التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي

عن الكتاب
ثم أكد - سبحانه - التعجب من أحوالهم فقال :﴿انظُرْ كَيفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الكَذِبَ﴾.
أى : انظر أيها العاقل كيف يفترى هؤلاء اليهود على الله الكذب فى تزكيتهم لأنفسهم مع كفرهم وعنادهم وارتكابهم الأفعال القبيحة التى تجعلهم أهلا لكل مذمة وسوء عاقبة.
وقد جعل - سبحانه - افتراءهم الكذب لشدة تحقق وقوعه، كأنه أمر مرئى يراه الناس بأعينهم، ويشاهدونه بأبصارهم.
وقوله ﴿وكفى بِهِ إِثْماً مُّبِيناً﴾ أى : وكفى بافترائهم الكذب على الله إثما ظاهرا بينا يستحقون يسيبه أشد العقوبات، وأغلظ الإِهانات.
قال القرطى ما ملخصه : قوله - تعالى - ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ﴾ يقتضى الغض من المزكى لنفسه بلسانه، والإِعلان بأن الزاكى المزكى من حسنت أفعاله، وزكاه الله - تعالى -، فلا عبرة بتزكية الإِنسان نفسه، وإنما العبرة بتزكية الله له.
وأما تزكية الغير ومدحه له ففى البخارى من حديث أبى بكرة أن رجلا ذكر عند النبى ﷺ فأثنى عليه رجل خيرا فقال النبى ﷺ : " ويحك قطعت عنق صاحبك - يقوله مراراً - إن كان أحدكم مادحا لا محالة فليقل أحسب كذا وكذا إن كان يرى أنه كذلك، وحسبه الله ولا يزكى على الله أحداً " فنهى ﷺ أن يفطر فى مدح الرجل بما ليس فيه.. فيحمله ذلك على تضييع العمل وترك الازدياد من الفضل ؛ ولذلك قال ﷺ : " ويحك قطعت عنق صاحبك ".
ومدح الرجل بما فيه من الفعل الحسن والأمر المحمود ليكون منه ترغيبا له فى أمثاله، وتحريضا للناس على الاقتداء به فى أشباهه ليس مدحا مذموماً.
وقد مدح النبى ﷺ فى الشعر والخطب والمخاطبة. ومدح ﷺ أصحابه فقال : " إنكم لتقلون عند الطمع وتكثرون عند الفزع ".

تفسير هذه الآية من كتب أخرى