التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي

عن الكتاب
ثم عادت السورة الكريمة إلى استكمال الحديث عن المنافقين، فقال - تعالى - ﴿وَأَقْسَمُواْ بالله جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ﴾.
والجهد : الوسع والطاقة، من جهد نفسه يجهدها - بفتح الهاء فيهما - إذا اجتهد فى الشىء، وبذل فيه أقصى وسعه.
أى : وأقسم هؤلاء المنافقون بالأيمان الموثقة بأشد وسائل التوثيق، بأنهم متى أمرهم الرسول ﷺ بالخروج معه للجهاد ليخرجن سراعا تلبية لأمره.
وهنا يأمر الله - تعالى - نبيه ﷺ أن يرد عليهم ردا كله تهكم وسخرية بهم، بسبب كذبهم فيقول :﴿قُل لاَّ تُقْسِمُواْ طَاعَةٌ مَّعْرُوفَةٌ﴾.
أى : قل لهم - أيها الرسول الكريم - على سبيل السخرية والزجر، لا تقسموا على ما تقولون، فإن طاعتكم معروف أمرها، ومفروغ منها، فهى طاعة باللسان فقط. أما الفعل فيكذبها.
وذلك كما تقول لمن اشتهر بالكذب : لا تحلف لى على صدقك، فأمرك معروف لا يحتاج إلى قسم أو دليل.
ثم عقب - سبحانه - على هذه السخرية منهم بقوله :﴿إِنَّ الله خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ أى : إن الله - تعالى - مطلع اطلاعا تاما على ظواهركم وبواطنكم فلا يحتاج منكم إلى قسم أو توكيد لأقوالكم، وقد علم - سبحانه - أنكم كاذبون فى حلفكم.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى