التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي

عن الكتاب
وبعد أن بين - سبحانه - أنه يجوز لرجل أن يأخذ من المرأة بعض ما أعطاها من صداق إذا أتت بفاحشة مبينة.. عقب ذلك ببيان الحكم فيما إذا كان الفراق من جانب الزوج دون أن تكون المرأة قد أتت بفاحشة فقال - تعالى - ﴿وَإِنْ أَرَدْتُّمُ استبدال زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً فَلاَ تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْئاً﴾ والاستبدال : طلب البدل، بأن يطلق الرجل امرأة ويتزوج بأخرى.
والقنطار : أصله من قنطرت الشئ إذا رفعته. ومنه القنطرة، لأنها بناء مرتفع مشيد. والمراد به هنا المال الكثيرة الذى هو أقصى ما يتصور من مهر يدفعه الرجل للمرأة.
والمعنى : وإن أردتم أيها الأزواج ﴿استبدال زَوْجٍ﴾ أى تزوج امرأة ترغبون فيها " مكان زوج " أى مكان امرأة لا ترغبون فيها، بل ترغبون فى طلاقها ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً﴾ أى أعطى أحدكم إحدى الزوجات التى تريدون طلاقها مالا كثيراً على سبيل الصداق لها ﴿فَلاَ تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْئاً﴾ أى فلا نأخذوا من المال الكثير الذى أعطيتموه لهن شيئا أياً كان هذا الشئ، لأن فراقهن كان بسبب من جانبكم لا من جانبهن.
وعبر - سبحانه - ب ﴿إِنْ﴾ التى تفيد الشك فى وقوع الفعل ؛ للتنبيه على ان الإِرادة قد تكون غير سليمة، وغير مبنية قوية، فعلى الزوج أن يتريث ويتثبت ويحسن التدبر فى عواقب الأمور.
والمراد بالزوج فى قوله ﴿استبدال زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ﴾ الجنس الذى يصدق على جميع الأزواج.
والمراد من الإِيتاء فى قوله ﴿وَآتَيْتُمْ﴾ الالتزام والضمان. أى : التزمتم وضمنتم أن تؤتوا إحداهن هذا المال الكثير.
والجملة حالية بتقدير قد. أي : وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وحال أنكم قد آتيتم التى تريدون أن تطلقوها قنطاراً فلا تأخذونها منه شيئا.
والاستفهام فى قوله ﴿أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً﴾ للإِنكار والتوبيخ، والبهتان : هو الكذب الذى يدهش ويحير لفظاعته. ويطلق على كل أمر كاذب يتحير العقل فى إدراك سببه أو لا يعرف مبررا لوقوعه، كمن يعتدى على الناس ويتقول عليهم الأقاويل، مع أنه ليست هناك عداوة سابقة بينه وبينهم.
قال صاحب الكشاف : والبهتان : أن تستقبل الرجل بأمر قبيح تقذفه به وهو برئ منه ولأنه يبهت عند ذلك. أى يتحير.
والإِثم : هو الذنب العظيم الذى يبعد صاحبه عن رضا الله - تعالى - ﴿والمبين﴾ هو الشئ الواضح الذى يعلن عن نفسه بدون لبس أو خفاء.
وقوله ﴿بُهْتَاناً وَإِثْماً﴾ مصدران منصوبان على الحالية بتأويل الوصف، أى : أتأخذون ما تريدون أخذه منهن باهتين، أى فاعلين فعلا تتحير العقول فى سببه، وآثمين بفعله إثما واضحا لا لبس فيه ولا خفاء ؟ !
ويصح أن يكون المصدران مفعولين لأجله، ويكون ذلك أشد فى التوبيخ والإِنكار، إذ يكون المعنى عليه : أتأخذونه لأجل البهتان والإِثم المبين الذى يؤدى إلى غضب الله عليكم ؟ ! إن إيمانكم يمنعكم من إرتكاب هذا الفعل الشنيع فى قبحه.
قالوا : كان الرجل فى الجاهلية إذا أراد التزوج بأمرأة أخرى، بهت التى تحته - أى رماها بالفاحشة التى هى بريئة منها - حتى يلجئها إلى أن تطلب طلاقها منه فى نظير أن تترك له ما لها عليه من صداق أو غيره، فنهوا عن ذلك.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى