اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿إِذَا جَآءَ نَصْرُ الله والفتح﴾ : عليك وعلى أمتك، والمقصود : إذا جاء هذان الفعلان من غير نظر إلى متعلقهما، كقوله تعالى :﴿أَمَاتَ وَأَحْيَا﴾ [النجم: ٤٤].
«أل » في «الفتح » عوض من الإضافة : أي : وفتحه عند الكوفيين، والعائد محذوف عند البصريين، أي : والفتح منه للدلالة على ذلك، والعامل في «إذا » :«جاء » وهو قول مكي، وإليه ذهب أبو حيَّان(١) وغيره في مواضع وقد تقدم ذلك. وإما «فسبِّح »، وإليه نحا الزمخشريُّ(٢) والحوفي، والتقدير : فسبح بحمد ربك إذا جاء، ورده أبو حيَّان بأن ما بعد فاء الجواب لا يعمل فيما قبلها، وفيه بحثٌ تقدم بعضه في سورة «الضحى ».

فصل في الكلام على «نصر »


النصر : العون، مأخوذ من قولهم : قد نصر الغيث الأرض، إذا أعان على إنباتها.
قال الشاعر :[ الطويل ]
٥٣٣٧- إذَا انْسَلَخَ الشَّهْرُ الحَرامُ فَوَدِّعيبِلادَ تَمِيمٍ وانصُرِي أرضَ عَامرِ(٣)
ويروى :[ الطويل ]
٥٣٣٨- إِذَا دَخَلَ الشَّهْرُ الحَرَامُ فَجَاوِزِيبِلادَ تَمِيمٍ وَانْصُرِي أَرْضَ عَامِر(٤)
يقال : نصره على عدوه ينصره نصراً، أي : أعانه، والاسم : النُّصرة، واستنصره على عدوه، أي : سأله أن ينصره عليه، وتناصروا : نصر بعضهم بعضاً.
وقيل : المرادُ بهذا النصر : نصر الرسول - عليه الصلاة والسلام - على قريش، قاله الطبري(٥).
[ وقيل : نصره على من قاتله من الكفار، وأن عاقبة النصر كانت له، وأما الفتح فهو فتح مكة، قاله الحسن ومجاهد(٦) وغيرهما، وقال ابن عباس وسعيد بن جبير : هو فتح المدائن والقصور(٧)، وقيل : فتح سائر البلاد، وقيل : ما فتحه عليه من العلوم، وقيل : إذا بمعنى قد جاء نصر الله ؛ لأن نزولها بعد الفتح، ويجوز أن يكون معناه إذا يجيئك ](٨).

فصل في الفرق بين النصر والفتح


قال ابن الخطيب(٩) : الفرق بين النصر والفتح، الفتح هو تحصيل المطلوب الذي كان متعلقاً، والنصر كالسبب للفتح، فلهذا بدأ بذكر النصر، وعطف الفتح عليه، ويقال : النصرُ كمالُ الدينِ، والفتح إقبال الدنيا الذي هو تمام النعمةِ، كقوله تعالى :﴿اليوم أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسلام دِيناً﴾ [المائدة: ٣].
والنَّصْر : الظَّفر في الدنيا، والفتح : بالجنة.

فصل في المراد بهذا النصر


قال ابن الخطيب(١٠) : إن رسول الله ﷺ كان مؤيداً منصوراً بالدلائل والمعجزات، فما المعنى بتخصيص لفظ النصر بفتح «مكة » ؟
والجواب : أن المراد من هذا النصر هو النصر الموافق للطبع.
فإن قيل : النصر لا يكون إلا من الله تعالى، قال تعالى :﴿وَمَا النصر إِلاَّ مِنْ عِندِ الله﴾ [الأنفال: ١٠] فما فائدة التقييد بقوله تعالى :﴿نَصْرُ الله﴾ ؟.
فالجواب : معناه : لا يليق إلا بالله، كما يقال : هذه صنعة زيد، إذا كان مشهوراً، فالمراد هذا هو الذي سألتموه.
فإن قيل : لم وصف النصر بالمجيء ؟ وحقيقته : إذا وقع نصر الله، فما الفائدة في ترك الحقيقة، وذكر المجاز ؟
فالجواب : أن الأمور مرتبطةٌ بأوقاتها، وأنه - تعالى - قد ربط بحدوث كلِّ محدث أسباباً معينة، وأوقاتاً مقدرة يستحيل فيها التقدم، والتأخر، والتبدل، والتغير، فإذا حضر ذلك الوقت، وجاء ذلك الزمان حضر ذلك الأثر معه، وإليه الإشارة بقوله :﴿وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ﴾ [الحجر: ٢١].
فإن قيل : الذين أعانوا رسول الله ﷺ على فتح مكة هم الصحابة - رضي الله عنهم - ثم إنه تعالى سمى نصرتهم لرسول الله ﷺ، فما السبب في إضافة النصر إليه ؟
فالجواب : أن النصر وإن كان على يد الصحابة لكن لا بدَّ لهم من داعٍ وباعث، وهو من الله تعالى.
فإن قيل : فعلى هذا التقدير الذي ذكرتم يكون فعل العبد متقدماً على فعل الله، وهو خلاف قوله تعالى :﴿إِن تَنصُرُواْ الله يَنصُرْكُمْ﴾ [محمد: ٧] فجعل نصر العبد مقدماً على نصره لنا ؟
فالجواب : أن لا امتناع في أن يكون فعل العبد سبباً لفعل آخر يصدر عن الله - تعالى -، فإن أسباب الحوادث ومسبباتها على ترتيب عجيب تعجز عن إدراكها العقول البشرية.
١ ينظر: البحر المحيط ٨/٥٢٤. البيت للراعي النميري ينظر ديوانه ص ٢١١، والقرطبي ٢٠/٢٣٠، واللسان (نصر)..
٢ الكشاف ٤/٨١٠..
٣ البيت للراعي النميري ينظر ديوانه ص ٢١١، والقرطبي ٢٠/٢٣٠، واللسان (نصر)..
٤ ينظر القرطبي ٢٠/١٥٧..
٥ ينظر: جامع البيان (١٢/٧٢٩)..
٦ أخرجه الطبري في "تفسيره" (١٢/٧٢٩)، عن مجاهد وابن زيد. وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٦/٦٩٦)، وزاد نسبته إلى ابن المنذر..
٧ ذكره الماوردي في "تفسيره" (٦/٣٦٠)، والقرطبي (٢٠/١٥٧)..
٨ سقط من: ب..
٩ الفخر الرازي ٣٢/١٤٠..
١٠ الفخر الرازي ٣٢/١٤٠..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى