تفسير القرآن العظيم — ابن كثير

عن الكتاب
هذه آداب شرعية، أدّب الله بها عباده المؤمنين، وذلك في الاستئذان أمر الله المؤمنين ألا يدخلوا بيوتًا غير بيوتهم حتى يستأنسوا، أي : يستأذنوا قبل الدخول ويسلموا بعده. وينبغي أن يستأذن ثلاثًا، فإن أذن له، وإلا انصرف، كما ثبت(١) في الصحيح : أن أبا موسى حين استأذن على عمر ثلاثًا، فلم يؤذن له، انصرف. ثم قال عمر : ألم أسمع صوت عبد الله بن قيس يستأذن ؟ ائذنوا له. فطلبوه فوجدوه قد ذهب، فلما جاء بعد ذلك قال : ما رَجَعَك ؟ قال : إني استأذنت ثلاثًا فلم يؤذن لي، وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول :" إذا استأذن أحدكم ثلاثًا، فلم يؤذن له، فلينصرف ". فقال : لَتَأتِيَنَّ على هذا ببينة وإلا أوجعتك ضربًا. فذهب إلى ملأ من الأنصار، فذكر لهم ما قال عمر، فقالوا : لا يشهد(٢) لك إلا أصغرنا. فقام معه أبو سعيد الخُدْريّ فأخبر عمر بذلك، فقال : ألهاني عنه الصَّفْق بالأسواق(٣).
وقال الإمام أحمد : حَدَّثنا عبد الرزاق، أخبرنا مَعْمَر عن ثابت، عن أنس - أو : غيره(٤) أن رسول الله ﷺ استأذن على سعد بن عبادة فقال :" السلام عليك ورحمة الله ". فقال سعد : وعليك السلام ورحمة الله ولم يسمع النبي ﷺ حتى سلم ثلاثًا. ورد عليه(٥) سعد ثلاثًا ولم يُسْمعه. فرجع النبي ﷺ، واتبعه سعد فقال : يا رسول الله، بأبي أنت وأمي، ما سلمتَ تسليمة إلا وهي بأذني، ولقد رَدَدْت عليك ولم أُسْمِعك، وأردتُ أن أستكثر من سلامك ومن البركة. ثم أدخله البيت، فقرَّب إليه زَبيبًا، فأكل نبي الله. فلما فرغ قال :" أكل طعامكم الأبرار، وصَلَّت عليكم الملائكة، وأفطر عندكم الصائمون " (٦).
وقد رَوَى أبو داود والنسائي، من حديث أبي عمرو الأوزاعي : سمعت يحيى بن أبي كثير يقول : حدثني محمد بن عبد الرحمن بن سعد(٧) بن زرارة، عن قيس بن سعد - هو ابن عبادة - قال : زارنا رسول الله ﷺ في منزلنا، فقال :" السلام عليكم ورحمة الله ". فردّ سعد ردًا خفيًا(٨)، قال قيس : فقلت : ألا تأذن لرسول الله ﷺ ؟ فقال : ذَرْه(٩) يكثر علينا من السلام. فقال رسول الله ﷺ :" السلام عليكم ورحمة الله ". فرد سعد رَدًا خفيًا(١٠)، ثم قال رسول الله ﷺ :" السلام عليكم ورحمة الله " ثم رَجَع رسول الله ﷺ، واتبعه سعد فقال : يا رسول الله، إني كنت أسمع تسليمك، وأرد عليك ردّا خفيًا(١١)، لتكثر علينا من السلام. قال : فانصرف معه [ رسول الله ﷺ، فأمر له سعد بغسل، فاغتسل، ثم ناوله ملْحَفَة مصبوغة ](١٢) بزعفران - أو : وَرس - فاشتمل بها، ثم رفع رسول الله ﷺ يديه وهو يقول :" اللهم اجعل صلاتك ورحمتك على آل سعد بن عبادة ". قال : ثم أصاب رسول الله ﷺ من الطعام، فلما أراد الانصراف قرّب إليه سعد حمارًا قد وَطَّأ عليه بقطيفة، فركب رسول الله ﷺ فقال سعد : يا قيس، اصحب رسول الله ﷺ. قال قيس : فقال رسول الله ﷺ :" اركب ". فأبيت، فقال :" إما أن تركب وإما أن تنصرف ". قال : فانصرفت.
وقد روي هذا من وجه آخر(١٣) فهو حديث جيد قويّ، والله أعلم.
ثم ليُعْلمْ أنه ينبغي للمستأذن على أهل المنزل ألا يقف تلقاء الباب بوجهه، ولكن ليَكن(١٤) البابُ، عن يمينه أو يساره ؛ لما رواه أبو داود : حدثنا مُؤَمَّل بن الفضل الحراني - في آخرين - قالوا : حدثنا بَقيَّة، حدثنا محمد بن عبد الرحمن، عن عبد الله بن بُسْر في أ :" وثبت ". (١٥) قال : كان رسول الله ﷺ إذا أتى باب قوم، لم يستقبل الباب من تلقاء وجهه، ولكن من ركنه الأيمن أو الأيسر، ويقول :" السلام عليكم، السلام عليكم ". وذلك أن الدور لم يكن عليها يومئذ ستور. تَفَرد به أبو داود(١٦).
وقال أبو داود أيضًا : حدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا جرير، ( ح ) قال أبو داود : وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا حفص، عن الأعمش، عن طلحة، عن هُزَيل قال : جاء رجل - قال عثمان : سعد - فوقف على باب النبي ﷺ يستأذن، فقام على الباب - قال عثمان : مستقبل الباب - فقال له النبي ﷺ :" هكذا عنك - أو : هكذا - فإنما الاستئذان من النظر " (١٧).
وقد رواه أبو داود الطيالسي، عن سفيان الثوري، عن الأعمش عن طلحة بن مُصَرّف، عن رجل، عن سعد، عن النبي ﷺ. رواه أبو داود من حديثه(١٨) رسول الله ﷺ أنه قال :" لو أن امرأ اطلع عليك بغير إذن فَخَذَفته بحصاة، ففقأت عينه، ما كان عليك من جناح " (١٩).
وأخرج الجماعة من حديث شعبة، عن محمد بن المنكدر، عن جابر قال : أتيتُ النبي ﷺ في دَين كان على أبي، فدققت الباب، فقال :" من ذا " ؟ قلت : أنا. قال :" أنا، أنا " كأنه كرهه(٢٠).
وإنما كره ذلك لأن هذه اللفظة لا يُعرَف صاحبها حتى يُفصح باسمه أو كنيته التي هو مشهور بها، وإلا فكل أحد يُعبِّر عن نفسه ب " أنا "، فلا يحصل بها المقصود من الاستئذان، الذي هو الاستئناس المأمور به في الآية.
وقال العَوْفي، عن ابن عباس : الاستئناس : الاستئذان. وكذا قال غيرُ واحد.
وقال ابن جرير : حدثنا ابن بَشَّار، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن أبي بِشْر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في هذه الآية :﴿لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا﴾ (٢١)
قال : إنما هي خطأ من الكاتب، " حَتَّى تَسْتَأذنُوا وَتُسَلِّمُوا ".
وهكذا رواه(٢٢) هُشَيم، عن أبي بشر - وهو جعفر بن إياس - به. وروى معاذ بن سليمان، عن جعفر بن إياس، عن سعيد، عن ابن عباس، بمثله، وزاد : وكان ابن عباس يقرأ :" حَتَّى تَسْتَأذنُوا وَتُسَلِّمُوا "، وكان يقرأ على قراءة أبي بن كعب رضي الله عنه.
وهذا غريب جدًّا عن ابن عباس.
وقال هُشَيْم(٢٣) أخبرنا مغيرة، عن إبراهيم قال : في مصحف ابن مسعود :" حتى تسلموا على أهلها وتستأذنوا ". وهذا أيضًا رواية عن ابن عباس، وهو اختيار ابن جرير.
وقد قال الإمام أحمد : حدثنا رَوْح، حدثنا ابن جُرَيْج، أخبرني عمرو بن أبي سفيان : أن عمرو بن أبي صفوان أخبره، أن كَلَدَةَ بن الحنبل أخبره، أن صفوان بن أمية بعثه في الفتح بِلبَأ وجَدَايَة وضَغَابيس، والنبي ﷺ بأعلى الوادي. قال : فدخلتُ عليه ولم أسلم ولم أستأذن. فقال النبي ﷺ :" ارجع فقل : السلام عليكم، أأدخل ؟ " وذلك بعدما أسلم صفوان.
ورواه أبو داود والترمذي والنسائي من حديث ابن جريج، به(٢٤) وقال الترمذي : حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديثه.
وقال أبو داود : حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا أبو الأحوَص، عن منصور، عن رِبْعي قال : حدثنا(٢٥) رجل من بني عامر استأذن على النبي ﷺ، وهو في بيته، فقال : أألج ؟ فقال النبي ﷺ لخادمه :" اخرج إلى هذا فعلِّمه الاستئذان، فقل له : قل : السلام عليكم، أأدخل ؟ " فسمعه الرجل فقال : السلام عليكم، أأدخل ؟ فأذن له النبي ﷺ، فدخل(٢٦).
وقال هُشَيْم : أخبرنا منصور، عن ابن سِيرِين - وأخبرنا يونس بن عبيد، عن عَمْرو بن سعيد الثقفي - أن رجلا استأذن على النبي ﷺ فقال : أألج - أو : أنلج ؟ - فقال النبي ﷺ لأمة له، يقال لها روضة :" قومي إلى هذا فعلميه، فإنه لا يحسن يستأذن، فقولي له يقول : السلام عليكم، أأدخل ". فسمعها الرجل، فقالها، فقال :" ادخل " (٢٧).
وقال الترمذي : حدثنا الفضل بن الصباح، حدثنا سعيد بن زكريا، عن عَنْبَسَة بن عبد الرحمن، عن محمد بن زاذان، عن محمد بن المنْكَدِر، عن جابر بن عبد الله قال : قال رسول الله ﷺ :" السلام قبل الكلام " (٢٨).
ثم قال الترمذي : عنبسة ضعيف الحديث ذاهب، ومحمد بن زاذان مُنكَر الحديث.
وقال هُشَيْم : قال مغيرة : قال مجاهد : جاء ابن عمر من حاجة، وقد آذاه الرمضاء، فأتى فُسْطَاط امرأة من قريش، فقال : السلام عليكم، أأدخل ؟ قالت : ادخل بسلام. فأعاد، فأعادت، وهو يُرَاوح بين قدميه، قال : قولي : ادخل. قالت : ادخل، فدخل(٢٩).
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو نعيم الأحول، حدثنا خالد بن إياس، حدثتني جدتي أم إياس قالت : كنت في أربع نسوة نستأذن [ على عائشة ](٣٠) فقلت : ندخل ؟ قالت : لا قلن(٣١) لصاحبتكن : تستأذن. فقالت : السلام عليكم، أندخل ؟ قالت : ادخلوا، ثم قالت :﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا﴾ [ الآية ](٣٢).
وقال هُشَيْم : أخبرنا أشعث بن سَوَّار، عن كُرْدُوس، عن ابن مسعود قال : عليكم أن تستأذنوا على أمهاتكم وأخواتكم. قال أشعث، عن عدي بن ثابت : إن امرأة من الأنصار قالت : يا رسول الله، إني أكون في منزلي على الحال التي لا أحب أن يراني أحد عليها، والد ولا ولد، وإنه لا يزال يدخل عليَّ رجل من أهلي، وأنا على تلك الحال ؟ قال : فنزلت :﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا﴾(٣٣).
وقال ابن جريج : سمعت عطاء بن أبي رباح يخبر عن ابن عباس، رضي الله عنه، قال : ثلاث آيات جَحَدها الناس : قال الله :﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣]، قال : ويقولون : إن أكرمهم عند الله أعظمهم بيتًا. قال : والإذن كله قد جحده الناس. قال : قلت : أستأذن على أخواتي أيتام في حجري، معي في بيت واحد ؟ قال : نعم. فرددت ليرخِّص(٣٤) لي، فأبى. قال : تحب أن تراها عريانة ؟ قلت : لا. قال : فاستأذن. قال : فراجعته أيضًا، فقال : أتحب أن تطيع الله ؟ قلت : نعم. قال : فاستأذن.
قال ابن جُرَيْج : وأخبرني ابن طاوس عن أبيه قال : ما من امرأة أكره إلي أن أرى عريتها من ذات محرم. قال : وكان يشدد في ذلك.
وقال ابن جريج، عن الزهري : سمعت هُزَيل بن شُرَحْبِيل الأوْدِيّ الأعمى، أنه سمع ابن مسعود يقول : عليكم الإذن على أمهاتكم.
وقال ابن جريج : قلت لعطاء : أيستأذن الرجل على امرأته ؟ قال : لا.
وهذا محمول على عدم الوجوب، وإلا فالأولى أن يعلمها بدخوله ولا يفاجئها به، لاحتمال أن تكون على هيئة لا تحب أن يراها عليها.
وقال أبو جعفر بن جرير : حدثنا القاسم، [ قال ](٣٥) حدثنا الحسين، حدثنا محمد بن حازم، عن الأعمش، عن عمرو بن مُرَّة، عن يحيى بن الجزار، عن ابن أخي زينب - امرأة عبد الله بن مسعود -، عن زينب، رضي الله عنها، قالت : كان عبد الله إذا جاء من حاجة فانتهى إلى الباب، تنحنح وبزق ؛ كراهية(٣٦) أن يهجُم منا على أمر يكرهه(٣٧). إسناد صحيح.
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أحمد بن سِنَان الواسطي، حدثنا عبد
١ - في أ :"وثبت"..
٢ - في أ :"لا نشهد"..
٣ - صحيح البخاري برقم (٦٢٤٥) وصحيح مسلم برقم (٢١٥٣)..
٤ - في أ :"وغيره"..
٥ - في أ :"على"..
٦ - المسند (٣/١٣٨)..
٧ - في أ :"أسعد"..
٨ - في أ :"خفيفا"..
٩ - في أ :"ودعه"..
١٠ - في أ :"خفيفا"..
١١ - في أ :"خفيفا"..
١٢ - زيادة من أ، وأبي داود..
١٣ - سنن أبي داود برقم (٥١٨٥) والنسائي في السنن الكبرى برقم (١٠١٥٧)، (٥٠١٥٩) من طريق عبد الله، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان : أن رسول الله ﷺ أتى سعد بن عبادة زائرا، فذكر الحديث..
١٤ - في أ :"ليكون"..
١٥ - في أ :"بشر"..
١٦ - سنن أبي داود برقم (٥١٨٦)..
١٧ - سنن أبي داود برقم (٥١٧٤)..
١٨ - سنن أبي داود برقم (٥١٧٥)..
١٩ - صحيح البخاري برقم (٦٩٠٢) وصحيح مسلم برقم (٢١٥٨)..
٢٠ - صحيح البخاري برقم (٦٢٥٠) وصحيح مسلم برقم (٢١٥٥) وسنن أبي داود برقم (٥١٨٧) وسنن الترمذي برقم (٢٧١١) والنسائي في السنن الكبرى برقم (١٠١٦٠) وسنن ابن ماجه برقم (٣٧٠٩)..
٢١ - في ف، أ زيادة :"على أهلها"..
٢٢ - في أ :"روى"..
٢٣ - في أ :"سفيان"..
٢٤ - المسند (٣/٤١٤)..
٢٥ - في أ :"جاء"..
٢٦ - سنن أبي داود برقم (٥١٧٧)..
٢٧ - رواه الطبري في تفسيره (١٨/٨٧)..
٢٨ - سنن الترمذي برقم (٢٦٩٩)..
٢٩ - رواه الطبري في تفسيره (١٨/٨٧)..
٣٠ - زيادة من ف، أ..
٣١ - في هـ، أ :"قلت"، والمثبت من ف..
٣٢ - زيادة من ف، أ..
٣٣ - رواه الطبري في تفسيره (١٨/٨٧)..
٣٤ في أ :"علي لمن خضرني".-.
٣٥ - زيادة من ف، أ..
٣٦ - في ف :"كراهة"..
٣٧ - تفسير الطبري (١٨/٨٨)..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى