غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري
عن الكتاب
القراءات :﴿أن اقتلوا﴾ بكسر النون لالتقاء الساكنين : أبو عمرو وعاصم وحمزة وسهل ويعقوب. الباقون : بالضم نقلاً لحركة همزة الوصل إلى ما قبلها ﴿أو اخرجوا﴾ بكسر الواو للساكنين : عاصم وسهل وحمزة. الباقون : بالضم ﴿إلاّ قليلاً﴾ بالنصب : ابن عامر على أصل الاستثناء أو بمعنى إلاّ فعلاً أو أبوا إلاّ قليلاً. الباقون : بالرفع على البدل وهو أكثر.
الوقوف :﴿إلى أهلها﴾ لا لأن التقدير يأمركم أن تؤذوا وأن تحكموا بالعدل إذا حكمتم بين الناس. ﴿بالعدل﴾ ط ﴿يعظكم به﴾ ط ﴿بصيراً﴾ ه ﴿منكم﴾ ج لابتداء الشرط مع فاء التعقيب ﴿واليوم الآخر﴾ ط ﴿تأويلاً﴾ ه ﴿أن يكفروا به﴾ ج ﴿بعيداً﴾ ه ﴿صدوداً﴾ ه ج للآية مع فاء التعقيب ﴿يحلفون﴾ قد قيل على أن ما بعده ابتداء القسم والأولى تعليق الباء بيحلفون. ﴿وتوفيقاً﴾ ه ﴿بليغاً﴾ ه ﴿بإذن الله﴾ ط ﴿رحيماً﴾ ه ﴿تسليماً﴾ ه ﴿قليل منهم﴾ ط ﴿تثبيتاً﴾ ه لا ﴿عظيماً﴾ ه لا لأن ما بعده من تتمة جواب " لو ". ﴿مستقيماً﴾ ه ﴿والصالحين﴾ ج لانقطاع النظم مع اتفاق المعنى. ﴿رفيقاً﴾ ه ﴿من الله﴾ ط ﴿عليماً﴾ ه.
قوله :﴿ولو أنا كتبنا عليهم﴾ " روي أن حاطباً لما أحفظ رسول الله ﷺ فاستوعب للزبير حقه في صريح الحكم خرجا فمرا على المقداد فقال : لمن كان القضاء ؟ فقال حاطب : قضى لابن عمته ولوى شدقه ففطن يهودي كان مع المقداد فقال : قاتل الله هؤلاء يشهدون أنه رسول الله ﷺ ثم يتهمونه في قضاء يقضي بينهم، وأيم الله لقد أذنبنا ذنباً مرة في حياة موسى فدعانا إلى التوبة منه وقال : اقتلوا أنفسكم ففعلنا فبلغ قتلانا سبعين ألفاً في طاعة ربنا حتى رضي عنا. فقال ثابت بن قيس بن شماس : أما والله إن الله ليعلم مني الصدق لو أمرني محمد أن أقتل نفسي لقتلتها، وكذا قال ابن مسعود وعمار بن ياسر. فقال رسول الله ﷺ : والذي نفسي بيده إن من أمتي رجالاً الإيمان أثبت في قلوبهم من الجبال الرواسي ".
وروي عن عمر بن الخطاب أنه قال : والله لو أمرنا ربنا لفعلنا والحمد الله الذي لم يفعل بنا ذلك ونزلت الآية. فالضمير في قوله :﴿عليهم﴾ يعود إلى الناس والمراد بالقليل المؤمنون منهم. عن ابن عباس ومجاهد أنه يعود إلى المنافقين والمراد أنا لو كتبنا القتل والخروج عن الوطن على هؤلاء المنافقين ما فعله إلاّ قليل منهم رياء وسمعة وحينئذٍ يصعب الأمر عليهم وينكشف كفرهم، فإن لم نفعل بهم ذلك بل كلفناهم بالأشياء السهلة فليتركوا النفاق وليلزموا الإخلاص ﴿ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به﴾ من الانقياد والطاعة لله ولرسوله. وسمى التكليف وعظاً لاقترانه بالوعد والوعيد والترغيب والترهيب ﴿لكان خيراً لهم﴾ أي أنفع وأفضل من غيره أو خير الدنيا والآخرة لأن ﴿خيراً﴾ يستعمل بالوجهين جميعاً. ﴿وأشد تثبيتاً﴾ أقرب إلى ثباتهم على الإيمان والطاعة لأن الطاعة تدعو إلى أمثالها وتجر إلى المواظبة عليها، ولأنه حق والحق ثابت والباطل زائل. وأيضاً الإنسان يطلب الخير أولاً فإذا حصل يطلب ثباته ودوامه.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: التأويل : الوجود المجازي أمانة من الله تعالى كما أنّ وجود الظل أمانة من الشمس فلا جرم إذا تجلت شمس الربوبية لظلال وجود النفس والقلب والروح يقول بلسان العزة :﴿إنّ الله يأمركم أن تؤذوا الأمانات إلى أهلها﴾ فتلاشت الظلال واضمحلّت الأغيار وانمحت الآثار وبقي الواحد القهار، وهذا أحد أسرار قوله :﴿ولله يسجد من في السماوات والأرض طوعاً وكرهاً وظلالهم بالغدو والآصال﴾[الرعد: ١٥]. ﴿وإذا حكمتم﴾ بعد فناء الوجود المجازي وبقاء الوجود الحقيقي بين الروح والقلب والنفس أن تحكموا بآداب الطريقة فيراقب القلب شواهد اللقاء ويلازم الروح عقبة الفناء والسر وارد سلطان البقاء ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ الخطاب مع القلب والروح والسر فإنهم آمنوا على الحقيقة، وطاعة القلب لله أن يحب الله وحده، وطاعة الروح أن لا يلتفت إلى غيره، وطاعة السر أن لا يرى غيره في الوجود. أما الرسول فهو الرسول الوارد من الحق في الباطن كما قال ﷺ لوابصة بن معبد :" استفت قلبك يا وابصة ولو أفتاك المفتون ". ﴿وأولي الأمر منكم﴾ يعني مشايخكم ومن بيده أمر تربيتكم. ﴿فإن تنازعتم في شيء﴾ يعني منازعة النفس القلب والروح والسر فردوه إلى الكتاب والسنة أو يريد منازعة القلب فيما يحكم به الكتاب والسنّة نزاعاً من قصور الفهم والدراية ﴿فردوه إلى الله﴾ لمراقبة القلوب بشواهد الغيوب ﴿وإلى رسول﴾ وارد الحق بصدق النية وصفاء الطوية ذلك الإيمان الإيقاني بشهود النور الرباني خير من تعلم الكتاب والسنة بالتقليد دون التحقيق. ثم يخبر عن حال أهل القال المتحاكمين إلى طاغوت الهوى والخبال من أهل البدع والضلال بقوله :﴿ألم تر إلى الذين يزعمون﴾ الآية. أصابتهم مصيبة ملامة من الخلق أو سياسة من السلطان. ﴿فلا وربك لا يؤمنون﴾ فيه أن الإيمان الحقيقي ليس بمجرد التصديق والإقرار ولكنه سيضرب على محك الاعتبار وهو تحكيم الشرع لا الطبع والنبوة لا البنوة والمولى لا الهوى ووارد الحق لا موارد الخلق فيما اختلفت آراؤهم وتحيّرت عقولهم ﴿ثم لا يجدوا﴾ ﴿في﴾ مرآة ﴿أنفسهم﴾ صورة كراهة من القضاء الأزلي والأحكام الإلهية. والصديقين الذين لهم قدم صدق عند ربهم، والشهداء أهل الجهاد الأكبر، والصالحين الذين لهم صلوح الولاية ﴿وحسن أولئك رفيقاً﴾ في سلوك طريق الحق والله المستعان.
الوقوف :﴿إلى أهلها﴾ لا لأن التقدير يأمركم أن تؤذوا وأن تحكموا بالعدل إذا حكمتم بين الناس. ﴿بالعدل﴾ ط ﴿يعظكم به﴾ ط ﴿بصيراً﴾ ه ﴿منكم﴾ ج لابتداء الشرط مع فاء التعقيب ﴿واليوم الآخر﴾ ط ﴿تأويلاً﴾ ه ﴿أن يكفروا به﴾ ج ﴿بعيداً﴾ ه ﴿صدوداً﴾ ه ج للآية مع فاء التعقيب ﴿يحلفون﴾ قد قيل على أن ما بعده ابتداء القسم والأولى تعليق الباء بيحلفون. ﴿وتوفيقاً﴾ ه ﴿بليغاً﴾ ه ﴿بإذن الله﴾ ط ﴿رحيماً﴾ ه ﴿تسليماً﴾ ه ﴿قليل منهم﴾ ط ﴿تثبيتاً﴾ ه لا ﴿عظيماً﴾ ه لا لأن ما بعده من تتمة جواب " لو ". ﴿مستقيماً﴾ ه ﴿والصالحين﴾ ج لانقطاع النظم مع اتفاق المعنى. ﴿رفيقاً﴾ ه ﴿من الله﴾ ط ﴿عليماً﴾ ه.
قوله :﴿ولو أنا كتبنا عليهم﴾ " روي أن حاطباً لما أحفظ رسول الله ﷺ فاستوعب للزبير حقه في صريح الحكم خرجا فمرا على المقداد فقال : لمن كان القضاء ؟ فقال حاطب : قضى لابن عمته ولوى شدقه ففطن يهودي كان مع المقداد فقال : قاتل الله هؤلاء يشهدون أنه رسول الله ﷺ ثم يتهمونه في قضاء يقضي بينهم، وأيم الله لقد أذنبنا ذنباً مرة في حياة موسى فدعانا إلى التوبة منه وقال : اقتلوا أنفسكم ففعلنا فبلغ قتلانا سبعين ألفاً في طاعة ربنا حتى رضي عنا. فقال ثابت بن قيس بن شماس : أما والله إن الله ليعلم مني الصدق لو أمرني محمد أن أقتل نفسي لقتلتها، وكذا قال ابن مسعود وعمار بن ياسر. فقال رسول الله ﷺ : والذي نفسي بيده إن من أمتي رجالاً الإيمان أثبت في قلوبهم من الجبال الرواسي ".
وروي عن عمر بن الخطاب أنه قال : والله لو أمرنا ربنا لفعلنا والحمد الله الذي لم يفعل بنا ذلك ونزلت الآية. فالضمير في قوله :﴿عليهم﴾ يعود إلى الناس والمراد بالقليل المؤمنون منهم. عن ابن عباس ومجاهد أنه يعود إلى المنافقين والمراد أنا لو كتبنا القتل والخروج عن الوطن على هؤلاء المنافقين ما فعله إلاّ قليل منهم رياء وسمعة وحينئذٍ يصعب الأمر عليهم وينكشف كفرهم، فإن لم نفعل بهم ذلك بل كلفناهم بالأشياء السهلة فليتركوا النفاق وليلزموا الإخلاص ﴿ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به﴾ من الانقياد والطاعة لله ولرسوله. وسمى التكليف وعظاً لاقترانه بالوعد والوعيد والترغيب والترهيب ﴿لكان خيراً لهم﴾ أي أنفع وأفضل من غيره أو خير الدنيا والآخرة لأن ﴿خيراً﴾ يستعمل بالوجهين جميعاً. ﴿وأشد تثبيتاً﴾ أقرب إلى ثباتهم على الإيمان والطاعة لأن الطاعة تدعو إلى أمثالها وتجر إلى المواظبة عليها، ولأنه حق والحق ثابت والباطل زائل. وأيضاً الإنسان يطلب الخير أولاً فإذا حصل يطلب ثباته ودوامه.