البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة

عن الكتاب
ولما كان سبب الإفك هو تهمة الخلوة، أمر بالاستئذان، فقال :
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُواْ وَتُسَلِّمُواْ عَلَى أَهْلِهَا ذالِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ * ﴿فَإِن لَّمْ تَجِدُواْ فِيهَآ أَحَداً فَلاَ تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِن قِيلَ لَكُمْ ارْجِعُواْ فَارْجِعُواْ هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ * ﴿لَّيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَدْخُلُواْ بُيُوتاً غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَّكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ﴾
يقول الحق جل جلاله :﴿يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتاً غير بيوتكم﴾ أي : بيوتاً لستم تملكونها ولا تسكنونها، ﴿حتى تستَأْنسوا﴾ ؛ تستأذنوا، وقُرئ به، والاستئناس : الاستعلام، والاستكشاف، استفعال، من أنَس الشيء : أبصره، فإن المستأذن مستعلم للحال، مستكشف له، هل يؤذن له أم لا، ويحصل بذكر الله جهراً، كتسبيحة أو تكبيرة.
أو تَنَحْنُحٍ، ﴿وتُسلِّموا على أهلها﴾، بأن يقول : السلام عليكم، أَأَدْخُلُ ؟ ثلاث مرات، فإذا أُذن له، وإلا رجع، فإن تلاقيا، قدّم التسليم، وإلا، فالاستئذان. ﴿ذلكم﴾ أي : التسليم ﴿خيرٌ لكم﴾ من أن تدخلوا بغتة، أو من تحية الجاهلية.
كان الرجل منهم إذا أراد أن يدخل بيتاً غير بيته يقول : حُييتم صباحاً، حييتم مساءاً، فربما أصاب الرجلَ مع امرأته في لحاف. رُوي أن رجلاً قال للنبي صلى الله عليه وسلم : أَأَسْتأذنُ على أمي ؟ قال : نَعَم، قال : ليس لها خادم غيري، أأستأذن عليها كلما دَخَلْتُ ؟ قال صلى الله عليه وسلم :" أتحُبُّ أن تراها عريانة. . . ؟ (١) " ﴿لعلكم تذكَّرون﴾ أي : أمرتكم به، أو : قيل لكم هذا ؛ لكي تتعظوا وتعملوا بموجبه.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : التصوف كله آداب، حتى قال بعضهم : اجعل عملك مِلْحاً وأدبك دقيقاً.
فيتأدبون بالسُنَّة في حركاتهم وسكناتهم، ودخولهم وخروجهم، فهم أَولى بالأدب، فيستأذنون كما أمر الله عند دخول منزلهم ؛ برفع صوتهم بذكر الله، أو بالتسبيح، أو بالسلام قبل الدخول. وكذا عند دخول منزل غيرهم، أو منزل بعضهم بعضاً. وأما مع الشيخ : فالأدب هو الصبر حتى يخرج، تأدباً بقوله تعالى :﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُواْ حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ﴾ [الحجرات: ٥]، فلا يقرعون بابه، ولا يطلبون خروجه إلا لضرورة فادحة.


١ أخرجه مالك في الاستئذان حديث ١..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى