تفسير القرآن العظيم — ابن كثير
عن الكتاب
قال البخاري : حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا شعبة، عن أبي إسحاق قال : سمعت البراء قال : آخر سورة نزلت :" براءة "، وآخر آية نزلت :﴿يَسْتَفْتُونَكَ﴾(١).
وقال الإمام أحمد : حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن محمد بن المنكدر قال : سمعت جابر بن عبد الله قال : دخل عَلَيّ رسول الله ﷺ، وأنا مريض لا أَعْقِل، قال : فتوضأ، ثم صَبَّ عَلَيّ - أو قال صبوا عليه - فَعَقَلْتُ فَقُلت : إنه لا يرثني إلا كلالة، فكيف الميراث ؟ قال : فنزلت آية الفرائض.
أخرجاه في الصحيحين من حديث شعبة(٢)، ورواه الجماعة من طريق سفيان بن عُيَيْنة، عن محمد بن المُنْكَدر، عن جابر، به(٣). وفي بعض الألفاظ : فنزلت آية الميراث :﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ﴾ الآية.
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا محمد بن عبد الله بن يزيد، حدثنا سفيان وقال ابن الزبير قال - يعني جابرا - : نزلت في :﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ﴾.
وكأن معنى الكلام - والله أعلم - ﴿يَسْتَفْتُونَكَ﴾ : عن الكلالة قل : الله يفتيكم فيها، فدل المذكور على المتروك.
وقد تقدم الكلام على الكلالة واشتقاقها، وأنها مأخوذة من الإكليل الذي يحيط بالرأس من جوانبه ؛ ولهذا فسرها أكثر العلماء : بمن يموت وليس له ولد ولا والد، ومن الناس من يقول : الكلالة من لا ولد له، كما دلت عليه هذه الآية :﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ﴾ [ أي مات ](٤) ﴿لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ﴾.
وقد أُشْكِل حُكْم الكلالة على أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، كما ثبت عنه في الصحيحين أنه قال : ثلاث وَدِدْتُ أن رسول الله ﷺ كان عهد إلينا فيهن عهدا ننتهي إليه : الجد، والكلالة، وأبواب من أبواب الربا.
وقال الإمام أحمد : حدثنا إسماعيل، عن سعيد بن أبي عَرُوبة، عن قَتَادة، عن سالم بن أبي الجَعْد، عن مَعْدان بن أبي طلحة قال : قال عمر بن الخطاب : ما سألتُ رسول الله ﷺ عن شيء أكثر مما سألته عن الكلالة، حتى طعن بأُصْبُعِه في صدري وقال :" يكفيك آية الصيف التي في آخر سورة النساء ".
هكذا رواه مختصرًا وقد أخرجه مسلم مطولا أكثر من هذا(٥).
طريق أخرى : قال [ الإمام ](٦) أحمد : حدثنا أبو نُعَيم، حدثنا مالك - يعني ابن مِغْل - سمعت الفضل بن عمرو، عن إبراهيم، عن عمر قال : سألت رسول الله ﷺ عن الكلالة، فقال :" يكفيك آية الصيف ". فقال : لأن أكون سألت النبي ﷺ عنها أحبَّ إليّ من أن يكونَ لي حُمْر النَّعم. وهذا إسناد جيد إلا أن فيه انقطاعًا بين إبراهيم وبين عُمَر، فإنه لم يدركه(٧).
وقال الإمام أحمد : حدثنا يحيى بن آدم، حدثنا أبو بكر، عن أبي إسحاق، عن البَراءِ بن عازبٍ قال : جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فسأله عن الكلالة، فقال :" يكفيك آية الصيف ". وهذا إسناد جيد، رواه أبو داود والترمذي من حديث أبي بكر بن عيَّاش، به(٨). وكأن المراد بآية الصيف : أنها نزلت في فصل الصيف، والله أعلم.
ولما أرشده النبي ﷺ إلى تفهمها - فإن فيها كفاية - نسي أن يسأل النبي ﷺ عن معناها ؛ ولهذا قال : فلأن أكون سألت رسول الله ﷺ عنها أحب إليّ من أن يكون لي حُمْر النَّعَم.
وقال ابن جرير : حدثنا ابن وكيع، حدثنا جرير عن(٩) الشيباني، عن عمرو بن مُرة، عن سعيد بن المسيَّب قال : سأل عمر بن الخطاب النبي ﷺ عن الكلالة، فقال :" أليس قد بين الله ذلك ؟ " فنزلت :﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِي الكَلالَةِ ](١٠)﴾ الآية. وقال قتادة : ذُكر(١١) لنا أن أبا بكر الصديق [ رضي الله عنه ](١٢) قال في خطبته : ألا إن الآية التي أنزلت(١٣) في أول " سورة النساء " في شأن الفرائض، أنزلها الله في الولد والوالد. والآية الثانية أنزلها في الزوج والزوجة والإخوة من الأم. والآية التي ختم بها " سورة النساء " أنزلها في الإخوة والأخوات من الأب والأم، والآية التي ختم بها " سورة الأنفال " أنزلها في أولي الأرحام، بعضهم أولى ببعض في كتاب الله، مما جَرّت الرحم من العَصَبة. رواه ابن جرير(١٤).
ذكر الكلام على معناها وبالله المستعان، وعليه التكلان :
قوله تعالى :﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ﴾ أي : مات، قال الله تعالى :﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨] كل شيء يفنى ولا يبقى إلا(١٥) الله، عز وجل، كما قال :﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ. وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٢٦، ٢٧].
وقوله :﴿لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ﴾ تمسك به من ذهب إلى أنه ليس من شرط الكلالة انتفاء الوالد(١٦)، بل يكفي في وجود الكلالة انتفاء الولد، وهو رواية عن عمر بن الخطاب، رواها ابن جرير عنه بإسناد صحيح إليه. ولكن الذي رجع(١٧) إليه هو قول الجمهور وقضاء الصديق : أنه مَنْ لا ولد له ولا والد، ويدل على ذلك قوله :﴿وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾ ولو كان معها أب لم ترث شيئًا ؛ لأنه يحجبها بالإجماع، فدل على أنه من لا ولد له بنص القرآن، ولا والد بالنص عند التأمل أيضًا ؛ لأن الأخت لا يفرض لها النصف مع الوالد، بل ليس لها ميراث بالكلية.
وقال الإمام أحمد : حدثنا الحكم بن نافع، حدثنا أبو بكر بن عبد الله، عن مَكْحُول وعطية وحمزة وراشد، عن زيد بن ثابت : أنه سئلَ عن زوج وأخت لأب وأم، فأعطى الزوجَ النصفَ والأخت النصفَ. فكُلِّم في ذلك، فقال : حضرتُ رسولَ الله ﷺ قضى بذلك.
تفرد به أحمد من هذا الوجه(١٨)، وقد نقل ابن جرير(١٩) وغيره عن ابن عباس وابن الزبير أنهما كانا يقولان في الميت ترك بنتًا وأختًا : إنه لا شيء للأخت لقوله :﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾ قال : فإذا ترك بنتًا فقد ترك ولدًا(٢٠)، فلا شيء للأخت، وخالفهما الجمهور، فقالوا في هذه المسألة : للبنت النصف بالفرض، وللأخت النصف الآخر بالتعصيب، بدليل غير هذه الآية وهذه نَصب(٢١) أن يفرض لها في هذه الصورة، وأما وراثتها بالتعصيب ؛ فلما رواه البخاري من طريق سليمان، عن إبراهيم، عن الأسود، قال : قضى فينا معاذ بن جبل على عهد رسول الله ﷺ : النصف للابنة، والنصف للأخت. ثم قال سليمان : قضى فينا ولم يذكر : على عهد رسول الله(٢٢) صلى الله عليه وسلم(٢٣). وفي صحيح البخاري أيضًا عن هُزيل بن شرحبيل قال : سئل أبو موسى الأشعري عن ابنة وابنة ابن وأخت، فقال : للابنة(٢٤) النصف، وللأخت النصف، وأت ابن مسعود فسيتابعني. فسئل ابنُ مسعود - وأخبر بقول أبي موسى - فقال : لقد ضَلَلْتُ إذًا وما أنا من المهتدين، أقضي فيها بما قضى النبي ﷺ للابنة النصف، ولابنة الابن السدس، تكملة الثلثين، وما بقي فللأخت، فأتينا أبا موسى فأخبرناه بقول ابن مسعود، فقال : لا تسألوني ما دام هذا الحبر فيكم(٢٥).
وقوله :﴿وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ﴾ أي : والأخ يرث جميع ما لها إذا ماتت كلالة، وليس لها ولد، أي : ولا والد ؛ لأنه لو كان لها والد لم يرث الأخ شيئًا، فإن فرض أن معه من له فرض، صرف إليه فرضه ؛ كزوج، أو أخ من أم، وصرف الباقي إلى الأخ ؛ لما ثبت في الصحيحين، عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال :" أَلْحِقُوا الفرائض بأهلها، فما أبقت الفرائض فَلأوْلَى رجلٍ ذَكَر " (٢٦).
وقوله :﴿فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ﴾ أي : فإن كان لمن يموت كلالة، أختان، فرض لهما الثلثان، وكذا ما زاد على الأختين في حكمهما، ومن هاهنا أخذ الجماعة حكم البنتين كما استفيد حكم الأخوات من البنات، في قوله :﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ﴾.
وقوله :﴿وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأنْثَيَيْنِ﴾. هذا حكم العصبات من البنين وبني البنين والإخوة إذا اجتمع ذكورهم وإناثهم، أعطي الذكر مثل حظ الأنثيين.
وقوله :﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ﴾ أي : يفرض لكم فرائضه، ويحدّ لكم حدوده، ويوضح لكم شرائعه.
وقوله :﴿أَنْ تَضِلُّوا﴾ أي : لئلا تضلوا عن الحق بعد البيان. ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ أي : هو عالم بعواقب الأمور ومصالحها وما فيها من الخير لعباده، وما يستحقه كل واحد من القرابات بحسب قربه من المتوفى.
وقد قال أبو جعفر ابن جرير : حدثني يعقوب، حدثني ابن عُلَيَّة، أنبأنا ابن عَوْن، عن محمد بن سيرين قال : كانوا في مسير، ورأس راحلة حذيفة عند رِدْف راحلة رسول الله ﷺ، ورأس راحلة عمر عند ردف راحلة حذيفة. قال : ونزلت :﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ﴾ فلقَّاها رسولُ الله ﷺ حذيفة، فلقاها حذيفة عُمَر، فلما كان بعد ذلك سأل عُمَرُ عنها حذيفة فقال : والله إنك لأحمق إن كنت ظننت أنه لقَّانيها رسول الله ﷺ فلقيتكها كما لقانيها(٢٧)، والله لا أزيدك عليها شيئًا أبدًا. قال : فكان عمر [ رضي الله عنه ](٢٨) يقول : اللهم إن(٢٩) كنت بينتها له فإنها لم تُبَين لي.
كذا(٣٠) رواه ابن جرير. ورواه أيضًا عن الحسن بن يحيى(٣١)، عن عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن أيوب، عن ابن سيرين كذلك بنحوه. وهو منقطع بين ابن سيرين وحذيفة(٣٢)، وقد قال الحافظ أبو بكر أحمد بن عمرو البزَّار في مسنده : حدثنا يوسف بن حماد المَعْنيُّ، ومحمد بن مرزوق قالا : أخبرنا عبد الأعلى بن عبد الأعلى، حدثنا هشام بن حسَّان، عن محمد بن سيرين، عن أبي عبيدة بن حذيفة، عن أبيه :" نزلت الكلالة على النبي ﷺ وهو في مسير له، فوقف النبي ﷺ وإذا هو بحذيفة، وإذا رأس ناقة حذيفة عند مُؤتَزَر النبي ﷺ، فلقَّاها إياه، فنظر حذيفة فإذا عمر، رضي الله عنه، فلقاها إياه، فلما كان في خلافة عمر نظر عمر في الكلالة، فدعا حذيفة فسأله عنها، فقال حذيفة : لقد لقَّانيها رسول الله ﷺ فَلَقَّيتُك كما لقاني، والله(٣٣) إني لصادق، ووالله لا أزيد على ذلك شيئًا أبدًا.
ثم قال البزار : وهذا الحديث لا نعلم أحدا رواه إلا حذيفة، ولا نعلم له طريقًا عن حذيفة إلا هذا الطريق، ولا رواه عن هشام إلا عبد الأعلى. وكذا رواه ابن مَردُوَيه من حديث عبد الأعلى(٣٤).
وقال عثمان بن أبي شَيْبَة : حدثنا جرير، عن الشَّيباني، عن عمرو بن مُرّة، عن سعيد - [ هو ](٣٥) ابن المسيَّب - أن عمر سأل رسول الله ﷺ كيف يُوَرّث الكلالة ؟ قال : فأنزل الله ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ ](٣٦)﴾ الآية(٣٧)، قال : فكأن عمر لم يفهم. فقال لحفصة : إذا رأيت من رسول الله ﷺ طيب نَفْس فسليه عنها، فرأت منه طيب نفس
وقال الإمام أحمد : حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن محمد بن المنكدر قال : سمعت جابر بن عبد الله قال : دخل عَلَيّ رسول الله ﷺ، وأنا مريض لا أَعْقِل، قال : فتوضأ، ثم صَبَّ عَلَيّ - أو قال صبوا عليه - فَعَقَلْتُ فَقُلت : إنه لا يرثني إلا كلالة، فكيف الميراث ؟ قال : فنزلت آية الفرائض.
أخرجاه في الصحيحين من حديث شعبة(٢)، ورواه الجماعة من طريق سفيان بن عُيَيْنة، عن محمد بن المُنْكَدر، عن جابر، به(٣). وفي بعض الألفاظ : فنزلت آية الميراث :﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ﴾ الآية.
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا محمد بن عبد الله بن يزيد، حدثنا سفيان وقال ابن الزبير قال - يعني جابرا - : نزلت في :﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ﴾.
وكأن معنى الكلام - والله أعلم - ﴿يَسْتَفْتُونَكَ﴾ : عن الكلالة قل : الله يفتيكم فيها، فدل المذكور على المتروك.
وقد تقدم الكلام على الكلالة واشتقاقها، وأنها مأخوذة من الإكليل الذي يحيط بالرأس من جوانبه ؛ ولهذا فسرها أكثر العلماء : بمن يموت وليس له ولد ولا والد، ومن الناس من يقول : الكلالة من لا ولد له، كما دلت عليه هذه الآية :﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ﴾ [ أي مات ](٤) ﴿لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ﴾.
وقد أُشْكِل حُكْم الكلالة على أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، كما ثبت عنه في الصحيحين أنه قال : ثلاث وَدِدْتُ أن رسول الله ﷺ كان عهد إلينا فيهن عهدا ننتهي إليه : الجد، والكلالة، وأبواب من أبواب الربا.
وقال الإمام أحمد : حدثنا إسماعيل، عن سعيد بن أبي عَرُوبة، عن قَتَادة، عن سالم بن أبي الجَعْد، عن مَعْدان بن أبي طلحة قال : قال عمر بن الخطاب : ما سألتُ رسول الله ﷺ عن شيء أكثر مما سألته عن الكلالة، حتى طعن بأُصْبُعِه في صدري وقال :" يكفيك آية الصيف التي في آخر سورة النساء ".
هكذا رواه مختصرًا وقد أخرجه مسلم مطولا أكثر من هذا(٥).
طريق أخرى : قال [ الإمام ](٦) أحمد : حدثنا أبو نُعَيم، حدثنا مالك - يعني ابن مِغْل - سمعت الفضل بن عمرو، عن إبراهيم، عن عمر قال : سألت رسول الله ﷺ عن الكلالة، فقال :" يكفيك آية الصيف ". فقال : لأن أكون سألت النبي ﷺ عنها أحبَّ إليّ من أن يكونَ لي حُمْر النَّعم. وهذا إسناد جيد إلا أن فيه انقطاعًا بين إبراهيم وبين عُمَر، فإنه لم يدركه(٧).
وقال الإمام أحمد : حدثنا يحيى بن آدم، حدثنا أبو بكر، عن أبي إسحاق، عن البَراءِ بن عازبٍ قال : جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فسأله عن الكلالة، فقال :" يكفيك آية الصيف ". وهذا إسناد جيد، رواه أبو داود والترمذي من حديث أبي بكر بن عيَّاش، به(٨). وكأن المراد بآية الصيف : أنها نزلت في فصل الصيف، والله أعلم.
ولما أرشده النبي ﷺ إلى تفهمها - فإن فيها كفاية - نسي أن يسأل النبي ﷺ عن معناها ؛ ولهذا قال : فلأن أكون سألت رسول الله ﷺ عنها أحب إليّ من أن يكون لي حُمْر النَّعَم.
وقال ابن جرير : حدثنا ابن وكيع، حدثنا جرير عن(٩) الشيباني، عن عمرو بن مُرة، عن سعيد بن المسيَّب قال : سأل عمر بن الخطاب النبي ﷺ عن الكلالة، فقال :" أليس قد بين الله ذلك ؟ " فنزلت :﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِي الكَلالَةِ ](١٠)﴾ الآية. وقال قتادة : ذُكر(١١) لنا أن أبا بكر الصديق [ رضي الله عنه ](١٢) قال في خطبته : ألا إن الآية التي أنزلت(١٣) في أول " سورة النساء " في شأن الفرائض، أنزلها الله في الولد والوالد. والآية الثانية أنزلها في الزوج والزوجة والإخوة من الأم. والآية التي ختم بها " سورة النساء " أنزلها في الإخوة والأخوات من الأب والأم، والآية التي ختم بها " سورة الأنفال " أنزلها في أولي الأرحام، بعضهم أولى ببعض في كتاب الله، مما جَرّت الرحم من العَصَبة. رواه ابن جرير(١٤).
ذكر الكلام على معناها وبالله المستعان، وعليه التكلان :
قوله تعالى :﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ﴾ أي : مات، قال الله تعالى :﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨] كل شيء يفنى ولا يبقى إلا(١٥) الله، عز وجل، كما قال :﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ. وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٢٦، ٢٧].
وقوله :﴿لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ﴾ تمسك به من ذهب إلى أنه ليس من شرط الكلالة انتفاء الوالد(١٦)، بل يكفي في وجود الكلالة انتفاء الولد، وهو رواية عن عمر بن الخطاب، رواها ابن جرير عنه بإسناد صحيح إليه. ولكن الذي رجع(١٧) إليه هو قول الجمهور وقضاء الصديق : أنه مَنْ لا ولد له ولا والد، ويدل على ذلك قوله :﴿وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾ ولو كان معها أب لم ترث شيئًا ؛ لأنه يحجبها بالإجماع، فدل على أنه من لا ولد له بنص القرآن، ولا والد بالنص عند التأمل أيضًا ؛ لأن الأخت لا يفرض لها النصف مع الوالد، بل ليس لها ميراث بالكلية.
وقال الإمام أحمد : حدثنا الحكم بن نافع، حدثنا أبو بكر بن عبد الله، عن مَكْحُول وعطية وحمزة وراشد، عن زيد بن ثابت : أنه سئلَ عن زوج وأخت لأب وأم، فأعطى الزوجَ النصفَ والأخت النصفَ. فكُلِّم في ذلك، فقال : حضرتُ رسولَ الله ﷺ قضى بذلك.
تفرد به أحمد من هذا الوجه(١٨)، وقد نقل ابن جرير(١٩) وغيره عن ابن عباس وابن الزبير أنهما كانا يقولان في الميت ترك بنتًا وأختًا : إنه لا شيء للأخت لقوله :﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾ قال : فإذا ترك بنتًا فقد ترك ولدًا(٢٠)، فلا شيء للأخت، وخالفهما الجمهور، فقالوا في هذه المسألة : للبنت النصف بالفرض، وللأخت النصف الآخر بالتعصيب، بدليل غير هذه الآية وهذه نَصب(٢١) أن يفرض لها في هذه الصورة، وأما وراثتها بالتعصيب ؛ فلما رواه البخاري من طريق سليمان، عن إبراهيم، عن الأسود، قال : قضى فينا معاذ بن جبل على عهد رسول الله ﷺ : النصف للابنة، والنصف للأخت. ثم قال سليمان : قضى فينا ولم يذكر : على عهد رسول الله(٢٢) صلى الله عليه وسلم(٢٣). وفي صحيح البخاري أيضًا عن هُزيل بن شرحبيل قال : سئل أبو موسى الأشعري عن ابنة وابنة ابن وأخت، فقال : للابنة(٢٤) النصف، وللأخت النصف، وأت ابن مسعود فسيتابعني. فسئل ابنُ مسعود - وأخبر بقول أبي موسى - فقال : لقد ضَلَلْتُ إذًا وما أنا من المهتدين، أقضي فيها بما قضى النبي ﷺ للابنة النصف، ولابنة الابن السدس، تكملة الثلثين، وما بقي فللأخت، فأتينا أبا موسى فأخبرناه بقول ابن مسعود، فقال : لا تسألوني ما دام هذا الحبر فيكم(٢٥).
وقوله :﴿وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ﴾ أي : والأخ يرث جميع ما لها إذا ماتت كلالة، وليس لها ولد، أي : ولا والد ؛ لأنه لو كان لها والد لم يرث الأخ شيئًا، فإن فرض أن معه من له فرض، صرف إليه فرضه ؛ كزوج، أو أخ من أم، وصرف الباقي إلى الأخ ؛ لما ثبت في الصحيحين، عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال :" أَلْحِقُوا الفرائض بأهلها، فما أبقت الفرائض فَلأوْلَى رجلٍ ذَكَر " (٢٦).
وقوله :﴿فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ﴾ أي : فإن كان لمن يموت كلالة، أختان، فرض لهما الثلثان، وكذا ما زاد على الأختين في حكمهما، ومن هاهنا أخذ الجماعة حكم البنتين كما استفيد حكم الأخوات من البنات، في قوله :﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ﴾.
وقوله :﴿وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأنْثَيَيْنِ﴾. هذا حكم العصبات من البنين وبني البنين والإخوة إذا اجتمع ذكورهم وإناثهم، أعطي الذكر مثل حظ الأنثيين.
وقوله :﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ﴾ أي : يفرض لكم فرائضه، ويحدّ لكم حدوده، ويوضح لكم شرائعه.
وقوله :﴿أَنْ تَضِلُّوا﴾ أي : لئلا تضلوا عن الحق بعد البيان. ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ أي : هو عالم بعواقب الأمور ومصالحها وما فيها من الخير لعباده، وما يستحقه كل واحد من القرابات بحسب قربه من المتوفى.
وقد قال أبو جعفر ابن جرير : حدثني يعقوب، حدثني ابن عُلَيَّة، أنبأنا ابن عَوْن، عن محمد بن سيرين قال : كانوا في مسير، ورأس راحلة حذيفة عند رِدْف راحلة رسول الله ﷺ، ورأس راحلة عمر عند ردف راحلة حذيفة. قال : ونزلت :﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ﴾ فلقَّاها رسولُ الله ﷺ حذيفة، فلقاها حذيفة عُمَر، فلما كان بعد ذلك سأل عُمَرُ عنها حذيفة فقال : والله إنك لأحمق إن كنت ظننت أنه لقَّانيها رسول الله ﷺ فلقيتكها كما لقانيها(٢٧)، والله لا أزيدك عليها شيئًا أبدًا. قال : فكان عمر [ رضي الله عنه ](٢٨) يقول : اللهم إن(٢٩) كنت بينتها له فإنها لم تُبَين لي.
كذا(٣٠) رواه ابن جرير. ورواه أيضًا عن الحسن بن يحيى(٣١)، عن عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن أيوب، عن ابن سيرين كذلك بنحوه. وهو منقطع بين ابن سيرين وحذيفة(٣٢)، وقد قال الحافظ أبو بكر أحمد بن عمرو البزَّار في مسنده : حدثنا يوسف بن حماد المَعْنيُّ، ومحمد بن مرزوق قالا : أخبرنا عبد الأعلى بن عبد الأعلى، حدثنا هشام بن حسَّان، عن محمد بن سيرين، عن أبي عبيدة بن حذيفة، عن أبيه :" نزلت الكلالة على النبي ﷺ وهو في مسير له، فوقف النبي ﷺ وإذا هو بحذيفة، وإذا رأس ناقة حذيفة عند مُؤتَزَر النبي ﷺ، فلقَّاها إياه، فنظر حذيفة فإذا عمر، رضي الله عنه، فلقاها إياه، فلما كان في خلافة عمر نظر عمر في الكلالة، فدعا حذيفة فسأله عنها، فقال حذيفة : لقد لقَّانيها رسول الله ﷺ فَلَقَّيتُك كما لقاني، والله(٣٣) إني لصادق، ووالله لا أزيد على ذلك شيئًا أبدًا.
ثم قال البزار : وهذا الحديث لا نعلم أحدا رواه إلا حذيفة، ولا نعلم له طريقًا عن حذيفة إلا هذا الطريق، ولا رواه عن هشام إلا عبد الأعلى. وكذا رواه ابن مَردُوَيه من حديث عبد الأعلى(٣٤).
وقال عثمان بن أبي شَيْبَة : حدثنا جرير، عن الشَّيباني، عن عمرو بن مُرّة، عن سعيد - [ هو ](٣٥) ابن المسيَّب - أن عمر سأل رسول الله ﷺ كيف يُوَرّث الكلالة ؟ قال : فأنزل الله ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ ](٣٦)﴾ الآية(٣٧)، قال : فكأن عمر لم يفهم. فقال لحفصة : إذا رأيت من رسول الله ﷺ طيب نَفْس فسليه عنها، فرأت منه طيب نفس
١ صحيح البخاري برقم (٢٦٠٥)..
٢ المسند (٣/٢٩٨) وصحيح البخاري برقم (٦٧٤٣) وصحيح مسلم برقم (١٦١٦)..
٣ صحيح البخاري برقم (٦٧٢٣) وصحيح مسلم برقم (١٦١٦) وسنن أبي داود برقم (٢٨٨٦) وسنن الترمذي برقم (٢٠٩٧) وسنن النسائي الكبرى برقم (١١١٣٤) وسنن ابن ماجة برقم (١٤٣٦)..
٤ زيادة من أ..
٥ المسند (١/٢٦) وصحيح مسلم برقم (١٦١٧).
.
٦ زيادة من أ..
٧ المسند (١/٣٨)..
٨ المسند (٤/٢٩٣) وسنن أبي داود برقم (٢٨٨٩) وسنن الترمذي برقم (٣٠٤٢)..
٩ في أ: "حدثنا"..
١٠ زيادة من أ..
١١ في د: "وذكر"..
١٢ زيادة من أ..
١٣ في د: "نزلت"..
١٤ تفسير الطبري (٩/٤٣١)..
١٥ في ر: "إلا وجه الله"..
١٦ في أ: "الولد"..
١٧ في د: "يرجع".
.
١٨ المسند (٥/١٨٨)..
١٩ تفسير الطبري (٩/٤٤٣)..
٢٠ في ر: "ولد"..
٢١ في أ: "تعصيب"..
٢٢ في ر: "النبي"..
٢٣ صحيح البخاري برقم (٦٧٣٤)..
٢٤ في ر، أ: "للبنت"..
٢٥ صحيح البخاري برقم (٦٧٣٦)..
٢٦ صحيح البخاري برقم (٦٧٣٥) وصحيح مسلم برقم (١٦١٥)..
٢٧ في أ: "لقاني" وفي د: "لقانيها رسول الله صلى الله عليه وسلم"..
٢٨ زيادة من أ..
٢٩ في ر: "من"..
٣٠ في ر: "وكذا"..
٣١ في أ: "محمد"..
٣٢ تفسير الطبري (٩/٤٣٥)..
٣٣ في ر: "ووالله"..
٣٤ مسند البزار برقم (٢٢٠٦) "كشف الأستار" وقال الهيثمي في المجمع (٧/١٣): "رجاله رجال الصحيح غير أبي عبيدة بن حذيفة، ووثقه ابن حبان"..
٣٥ زيادة من ر، أ..
٣٦ زيادة من ر، أ..
٣٧ في ر، أ: "إلى آخرها"..
٢ المسند (٣/٢٩٨) وصحيح البخاري برقم (٦٧٤٣) وصحيح مسلم برقم (١٦١٦)..
٣ صحيح البخاري برقم (٦٧٢٣) وصحيح مسلم برقم (١٦١٦) وسنن أبي داود برقم (٢٨٨٦) وسنن الترمذي برقم (٢٠٩٧) وسنن النسائي الكبرى برقم (١١١٣٤) وسنن ابن ماجة برقم (١٤٣٦)..
٤ زيادة من أ..
٥ المسند (١/٢٦) وصحيح مسلم برقم (١٦١٧).
.
٦ زيادة من أ..
٧ المسند (١/٣٨)..
٨ المسند (٤/٢٩٣) وسنن أبي داود برقم (٢٨٨٩) وسنن الترمذي برقم (٣٠٤٢)..
٩ في أ: "حدثنا"..
١٠ زيادة من أ..
١١ في د: "وذكر"..
١٢ زيادة من أ..
١٣ في د: "نزلت"..
١٤ تفسير الطبري (٩/٤٣١)..
١٥ في ر: "إلا وجه الله"..
١٦ في أ: "الولد"..
١٧ في د: "يرجع".
.
١٨ المسند (٥/١٨٨)..
١٩ تفسير الطبري (٩/٤٤٣)..
٢٠ في ر: "ولد"..
٢١ في أ: "تعصيب"..
٢٢ في ر: "النبي"..
٢٣ صحيح البخاري برقم (٦٧٣٤)..
٢٤ في ر، أ: "للبنت"..
٢٥ صحيح البخاري برقم (٦٧٣٦)..
٢٦ صحيح البخاري برقم (٦٧٣٥) وصحيح مسلم برقم (١٦١٥)..
٢٧ في أ: "لقاني" وفي د: "لقانيها رسول الله صلى الله عليه وسلم"..
٢٨ زيادة من أ..
٢٩ في ر: "من"..
٣٠ في ر: "وكذا"..
٣١ في أ: "محمد"..
٣٢ تفسير الطبري (٩/٤٣٥)..
٣٣ في ر: "ووالله"..
٣٤ مسند البزار برقم (٢٢٠٦) "كشف الأستار" وقال الهيثمي في المجمع (٧/١٣): "رجاله رجال الصحيح غير أبي عبيدة بن حذيفة، ووثقه ابن حبان"..
٣٥ زيادة من ر، أ..
٣٦ زيادة من ر، أ..
٣٧ في ر، أ: "إلى آخرها"..