إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم — أبو السعود
عن الكتاب
﴿انظُرْ كَيفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الكَذِبَ﴾ ﴿كَيْفَ﴾ نُصب إما تشبيهاً بالظرف أو بالحال على الخلاف المشهورِ بين سيبويه والأخفشِ، والعاملُ يفترون وبه تتعلق ﴿على﴾ أي في أي حالٍ، أو على أي حالٍ يفترون عليه تعالى الكَذِب، والمرادُ بيان شناعةِ تلك الحالِ وكمالُ فظاعتِها، والجملةُ في محل النصبِ بعد نزعِ الخافض والنظرُ متعلقٌ بهما، وهو تعجيبٌ وتنبيهٌ على أن ما ارتكبوه متضمِّنٌ لأمرين عظيمين موجبين للتعجب : إدعاؤُهم الاتصافَ بما هم متّصفون بنقيضه، وافتراؤُهم على الله سبحانه. فإن ادعاءهم الزكاةَ عنده تعالى متضمِّنٌ لادعائهم قبولَ الله وارتضاءَه إياهم، تعالى عن ذلك علواً كبيراً، ولكون هذا أشنعَ من الأول جُرماً وأعظمَ قبحاً لما فيه من نسبته سبحانه وتعالى إلى ما يستحيل عليه بالكلية من قَبول الكفرِ وارتضائِه لعباده ومغفرةِ كفرِ الكافرِ وسائرِ معاصيه، وُجِّه النظرُ إلى كيفيته تشديداً للتشنيع وتأكيداً للتعجيب. والتصريحُ بالكذب مع أن الافتراءَ لا يكون إلا كذباً للمبالغة في تقبيح حالِهم. ﴿وكفى بِهِ﴾ أي بافترائهم هذا من حيث هو افتراءٌ عليه تعالى مع قطع النظرِ عن مقارنته لتزكية أنفسِهم وسائرِ آثامِهم العظامِ ﴿إِثْماً مُبِيناً﴾ ظاهراً بيّناً كونُه [ أشدَّ ] إثماً، والمعنى كفي ذلك وحدَه في كونهم أشدَّ إثماً من كل كَفارٍ أثيم، أو في استحقاقهم لأشدِّ العقوباتِ لما مر سرُّه، وجعلُ الضميرِ لزعمهم مما لا مساغَ له لإخلاله بتهويل أمرِ الافتراءِ فتدبرْ.