فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني

عن الكتاب
وقوله :﴿الذين يَتَّخِذُونَ الكافرين أَوْلِيَاء﴾ وصف للمنافقين، أو منصوب على الذمّ، أي : يجعلون الكفار أولياء لهم يوالونهم على كفرهم، ويمالئونهم على ضلالهم. وقوله :﴿مِن دُونِ المؤمنين﴾ في محل نصب على الحال، أي : يوالون الكافرين متجاوزين ولاية المؤمنين ﴿أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ العزة﴾ هذا الاستفهام للتقريع والتوبيخ، والجملة معترضة. قوله :﴿فَإِنَّ العزة للَّهِ جَمِيعاً﴾ هذه الجملة تعليل لما تقدّم من توبيخهم بابتغاء العزّة عند الكافرين، وجميع أنواع العزّة، وأفرادها مختص بالله سبحانه، وما كان منها مع غيره، فهو من فيض، وتفضله كما في قوله :﴿وَلِلَّهِ العزة وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: ٨] والعزة : الغلبة. يقال عزّه يعزّه عزّا : إذا غلبه :﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِى الكتاب﴾ الخطاب لجميع من أظهر الإيمان من مؤمن ومنافق ؛ لأن من أظهر الإيمان، فقد لزمه أن يمتثل ما أنزله الله ؛ وقيل إنه خطاب للمنافقين فقط كما يفيده التشديد والتوبيخ. وقرأ عاصم، ويعقوب :﴿نزل﴾ بفتح النون والزاي وتشديدها، وفاعله ضمير راجع إلى اسم الله تعالى في قوله :﴿فَإِنَّ العزة للَّهِ جَمِيعاً﴾. وقرأ حميد بتخفيف الزاي مفتوحة مع فتح النون، وقرأ الباقون بضم النون مع كسر الزاي مشدّدة على البناء للمجهول.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن قتادة في قوله :﴿إِنَّ الذين ءامَنُواْ ثُمَّ كَفَرُوا﴾ الآية، قال : هم اليهود والنصارى آمنت اليهود بالتوراة، ثم كفرت، وآمنت النصارى بالإنجيل، ثم كفرت. وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير عنه في الآية قال : هؤلاء اليهود آمنوا بالتوراة، ثم كفروا، ثم ذكر النصارى، فقال :﴿ثُمَّ ءامَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا﴾ يقول : آمنوا بالإنجيل، ثم كفروا، ﴿ثُمَّ ازدادوا كُفْراً﴾ بمحمد ﷺ. وأخرج ابن جرير عن ابن زيد في الآية قال : هؤلاء المنافقون آمنوا مرتين، ثم كفروا مرتين، ثم ازدادوا كفراً بعد ذلك. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله :﴿ثُمَّ ازدادوا كُفْراً﴾ قال : تمادوا على كفرهم حتى ماتوا. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عن أبي وائل قال : إن الرجل ليتكلم في المجلس بالكلمة من الكذب ؛ ليضحك بها جلساءه، فيسخط الله عليهم جميعاً، فذكروا ذلك لإبراهيم النخعي، فقال : صدق أبو وائل، أو ليس ذلك في كتاب الله ؟ ﴿فَلاَ تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حتى يَخُوضُوا فِى حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾. وأخرج ابن المنذر عن مجاهد قال : أنزل في سورة الأنعام ﴿حتى يَخُوضُوا فِى حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ [الأنعام: ٦٨] ثم نزل التشديد في سورة النساء ﴿إِنَّكُمْ إِذاً مثْلُهُمْ﴾.
وأخرج ابن المنذر، عن سعيد بن جبير، أن الله جامع المنافقين من أهل المدينة والكافرين من أهل مكة الذين خاضوا واستهزءوا بالقرآن في جهنم جميعاً. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عن مجاهد :﴿الذين يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ﴾ قال : هم المنافقون يتربصون بالمؤمنين ﴿فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مّنَ الله﴾ إن أصاب المسلمين من عدوّهم غنيمة قال المنافقون ﴿أَلَمْ نَكُن﴾ قد كنا ﴿مَّعَكُمْ﴾ فأعطونا من الغنيمة مثل ما تأخذون ﴿وَإِن كَانَ للكافرين نَصِيبٌ﴾ يصيبونه من المسلمين قال المنافقون للكفار ﴿أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ﴾ ألم نبين لكم أنا على ما أنتم عليه، قد كنا نثبطهم عنكم.
وأخرج ابن جرير عن السديّ ﴿أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ﴾ قال : نغلب عليكم. وأخرج عبد الرزاق، والفريابي، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، والبيهقي في الشعب، والحاكم وصححه عن عليّ أنه قيل له : أرأيت هذه الآية :﴿وَلَن يَجْعَلَ الله للكافرين عَلَى المؤمنين سَبِيلاً﴾ وهم يقاتلوننا، فيظهرون ويقتلون، فقال : ادنه ادنه، ثم قال :﴿فالله يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ القيامة وَلَن يَجْعَلَ الله للكافرين عَلَى المؤمنين سَبِيلاً﴾. وأخرج ابن جرير عنه في الآية قال : في الآخرة. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، عن ابن عباس نحوه. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر عن أبي مالك نحوه أيضاً. وأخرج ابن جرير، عن السديّ ﴿سَبِيلاً﴾ قال : حجة.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى