معالم التنزيل — البغوي
عن الكتاب
﴿إذا جاء نصر الله والفتح﴾ أراد فتح مكة. وكانت قصته -على ما ذكر محمد ابن إسحاق وأصحاب الأخبار- أن رسول الله ﷺ لما صالح قريشاً عام الحديبية، واصطلحوا على وضع الحرب بين الناس عشر سنين، يأمن فيهن الناس، ويكف بعضهم عن بعض، وأنه من أحب أن يدخل في عقد رسول الله ﷺ وعهده دخل فيه، ومن أحب أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل فيه، فدخلت بنو بكر في عقد قريش، ودخلت خزاعة في عهد رسول الله ﷺ، وكان بينهما شر قديم. ثم إن بني بكر عدت على خزاعة، وهم على ماء لهم بأسفل مكة، يقال له : الوتير، فخرج نوفل بن معاوية الدئلي في بني الدئل من بني بكر حتى بيت خزاعة، فأصابوا منهم رجلاً وتحاربوا واقتتلوا، ورفدت قريش بني بكر بالسلاح، وقاتل معهم من قريش من قاتل مستخفياً بالليل، حتى حازوا خزاعة إلى الحرم، وكان ممن أعان بني بكر من قريش على خزاعة ليلتئذ بأنفسهم متنكرين : صفوان بن أمية، وعكرمة بن أبي جهل، وسهيل بن عمرو، مع عبيدهم، فلما انتهوا إلى الحرم قالت بنو بكر : يا نوفل إنا دخلنا الحرم إلى إلهك، فقال كلمة عظيمة : إنه لا إله لي اليوم، أصيبوا ثأركم فيه. فلما تظاهرت قريش على خزاعة وأصابوا منهم، ونقضوا ما بينهم وبين رسول الله ﷺ من العهد بما استحلوا من خزاعة -وكانوا في عقده- خرج عمرو بن سالم الخزاعي حتى قدم رسول الله ﷺ المدينة، وكان ذلك مما هاج فتح مكة، فوقف عليه وهو في المسجد جالس بين ظهراني الناس، فقال :
الأبيات كما ذكرنا في سورة التوبة. فقال النبي ﷺ :" قد نصرت يا عمرو بن سالم "، ثم عرض لرسول الله ﷺ عنان من السماء فقال :" إن هذه السحابة لتشهد بنصر بن كعب "، وهم رهط عمرو بن سالم. ثم خرج بديل بن ورقاء في نفر من خزاعة، حتى قدموا على النبي ﷺ فأخبروه بما أصيب منهم ومظاهرة قريش بني بكر عليهم، ثم انصرفوا راجعين إلى مكة، وقد كان النبي ﷺ قال للناس : كأنكم بأبي سفيان قد جاء ليشدد العقد ويزيد في المدة. ومضى بديل بن ورقاء فلقي أبا سفيان بعسفان، قد بعثته قريش إلى رسول الله ﷺ ليشدد العقد ويزيد في المدة، وقد رهبوا الذي صنعوا، فلما لقي أبو سفيان بديلاً قال : من أين أقبلت يا بديل ؟ وظن أنه قد أتى رسول الله ﷺ، قال : سرت في خزاعة في هذا الساحل وفي بطن هذا الوادي، قال : أو ما أتيت محمداً ؟ قال : لا، فلما راح بديل إلى مكة قال أبو سفيان : لئن كان جاء المدينة لقد علف ناقته بها النوى، فعمد إلى مبرك ناقته فأخذ من بعرها ففته فرأى فيه النوى، فقال : أحلف بالله لقد جاء بديل محمداً. ثم خرج أبو سفيان حتى قدم على رسول الله ﷺ المدينة، فدخل على ابنته أم حبيبة بنت أبي سفيان، فلما ذهب ليجلس على فراش رسول الله ﷺ طوته عنه، فقال : أي بنية أرغبت بي عن هذا الفراش، أم أرغبت به عني ؟ قالت : بلى، هو فراش رسول الله ﷺ، وأنت رجل مشرك نجس، فلم أحب أن تجلس على فراش رسول الله ﷺ، فقال : والله لقد أصابك يا بنية بعدي شر. ثم خرج حتى أتى رسول الله ﷺ فكلمه فلم يرد عليه شيئاً، ثم ذهب إلى أبي بكر فكلمه أن يكلم له رسول الله ﷺ، فقال : ما أنا بفاعل، ثم أتى عمر بن الخطاب فكلمه فقال : أنا أشفع لكم إلى رسول الله ﷺ ؟ ! فوالله لو لم أجد إلا الذر لجاهدتكم به، ثم خرج فدخل على علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وعنده فاطمة بنت رسول الله ﷺ، وعندها الحسن بن علي رضي الله عنهما، غلام يدب بين يديها، فقال : يا علي إنك أمس القوم بي رحماً، وأقربهم مني قرابةً، وقد جئت في حاجة فلا أرجعن كما جئت خائباً، اشفع لنا إلى رسول الله ﷺ، فقال : ويحك يا أبا سفيان، لقد عزم النبي ﷺ على أمر ما نستطيع أن نكلمه فيه، فالتفت إلى فاطمة فقال : يا بنت محمد، هل لك أن تأمري بنيك هذا فيجير بين الناس، فيكون سيد العرب إلى آخر الدهر ؟ قالت : والله ما بلغ ببني أن يجير بين الناس، وما يجير على رسول الله ﷺ أحد، فقال : يا أبا الحسن، إني أرى الأمور قد اشتدت علي فانصحني، قال : والله ما أعلم شيئاً يغني عنك، ولكنك سيد بني كنانة، فقم فأجر بين الناس، ثم الحق بأرضك، قال : أو ترى ذلك مغنياً عني ؟ قال : لا والله، ما أظن، ولكن لا أجد لك غير ذلك. فقام أبو سفيان في المسجد فقال : يا أيها الناس إني قد أجرت بين الناس، ثم ركب بعيره فانطلق، فلما قدم على قريش قالوا : ما وراءك ؟ قال : جئت محمداً فكلمته ما رد علي شيئاً، ثم جئت ابن أبي قحافة، فلم أجد عنده خيراً، فجئت ابن الخطاب فوجدته أعدى القوم، ثم أتيت علي بن أبي طالب فوجدته ألين القوم، وقد أشار علي بشيء صنعته، فوالله ما أدري هل يغنيني شيئاً أم لا ؟ قالوا : وماذا أمرك ؟ قال : أمرني أن أجير بين الناس ففعلت، قالوا : فهل أجاز ذلك محمد ﷺ ؟ قال : لا، قالوا : والله إن زاد على أن لعب بك، فلا يغني عنا ما قلت. قال : لا والله ما وجدت غير ذلك. قال : وأمر رسول الله ﷺ الناس بالجهاز، وأمر أهله أن يجهزوه، فدخل أبو بكر على ابنته عائشة رضي الله عنها وهي تصلح بعض جهاز رسول الله ﷺ، فقال : أي بنية أمركم رسول الله ﷺ بأن تجهزوه ؟ قالت : نعم، فتجهز، قال : فأين ترينه يريد ؟ قالت : ما أدري، ثم إن رسول الله ﷺ أعلم الناس أنه سائر إلى مكة، وأمرهم بالجد والتهيؤ، وقال : اللهم خذ العيون والأخبار عن قريش حتى نبغتها في بلادها، فتجهز الناس. وكتب حاطب بن أبي بلتعة كتاباً إلى قريش ذكرناها في سورة الممتحنة. ثم استخلف رسول الله ﷺ على المدينة أبا رهم كلثوم بن حصين بن خلف الغفاري، وخرج عامداً إلى مكة لعشر مضين من رمضان سنة ثمان، فصام رسول الله ﷺ وصام الناس معه، حتى إذا كان بالكديد -ما بين عسفان وأمج- أفطر. ثم مضى حتى نزل بمر الظهران في عشرة آلاف من المسلمين، ولم يتخلف من المهاجرين والأنصار عنه أحد، فلما نزل بمر الظهران، وقد عميت الأخبار عن قريش، فلا يأتيهم خبر عن رسول الله ﷺ ولا يدرون ما هو فاعل، فخرج في تلك الليلة : أبو سفيان بن حرب، وحكيم بن حزام، وبديل بن ورقاء، يتحسسون الأخبار هل يجدون خبراً ؟ وقد قال العباس بن عبد المطلب ليلتئذ وأصباح قريش : والله لئن بغتها رسول الله ﷺ في بلادها فدخل مكة عنوة إنها لهلاك قريش إلى آخر الدهر. فخرج العباس على بغلة رسول الله وقال : أخرج إلى الأراك لعلي أرى حطاباً، أو صاحب لبن، أو داخلاً يدخل مكة فيخبرهم بمكان رسول الله ﷺ، فيأتونه فيستأمنونه قبل أن يدخلها عليهم عنوة. قال العباس : فخرجت وإني -والله- لأطوف في الأراك ألتمس ما خرجت له ؛ إذ سمعت صوت أبي سفيان وحكيم بن حزام وبديل بن ورقاء، وقد خرجوا يتحسسون الخبر، فسمعت أبا سفيان يقول : والله ما رأيت كالليلة قط نيراناً، وقال بديل : هذه والله نيران خزاعة حمشتها الحرب، فقال أبو سفيان : خزاعة ألأم من ذلك وأذل، فعرفت صوته فقلت : يا أبا حنظلة، فعرف صوتي فقال : يا أبا الفضل، فقلت : نعم، فقال : مالك فداك أبي وأمي ؟ قلت : ويحك يا أبا سفيان، هذا والله رسول الله ﷺ قد جاء بما لا قبل لكم به، بعشرة آلاف من المسلمين، قال : وما الحيلة ؟ قلت : والله لئن ظفر بك ليضربن عنقك، فاركب في عجز هذه البغلة حتى آتي بك رسول الله ﷺ فأستأمنه، فردفني، ورجع صاحبه فخرجت أركض به بغلة النبي ﷺ، كلما مررت بنار من نيران المسلمين فنظروا إلي قالوا : هذا عم النبي ﷺ، حتى مررت بنار عمر بن الخطاب، فقال : من هذا ؟ وقام إلي فلما رأى أبا سفيان على عجز الدابة، قال : أبو سفيان عدو الله ! الحمد لله الذي أمكن منك بغير عقد ولا عهد، ثم اشتد نحو رسول الله ﷺ، فركضت البغلة وسبقته بما تسبق الدابة البطيئة الرجل البطيء، فاقتحمت عن البغلة فدخلت على النبي ﷺ ودخل عليه عمر، فقال : يا رسول الله هذا أبو سفيان عدو الله قد أمكن الله منه بغير عهد ولا عقد، فدعني أضرب عنقه، فقلت : يا رسول الله إني قد أجرته، ثم جلست إلى النبي ﷺ فأخذت برأسه وقلت : والله لا يناجيه الليلة أحد دوني، فلما أكثر فيه عمر رضي الله عنه قلت : مهلاً يا عمر، فوالله ما تصنع هذا إلا أنه رجل من بني عبد مناف، ولو كان من بني عدي بن كعب ما قلت هذا. قال : مهلا يا عباس، فوالله لإسلامك يوم أسلمت كان أحب إلي من إسلام الخطاب لو أسلم، وذلك لأني أعلم أن إسلامك كان أحب إلى رسول الله ﷺ من إسلام الخطاب لو أسلم، فقال رسول الله ﷺ : اذهب به يا عباس إلى رحلك، فإذا أصبحت فائتني به، قال : فذهبت إلى رحلي فبات عندي، فلما أصبح غدوت به إلى رسول الله ﷺ، فلما رآه قال : ويحك يا أبا سفيان، ألم يأن لك أن تعلم أن لا إله إلا الله ؟ قال : بأبي أنت وأمي، ما أحلمك وأكرمك وأوصلك ! والله لقد ظننت أن لو كان مع الله إله غيره فقد أغنى عني شيئاً بعد، قال : ويحك يا أبا سفيان، ألم يأن لك أن تعلم أني رسول الله ؟ قال : بأبي أنت وأمي وما أحلمك وأكرمك وأوصلك ! أما هذه فإن في النفس منها حتى الآن شيئاً، قال العباس : قلت له : ويحك ! أسلم واشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، قبل أن يضرب عنقك، قال : فشهد شهادة الحق وأسلم، وقال العباس : قلت : يا رسول الله إن أبا سفيان رجل يحب هذا الفخر، فاجعل له شيئاً، قال : نعم، من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن أغلق عليه بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن، فلما ذهب لينصرف قال رسول الله ﷺ : يا عباس، احبسه بمضيق الوادي عند خطم الجبل حتى تمر به جنود الله فيراها. قال : فخرجت به حتى حبسته حيث أمرني رسول الله ﷺ. قال : ومرت به القبائل على راياتها، كلما مرت قبيلة قال : من هؤلاء يا عباس ؟ قال : أقول : سليم، قال : يقول : ما لي ولسليم ؟ ثم تمر القبيلة فيقول : من هؤلاء ؟ فأقول : مزينة، فيقول : ما لي ولمزينة ؟ حتى نفذت القبائل، لا تمر قبيلة إلا سألني عنها، فإذا أخبرته يقول : ما لي ولبني فلان ؟ حتى مر رسول الله ﷺ في الخضراء، كتيبة رسول الله ﷺ، فيها المهاجرون والأنصار، لا يرى منهم إلا الحدق من الحديد، قال : سبحان الله، من هؤلاء يا عباس ؟ قلت : هذا رسول الله ﷺ في المهاجرين وال
| لا هم إني ناشد محمدا | حلف أبينا وأبيه الأتلدا |
| إن قريشاً أخلفوك الموعدا | ونقضوا ميثاقك المؤكدا |