تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي
عن الكتاب
الآية ٣١ : وعلى هذا (١) يخرج قوله :]وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن(.
وقوله تعالى :]ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر[ روي عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه ( أنه )(٢) قال ]إلا ما ظهر[ الرداء من الثياب.
وعن ابن عباس رضي الله عنه ( أنه )(٣) قال ]إلا ما ظهر منها( : الكحل والخاتم، وفي رواية أخرى : الكف والخاتم.
وعن عائشة رضي الله عنها ( أنها )(٤) قالت :]إلا ما ظهر منها( : القلب، والفتخه، وهي خاتم إصبع الرجل.
وعن عبد الله بن الزبير ( قوله : الزينة )(٥) زينتان : زينة باطنة، لا يراها إلا الزوج ( كالإكليل والسوار والخاتم. وأما الزينة الظاهرة فالثياب )(٦).
فإن كان التأويل ما روي عن ابن مسعود ( حين خص الرداء من الثياب )(٧) ففيه دلالة ألا يحل النظر إلى امرأة أجنبية وإن كان ما قال ابن عباس ففيه دلالة حل النظر إلى وجه المرأة لا بشهوة.
وإن كان ما قالت عائشة من القلب والفتحة ففيه دلالة جواز النظر إلى الكفين والقدمين لأنهما ظاهرتان باديتان.
ألا ترى أنهما من الظواهر في فرض غسل الوضوء ؟ وإن كان ذلك ففيه دلالة جواز صلاتها مع ظهور القدم.
وجائز أن يكون النظر إلى وجه المرأة حلالا إذا لم يكن بشهوة. لكن غض البصر وترك النظر أوفق وأزكى كقوله :]يأيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن[ أنهن حرائر ]فلا يؤذين[ ( الأحزاب : ٥٩ ) كما يؤذى الإماء.
والذي يدل أن للمرأة ألا تغطي وجهها، ولا ينبغي للرجل أن يتعمد النظر إلى وجه المرأة إلا عند الحاجة إليه قول رسول الله ﷺ لعلي رضي الله عنه " إنما لك الأولى وليست لك الآخرة " ( الترمذي : ٢٧٧٧ ) وفي بعضها " الأولى لك والآخرة عليك " ( بنحوه الترمذي : ٢٧٧٧ ) لأنه كأنه إنما يتعمد النظر في الثانية لشهوة تحدث في قلبه.
وإذنه للذي تريد أن يتزوج امرأة أن ينظر إليها يدل على أن نظر الرجل إلى وجه المرأة غير حرام، لأنه لو كان حراما لم يأذن فيه للنبي لأحد.
ونرى، والله أعلم، أن النظر إلى وجه المرأة ليس بحرام إذا(٨) لم يقع في قلب الرجل من ذلك شهوة. فإذا وجد لذلك شهوة، ولم يأمن أن ( يؤدي به )(٩) ذلك إلى ما يكره، فمحظور عليه أن ينظر إليها إلا أن يريد به معرفتها والنكاح، فإنه قد رخص في ذلك.
روي أن المغيرة ( بن شعبة )(١٠) أراد أن يتزوج امرأة، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم(١١) " اذهب، فانظر إليها، فإنه أحرى أن يؤدم بينكما " ( أحمد : ٤/٢٤٥ ).
وقال في بعض الأخبار : " إذا خطب أحدكم المرأة فلا بأس أن ينظر إليها إذا كان إنما ينظر إليها، للخطبة، وإن كانت لا تعلم " ( بنحوه أحمد : ٣/٣٦٠ ).
وأحسن للشابة وأفضل لها أن تستر وجهها ويديها عن الرجال، ليس أن ذلك حرام(١٢) ولكن لما يخاف في ذلك من حدوث الشهوة ووقوع الفتنة بهن.
فإذا لم يكن للناظر في ذلك شهوة بأن كان شيخا كبيرا، أو كانت المرأة دميمة أو عجوزا، فإنه لا يحظر النظر إلى وجوه أمثالهن، ولا ينظر إلى(١٣) ما سوى ذلك.
وأصله قول الله تعالى :]قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين[ ( الأحزاب : ٥٩ ).
ومما يدل على أن الوجه والكفين جائز ألا يكونا(١٤) بعورة : بأن المرأة، لا تصلي وعورتها مكشوفة، ويجوز أن تصلي ووجهها ويداها ورجلاها مكشوفة. فإذا كان كذلك دل ذلك على أن النظر إلى ذلك جائز، إذا لم يكن ذلك لشهوة، دخل في ذلك معنى قول رسول الله ﷺ " العينان تزنيان " لأن زناء العين لا يكون إلا بالنظر للشهوة. فإذا كان لشهوة دخل في ذلك معنى قول رسول الله ﷺ.
وروي في الخبر عن رسول الله ﷺ ما يدل على أن الوجه والكفين، ليسا بعورة ما روي عن عائشة أنها(١٥) قالت : " دخلت علي أختي أسماء، وعليها ثياب شامية رقاق، وهي اليوم عندكم صفاق، فقال رسول الله ﷺ : هذه ثياب، لا تحبها سورة النور، فأمر بها، فأخرجت، فقلت : يا رسول الله زارتني أختي، فقلت لها ما قلت : فقال يا عائش إن الحرة إذا حاضت لا ينبغي أن يُرى إلا وجهها وكفاها " ( بنحوه أبو داود : ٤١٠٤ ) فإن تبت هذا فإنه يبين ما ذكرنا، والله أعلم/٣٦٦- ب/. وقوله تعالى :]يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن[ قد ذكرنا أن المرأة يكون لها النظر إلى الرجال من غير محرمها كما يكره للرجل ( النظر )(١٦) على المرأة الأجنبية.
ألا ترى أنه " روي أن ( عبد الله ابن مكتوم المؤذن الأعمى، دخل )(١٧) على رسول الله ﷺ وبعض أزواجه عنده : عائشة وأخرى. فقال لهما رسول الله ﷺ : قوما، فقالتا :( يا رسول الله أليس هو أعمى ؟ )(١٨) فقال لهما : أفعمياوان أنتما ؟ ألستما تبصرانه " ( الترمذي : ٢٧٧٨ ) أو كلاما )(١٩) نحو هذا. فدل انه ما ذكرنا.
وعلى ذلك أخبار : روي عن خالد بن معدان ( أنه )(٢٠) قال : قال رسول الله ﷺ " لا يحل لامرأة، تؤمن بالله واليوم الآخر أن تبيت في مكان، تسمع نفس رجل، ليس بمحرم. ولا يحل لامرئ، يؤمن بالله واليوم الآخر أن يبيت في مكان، يسمع نفس امرأة، ليست بمحرمة " ( بنحوه البخاري : ٣٠٠٦ ).
وفي بعض الأخبار أنه قال (٢١) : " ولا يرخص للمرأة أن ترى غير ذي محرم منها إلا الوجه والكف وما ظهر، وقبض رسول الله ﷺ على كوع عائشة، وقال هذ " ( بنحوه أبو داوود : ٤١٠٤ ).
وعن الحسن أنه قال في قوله تعالى :]إلا ما ظهر منها[ : الوجه وما ظهر من الثياب.
فإن ثبت ما ذكرنا من المروي عن رسول الله ﷺ حين(٢٢) رخص النظر إلى الوجه والكف لقوله : " إلا الوجه والكف " استثناء الوجه والكف من بين سائر الجوارح، كان ذلك تفسيرا لقوله " إلا ما ظهر منها " كأنه قال ]ولا يبدين زينتهن [ للأجنبيين ]إلا ما ظهر منها[ وهو الكحل والخاتم.
ثم الكحل ( يكون )(٢٣) في الوجه، والخاتم في اليد. فذكر الزينة يكون كناية عن مواضعها لأن النظر إلى الزينة ( حلال لكل أحد إذا كان المراد بالزينة )(٢٤) الحلي. وما ذكره القوم يدل أن المراد بذكر الزينة مواضع الزينة لا نفس الزينة والحلي.
ثم رخص للأجنبيين النظر إلى بعض الزينة، وهو ما ظهر منها من الوجه والكف، ولم يرخص ما خفي منها وما بطن، ثم استثنى المحارم منها ( ورخص لهم النظر )(٢٥) إلى ذلك بقوله ]ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن[ إلى آخر ما ذكر.
ثم مواضع الزينة الخفية، منها الصدر، ومنها الأذنان، وهما في الرأس، ومنها الساق.
ثم جمع بين الأب ومن سمى معه وبين الزوج في النظر إلى زينة المرأة. ولا خلاف في أن الأب، لا يجوز أن ينظر من عورات ابنته إلا إلى رأسها، وفي الرأس الأذنان، وقد يكون فيهما القرطان(٢٦)، ونحوه.
وإذا جاز له أن ينظر إلى رأسها، ولا خمار عليها، فله أن ينظر على صدرها، وهو موضع الزينة، لأنه مما يغطيه الخمار، وينظر إلى ذراعها وموضع الخلخال من قدميها ورجليها، وهي(٢٧) مواضع الزينة الباطنة التي لا يجوز للأجنبي أن ينظر إليها.
ثم النظر إلى الوجه أحق أن يحرم النظر إليه للأجنبي من الرأس وغيره من مواضع الزينة لأن الوجه يجمع فيه جميع المحاسن، وغيره من مواضع الزينة، ليس فيها محاسن. لكن إنما حرم النظر إلى هذه المواضع لأنها عورة في نفسها، فالنظر إلى العورة حرام للأجنبي، ولأن النظر إليها ؛ أعني مواضع الزينة، لا يكون إلا للشهوة، والنظر إلى الشهوة حرام(٢٨).
فأما المحارم منها فإنهم لا ينظرون إلى هذه المواضع منها لشهوة، ولا يقصدون به ذلك البتة، فأبيح لهم النظر إليها. وكل من يخشى من المحارم النظر إليها لشهوة لا ينظر إليها، وكذلك الأجنبي ( حين أبيح له )(٢٩) النظر إلى الزينة الظاهرة، فإن خشي به الشهوة لم ينظر إليها وضرورة(٣٠) ثم غيرها من العجزة، لا يحل لأحد النظر إليها : للأب وغيره إلا للزوج خاصة أو للمولى إلى مملوكته، وهو ما قال :]والذين هم لفروجهم حافظون[ ( إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين[ ( المؤمنون : ٥ و٦ ).
استثنى الأزواج والموالي من بين غيرهم لأن النظر إلى ذلك لا يكون إلا للشهوة، لا تقع فيه حاجة، فلا يباح ذلك إلا لمن له قضاء الشهوة والوطء، وهو الزوج والمولى.
فانقسمت العورة إلى جهتين : جهة تحل للمحارم النظر إليها لحاجة وضرورة، تقع لهم، وجهة لا تحل لهم إلا للأزواج لما لا تقع لهم حاجة ولا ضرورة بالنظر إلى ذلك.
ألا ترى أن الأمة ينظر ( الأجنبي(٣١) ) إلى شعرها وذراعيها وساقيها وصدرها إذا أراد شراءها ؟ فلا ينظر إلى ما سوى ذلك. فإذا جاز للأجنبي أن ينظر إليه من الأمة جاز لمحرمها النظر إلى ذلك من المرأة للحاجة التي ذكرنا.
ثم ذكر في الآية المحارم جميعا إلا الأعمام والأخوال. قال بعضهم : إنما لم يذكرهم(٣٢) في هذه الآية لأنها تحل لبنيهم(٣٣) بالنكاح، فكره أن ( يصفوها لبنيهم )(٣٤) ولهذا كره ( في ما كره من المرأة )(٣٥) المسلمة إبداء الزينة الخفية للكافرة من اليهودية والنصرانية لما لعلها تصف ذلك للمشركين، فيرغبون فيها، ويتكلفون ذلك، وصرف قوله :]أو نسائهن[ إلى(٣٦) المسلمات.
لكن جائز عندنا أن العم والخال إنما لم يذكرهما للكثرة والتطويل لما يكره ذلك، أو لما ذكر من أجناسهم وأمثالهم فذكر الرخصة في أمثالهم كافية.
وقوله تعالى ]أو نسائهن[ يحتمل وجوها : يحتمل النساء ( اللواتي )(٣٧) يختلطن بهن أو نساء قرابتهن أو النساء اللاتي(٣٨) توافقن في دينهن وهن المسلمات على ما قاله أولئك.
وقوله تعالى ]أو ما ملكت أيمانهن[ قال قائلون ]أو ما ملكت أيمانهن[ كقوله :]إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم[ ( المؤمنون : ٦ ) ونحوه.
وقال قائلون : الإماء ( والعبيد جميعا. فإن كان المراد به الإماء )(٣٩) فهو ظاهر، وإن كان المراد به الأمة والعبد ففيه إباحة نظر العبد إلى شعر مولاته على ما يقول بعض الناس.
والأشبه أن يكون المراد به، والله أعلم الإماء دون العبيد ( وهو )(٤٠) ما ذكرنا في آخر الآية :]أو التابعين غير أولي الإربة من الرجال[ العبيد(٤١) من الرجال. أو ذكر التابعين(٤٢) ؛ والتابع، وإن كان خصيا أو غنيا أو معتوها على ما قالوا فإنه لا يحل لهؤلاء النظر إلى تلك المواضع على حال. فعلى ذلك العبد.
فيكون الدخول عليهن مضمرا(٤٣) في الآية، وتكون(٤٤) النساء متأهبات وقت دخول العبيد والتابعين عليهن، لأنه ذكر التابعين، وهم تابعوا الأزواج، ووقت دخول هؤلاء يكون معلوما عندهن، فيتأهبن لهم، وتسرن، والله أعلم بذلك.
ألا ترى ( أنه )(٤٥) لا يحل للمرأة أن تسافر بعبدها ؟ دل أنه ليس بمحرم لها. لذلك لم يحل له النظر إلى شعر مولاته.
فإن قيل : ما معنى : إمائهن ونسائهن ؟ وكل النساء يجوز لهن النظر إلى المرأة وإلى هذه المواضع التي ذكرنا ؟ قيل : خص الله عز وجل بالذكر إماءهن ونساءهن دون النساء الأجنبيات تأديبا لا خطرا. وذلك أن المرأة قد يضيق عليها أن تستتر من أمتها ونساء أهل بيتها لكثرة رويتهن لها، وقد تقدر أن تستر من الأجنبية محاسنها وزينتها لقلة رؤيتها لها.
ألا ترى أنه قد نهى الله المرأة أن تضر
وقوله تعالى :]ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر[ روي عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه ( أنه )(٢) قال ]إلا ما ظهر[ الرداء من الثياب.
وعن ابن عباس رضي الله عنه ( أنه )(٣) قال ]إلا ما ظهر منها( : الكحل والخاتم، وفي رواية أخرى : الكف والخاتم.
وعن عائشة رضي الله عنها ( أنها )(٤) قالت :]إلا ما ظهر منها( : القلب، والفتخه، وهي خاتم إصبع الرجل.
وعن عبد الله بن الزبير ( قوله : الزينة )(٥) زينتان : زينة باطنة، لا يراها إلا الزوج ( كالإكليل والسوار والخاتم. وأما الزينة الظاهرة فالثياب )(٦).
فإن كان التأويل ما روي عن ابن مسعود ( حين خص الرداء من الثياب )(٧) ففيه دلالة ألا يحل النظر إلى امرأة أجنبية وإن كان ما قال ابن عباس ففيه دلالة حل النظر إلى وجه المرأة لا بشهوة.
وإن كان ما قالت عائشة من القلب والفتحة ففيه دلالة جواز النظر إلى الكفين والقدمين لأنهما ظاهرتان باديتان.
ألا ترى أنهما من الظواهر في فرض غسل الوضوء ؟ وإن كان ذلك ففيه دلالة جواز صلاتها مع ظهور القدم.
وجائز أن يكون النظر إلى وجه المرأة حلالا إذا لم يكن بشهوة. لكن غض البصر وترك النظر أوفق وأزكى كقوله :]يأيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن[ أنهن حرائر ]فلا يؤذين[ ( الأحزاب : ٥٩ ) كما يؤذى الإماء.
والذي يدل أن للمرأة ألا تغطي وجهها، ولا ينبغي للرجل أن يتعمد النظر إلى وجه المرأة إلا عند الحاجة إليه قول رسول الله ﷺ لعلي رضي الله عنه " إنما لك الأولى وليست لك الآخرة " ( الترمذي : ٢٧٧٧ ) وفي بعضها " الأولى لك والآخرة عليك " ( بنحوه الترمذي : ٢٧٧٧ ) لأنه كأنه إنما يتعمد النظر في الثانية لشهوة تحدث في قلبه.
وإذنه للذي تريد أن يتزوج امرأة أن ينظر إليها يدل على أن نظر الرجل إلى وجه المرأة غير حرام، لأنه لو كان حراما لم يأذن فيه للنبي لأحد.
ونرى، والله أعلم، أن النظر إلى وجه المرأة ليس بحرام إذا(٨) لم يقع في قلب الرجل من ذلك شهوة. فإذا وجد لذلك شهوة، ولم يأمن أن ( يؤدي به )(٩) ذلك إلى ما يكره، فمحظور عليه أن ينظر إليها إلا أن يريد به معرفتها والنكاح، فإنه قد رخص في ذلك.
روي أن المغيرة ( بن شعبة )(١٠) أراد أن يتزوج امرأة، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم(١١) " اذهب، فانظر إليها، فإنه أحرى أن يؤدم بينكما " ( أحمد : ٤/٢٤٥ ).
وقال في بعض الأخبار : " إذا خطب أحدكم المرأة فلا بأس أن ينظر إليها إذا كان إنما ينظر إليها، للخطبة، وإن كانت لا تعلم " ( بنحوه أحمد : ٣/٣٦٠ ).
وأحسن للشابة وأفضل لها أن تستر وجهها ويديها عن الرجال، ليس أن ذلك حرام(١٢) ولكن لما يخاف في ذلك من حدوث الشهوة ووقوع الفتنة بهن.
فإذا لم يكن للناظر في ذلك شهوة بأن كان شيخا كبيرا، أو كانت المرأة دميمة أو عجوزا، فإنه لا يحظر النظر إلى وجوه أمثالهن، ولا ينظر إلى(١٣) ما سوى ذلك.
وأصله قول الله تعالى :]قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين[ ( الأحزاب : ٥٩ ).
ومما يدل على أن الوجه والكفين جائز ألا يكونا(١٤) بعورة : بأن المرأة، لا تصلي وعورتها مكشوفة، ويجوز أن تصلي ووجهها ويداها ورجلاها مكشوفة. فإذا كان كذلك دل ذلك على أن النظر إلى ذلك جائز، إذا لم يكن ذلك لشهوة، دخل في ذلك معنى قول رسول الله ﷺ " العينان تزنيان " لأن زناء العين لا يكون إلا بالنظر للشهوة. فإذا كان لشهوة دخل في ذلك معنى قول رسول الله ﷺ.
وروي في الخبر عن رسول الله ﷺ ما يدل على أن الوجه والكفين، ليسا بعورة ما روي عن عائشة أنها(١٥) قالت : " دخلت علي أختي أسماء، وعليها ثياب شامية رقاق، وهي اليوم عندكم صفاق، فقال رسول الله ﷺ : هذه ثياب، لا تحبها سورة النور، فأمر بها، فأخرجت، فقلت : يا رسول الله زارتني أختي، فقلت لها ما قلت : فقال يا عائش إن الحرة إذا حاضت لا ينبغي أن يُرى إلا وجهها وكفاها " ( بنحوه أبو داود : ٤١٠٤ ) فإن تبت هذا فإنه يبين ما ذكرنا، والله أعلم/٣٦٦- ب/. وقوله تعالى :]يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن[ قد ذكرنا أن المرأة يكون لها النظر إلى الرجال من غير محرمها كما يكره للرجل ( النظر )(١٦) على المرأة الأجنبية.
ألا ترى أنه " روي أن ( عبد الله ابن مكتوم المؤذن الأعمى، دخل )(١٧) على رسول الله ﷺ وبعض أزواجه عنده : عائشة وأخرى. فقال لهما رسول الله ﷺ : قوما، فقالتا :( يا رسول الله أليس هو أعمى ؟ )(١٨) فقال لهما : أفعمياوان أنتما ؟ ألستما تبصرانه " ( الترمذي : ٢٧٧٨ ) أو كلاما )(١٩) نحو هذا. فدل انه ما ذكرنا.
وعلى ذلك أخبار : روي عن خالد بن معدان ( أنه )(٢٠) قال : قال رسول الله ﷺ " لا يحل لامرأة، تؤمن بالله واليوم الآخر أن تبيت في مكان، تسمع نفس رجل، ليس بمحرم. ولا يحل لامرئ، يؤمن بالله واليوم الآخر أن يبيت في مكان، يسمع نفس امرأة، ليست بمحرمة " ( بنحوه البخاري : ٣٠٠٦ ).
وفي بعض الأخبار أنه قال (٢١) : " ولا يرخص للمرأة أن ترى غير ذي محرم منها إلا الوجه والكف وما ظهر، وقبض رسول الله ﷺ على كوع عائشة، وقال هذ " ( بنحوه أبو داوود : ٤١٠٤ ).
وعن الحسن أنه قال في قوله تعالى :]إلا ما ظهر منها[ : الوجه وما ظهر من الثياب.
فإن ثبت ما ذكرنا من المروي عن رسول الله ﷺ حين(٢٢) رخص النظر إلى الوجه والكف لقوله : " إلا الوجه والكف " استثناء الوجه والكف من بين سائر الجوارح، كان ذلك تفسيرا لقوله " إلا ما ظهر منها " كأنه قال ]ولا يبدين زينتهن [ للأجنبيين ]إلا ما ظهر منها[ وهو الكحل والخاتم.
ثم الكحل ( يكون )(٢٣) في الوجه، والخاتم في اليد. فذكر الزينة يكون كناية عن مواضعها لأن النظر إلى الزينة ( حلال لكل أحد إذا كان المراد بالزينة )(٢٤) الحلي. وما ذكره القوم يدل أن المراد بذكر الزينة مواضع الزينة لا نفس الزينة والحلي.
ثم رخص للأجنبيين النظر إلى بعض الزينة، وهو ما ظهر منها من الوجه والكف، ولم يرخص ما خفي منها وما بطن، ثم استثنى المحارم منها ( ورخص لهم النظر )(٢٥) إلى ذلك بقوله ]ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن[ إلى آخر ما ذكر.
ثم مواضع الزينة الخفية، منها الصدر، ومنها الأذنان، وهما في الرأس، ومنها الساق.
ثم جمع بين الأب ومن سمى معه وبين الزوج في النظر إلى زينة المرأة. ولا خلاف في أن الأب، لا يجوز أن ينظر من عورات ابنته إلا إلى رأسها، وفي الرأس الأذنان، وقد يكون فيهما القرطان(٢٦)، ونحوه.
وإذا جاز له أن ينظر إلى رأسها، ولا خمار عليها، فله أن ينظر على صدرها، وهو موضع الزينة، لأنه مما يغطيه الخمار، وينظر إلى ذراعها وموضع الخلخال من قدميها ورجليها، وهي(٢٧) مواضع الزينة الباطنة التي لا يجوز للأجنبي أن ينظر إليها.
ثم النظر إلى الوجه أحق أن يحرم النظر إليه للأجنبي من الرأس وغيره من مواضع الزينة لأن الوجه يجمع فيه جميع المحاسن، وغيره من مواضع الزينة، ليس فيها محاسن. لكن إنما حرم النظر إلى هذه المواضع لأنها عورة في نفسها، فالنظر إلى العورة حرام للأجنبي، ولأن النظر إليها ؛ أعني مواضع الزينة، لا يكون إلا للشهوة، والنظر إلى الشهوة حرام(٢٨).
فأما المحارم منها فإنهم لا ينظرون إلى هذه المواضع منها لشهوة، ولا يقصدون به ذلك البتة، فأبيح لهم النظر إليها. وكل من يخشى من المحارم النظر إليها لشهوة لا ينظر إليها، وكذلك الأجنبي ( حين أبيح له )(٢٩) النظر إلى الزينة الظاهرة، فإن خشي به الشهوة لم ينظر إليها وضرورة(٣٠) ثم غيرها من العجزة، لا يحل لأحد النظر إليها : للأب وغيره إلا للزوج خاصة أو للمولى إلى مملوكته، وهو ما قال :]والذين هم لفروجهم حافظون[ ( إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين[ ( المؤمنون : ٥ و٦ ).
استثنى الأزواج والموالي من بين غيرهم لأن النظر إلى ذلك لا يكون إلا للشهوة، لا تقع فيه حاجة، فلا يباح ذلك إلا لمن له قضاء الشهوة والوطء، وهو الزوج والمولى.
فانقسمت العورة إلى جهتين : جهة تحل للمحارم النظر إليها لحاجة وضرورة، تقع لهم، وجهة لا تحل لهم إلا للأزواج لما لا تقع لهم حاجة ولا ضرورة بالنظر إلى ذلك.
ألا ترى أن الأمة ينظر ( الأجنبي(٣١) ) إلى شعرها وذراعيها وساقيها وصدرها إذا أراد شراءها ؟ فلا ينظر إلى ما سوى ذلك. فإذا جاز للأجنبي أن ينظر إليه من الأمة جاز لمحرمها النظر إلى ذلك من المرأة للحاجة التي ذكرنا.
ثم ذكر في الآية المحارم جميعا إلا الأعمام والأخوال. قال بعضهم : إنما لم يذكرهم(٣٢) في هذه الآية لأنها تحل لبنيهم(٣٣) بالنكاح، فكره أن ( يصفوها لبنيهم )(٣٤) ولهذا كره ( في ما كره من المرأة )(٣٥) المسلمة إبداء الزينة الخفية للكافرة من اليهودية والنصرانية لما لعلها تصف ذلك للمشركين، فيرغبون فيها، ويتكلفون ذلك، وصرف قوله :]أو نسائهن[ إلى(٣٦) المسلمات.
لكن جائز عندنا أن العم والخال إنما لم يذكرهما للكثرة والتطويل لما يكره ذلك، أو لما ذكر من أجناسهم وأمثالهم فذكر الرخصة في أمثالهم كافية.
وقوله تعالى ]أو نسائهن[ يحتمل وجوها : يحتمل النساء ( اللواتي )(٣٧) يختلطن بهن أو نساء قرابتهن أو النساء اللاتي(٣٨) توافقن في دينهن وهن المسلمات على ما قاله أولئك.
وقوله تعالى ]أو ما ملكت أيمانهن[ قال قائلون ]أو ما ملكت أيمانهن[ كقوله :]إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم[ ( المؤمنون : ٦ ) ونحوه.
وقال قائلون : الإماء ( والعبيد جميعا. فإن كان المراد به الإماء )(٣٩) فهو ظاهر، وإن كان المراد به الأمة والعبد ففيه إباحة نظر العبد إلى شعر مولاته على ما يقول بعض الناس.
والأشبه أن يكون المراد به، والله أعلم الإماء دون العبيد ( وهو )(٤٠) ما ذكرنا في آخر الآية :]أو التابعين غير أولي الإربة من الرجال[ العبيد(٤١) من الرجال. أو ذكر التابعين(٤٢) ؛ والتابع، وإن كان خصيا أو غنيا أو معتوها على ما قالوا فإنه لا يحل لهؤلاء النظر إلى تلك المواضع على حال. فعلى ذلك العبد.
فيكون الدخول عليهن مضمرا(٤٣) في الآية، وتكون(٤٤) النساء متأهبات وقت دخول العبيد والتابعين عليهن، لأنه ذكر التابعين، وهم تابعوا الأزواج، ووقت دخول هؤلاء يكون معلوما عندهن، فيتأهبن لهم، وتسرن، والله أعلم بذلك.
ألا ترى ( أنه )(٤٥) لا يحل للمرأة أن تسافر بعبدها ؟ دل أنه ليس بمحرم لها. لذلك لم يحل له النظر إلى شعر مولاته.
فإن قيل : ما معنى : إمائهن ونسائهن ؟ وكل النساء يجوز لهن النظر إلى المرأة وإلى هذه المواضع التي ذكرنا ؟ قيل : خص الله عز وجل بالذكر إماءهن ونساءهن دون النساء الأجنبيات تأديبا لا خطرا. وذلك أن المرأة قد يضيق عليها أن تستتر من أمتها ونساء أهل بيتها لكثرة رويتهن لها، وقد تقدر أن تستر من الأجنبية محاسنها وزينتها لقلة رؤيتها لها.
ألا ترى أنه قد نهى الله المرأة أن تضر
١ في الأصل وم: هذه..
٢ ساقطة من الأصل وم..
٣ ساقطة من الأصل وم..
٤ ساقطة من الأصل وم..
٥ في م: الزانية، ساقطة من الأصل..
٦ في الأصل وم: فأما الزينة الظاهرة فالثياب، والباطنة فالإكليل والسوار والخاتم..
٧ في الأصل وم: حيث خص من الثياب وغيره..
٨ في الأصل وم : إذ..
٩ في الأصل وم: يؤذ به..
١٠ ساقطة من الأصل وم..
١١ من م، في الأصل: لرسول..
١٢ أدرج بعدها في الأصل وم: إليها للخطبة..
١٣ من م في الأصل: أن..
١٤ في الأصل وم: يكون..
١٥ ساقطة من الأصل وم..
١٦ ساقطة من الأصل وم..
١٧ في الأصل وم: أعميين دخلا، انظر الإصابة ج٤/١١..
١٨ في الأصل وم: أنهما عميان يا رسول الله..
١٩ في الأصل وم: هما وإن كان أعميين فأنتما لستما بأعميين أو كلام..
٢٠ ساقطة من الأصل وم..
٢١ ساقطة من الأصل وم..
٢٢ في الأصل وم: حيث..
٢٣ من م، ساقطة من الأصل..
٢٤ من م، ساقطة من الأصل..
٢٥ في الأصل وم: ورخصهم نظرا..
٢٦ في الأصل وم القرط..
٢٧ في الأصل وم وهو.
.
٢٨ أدرج بعدها في الأصل وم إليها..
٢٩ في الأصل وم حيث أبيح..
٣٠ ساقطة من م..
٣١ ساقطة من الأصل وم.
٣٢ في الأصل وم: يذكر..
٣٣ في الأصل وم: لبنيها..
٣٤ في الأصل وم : يصفاها لبنيهما..
٣٥ من كره للمرأة..
٣٦ ساقطة من الأصل وم: أي..
٣٧ ساقطة من الأصل وم..
٣٨ في الأصل وم التي..
٣٩ من م، ساقطة من الأصل..
٤٠ ساقطة من الأصل وم..
٤١ في الأصل وم: والعبد..
٤٢ في الأصل وم: التابع..
٤٣ في الأصل وم: مضمر..
٤٤ في الأصل وم: وكن..
٤٥ ساقطة من الأصل وم..
٢ ساقطة من الأصل وم..
٣ ساقطة من الأصل وم..
٤ ساقطة من الأصل وم..
٥ في م: الزانية، ساقطة من الأصل..
٦ في الأصل وم: فأما الزينة الظاهرة فالثياب، والباطنة فالإكليل والسوار والخاتم..
٧ في الأصل وم: حيث خص من الثياب وغيره..
٨ في الأصل وم : إذ..
٩ في الأصل وم: يؤذ به..
١٠ ساقطة من الأصل وم..
١١ من م، في الأصل: لرسول..
١٢ أدرج بعدها في الأصل وم: إليها للخطبة..
١٣ من م في الأصل: أن..
١٤ في الأصل وم: يكون..
١٥ ساقطة من الأصل وم..
١٦ ساقطة من الأصل وم..
١٧ في الأصل وم: أعميين دخلا، انظر الإصابة ج٤/١١..
١٨ في الأصل وم: أنهما عميان يا رسول الله..
١٩ في الأصل وم: هما وإن كان أعميين فأنتما لستما بأعميين أو كلام..
٢٠ ساقطة من الأصل وم..
٢١ ساقطة من الأصل وم..
٢٢ في الأصل وم: حيث..
٢٣ من م، ساقطة من الأصل..
٢٤ من م، ساقطة من الأصل..
٢٥ في الأصل وم: ورخصهم نظرا..
٢٦ في الأصل وم القرط..
٢٧ في الأصل وم وهو.
.
٢٨ أدرج بعدها في الأصل وم إليها..
٢٩ في الأصل وم حيث أبيح..
٣٠ ساقطة من م..
٣١ ساقطة من الأصل وم.
٣٢ في الأصل وم: يذكر..
٣٣ في الأصل وم: لبنيها..
٣٤ في الأصل وم : يصفاها لبنيهما..
٣٥ من كره للمرأة..
٣٦ ساقطة من الأصل وم: أي..
٣٧ ساقطة من الأصل وم..
٣٨ في الأصل وم التي..
٣٩ من م، ساقطة من الأصل..
٤٠ ساقطة من الأصل وم..
٤١ في الأصل وم: والعبد..
٤٢ في الأصل وم: التابع..
٤٣ في الأصل وم: مضمر..
٤٤ في الأصل وم: وكن..
٤٥ ساقطة من الأصل وم..