المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية

عن الكتاب
هذا خطاب للمخلصين من أمة محمد عليه السلام، وأمر لهم بجهاد الكفار، والخروج في سبيل الله، وحماية الشرع، و ﴿خذوا حذركم﴾(١)، معناه : احزموا واستعدوا بأنواع الاستعداد، فهنا يدخل أخذ السلاح وغيره، و ﴿انفروا﴾ معناه : اخرجوا مجدين مصممين، يقال : نفر الرجل ينفِر بكسر الفاء نفيراً، ونفرت الدابة تنفُر بضم الفاء نفوراً، و ﴿ثبات﴾ معناه : جماعات متفرقات، فهي كناية عن السرايا و ﴿جميعاً﴾، معناه : الجيش الكثيف مع النبي ﷺ، هكذا قال ابن عباس وغيره، والثبة : حكي أنها فوق العشيرة من الرجال، وزنها فعلة بفتح العين، أصلها ثبوة، وقيل : ثبية، حذفت لامها بعد أن تحركت وانقلبت ألفاً حذفاً غير مقيس، ولذلك جمعت ثبون، بالواو والنون عوضاً من المحذوف وكسر أولها في الجمع دلالة على خروجها عن بابها، لأن بابها أن تجمع بالتاء أبداً، فيقال :﴿ثبات﴾، وتصغر ثبية أصلها ثبيوة، وأما ثبة الحوض وهي وسطه الذي يثوب الماء إليه، فالمحذوف منها العين، وأصلها ثوبة وتصغيرها ثوبية، وهي من ثاب يثوب، وكذلك قال أبو علي الفارسي في بيت أبي ذؤيب :[ الطويل ]
فَلَمَّا جَلاها بالأَيامِ تَحَيَّزَتْ. . . ثَبَاتٌ عَلَيْهَا ذلُّهَا واْكِتئَابُها(٢)
انه اسم مفرد ليس يجمع سيق على الأصل، لأن أصل ثبة ثبوة، تحركت بالواو وانفتح ما قبلها فانقلبت ألفاً، فساقها أبو ذؤيب في هذه الحال.
١ - الحذر والحذر: لغتان كالمثل والمثل، قال الفراء: أكثر الكلام الحذر، والحذر مسموع أيضا..
٢ - قال هذا البيت ضمن أبيات يصف بها مشتار العسل الذي يتدلى بالحبل من الجبل حيث تتخذ النحل منها بيوتا، وقبله يقول:
تدلى عليها بين سيب وخيطة بجرداء مثل الوكف يكبو غرابها
والإيام: الدخان، وجمعه أيم، وآم الرجل إياما إذا دخن على النحل ليخرج من الخلية فيأخذ ما فيها من العسل، وتحيزت: تجمعت في جماعات، كل جماعة وحدها أو اجتمع بعضها إلى بعض، وقيل: تفرقت من الدخان. وثبات: جماعات، ومفردها: ثبة، والبيت مروي في (اللسان): ثبات، ولكنه هنا ساقها ضمن كلام للفراء، وفيه تعليل لروايتها (ثباتا) بالألف..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى