَّه: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ... ) الآية.
فهذا الحديث هو سبب نزولها لصحة سنده وليس سببها ما أخرجه أحمد عن عبادة بن الصامت فهذا ضعيف لا يثبت كما قاله البخاري - رحمه الله -.
٥ - قال اللَّه تعالى: (مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (١١٣)... الآية.
وقد أخرج البخاري وأحمد ومسلم والنَّسَائِي عن المسيب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: لما حضرت أبا طالب الوفاة، جاءه رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فوجد عنده أبا جهل بن هشام، وعبد اللَّه بن أبي أمية بن المغيرة. قال رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لأبي طالب: (يا عمِّ قل لا إله إلا اللَّه كلمةً أشهد لك بها عند اللَّه) فقال أبو جهل وعبد اللَّه بن أبي أمية: يا أبا طالب، أترغب عن ملة عبد المطلب، فلم يزل رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يعرضها عليه، ويعودان بتلك المقالة، حتى قال أبو طالب آخر ما كلمهم: هو على ملة عبد المطلب. وأبى أن يقول: لا إله إلا اللَّه، فقال
فهذا الحديث هو سبب نزول الآية لصحة إسناده، وليس ما رواه أحمد والترمذي والنَّسَائِي عن علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: سمعت رجلاً يستغفر لأبويه وهما مشركان، فقلت: أيستغفر الرجل لأبويه وهما مشركان؟ فقال: أوَلم يستغفر إبراهيم لأبيه؟ فذكرت ذلك للنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فنزلت. (مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ) - إلى قوله -: (تَبَرَّأَ مِنْهُ) قال: لما مات، فهذا الحديث لا يصح الاحتجاج به على النزول لضعف إسناده.
* * *
الترجيح بتقديم السبب الموافق لِلفظ الآية على غيره
أسباب النزول التي نزلت بشأنها بعض آيات القرآن لوحِظ بعد تتبعها واستقرائها أنها تنحصر في نمطين:
الأول: الأقوال التي تقع من رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أو من أصحابه أو من غيرهم فكان اللَّه تعالى يجيبهم عنها تارةً بالتفصيل كما في قوله تعالى: (يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ... ) الآية. فقد ثبت في الصحيح عن جابر بن عبد اللَّه - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - قال: جاء رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يعودني وأنا مريض لا أعقل فتوضأ وصبَّ عليَّ من وضوئه، فعقلت، فقلت: يا رسول اللَّه لمن الميراث؟ إنما يرثني كلالة فنزلت آية الفرائض.
وتارة بالإجمال كما في قوله تعالى: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا). فقد ثبت في الصحيح أن سبب نزولها قول اليهود لبعضهم حين مر بهم رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سلوه عن الروح، فقالوا: يا أبا القاسم حدثنا عن الروح، فنزلت الآية.
وتارةً بصرفهم عما سألوا وتنبيههم إلى الأهم كما في قوله تعالى:
| (يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى | ) الآية. فالسؤال إنما وقع عن المنفَق، وجاء الجواب ببيان المنفَق عليه لأنه الأهم. |
الثاني: الأفعال التي تقع من رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أو من أصحابه أو من غيرهم فينزل القرآن معالجًا لها ومتحدثاً عنها وهذا هو الكثير في أسباب نزول القرآن.
ومن خلال تتبعي لأسباب النزول ودراستها تبين لي أنه لا بد من وجود قدر من الاتفاق بين أسباب النزول، والآيات التي نزلت لأجلها في الألفاظ، وإذا كان سياق الآيات قبل الآية وبعدها مؤثراً في تحديد سبب النزول - كما سيتبين لك - مع أن العلاقة بينهما ليست مباشرة، فلا ريب أن الصلة بين لفظ الآية وسبب نزولها أكثر التصاقاً، وأشد اتفاقاً، وبالتالي أبلغ أثراً.
ولأجل هذا فقد أثبتُّ أسباباً، ونفيت أخرى تطبيقاً لهذا الضابط وتثبيتاً له.
وسأذكر من أقوال العلماء ما يبين ملاحظة الألفاظ في تحديد المعاني:
أولاً: محمد بن جرير الطبري فقد ذكر قوله تعالى: (وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ (٢٠٥).
ثم ذكر قولين في معنى الإفساد: أحدهما: قطع الطريق وإخافة السبيل، والثاني: قطع الرحم إلى أن قال: (غير أن الأشبه بظاهر التنزيل أن يكون كان يقطع الطريق، ويخيف السبيل لأن اللَّه - تعالى ذكره - وصفه في سياق الآية بأنه سعى في الأرض ليفسد فيها، ويهلك الحرث والنسل، وذلك بفعل مخيف السبيل أشبه منه بفعل قطاع الرحم). اهـ.
وكأنه - والله أعلم - راعى معنى السعي والإهلاك وأنهما يقتضيان الفعل بخلاف قطع الرحم فليس فيه إلا الترك.
ثانياً: ابن عطية الأندلسي فإنه لما ذكع قوله تعالى: (وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا (١٥) وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا (١٦).
فانظر كيف وصف القول بالتمام ثم استدرك ذلك لأن لفظ الآية يقلق عنه، أي لا يناسبه فكيف تفسر الآية به؟.
ثالثاً: ابن كثير فإنه لما ذكر حوار رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مع الأنصار وفيه: (يا معشر الأنصار ألم تكونوا أذلة فأعزكم اللَّه بي)؟ قالوا: بلى يا رسول اللَّه، فقال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: (ألم تكونوا ضلالاً فهداكم اللَّه بي؟) قالوا: بلى يا رسول اللَّه، قال: (أفلا تجيبوني؟) قالوا: ما نقول يا رسول اللَّه؟ قال: ألا تقولون: (ألم يخرجك قومك فآويناك، أو لم يكذبوك فصدقناك، أوَلم يخذلوك فنصرناك) قال: فما زال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول حتى جثوا على الركب وقالوا: أموالنا في أيدينا للَّه ولرسوله قال: فنزلت: (قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى).
قال: (وليس يظهر بين هذه الآية وهذا السياق مناسبة واللَّه أعلم).
رابعاً: الحافظ ابن حجر فإنه لما شرح حديث تميم الداري وعديِّ بن بداء في قصتهما مع السهمي الذي مات بأرض ليس بها مسلم، ونزول قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ).
قال: (وخص جماعة القبول باهل الكتاب، وبالوصية، وبفقد المسلم حينئذ منهم ابن عبَّاسٍ، وأبو موسى الأشعري وغيرهم، وهؤلاء أخذوا بظاهر الآية. وقوَّى ذلك عندهم حديث الباب فإن سياقه مطابق لظاهر الآية). اهـ باختصار يسير.
خامساً: الشوكاني فإنه لما ذكر المستضعفين في قوله تعالى: (وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا... ).
- قال: (والمراد بالمستضعفين هنا من كان بمكة من المؤمنين تحت إذلال
سادساً: الشنقيطي فإنه ذكر قوله تعالى: (وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ... ) الآية. ثم ذكر ثلاثة أقوال في معنى المحصنات فقال: (قال بعض العلماء: المراد بالمحصنات هنا أعم من العفائف والحرائر والمتزوجات.
وقال بعض العلماء: المراد بالمحصنات في الآية الحرائر.
وقال بعض العلماء: المراد بالمحصنات المتزوجات، وعليه فمعنى الآية: وحرمت عليكم المتزوجات لأن ذات الزوج لا تحل لغيره إلا ما ملكت أيمانكم بالسبي من الكفار وهذا القول هو الصحيح.
ثم رد القول الأول، ورد الثاني وقال: إنه غير ظاهر لأن المعنى عليه: وحرمت عليكم الحرائر إلا ما ملكت أيمانكم وهذا خلاف الظاهر من معنى لفظ الآية كما ترى. وصرح العلامة ابن القيم بأن هذا القول مردود لفظًا ومعنى فظهر أن سياق الآية يدل على المعنى الذي اخترنا، ويؤيده سبب النزول). اهـ بتصرف.
وسأذكر من الأمثلة التي تناولتها بالدراسة ما يبين ارتباط الآيات بأسبابها من حيث الألفاظ.
١ - أخرج أحمد ومسلم والدارمي وأبو داود والترمذي والنَّسَائِي وابن ماجه عن أنس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أن اليهود كانوا إذا حاضت المرأة منهم لم يؤاكلوهن ولم يجامعوهن في البيوت فسأل أصحاب النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فأنزل اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ) حتى فرغ من الآية. فقال رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: (اصنعوا كل شيء إلا النكاح).
٣ - أخرج البخاري وأحمد ومسلم والترمذي عن عائشة - رضي الله عنها - حين قال لها أهل الإفك ما قالوا، فبرأها اللَّه مما قالوا، فقال أبو بكر الصديق، وكان ينفق على مسطح لقرابته منه: والله لا أُنفق على مسطح شيئاً أبداً بعد الذي قال لعائشة فأنزل اللَّه: (وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى... ) قال أبو بكر: بلى واللَّه إني لأحب أن يغفر اللَّه لي، فرجع إلى مسطح النفقة التي كان ينفق عليه، وقال: واللَّه لا أنزعها عنه أبداً.
٤ - أخرج البخاري وأحمد ومسلم والترمذي والنَّسَائِي عن أنس بن مالك - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: لما تزوج رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - زينب بنت جحش دعا الناس طعموا ثم جلسوا يتحدثون قال: فأخذ كأنه يتهيأ للقيام، فلم يقوموا، فلما رأى ذلك قام فلما قام قام من قام معه من الناس وبقي ثلاثة، وإن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جاء ليدخل فإذا القوم جلوس، ثم إنهم قاموا فانطلقوا فجاء حتى دخل فذهبت أدخل فأرخى الحجاب بيني وبينه وأنزل اللَّه - تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ)
٥ - أخرج البخاري وأحمد والترمذي والنَّسَائِي عن ابن أبي مُليكة قال: كاد الخيِّران أن يهلكا أبو بكر وعمر، لما قدم على النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وفد بني تميم أشار أحدهما بالأقرع بن حابس الحنظلي أخي بني مجاشع، وأشار الآخر بغيره، فقال أبو بكر لعمر: إنما أردت خلافي، فقال عمر: ما أردتُ خلافك فارتفعت أصواتهما عند النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فنزلت: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ) - إلى قوله -: (عَظِيمٌ).
وفي لفظ للبخاري: فنزل في ذلك: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ) حتى انقضت.
* * *
الترجيح بتقديم قول صاحب القصة على غيره
من ضوابط الترجيح عند العلماء بين الروايات عند اختلافها تقديم ما رواه صاحب القصة على غيره لأنه أعلم بملابساتها، وقد أشار ابن قدامة إلى هذا المعنى فقال: (الرابع: أن يكون راوي أحدهما صاحب الواقعة فقول ميمونة: تزوجني النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ونحن حلالاًن يقدم على رواية ابن عبَّاسٍ: نكحها وهو محرم). اهـ.
وهذا هو مذهب جمهور العلماء لكون ميمونة أعرف بحال العقد، ووقته، نظراً لاهتمامها ومراعاتها.
وسأذكر أمثلة من دراستي وقع الترجيح فيها لهذا الاعتبار:
١ - قال اللَّه تعالى: (وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٩٥)
أخرج الترمذي وأبو داود والنَّسَائِي عن أسلم أبي عمران التجيبي، قال: كنا بمدينة الروم، فأخرجوا إلينا صفاً عظيماً من الروم فخرج إليهم من المسلمين مثلهم، أو أكثر وعلى أهل مصر عقبة بن عامر، وعلى الجماعة
٢ - قال الله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٧).
أخرج البخاري وأحمد ومسلم وأبو داود والترمذي والنَّسَائِي وابن ماجه عن عبد اللَّه بن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: (من حلف على يمين وهو فاجر ليقتطع بها مال امرئ مسلم لقي الله وهو عليه غضبان) قال: فقال الأشعث بن قيس: فيَّ والله كان ذلك، كان بيني وبين رجل من اليهود أرض فجحدني، فقدمته إلى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقال لي رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: (ألك بيّنة؟) قال: قلت: لا، قال: فقال لليهودي: (احلف). قال: قلت: يا رسول الله! إذن يحلف ويذهب بمالي قال: فأنزل الله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا... ) الآية.
٣ - قال الله تعالى: (يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٧٦).
فجابر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - صاحب القصة، وبهذا يعلم أن ما رواه ابن جرير عن سعيد بن المسيب قال: سأل عمر بن الخطاب النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن الكلالة، فقال: (أليس قد بيّن اللَّه ذلك؟) قال: فنزلت: (يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ).
خطأ لا يصح لأن يكون سببًا للنزول.
٤ - قال اللَّه تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (٩١).
أخرج مسلم وأحمد عن سعد بن أبي وقاص - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: وأتيتُ على نفر من الأنصار والمهاجرين. فقالوا: تعال نطعمك ونسقيك خمراً. وذلك قبل أن تحرم الخمر. قال: فأتيتهم في حشٍّ، والحشُّ البستان، فإذا رأس جزور مشوي عندهم، وزِقّ من خمر. قال: فأكلت وشربت معهم، قال: فذُكرت الأنصار والمهاجرون عندهم، فقلت: المهاجرون خير من الأنصار، قال: فأخذ رجل أحد لحيي الرأس فضربني به فجرح بأنفي. فأتيت رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فأخبرته، فأنزل اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - فيَّ - يعني نفسه - شأن الخمر: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ).
٥ - قال اللَّه تعالى: (وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا (٢٤).
أخرج مسلم عن سلمة بن الأكوع - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: قدمنا الحديبية مع رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ونحن أربع عشرة مائة، وعليها خمسون شاة لا ترويها قال:
الترجيح بتقديم قول الشاهد للسبب على الغائب عنه
من ضوابط الترجيح بين الروايات عند اختلافها، وعدم إمكان الجمع بينها تقديم رواية من باشر القصة أو حضرها، وقد تحدث عن ذلك ابن قدامة قائلاً: (الخامس: أن يكون أحدهما باشر القصة كرواية أبي رافع تزوج النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ميمونة وهو حلال وكنت السفير بينهما مع رواية ابن عباس (يعني نكاحه إياها وهو محرم) فإن المباشر أحق بالمعرفة من الأجنبي ولذلك قدم الصحابة أخبار أزواج النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في صحة صوم من أصبح جنبًا وفي وجوب الغسل من التقاء الختانين بدون الإنزال
وقال السيوطي: (متى يرجح سبب على سبب. الحال الرابع: أن يستوي الإسنادان في الصحة فيرجح أحدهما بكون راويه حاضر القصة ثم ذكر قصة الروح وحديث ابن مسعود). اهـ.
وسأذكر أمثلة من دراستي للأسباب تدل على ذلك:
١ - أخرج أحمد وأبو داود عن أبي أُمامة التيمي قال: قلت لابن عمر: إنا نكري فهل لنا من حج؟ قال: أليس تطوفون بالبيت، وتأتون المعرَّف، وترمون الجمار وتحلقون رؤوسكم؟ قال: قلنا: بلى. فقال ابن عمر: جاء رجل إلى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فسأله عن الذي سألتني، فلم يجبه حتى نزل عليه جبريل - عليه السلام - بهذه الآية: (لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ) فدعاه النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقال: (أنتم حجاج).
٢ - أخرج أحمد ومسلم والترمذي والنَّسَائِي وابن ماجه عن أنس بن مالك - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: لما كان يوم أُحد كُسرت رباعية رسول الله -- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وشُجَّ في وجهه. قال: فجعل الدم يسيل على وجهه، فجعل يمسح الدم عن وجهه، ويقول: (كيف يفلح قوم خضَّبوا وجه نبيهم بالدم وهو يدعوهم إلى الله؟) قال: فأنزل الله: (لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ (١٢٨).
٣ - أخرج مسلم وأحمد والبخاري والترمذي والنَّسَائِي عن أنس بن مالك - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: بلغ رسولَ الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن أصحابه شيء فخطب فقال: (عرضت عليَّ الجنة والنار، فلم أرَ كاليوم في الخير والشر، ولو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً، ولبكيتم كثيراً) قال: فما أتى على أصحاب رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يوم أشدُّ منه. قال: غطوا رؤوسهم ولهم خنين قال: فقام عمر، فقال: رضينا باللَّه رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد نبياً، قال: فقام ذاك الرجل فقال:
٤ - أخرج البخاري وأحمد ومسلم والترمذي والنَّسَائِي عن عبد اللَّه بن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: كنت مع النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في حرث بالمدينة، وهو يتوكأ على عسيب، فمر بنفر من اليهود، فقال بعضهم: سلوه عن الروح، وقال بعضهم: لا تسألوه، لا يسمعكم ما تكرهون، فقاموا إليه فقالوا: يا أبا القاسم، حدثنا عن الروح، فقام ساعة ينظر، فعرفت أنه يُوحى إليه، فتأخرت عنه حتى صعد الوحي، ثم قال: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي).
٥ - أخرج البخاري وأحمد ومسلم والترمذي والنَّسَائِي عن أنس بن مالك - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: لما تزوج رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - زينب بنت جحش دعا الناس، طعموا ثم جلسوا يتحدثون، قال: فأخذ كأنه يتهيأ للقيام، فلم يقوموا، فلما رأى ذلك قام، فلما قام قام من قام معه من الناس، وبقي ثلاثة، وإن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جاء ليدخل فإذا القوم جلوس، ثم إنهم قاموا فانطلقوا قال: فجئت فأخبرت النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنهم قد انطلقوا، فجاء حتى دخل، فذهبت أدخل، فأرخى الحجاب بيني وبينه وأنزل اللَّه تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ) - إلى قوله -: (إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا).
* * *
الترجيح بدلالة السياق القرآني
المراد بسياق القرآن هنا: (الآيات التي تسبق موضع الشاهد وتتبعه) ولدلالة السياق أثر كبير في فهم المعنى المنشود من الآية من حيث الموضوع، والخطاب، والأسباب التي أدت إليه، والآثار المترتبة عليه. ذلك لأن مقتضى البلاغة ارتباط الكلام بسابقه ولاحقه ارتباطاً يحوي المعنى ويضمه دون انفصال أو تشتت، بل مع حسن انتقال وتدرج في مراقي المباني والمعاني.
ولكتاب اللَّه وكلامه من هذه المعاني أسماها وأوفاها، كيف لا واللَّه قد قال: (اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ... ) الآية.
وهذه الدلالة لا تختص بأسباب النزول، بل هي جوهرية لفهم أيِّ نص كان سواءٌ أكان النص إلهياً أم نبوياً أم من سائر الكلام، إلا أن دلالة السياق القرآني أبلغ أثراً من كل سياق؛ لأن القرآن العظيم لا يطرقه احتمال الخطأ والوهم بخلاف غيره فقد أصابه حظه من ذلك.
ولئن كانت دلالة سياق القرآن في فهم معنى الآية هامة، فأثرها في تحديد سبب النزول أهم؛ لأن أسباب النزول قضايا وحوادث تعلق النزول بها، فلا بد أن يكون بينهما قدر من الاشتراك في الألفاظ والمعاني، وإلا فلا معنى لتسميتها أسباب نزول.
وقد تبيّنتُ أثر السياق منذ البداية، وكان محل عنايتي حتى النهاية، وأسندتُ الحكم إليه كثيراً على الأسباب قبولاً ورداً، فكان صارماً لا ينبو، وجواداً لا يكبو، وفتح الله عليَّ بسبب إعماله خيراً كثيراً، وقادني إلى نتائج لم أرَ من أشار إليها أو نبّه عليها، فما أكثر المعضلات التي تصدى لها السياق
ولست مبالغاً حين أقول: إن إهمال النظر في كامل السياق الذي ورد فيه الحديث قاد إلى زلل الأقدام، وضلال الأفهام في فهم النصوص الشرعية.
فكم من خطأ ينشأ في فهم المعاني، وتحديد الأسباب حين يجتث الكلام من وسطه دون نظر أو تأمل في أوله ومنتهاه.
والخطأ هنا لا يقتصر على مجرد اللفظ، بل تنسحب آثاره على الممارسة والعمل إذا كان محلُّ الخطأ نصوصَ الأعمال.
فيا ليت شعري متى ندرك أن الكلمات ليست ثمراتٍ تقطف إحداهن دون ما جاورها ولهذا كانت عناية المحققين من العلماء بالسياق كبيرة، ونصوصهم في التنبيه على دوره كثيرة، وسأنقل من أقوالهم ما يؤيد تلك الحقيقة، ثم أُتبعها بذكر أمثلة من دراستي للأسباب، وأثر السياق في نتيجتها.
فمن العلماء الذين بيّنوا أهميتها، أو جعلوها عمدة لهم في هذا الباب:
أولاً: ترجمان القرآن عبد اللَّه بن عبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - حين اعترض على من فهم قوله تعالى: (لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا) على غير معناها لأنه لم يراع الآيات قبلها فقد أخرج مسلم وأحمد والبخاري والترمذي والنَّسَائِي أن مروان قال: اذهب يا رافع (لبوابه) إلى ابن عبَّاسٍ، فقل: لئن كان كل امرئ منا فرح بما أتى وأحب أن يحمد بما لم يفعل معذبًا لنعذبن أجمعون، فقال ابن عبَّاسٍ: ما لكم ولهذه الآية؟ إنما أُنزلت هذه الآية في أهل الكتاب. ثم تلا ابن عبَّاسٍ: (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ) وتلا ابن عبَّاسٍ: (لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا... ).
ثانياً: إمام المفسرين محمد بن جرير الطبري فقد اعتبر السياق فيصلاً في تحديد سبب النزول، وترك الحديث في سبب النزول مع صحة إسناده لما خالف السياق فقد أخرج أحمد والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنَّسَائِي
قال الطبري: (وذكر أنها نزلت فيمن ذكرهم الله بقوله: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ... ) الآية.
وهذا القول أولى بالصواب لأن قوله: (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ) في سياق قصة الذين أسدى الله الخبر عنهم بقوله: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ) ولا دلالة تدل على انقطاع قصتهم فإلحاق بعض ذلك ببعض ما لم تأتِ دلالة على انقطاعه أولى). اهـ.
ثالثاً: أبو بكر ابن العربي فقد اعتمد عند ترجيحه المراد بقوله تعالى: (لَيْسُوا سَوَاءً) على السياق فقال: (وقد اتفق المفسرون أنها نزلت فيمن أسلم من أهل الكتاب وعليه يدل ظاهر القرآن، ومفتتح الكلام نفي المساواة بين من أسلم منهم وبين من بقي منهم على الكفر). اهـ.
وأهمل ما أخرج أحمد والنَّسَائِي عن ابن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: أخَّر رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صلاة العشاء، ثم خرج إلى المسجد فإذا الناس ينتظرون ْالصلاة، قال: (أما إنه ليس من أهل هذه الأديان أحد يذكر اللَّه هذه الساعة غيركم) قال: وأنزل هؤلاء الآيات: (لَيْسُوا سَوَاءً) - حتى بلغ -: (وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ).
رابعاً: ابن عطية فإنه لما ذكر قوله تعالى: (لَيْسُوا سَوَاءً) قال: (لما مضت الضمائر في الكفر والقتل والعصيان والاعتداء عامة في جميع أهل الكتاب، عقَّب ذلك بتخصيص الذين هم على خير وإيمان، وذلك أن أهل الكتاب لم يزل فيهم من هو على استقامة، فمنهم من مات قبل أن يدرك الشرائع فذلك من الصالحين، ومنهم من أدرك الإسلام فدخل فيه). اهـ ثم أشار إلى حديث ابن مسعود باختصار شديد. وقوله هذا يلاحظ فيه السياق، ولو اعتبر حديث ابن مسعود ما قال هذا الكلام.
خامساً: القرطبي حيث اعتبر السياق في قوله تعالى: (إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا... ) الآية. وضعّف قول من قال: إنها نزلت في المشركين، فقد أخرج أبو داود والنَّسَائِي عن ابن عبَّاسٍ - رضي الله عنه - قال: (إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ... ) الآية. نزلت هذه الآية في المشركين فمن تاب منهم قبل أن يقدر عليه لم يمنعه ذلك أن يقام فيه الحد الذي أصابه.
واستدل لتضعيف هذا القول بقوله تعالى: (قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ) ثم قال: قال. أبو ثور محتجاً لهذا القول: وفي الآية دليل على أنها نزلت فى غير أهل الشرك وهو قوله جل ثناؤه: (إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ). اهـ وهذه الآية تتلو آية الحرابة مباشرة.
سادساً: شيخ الإسلام ابن تيمية: فقد قال: (فمن تدبر القرآن، وتدبر ما قبل الآية، وما بعدها، وعرف مقصود القرآن تبين له المراد، وعرف الهدى والرسالة وعرف السداد من الانحراف والاعوجاج). اهـ.
السادس: أن يشهد بصحة القول سياق الكلام، ويدل عليه ما قبله أو ما بعده). اهـ.
ثامناً: أبو حيان الأندلسي حيث أعمل دلالة السياق في تفسير قوله تعالى: (وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) وربطها بما قبلها وهو قوله تعالى: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا... ) الآية حيث قال: (والذي يظهر أن انتظام هذه الآية بما قبلها هو أنه لما ذكر منع المساجد من ذكر الله، والسعي في تخريبها نبّه على أن ذلك لا يمنع من أداء الصلوات، ولا من ذكر الله إذ المشرق والمغرب للَّه تعالى فأيُّ جهة أديتم العبادة فيها فهي لله يثيب على ذلك ولا يختص مكان التأدية في المسجد).
ولم يجعل سبب نزول الآية ما أخرجه الترمذي وابن ماجه عن عبد اللَّه بن عامر بن ربيعة عن أبيه - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: كنا مع النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في سفر في ليلة مظلمة فلم ندرِ أين القبلة، فصلى كل رجل منا على حياله، فلما أصبحنا ذكرنا ذلك للنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فنزل: (فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ).
ولو اختار الحديث سبباً للنزول لألغى دلالة السياق القرآني ولا بد لأنهما لا يجتمعان.
تاسعاً: ابن كثير فقد احتج بالسياق على رد قول ابن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - في تفسير الدخان، ورجح أنه من الآيات المنتظرة وقال: (إن هذا ظاهر القرآن، قال اللَّه تعالى: (فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ) أي بيِّن واضح يراه كل أحد وعلى ما فسر به ابن مسعود إنما هو خيال رأوه في أعينهم من شدة الجوع والجهد وهكذا قوله: (يَغْشَى النَّاسَ) أي يتغشاهم ويعميهم، ولو كان أمراً خياليًا يخص أهل مكة المشركين لما قيل فيه: (يَغْشَى النَّاسَ). اهـ.
الرابع: دلالة السياق فإنها ترشد إلى تبيين المجمل، والقطع بعدم احتمال غير المراد، وتخصيص العام، وتقييد المطلق، وتنوع الدلالة، وهو من أعظم القرائن الدالة على مراد المتكلم، فمن أهمله غلط في نظيره، وغالط في مناظراته، وانظر إلى قوله تعالى: (ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ) كيف تجد سياقه يدل على أنه الذليل الحقير). اهـ.
الحادي عشر: ابن عاشور أعمل دلالة السياق في اختياراته، ورجح بها أقوالاً ورد بها أخرى ومن ذلك دفعه لحديث عمر في نزول قوله تعالى: (وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ... ) الآية. وأن ذلك نِزل في إشاعة طلاق رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نساءه فقال: (وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ... ) عطف على جملة: (وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ) فضمير الجمع راجع إلى الضمائر قبله العائدة إلى المنافقين وهو الملائم للسياق... إلى أن قال: والكلام مسوق مساق التوبيخ للمنافقين، واللوم لمن يقبل مثل تلك الإذاعة من المسلمين الأغرار). اهـ والآية نازلة في سرايا رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وبعوثه.
ومن الأمثلة التي تكشف أهمية دلالة السياق القرآني في الترجيح بين الأسباب ما يلي:
١ - أخرج البخاري وأحمد ومسلم وأبو داود والترمذي والنَّسَائِي وابن ماجه عن عبد اللَّه بن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: قال رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: (من حلف على يمين وهو فاجر ليقتطع بها مال امرئ مسلم لقي اللَّه وهو عليه غضبان) قال: فقال الأشعث بن قيس: فيَّ واللَّه كان ذلك، كان بيني وبين رجل من اليهود أرض فجحدني، فقدمته إلى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقال لي رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: (ألك بيّنة؟) قال: قلت: لا، قال: فقال لليهودي: (احلف) قال: قلت: يا
فسياق الآَيات يؤيد القول بأن الحديث سبب نزولها لأن الآية التي تلت هذه الآية تتحدث عن اليهود في قوله: (وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ) والآية التي قبلها تتحدث عنهم أيضًا في قوله: (وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا). اهـ.
٢ - قال الله تعالى: (لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ) وقد ذكر ابن القيم، وابن حجر - رحمهما اللَّه - أن هذه الآية نزلت في سياق الحديث عن قصة أُحد، وهذا يتفق مع ما أخرجه أحمد ومسلم والترمذي والنَّسَائِي وابن ماجه عن أنس بن مالك - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: لما كان يوم أُحد كسرت رباعية رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وشُج في وجهه، قال: فجعل الدم يسيل على وجهه، فجعل يمسح الدم عن وجهه ويقول: (كيف يفلح قوم خضَّبوا وجه نبيهم بالدم وهو يدعوهم إلى الله؟) قال: فأنزل الله: (لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ). اهـ.
٣ - قال الله تعالى: (وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩) فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (١٧٠) يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ (١٧١).
وسياق هذه الآيات يتفق مع ما رواه أحمد وأبو داود عن ابن عبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: لما أُصيب إخوانكم بأحد جعل الله - عَزَّ وَجَلَّ - أرواحهم في أجواف طير خضرٍ ترد أنهار الجنة، تأكل من ثمارها، وتأوي إلى قناديل من ذهب في ظل العرش، فلما وجدوا طيب مشربهم ومأكلهم وحسن مقيلهم قالوا: يا ليت إخواننا يعلمون بما صنع اللَّه لنا، لئلا يزهدوا في الجهاد،
٤ - قال اللَّه تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (٩١).
فقد أخرج مسلم وأحمد عن سعد بن أبي وقاص - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: وأتيت على نفر من الأنصار والمهاجرين. فقالوا: تعال نطعمك ونسقيك خمراً. وذلك قبل أن تحرم الخمر. قال: فأتيتهم في حشٍّ - والحشُّ البستان - فإذا رأس جزور مشوي عندهم، وزِقٌّ من خمر. قال: فأكلت وشربت معهم. قال: فذكرت الأنصار والمهاجرون عندهم. فقلت: المهاجرون خير من الأنصار، قال: فأخذ رجل أحد لحيي الرأس فضربني به فجرح بأنفي، فأتيت رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فأخبرته. فأنزل اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - فيَّ - يعني نفسه - شأن الخمر: (إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ).
وجه الموافقة بين الحديث وسياق الآية: أن الآية ذكرت وقوع العداوة والبغضاء بسبب الخمر والميسر وهذا قد وقع في قصة سعد - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لما شرب معهم الخمر فقد ضُرب وفُزِر أنفه.
٥ - قال اللَّه تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) - إلى قوله -: إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ).
وقد أخرج النَّسَائِي عن أنس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كانت له أمة يطؤها، فلم تزل به عائشة وحفصة حتى حرمها فأنزل اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ -: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ... ).
* * *
الترجيح بدلالة الوقائع التاريخية
لتاريخ النزول القرآني قَرُبَ أم بَعُدَ دوره الحيوي في الترجيح بين الروايات الواردة في أسباب النزول وقبل أن أذكر الأمثلة الدالة على هذا الدور أود إيضاح أن الأمر هنا لا يخلو من حالين:
الأولى: أن يسبق النزولُ السببَ، كأن تنزل الآية في مكة، ثم يقع السبب في المدينة، أو تنزل الآية في أوائل الهجرة، ثم تقع قضية السبب في أواخرها فهذه الحال لا صلة لها بهذا المبحث، إذ ليست من أسباب النزول؛ لأن النزول لا يتقدم السبب، ويكون هذا من نزول القرآن ابتداء. وإنما ذكرتها هنا لكمال التقسيم.
الثانية: أن يسبقَ السببُ النزولَ وهذا ينقسم إلى قسمين:
الأول: أن يقع السبب قبل الهجرة، وتنزل الآية بعدها، أو يقع السبب في أوائل الهجرة، وتنزل الآية في أواخرها، فهذا من حيث السبْق لا يمنع السببية، لكن يعكر عليه فارق الزمن بين السبب والنزول لأنه طويل، ولا يعهد أن يتباعد السؤال عن الجواب، والقضية عن نزول حكمها، كما إني لم أجد في بحثي مثالاً صحيحًا صالحًا لهذا.
الثاني: أن يقع السبب والنزول معًا قبل الهجرة أو بعدها في زمن متقارب وهذا هو الكثير الغالب، لكن قد يتأخر النزول عن السبب لأمر تقتضيه حكمة الحكيم العليم، كما وقع في قضية كعب بن مالك، وصاحبيه - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - حين تخلفوا عن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في غزوة تبوك، فقد نزلت توبة اللَّه عليهم بعد خمسين ليلة من اعتذارهم، وقريب من هذا قصة الإفك حيث تأخر النزول شهرًا لا يُوحى إلى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في شأنه شيء ثم أنزل الله تعالى الآيات، ومع
وهذا هو الضابط الزمني الدقيق عند العلماء في أسباب النزول كما وجدته في أقوالهم وتقريراتهم.
وحينئذٍ يرد السؤال الآتي: كيف وقع الخطأ الزمني في تحديد أسباب النزول؟
فيقال: من المعلوم قطعاً أن أسباب النزول مرتبطة بنزول الآيات مكيها، ومدنيها ولا أعلم أحداً قام بتحقيق نزول آيات القرآن آية آية ومواقعها وتاريخ نزولها على نحو مؤكد.
وقد قال ابن العربي عن الآيات: (ولم يحقق العلماء تعيين النازل بمكة من المدينة في الجملة). اهـ.
فإذا كان المكي والمدني لم يحقق في الجملة فما ارتبط به من أسباب النزول لا بد أن يقع فيه خطأ أيضاً.
ولهذا بعض المفسرين يرى الآية مكية، والسبب حدث في مكة، وعليه فلا مانع من القول بأنه سبب نزولها.
وآخر يرى القصة حدثت في مكة، والآية في المدينة فلا يراها سببًا لنزول الآية.
وثالث يقول: إن الآية نزلت مرتين ويذكر لكل مرة حديثاً روي أنه سبب نزولها وهكذا.
وهذا الاختلاف ناشئ من سببين:
الأول: ما ذكره ابن العربي من عدم تحقيق المكي من المدني في الجملة.
الثاني: الخطأ في الممارسة والتطبيق من قِبل بعض المفسرين.
وسأذكر من أقوال العلماء ما يبين أثر التاريخ في تقرير الأسباب:
أولاً: مسروق بن الأجدع الوادعي ففي قوله تعالى: (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ
ئانياً: سعيد بن جبير ففي قوله تعالى: (وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ (٤٣).
(قال أبو بشر: قلت لسعيد بن جبير: (وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ) أهو عبد اللَّه بن سلام؟ فقال: وكيف يكون عبد الله بن سلام، وهذه السورة مكية). اهـ.
ثالثاً: عامر الشعبي. (قال ابن عون: ذكروا عند الشعبي قوله: (وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ) فقيل: عبد الله بن سلام؟ فقال: كيف يكون ابن سلام وهذه السورة مكية). اهـ.
رابعاً: البغوي ففي قوله تعالى: (وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ) أنكر أن يكون سبب نزولها ما أخرجه أحمد عن ابن عبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - قال: تشاورت قريش ليلةً بمكة فقال بعضهم: إذا أَصبح فأثبتوه بالوثاق يريدون النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وقال بعضهم: بل اقتلوه، وقال بعضهم: بل أخرجوه فأطلع الله نبيه على ذلك.. الحديث.
قال البغوي: (واذكر إذ يمكر بك الذين كفروا، وإذ قالوا اللهم؛ لأن هذه السورة مدنية، وهذا القول والمكر إنما كانا بمكة، ولكن اللَّه ذكرهم بالمدينة كقوله تعالى: (إِلَّا تنَصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرُه آللَّهُ). اهـ.
خامساً: ابن عطية الأندلسي ففي قوله تعالى: (إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى
سادساً: شيخ الإسلام ابن تيمية. فقد أنكر على الرافضي دعواه أن سورة (هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ) نزلت في علي وفاطمة والحسن والحسين وقال: (إن السورة مكية باتفاق العلماء، وعلي إنما تزوج فاطمة بالمدينة بعد الهجرة، ولم يدخل بها إلا بعد غزوة بدر وولد له الحسن في السنة الثالثة من الهجرة، والحسين في السنة الرابعة من الهجرة بعد نزول (هَلْ أَتَى) بسنين كثيرة، فقول القائل: إنها نزلت فيهم، من الكذب الذي لا يخفى على من له علم بنزول القرآن، وعلم بأحوال هؤلاء السادة الأخيار). اهـ.
سابعاً: ابن كثير فقد جاء في نزول قوله تعالى: (وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ) ما أخرجه ابن ماجه عن خباب قال: جاء الأقرع بن حابس التميمي، وعيينة بن حصن الفزاري فوجدوا رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مع صهيب وبلال وعمار وخباب قاعداً في ناسٍ من الضعفاء من المؤمنين فلما رأوهم حول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حقَّروهم فأتوه فخلوا به وقالوا: إنا نريد أن تجعل لنا منك مجلساً تعرف لنا به العربُ فضلنا، فإن وفود العرب تأتيك فنستحيي أن ترانا العرب مع هذه الأعبد فإذا نحن جئناك فأقمهم عنك
ثامناً: ابن حجر العسقلاني ففي نزول قوله تعالى: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا) فقد أخرج البخاري وأحمد ومسلم والترمذي والنَّسَائِي عن عبد اللَّه بن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: كنت مع النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في حرث بالمدينة، وهو يتوكأ على عسيب، فمر بنفر من اليهود فقال بعضهم: سلوه عن الروح فذكر الحديث وفيه... فقالوا: يا أبا القاسم حدثنا عن الروح ثم قام ساعة ينظر فعرفت أنه يُوحى إليه فتأخرت عنه حتى صعد الوحي ثم قال: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي).
قال ابن حجر: (وهذا يدل على أن نزول الآية وقع بالمدينة لكن روى الترمذي... ثم ساق حديث ابن عبَّاسٍ... إلى أن قال: ويمكن الجمع بأن يتعدد النزول بحمل سكوته في المرة الثانية على توقع مزيد بيان في ذلك، وإن ساغ هذا وإلا فما في الصحيح أصح). اهـ.
تاسعاً: الشنقيطي ففي قوله تعالى: (وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ (١٢٦).
قال: (نزلت هذه الآية الكريمة من سورة النحل بالمدينة في تمثيل المشركين بحمزة ومن قتل معه يوم أُحد، فقال المسلمون: لئن أظفرنا اللَّه بهم لنمثلن بهم فنزلت الآية الكريمة فصبروا لقوله تعالى: (لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ) مع أن سورة النحل مكية إلا هذه الآيات الثلاث من آخرها). اهـ.
عاشراً: ابن عاشور ففي قوله تعالى: (وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ (١٣).
وسأذكر عددًا من الأمثلة التي قمت ببحثها خلال دراستي وأعملت فيها هذا الضابط:
١ - قال اللَّه تعالى: (لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ) فقد أخرج البخاري وأحمد ومسلم والدارمي عن أبي هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان إذا أراد أن يدعو على أحد، أو يدعو لأحد قنت بعد الركوع فربما قال إذا قال: سمع اللَّه لمن حمده، ربنا ولك الحمد: (اللهم أنج الوليد بن الوليد، وسلمة بن هشام، وعياش بن أبي ربيعة، اللهم اشدد وطأتك على مضر واجعلها سنين كسني يوسف) يجهر بذلك، وكان يقول في بعض صلاته في صلاة الفجر: (اللهم العن فلانًا وفلانًا) لأحياء من العرب حتى أنزل اللَّه: (لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ).
ولفظ مسلم عنه - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: (اللهم العن لحيان ورعلاً، وذكوان، وعصية عصت اللَّه ورسوله) ثم بلغنا أنه ترك ذلك لما أنزل اللَّه: (لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ (١٢٨)
فهذا الحديث لا يصح أن يكون سبباً للنزول لأن الآية نزلت في سياق الحديث عن قصة أُحد، وأحد إنما كانت في السنة الثالثة، والدعاء على هؤلاء القبائل كان بعد قتلهم القراء في بئر معونة وذلك في صفر من السنة الرابعة، فكيف يتقدم النزول على السبب؟.
والسؤال هنا: أيُّ آيتي التيمم نزلت في هذه القصة أهي التي في النساء أم التي في المائدة؟.
والجواب: أنها التي في النساء لأمور:
أ - أن آية النساء تقدمت في النزول على آية المائدة لأنها في سياق النهي عن قربان الصلاة حال السكر وفي هذه المرحلة لم تحرم الخمر بعد، بخلاف آية المائدة فإن الخمر حرمت فيها بعد أُحد كما قال جابر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: صبَّح أناس غداة أحد الخمر فقتلوا من يومهم جميعاً شهداء وذلك قبل تحريمها.
ب - أن صدر سورة المائدة قد تأخر نزوله ويدل على هذا أمران:
الأول: قول عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - في قوله تعالى: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا) أنها نزلت على رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بعرفة يوم جمعة. ومعلوم أن وقوفه بعرفة كان في السنة العاشرة.
الثاني: ما ثبت في الصحيح عن همام بن الحارث قال: رأيت جرير بن عبد الله بال ثم توضأ ومسح على خفيه ثم قام فصلى فسئل فقال: رأيت النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صنع مثل هذا.
قال إبراهيم: فكان يعجبهم لأن جريراً كان من آخر من أسلم.
ولفظ مسلم: لأن إسلام جرير كان بعد نزول المائدة.
وجه الدلالة من هذا الحديث على تأخر نزول المائدة: أنه إذا كان يقع الاشتباه إلى هذا الحد بين إسلام جرير ونزول المائدة مع أنه من آخر من أسلم
٣ - قال اللَّه تعالى: (وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣٢) وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (٣٣).
فقد أخرج البخاري ومسلم عن أنس بن مالك - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: قال أبو جهل: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم فنزلت: (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (٣٣).
فهذا الحديث وإن كان صحيحًا ليس سببًا لنزول الآية لأن سورة الأنفال نزلت في بدر كما قال ابن عبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -.
وقال ابن إسحاق: (أُنزلت في أمر بدرٍ سورة الأنفال بأسرها). اهـ.
وهذا الدعاء المذكور إنما كان في مكة بدليل قوله تعالى: (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ) وهو إنما كان فيهم لما كان في مكة قبل الهجرة، فكيف يكون الدعاء قبل الهجرة سببًا لنزول الآيات بعدها؟.
٤ - قال اللَّه تعالى: (وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ (٧٦).
أخرج النَّسَائِي عن ابن عبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - قال: جاء أبو سفيان إلى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقال: يا محمد أنشدك الله والرحم، فقد أكلنا العلهز - يعني الوبر والدم - فأنزل اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ (٧٦).
وهذا الحديث ليس سببًا للنزول لأن سبب القحط الذي أصابهم هو دعاء النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عليهم بقوله: (اللهم اشدد وطاتك على مضر، اللهم اجعلها عليهم سنين كسني يوسف) وهذا الدعاء إنما كان في المدينة، وسورة المؤمنون مكية بالاتفاق، وإذا كان الأمر كذلك فكيف تنزل الآية في شأن القحط في مكة مع أن سبب القحط وهو الدعاء كان بالمدينة.
أخرج البخاري وأحمد عن المسور بن مخرمة ومروان في قصة الحديبية قالا: خرج رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - زمن الحديبية حتى كانوا ببعض الطريق فذكرا الحديث... إلى أن قالا: وينفلت منهم أبو جندل بن سهيل فلحق بأبي بصير فجعل لا يخرج من قريش رجل قد أسلم، إلا لحق بأبي بصير حتى اجتمعت منهم عصابة فواللَّه ما يسمعون بعيرٍ خرجت لقريش إلى الشام إلا اعترضوا لها، فقتلوهم وأخذوا أموالهم، فأرسلت قريش إلى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تناشده باللَّه والرحم لما أرسل: فمن أتاه فهو آمن فأرسل النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إليهم، فأنزل اللَّه تعالى: (وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ) - حتى بلغ - (حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ).
فهذه القصة ليست سبب نزول الآية لأن الآية نزلت في الحديبية كما دلت على ذلك الأحاديث الصحيحة، وهذه القصة بعد رجوع النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلى المدينة فقد جاء في الحديث: (ثم رجع النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلى المدينة فجاءه أبو بصير رجل من قريش وهو مسلم فذكر الحديث وفيه: فجاء أبو بصير فقال: يا نبي اللَّه قد واللَّه - أوفى الله ذمتك، قد رددتني إليهم، ثم أنجاني الله منهم، قال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: (ويل أمه مسعر حرب لو كان له أحد) فلما سمع ذلك عرف أنه سيرده، فخرج حتى أتى سِيف البحر... الحديث وفيه: فواللَّه ما يسمعون بعير خرجت لقريش إلى الشأم إلا اعترضوا لها).
* * *
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
القسم الثانيدراسة أسباب النزول
دراسةً تفسيريةً وحديثية
القراءات في الآية ١ من سورة النّاس
اختلاف القراء العشرة في كلمات الآية
النَّاسِ
إمالة الألف
فتح الألف
آيات مشابهة للآية ١ من سورة النّاس
مواضع أخرى في القرآن تشبه ألفاظ هذه الآية
أقوال المفسرين في الآية — التفسير بالمأثور
قول واحد من موسوعة التفسير بالمأثور
تفسير
قول واحدقال مقاتل بن سليمان: ﴿قُلْ أعُوذُ بِرَبِّ النّاسِ﴾ أمَر الله عز وجل النبيَّ ﷺ أن يتعوّذ برب الناس، الذي هو ﴿مَلِكِ النّاسِ﴾ بِمَلِكهم في برِّهم وبحرهم، وفاجرهم وصالحهم وطالحهم، وهو ﴿إلهِ النّاسِ﴾ كلّهم١
وقفات تدبرية في الآية ١ من سورة النّاس
١٩ وقفةً في هذه الآية
-
( قل أعوذ برب الفلق ) (قل أعوذ برب الناس ) تأمين شامل على حياتك كل صباح ومساء.
— عبد الله المهيلان
-
في سورة الفلق يستعيذ القارئ بصفة الربوبية مرَّة واحدة من أربعة أشياء، بينما يستعيذ في سورة الناس بثلاث صفات لله عز وجل من شرِّ شيءٍ واحد -وهو الشيطان-، وما ذاك إلا لشدَّة خطر الشيطان، فهلَّا استشعرنا عظمة صفات ربِّنا ونحن نستعيذ به من عدوِّنا؟..
— ابن كثير
-
من المعلوم أن الله رب جميع الخلائق، وإنما قال رب الناس مع أنه رب جميع مخلوقاته؛ للدلالة على شرفهم، ولكون الاستعاذة وقعت من شر ما يوسوس في صدورهم.
— الشوكانى
-
برنامج أقوم القرآني مجمل تفسير آيات سورة الناس
— محمد الربيعة
-
برنامج أقوم القرآني سورة الناس آية 3،2،1
— محمد الربيعة
-
إن من مكائد الشيطان أن يشغلك بالمفضول من العمل عن الفاضل.. وأمثلة ذلك كثيرة ؛؛ منها كمن يشغله بقيام الليل عن صلاة الفجر او يشغله بحضور المحاضرات وله والد في حاجته. أو يشغله بأجهزة التقنية بحجة الدعوة إلى الخير ويفوته الكثير من الغنائم في رمضان.. ولنفقه أن الأعمال الصالحة ليست كلها بدرجة واحدة فيها فاضل و مفضول و سيد و مسود فالأعمال تتفاضل فإذا رأى منك الشيطان أنك يجب أن تصلي وتعمل عملا صالحا أشغلك بالمفضول عن الفاضل.. فكونوا حريصين على ذلك ؛ واستعينوا بالله أولاً وآخراً.. وقد كان السلف حريصون على معرفة تفاضل الأعمال وحريصون على التفقه فيه
— مجالس التدبر
-
سورة الإخلاص والمعوذتين 3سور مفتتحة بـ(قل) تلقين للنبي وأمته من بعده.. خلاصة القول: الله مستحق للعبودية وحده المستعان به على الشرور
— مجالس التدبر
-
تكرار كلمة الناس في آخر سورة في المصحف 5 مرات، هذا كتاب الإنسانية وكتاب الناس أجمعين إلى يوم الدين.
— مجالس التدبر
-
من المعلوم أن الله رب جميع الخلائق،وقال{رب الناس}مع أنه رب جميع مخلوقاته للدلالة على شرفهم.
— الشوكانى
-
نستعيذ بـ (رب الفلق) من اربع أعداء! ونستعيذ بـ (رب الناس ملك الناس اله الناس) من عدو واحد. هل عرفت من عدوك.
— مجالس التدبر
-
جرت عادة الناس إذا أصابتهم نازلة أن يلجؤوا إلي أكابرهم وذوي السطوة فيهم ؛ طلبا للحماية والمعونة , أفلا نتوجه إلي ملك الملوك بطلب العود والملجأ ؟
— مصحف تدبر المفصل
-
لا يستهينن أحدكم بوساوس النفس , فكم من وسوسة انتهت بالمرء إلي أبعد الضلال , وذلك يقتضي الاستعاذة منها ؛ تحصنا بالله واعتصاما به .
— مصحف تدبر المفصل
و٧ وقفات أخرى لهذه الآية في الوقفات التدبرية.
ترجمات معاني الآية ١ من سورة النّاس
ترجمة معاني الآية إلى ٥٩ لغةً
(1) Say, "I seek refuge in the Lord of mankind,
— الترجمة الإنجليزية - صحيح انترناشونال
- الإنجليزية
- الفرنسية
- الإسبانية
- البرتغالية
- الألمانية
- الإيطالية
- التركية
- الإندونيسية
- الفلبينية
- الفارسية
- الأردية
- البنغالية
- الكردية
- البشتوية
- البوسنية
- الألبانية
- الأوكرانية
- الصينية
- الأويغورية
- اليابانية
- الكورية
- الفيتنامية
- الكازاخية
- الأوزبكية
- الأذرية
- الطاجيكية
- الهندية
- المليبارية
- الغوجراتية
- الماراتية
- التلجوية
- التاميلية
- السنهالية
- الأسامية
- الخميرية
- النيبالية
- التايلاندية
- الصومالية
- الهوساوية
- الأمهرية
- اليورباوية
- الأورومية
- الفنلندية
- ماراناو
- فلمكني (هولندية)
- النرويجية
- البولندية
- الرومانية
- الروسية
- تتاري
- السواحلية
- لغة الملايو
- تشيكي
- المالديفية
- السويدية
- العبرية
- الصربية
- اللوغندية
- الإنكو بامبارا