المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية

عن الكتاب
و ﴿كتبنا﴾ معناه فرضنا، و ﴿اقتلوا أنفسكم﴾ معناه ليقتل بعضكم بعضاً، وقد تقدم نظيره في البقرة، وضم النون من ﴿أن﴾ وكسرها جائز، وكذلك الواو من ﴿أو أخرجوا﴾ وبضمها قرأ ابن عامر ونافع وابن كثير والكسائي، وبكسرها قرأ حمزة وعاصم، وكسر أبو عمرو النون وضم الواو، و ﴿قليل﴾ رفع على البدل من الضمير في ﴿فعلوه﴾، وقرأ ابن عامر وحده بالنصب «إلا قليلاً »، وذلك جائز أجرى النفي مجرى الإيجاب.
وسبب الآية على ما حكي : أن اليهود قالوا لما لم يرض المنافق بحكم النبي عليه السلام : ما رأينا أسخف من هؤلاء، يؤمنون بمحمد ويتبعونه، ويطؤون عقبه، ثم لا يرضون بحكمه، ونحن قد أمرنا بقتل أنفسنا ففعلنا، وبلغ القتل فينا سبعين ألفاً فقال ثابت بن قيس : لو كتب ذلك علينا لفعلناه، فنزلت الآية معلمة حال أولئك المنافقين، وأنه لو كتب ذلك على الأمة لم يفعلوه، وما كان يفعله إلا قليل مؤمنون محققون، كثابت وغيره، وكذلك روي أن رسول الله ﷺ قال : ثابت بن قيس وعمار وابن مسعود من القليل. وشركهم في ضمير ﴿منهم﴾ لما كان المنافقون والمؤمنون مشتركين في دعوة الإسلام وظواهر الشريعة، وقال أبو إسحاق السبيعي : لما نزلت ﴿ولو أنا كتبنا عليهم﴾ الآية، قال رجل : لو أمرنا لفعلنا، والحمد لله الذي عافانا، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال :«إن من أمتي رجالاً الإيمان أثبت في قلوبهم من الجبال الرواسي »(١) وذكر مكي أن الرجل هو أبو بكر الصديق، وذكر النقاش : أنه عمر بن الخطاب، وذكر عن أبي بكر أنه قال : لو كتب علينا لبدأت بنفسي وبأهل بيتي وقوله تعالى :﴿ولو أنهم فعلوا﴾ أي لو أن هؤلاء المنافقين اتعظوا وأنابوا لكان خيراً لهم، و ﴿تثبيتاً﴾ معناه : يقيناً وتصديقاً ونحوهذا، أي يثبتهم الله.
١ - رواه ابن جرير عن أبي إسحاق السبيعي، ورواه ابن أبي حاتم عن الأعمش (ابن كثير)..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى