مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي

عن الكتاب
ثم قال تعالى :﴿هاأنتم هؤلاء جادلتم عنهم في الحياة الدنيا فمن يجادل الله عنهم يوم القيامة﴾ ﴿ها﴾ للتنبيه في ﴿ها أنتم﴾ و﴿هؤلاء﴾ وهما مبتدأ وخبر ﴿جادلتم﴾ جملة مبينة لوقوع ﴿أولاء﴾ خبرا، كما تقول لبعض الأسخياء : أنت حاتم تجود بما لك وتؤثر على نفسك، ويجوز أن يكون ﴿أولاء﴾ اسما موصولا بمعنى الذي و﴿جادلتم﴾ صلة، وأما الجدال فهو في اللغة عبارة عن شدة المخاصمة، وجدل الحبل شدة فتلة، ورجل مجدول كأنه فتل، والأجدل الصقر لأنه من أشد الطيور قوة. هذا قول الزجاج. وقال غيره : سميت المخاصمة جدالا لأن كل واحد من الخصمين يريد ميل صاحبه عما هو عليه وصرفه عن رأيه.
إذا عرفت هذا فنقول : هذا خطاب مع قوم من المؤمنين كانوا يذبون عن طعمة وعن قومه بسبب أنهم كانوا في الظاهر من المسلمين، والمعنى : هبوا أنكم خاصمتم عن طعمة وقومه في الدنيا، فمن الذين يخاصمون عنهم في الآخرة إذا أخذهم الله بعذابه. وقرأ عبد الله بن مسعود : ها أنتم هؤلاء جادلتم عنه، يعني عن طعمة، وقوله ﴿فمن يجادل الله عنهم﴾ استفهام بمعنى التوبيخ والتقريع.
ثم قال تعالى :﴿أم من يكون عليهم وكيلا﴾ فقوله :﴿أم من يكون﴾ عطف على الاستفهام السابق، والوكيل هو الذي وكل إليه الأمر في الحفظ والحماية، والمعنى : من الذي يكون محافظا ومحاميا لهم من عذاب الله ؟

تفسير هذه الآية من كتب أخرى