جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب

القول في تأويل قوله تعالى :


﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلاَلَةِ إِن امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَآ إِن لّمْ يَكُنْ لّهَآ وَلَدٌ فَإِن كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثّلُثَانِ مِمّا تَرَكَ وَإِن كَانُوَاْ إِخْوَةً رّجَالاً وَنِسَآءً فَلِلذّكَرِ مِثْلُ حَظّ الأنثيين يُبَيّنُ اللّهُ لَكُمْ أَن تَضِلّواْ وَاللّهُ بِكُلّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾. .
يعني تعالى ذكره بقوله : يَسْتَفْتُونَكَ يسألونك يا محمد أن تفتيهم في الكلالة. وقد بينا معنى الكلالة فيما مضى بالشواهد الدالة على صحته، وقد ذكرنا اختلاف المختلفين فيه فأغنى ذلك عن إعادته، وبينا أن الكلالة عندنا ما عدا الولد والوالد. إنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فلَها نِصْفُ ما تَرَكَ يعني بقوله : إنِ امْرُؤٌ هَلَكَ : إن إنسان من الناس مات. كما :
حدثنا محمد بن الحسين، قال : حدثنا أحمد بن مفضل، قال : حدثنا أسباط، عن السدّي : إنِ امْرُؤٌ هَلَكَ يقول : مات.
لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ ذكر ولا أنثى وَلَهُ أُخْتٌ يعني : وللميت أخت لأبيه وأمه، أو لأبيه. فَلَها نِصْفُ ما تَرَكَ يقول : فلأخته التي تركها بعده بالصفة التي وصفنا نصف تركته ميراثا عنه دون سائر عصبته، وما بقي فلعصبته.
وذُكر أن أصحاب رسول الله ﷺ هَمّهُم شأن الكلالة، فأنزل الله تبارك وتعالى فيها هذه الآية. ذكر من قال ذلك :
حدثنا بشر بن معاذ، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة : يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الكَلالَةِ فسألوا عنها نبيّ الله، فأنزل الله في ذلك القرآن : إنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ فقرأ حتى بلغ : وَاللّهُ بِكُلّ شَيْءٍ عَلِيمٌ. قال : وذكر لنا أن أبا بكر الصدّيق رضي الله عنه قال في خطبته : ألا إن الاَية التي أنزل الله في أوّل سورة النساء في شأن الفرائض أنزلها الله في الولد والوالد، والآية الثانية أنزلها في الزوج والزوجة والإخوة من الأم، والاَية التي ختم بها سورة النساء أنزلها في الإخوة والأخوات من الأب والأم، والاَية التي ختم بها سورة الأنفال أنزلها في أُوِلى الأرْحامِ بَعْضُهُمْ أوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللّهِ مما جرّت الرحم من العَصَبة.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا جرير، عن الشيباني، عن عمرو بن مرّة، عن سعيد بن المسيب، قال : سأل عمر بن الخطاب النبيّ ﷺ عن الكلالة، فقال :«ألَيْسَ قَدْ بَيّنَ اللّهُ ذَلِكَ ؟ » قال فنزلت : يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الكَلالَةِ.
حدثنا مؤمل بن هشام أبو هشام، قال : حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، عن هشام الدّستوائيّ، قال : حدثنا أبو الزبير، عن جابر بن عبد الله، قال : اشتكيت وعندي تسع أخوات لي أو سبع أبو جعفر الذي يشكّ فدخل عليّ النبيّ ﷺ، فنفخ وجهي، فأفقت وقلت : يا رسول الله، ألا أوصي لأخواتي بالثلث ؟ قال :«أحْسَنُ »، قلت : الشطر ؟ قال :«أحْسَنُ ». ثم خرج وتركني، ثم رجع إليّ فقال :«يا جابِرُ إنّي لا أُرَاكَ مَيّتا مِنْ وَجَعِكَ هَذَا، وَإنّ اللّهَ قَدْ أنْزَلَ فِي الّذِي لأخواتك فَجَعَلَ لَهُنّ الثّلُثَيْنِ ». قال : فكان جابر يقول : أنزلت هذه الاَية فيّ : يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الكَلالَةِ.
حدثنا محمد بن المثنى، قال : حدثنا ابن أبي عديّ، عن هشام، يعني الدّستوائيّ، عن أبي الزبير، عن جابر، عن النبيّ ﷺ، مثله.
حدثني المثنى، قال : حدثنا سفيان بن عيينة، عن ابن المنكدر، عن جابر بن عبد الله، قال : مرضت فأتاني النبيّ ﷺ يعودني هو وأبو بكر، وهما ماشيان، فوجدوني قد أغمي عليّ، فتوضأ رسول الله ﷺ ثم صبّ عليّ من وَضوئه، فأفقت، فقلت : يا رسول الله كيف أقضي في مالي، أو كيف أصنع في مالي ؟ وكان له تسع أخوات ولم يكن له والد ولا ولد. قال : فلم يجبني شيئا حتى نزلت آية الميراث : يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الكَلالَةِ. . . إلى آخر السورة. قال ابن المنكدر : قال جابر : إنما أنزلت هذه الاَية فيّ.
وكان بعض أصحاب رسول الله ﷺ يقول : إن هذه الاَية هي آخر آية أنزلت من القرآن. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا يحيى بن واضح، قال : حدثنا الحسين بن واقد، عن أبي إسحاق، عن البراء بن عازب، قال : سمعته يقول : إن آخر آية نزلت من القرآن : يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الكَلالَةِ.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا أبي، عن ابن أبي خالد، عن أبي إسحاق، عن البراء، قال : آخر آية نزلت من القرآن : يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الكَلالَةِ.
حدثنا محمد بن خلف، قال : حدثنا عبد الصمد بن النعمان، قال : حدثنا مالك بن مِغْول، عن أبي السّفَر، عن البراء، قال : آخر آية نزلت من القرآن : يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الكَلالَةِ.
حدثنا هارون بن إسحاق الهمدانيّ، قال : حدثنا مصعب بن المقدام، قال : حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن البراء، قال : آخر سورة نزلت كاملة براءة، وآخر آية نزلت خاتمة سورة النساء : يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الكَلالَةِ.
واختلف في المكان الذي نزلت فيه الاَية، فقال جابر بن عبد الله : نزلت في المدينة. وقد ذكرت الرواية بذلك عنه فيما مضى بعضها في أوّل السورة عند فاتحة آية المواريث، وبعضها في مبتدإ الإخبار عن السبب الذي نزلت فيه هذه الاَية.
وقال آخرون : بل أنزلت في مسير كان فيه رسول الله ﷺ وأصحابه. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا محمد بن حميد، عن معمر، عن أيوب، عن ابن سيرين، قال : نزلت : يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الكَلالَةِ والنبيّ في مسير له، وإلى جنبه حذيفة بن اليمان، فبلّغها النبيّ ﷺ حذيفة، وبلّغها حذيفة عمر بن الخطاب وهو يسير خلفه. فلما استخلف عمر سأل عنها حذيفة، ورجا أن يكون عنده تفسيرها، فقال له حذيفة : والله إنك لعاجز إن ظننت أن إمارتك تحملني أن أحدثك فيها بما لم أحدثك يومئذ فقال عمر : لم أرد هذا رحمك الله.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن أيوب، عن ابن سيرين بنحوه، إلا أنه قال في حديثه : فقال له حذيفة : والله إنك لأحمق إن ظننت.
حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال : حدثنا ابن عُلَية، قال : حدثنا ابن عون، عن محمد بن سيرين، قال : كانوا في مسير ورأس راحلة حذيفة. قال : ونزلت : يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الكَلالَةِ فلقّاها رسول الله ﷺ حذيفة، فلقاها حذيفة عمر. فلما كان بعد ذلك سأل عمر عنها حذيفة، فقال : والله إنك لأحمق إن كنت ظننت أنه لقّانيها رسول الله فلقيتكها كما لقانيها، والله لا أزيدك عليها شيئا أبدا قال : وكان عمر يقول : اللهمّ إن كنت بينتها له، فإنها لم تبين لي.
واختلف عن عمر في الكلالة، فرُوي عنه أنه قال فيها عند وفاته : هو من لا ولد له ولا والد. وقد ذكرنا الرواية عنه بذلك فيما مضى في أول هذه السورة في آية الميراث. ورُوي عنه أنه قال قبل وفاته : هو ما خلا الأب. ذكر من قال ذلك :
حدثنا الحسن بن عرفة، قال : حدثنا شبابة، قال : حدثنا شعبة، عن قتادة، عن سالم بن أبي الجعد، عن مَعْدان بن أبي طلحة اليعمريّ، قال : قال عمر بن الخطاب : ما أغلظ لي رسول الله ﷺ، أو ما نازعت رسول الله ﷺ في شيء ما نازعته في آية الكلالة، حتى ضرب صدري، وقال :«يَكْفِيكَ مِنْها آيَةُ الصّيْفِ الّتي أُنْزِلَتْ في آخِرِ سُوَرةِ النّسَاءِ يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الكَلالَةِ » وسأقضي فيها بقضاء يعلمه من يقرأ ومن لا يقرأ : هو ما خلا الأب كذا حسب قال ابن عرفة قال شبابة : الشكّ من شعبة.
ورُوي عنه أنه قال : إني لأستحيي أن أخالف فيه أبا بكر. وكان أبو بكر يقول : هو ما خلا الولد والوالد، وقد ذكرنا الرواية بذلك عنه فيما مضى في أوّل السورة. ورُوي عنه أنه قال عند وفاته : قد كنت كتبت في الكلالة كتابا وكنت أستخير الله فيه، وقد رأيت أن أترككم على ما كنتم عليه. وأنه كان يتمنى في حياته أن يكون له بها علم. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا محمد بن حميد المعمري، عن معمر، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب : أن عمر بن الخطاب كتب في الجَدّ والكلالة كتابا، فمكث يستخير الله فيه، يقول : اللهمّ إن علمت فيه خيرا فأمضه حتى إذا طُعِنَ دعا بالكتاب فمحي، فلم يدر أحد ما كتب فيه، فقال : إني كنت كتبت في الجدّ والكلالة كتابا وكنت أستخير الله فيه، فرأيت أن أترككم على ما كنتم عليه.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن عمر، بنحوه.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا أبي، عن سفيان، قال : حدثنا عمرو بن مرّة، عن مرّة الهمدانيّ، قال : قال عمر : ثلاث لأن يكون النبيّ ﷺ بَيّنَهنّ لنا أحبّ إليّ من الدنيا وما فيها : الكلالة، والخلافة، وأبواب الربا.
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا عثام، قال : حدثنا الأعمش، قال : سمعتهم يذكرون، ولا أرى إبراهيم إلا فيهم، عن عمر قال : لأن أكون أعلم الكلالة أحبّ أليّ من أن يكون لي مثل جزية قصور الروم.
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا عثام، قال : حدثنا الأعمش، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب، قال : أخذ عمر كتفا، وجمع أصحاب محمد ﷺ، ثم قال : لأقضينّ في الكلالة قضاء تحدّث به النساء في خدورهنّ فخرجت حينئذ حية من البيت، فتفرّقوا، فقال : لو أراد الله أن يتمّ هذا الأمر لأتمه.
حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال : حدثنا ابن علية، قال : حدثنا أبو حيان، قال : ثني الشعبيّ، عن ابن عمر، قال : سمعت عمر بن الخطاب يخطب على منبر المدينة، فقال : أيها الناس : ثلاث وددت أن رسول الله ﷺ لم يفارقنا حتى يعهد إلينا فيهنّ عهدا يُنتهَى إليه : الجدّ، والكلالة، وأبواب الربا.
حدثني يعقوب، قال : حدثنا ابن عُلَية، عن سعيد بن أبي عَروبة، عن قتادة، عن سالم بن أبي الجعد، عن معدان بن أبي طلحة، أن عمر بن الخطاب، قال : ما سألت رسول الله ﷺ عن شيء أكثر مما سألت عن الكلالة، حتى طعن بأصبعه في صدري، وقال :«تَكْفِيكَ آيَةُ الصّيْفِ التي في آخِرِ سُوَرةِ النّساء ».
حدثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري، قال : حدثنا عبد الله بن بكر السهميّ، عن سعيد، عن قتادة، عن سالم بن أبي الجعد، عن معدان، عن عمر، قال : لم أدع شيئا أهمّ عندي من أمر

تفسير هذه الآية من كتب أخرى