تفسير السمعاني — أبو المظفر السمعاني

عن الكتاب
قوله تعالى :( وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن )
وروي أن ابن أم مكتوم أقبل إلى النبي ﷺ وعنده أم سلمة وميمونة فقال لهما رسول الله ﷺ :«احتجبا. فقالتا : إنه أعمى، فقال : أعمياوان أنتما(١) »(٢).
وقوله :( ولا يبدين زينتهن ) الزينة : كل ما تتزين [ به ] (٣) المرأة من الحلي والثياب.
وقوله :( إلا ما ظهر منها ) اختلف القول في هذا : قال ابن مسعود : هي الثياب وهذا اختيار أبي عبيد.
والقول الثاني : ما روي عن ابن عباس أنه قال : الكحل. وحكى الكلبي عنه أنه قال : الكحل والخاتم والخضاب، وعنه أنه قال : الوجه والكفان. واعلم أن المراد بالزينة موضع الزينة ها هنا فعلى هذا يجوز النظر إلى وجه المرأة وكفيها من غير شهوة، وإن خاف الشهوة غض البصر، واعلم أن الزينة زينتان : زينة ظاهرة، زينة باطنة، فالزينة الظاهرة هي الكحل والفتخة والخضاب إذا كان في الكف، وأما الخضاب في القدم فهو الزينة الباطنية، وأما السوار في اليد، فعن عائشة أنه من الزينة الظاهرة، والأصح أنه من الزينة الباطنة، وهو قول أكثر أهل العلم، وأما الدملج [ والمخنقة ] (٤) والقلادة، وما أشبه ذلك فهو من الزينة الباطنة، فما كان من الزينة الظاهرة يجوز للأجنبي النظر إليه من غير شهوة، وما كان من الزينة الباطنة لا يجوز للأجنبي النظر إليها، وأما الزوج ينظر ويتلذذ، وأما المحارم ينظرون من غير تلذذ.
وقوله :( وليضربن بخمرهن على جيوبهن ) يعني : بمقانعهن على جيوبهن، وكان النساء في ذلك الوقت يسدلن خمرهن من ورائهن فتبدوا صدورهن ونحورهن، فأمر الله تعالى أن يضربن بالمقانع على جيوبهن ؛ لئلا تظهر صدورهن ولا نحورهن، وروت(٥) صفية بنت شيبة عن عائشة - رضي الله عنها - أنه لما نزلت هذه الآية عمد نساء الأنصار إلى حجور مناطقهن، فقطعن منها قطعة، وتخمرن، فأصبحن وكأن على رؤسهن الغربان.
وقوله :( ولا يبدين زينتهن ) المراد من هذه الزينة الباطنية.
وقوله :( إلا لبعولتهن ) أي : أزواجهن.
وقوله :( أو آبائهن أو آباء بعولتهن أو أبنائهن أو أبناء بعولتهن أو إخوانهم أو بني إخوانهم أو بني أخواتهن ). فيجوز لهؤلاء أن ينظروا إلى الزينة الباطنة، إلا أنهم لا ينظرون إلى ما بين السرة إلى ( الركبة ) (٦)، ويحل للزوج النظر إليه، وأما نفس الفرج فيه وجهان على ما عرف في الفقه، وقد ورد عن عائشة ما يدل على أنه يكره النظر إلى الفرج، وقيل : إنه يورث العمى.
وقوله :( أو نسائهن ). فيه قولان : أحدهما : أن المراد بهن النساء المسلمات، فعلى هذا لا يجوز للمسلمة أن تبدي محاسنها عند اليهودية ولا النصرانية.
والقول الثاني : أن قوله :( نسائهن ) عام في جميع النساء، فيجوز للمرأة أن تنظر إلى المرأة إلا ما بين السرة إلى الركبة.
وقوله :( أو ما ملكت أيمانهن ). اختلف القول في هذا، فروي عن عائشة وأم سلمة أنهما قالت : المراد منه العبيد، فيجوز للعبد أن ينظر إلى مولاته ما ينظر ذو الرحم المرحم من غير شهوة، وهذا إذا كان العبد عفيفا، والقول الثاني قول سعيد بن المسيب وجماعة من التابعين أنهم قالوا : لا يجوز للعبد أن ينظر إلى مولاته إلا ما ينظر الأجنبي إلى الأجنبي، فعلى هذا تحمل الآية على الإماء، والقول الأول أظهر في معنى الآية، لأنه قد سبق قوله :( أو نسائهن ) فدخل فيه الحرائر والإماء، وفي الآية قول ثالث : وهو أنه يجوز [ أن ينظر ] (٧) العبد إلى مولاته ما يظهر عند البذلة والمهنة، مثل الساعدين والقدمين والعنق ولا ينظر إلى ما سوى ذلك، وإنما جاز ذلك ؛ لأنه يشق ستر هذا مع العبيد، وأما مع الأجانب لا يشق، وعن أم سلمة - رضي الله عنها - أنها كاتبت عبدا لها يقال له نبهان، فكانت لا تحتجب عنه، ثم قالت له يوما : يا نبهان، ما بقي من كتابتك، فقال ألفا درهم، فقالت : أدّها إلى محمد بن عبد الله بن أبي أمية(٨) والسلام عليك، وأرسلت حجابها.
وقوله :( أو التابعين غير أولي الإربة ) اختلف القول فيه : قال مجاهد : هو الصغير، وقال عكرمة : هو العِنِّين، وقال بعضهم : هو الشيخ الهرم، وعن بعضهم : أنه المجبوب، ومن المعروف في التفاسير : أنهم الذين يتبعون الرجال، وليس لهم همة إلا بطونهم، ولا يعرفون أمر النساء، ويقال : إنه المخنث الذي ليس له حاجة إلى النساء، وعن عائشة - رضي الله عنها - أن مخنثا يقال له : هيت كان يدخل على أزواج النبي ﷺ قالت : وكنا نظن أنه من غير أولي الإربة، يعني : أنه لا يعرف أمر(٩) النساء شيئا فوصف يوما امرأة فقال : إنها تقبل بأربع، وتدبر بثمان، فسمع النبي ﷺ ذلك، فقال :«ما ظننت أنه يعرف هذا، وأمر بإخراجه »(١٠).
وأما الإربة هي الحاجة، مأخوذ من الإرب، ومن هذا حديث عائشة - رضي الله عنها - «أن النبي ﷺ كان يقبل وهو صائم، وكان أملككم لإربه »(١١) ومن قال : لا، فقد أخطأ.
وقوله :( أو الطفل الذين لم يظهروا ) أي : الأطفال الذين لم يظهروا، واحد بمعنى الجمع.
وقوله :( لم يظهروا على عورات النساء ) أي : لم يطيقوا أمر النساء، ويقال :«لم يظهروا على عورات النساء » أي : لم يعرفوا العورة من غير العورة فلم يميزوا، وقيل : لم يبلغوا حد الشهوة.
وقوله :( ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن ) روي أن المرأة كانت تمر على الرجال، وفي رجلها الخلخال، وكانت تضرب برجلها ؛ لتسمعهم صوت خلخالها، فنهين عن ذلك، فإن قال قائل : أيش في ضرب الخلخال ما يوجب النهي ؟ والجواب عنه : أن فيه استدعاء الميل وتحريك الشهوة.
وقوله :( وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون ) فيه قولان : أحدهما : أن المراد منه التوبة من الصغائر ؛ لأنه لمم جميع المؤمنين، وإنما الصغائر توجد من جميع المؤمنين، فأما الكبائر فلا، ومنهم من قال : لا بل الآية عامة في الصغائر والكبائر، والتوبة هي الندم على [ ما ] (١٢) سلف، والإقلاع في الحال، والعزيمة على ترك العود، وهذا هو معنى النصوح المقرون بالتوبة المذكور في غير هذا الموضع، وذكر بعضهم أن الله تعالى أمر المشركين بنفس التوبة مطلقا فقال :( قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف ) (١٣)، وأمر اليهود والنصارى بالتوبة والإصلاح والبيان ؛ وهو بيان صفة النبي ﷺ فقال تعالى :( إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا ) (١٤)، وأمر المنافقين بالتوبة والإصلاح والاعتصام والإخلاص فقال :( إلا الذين تابوا وأصلحوا واعتصموا بالله وأخلصوا دينهم لله ) (١٥)، وقد بينا معنى ذلك من قبل، وأمر جميع المؤمنين بالتوبة في هذه الآية، ولا بد لكل إنسان أن يتوب إما من صغيرة أو كبيرة، وقد ثبت برواية الأغر المزني أن النبي ﷺ قال :«أيها الناس، توبوا إلى الله فإني أتوب كل يوم مائة مرة »(١٦) خرجه مسلم في الصحيح.
وقوله تعالى :( لعلكم تفلحون ) أي : تسعدون وتفوزون.
١ - في "ك": أعمى، وأنتما..
٢ - رواه أبو داود (٤/٦٣-٦٤ رقم ٤١١٢)، والترمذي (٥/٩٤ رقم ٢٧٧٨)، وقال: حسن صحيح، والنسائي في الكبرى (٥/٣٩٣-٣٩٤ رقم ٩٢٤١، ٩٢٤٢)، وأحمد في مسنده (٦/٢٩٦)، وأبو يعلى (١٢/٣٥٣ رقم ٦٩٢٢)، وابن حبان في صحيحه (١٢/٣٨٧-٣٩٠ رقم ٥٥٧٥، ٥٥٧٦)، والبيهقي (٧/٩١-٩٢). وقال الحافظ في الفتح (٩/٢٤٨): إسناده قوي..
٣ - في "الأصل": بها..
٤ - وهي قلادة توضع في موضع الخنق من الرقبة. انظر لسان العرب (مادة: خنق)..
٥ - في "الأصل": روى..
٦ - في "ك": والركبة..
٧ - من"ك"..
٨ - في "ك": محمد بن عبد الله بن أمية..
٩ - كذا في النسختين، ولعل الصواب: لا يعرف من أمر...
١٠ - رواه مسلم (١٤/٢٣٤ رقم ٢١٨١)، وأبو داود (٤/٦٢-٦٣ رقم ٤١٠٧، ٤١٠٨، ٤١٠٩، ٤١١٠)، والنسائي في الكبرى (٥/٣٩٥) رقم ٩٢٤٦، ٩٢٤٧)، من حديث عائشة بنحوه.
والحديث متفق عليه بنحوه من حديث أم سلمة، رواه البخاري (٦/٦٣٩ رقم ٤٣٢٤ وطرفاه ٥٢٣٥، ٥٨٨٧)، ومسلم (١٤/٢٣٣ رقم ٢١٨٠)..

١١ - رواه مسلم (٧/٣٠٤-٣٠٩ رقم ١١٠٦)، وابن ماجه (١/٥٣٨ رقم ١٦٨٤)، وأحمد (٦/٤٤)، وعبد الرزاق في مصنفه (٤/١٨٣، ١٨٨، رقم ٨٤٠٨، ٨٤٣١)، وابن حبان (٨/٣١٣ رقم ٣٥٤٣)، والبيهقي (٤/٢٣٣) من حديث عائشة..
١٢ - من "ك"..
١٣ - الأنفال: ٣٨..
١٤ - البقرة: ١٦٠..
١٥ - النساء: ١٤٦..
١٦ - رواه مسلم في صحيحه (١٧/٣٨-٣٩ رقم ٢٧٠٢)، والبخاري في الأدب (ص ١٨٢)، والنسائي في عمل اليوم والليلة من السنن الكبرى (٦/١١٦-١١٧ رقم ١٠٢٧٨، ١٠٢٧٩، ١٠٢٨٠، ١٠٢٨١)، وأحمد في مسنده (٤/٢٦٠)، وابن أبي شيبة (١٠/٢٩٨)، وابن حبان في صحيحه (٣/٢٠٩ رقم ٩٢٩)..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى