الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي
عن الكتاب
قوله تعالى :﴿سَوَآءٌ مِّنْكُمْ مَّنْ أَسَرَّ﴾ : في " سواءٌ " وجهان، أحدُهما : أنه خبرٌ مقدَّمٌ، و ﴿مَّنْ أَسَرَّ﴾ و ﴿وَمَنْ جَهَرَ﴾ هو المبتدأ، وإنما بم يُثَنَّ الخبر لأنه في الأصل مصدرٌ، وهو هنا بمعنى مُسْتَوٍ، وقد تقدَّم الكلامُ فيه أوَّلَ هذا الموضوعِ، و " منكم " على هذا حالٌ من الضمير المستتر في " سواءٌ " لأنه بمعنى " مُسْتَوٍ ". قال أبو البقاء :" ويَضْعُفُ أن يكونَ حالاً من الضمير في " أَسَرَّ " أو " جَهَرَ " لوجهين، أحدُهما : تقديمُ ما في الصلةِ على الموصولِ أو الصفة على الموصوف، والثاني : تقديمُ الخبرِ على " منكم "، وحقُّه أن يقعَ بعده ". قلت :[ قوله ] " وحقُّه أن يقع بعده " يعني بعده وبعد المبتدأ، وإلا يَصِرْ/ كلامُه لا معنى له.
والثاني : أنه مبتدأ، وجاز الابتداءُ به لوصفِه بقوله " مِنْكم " وأَعْرَبَ سيبويه " سواءٌ عليه الخيرُ والشرُّ " كذلك. وقولُ ابن عطية أن سيبويه ضَعَّفَ ذلك بأنه ابتداءٌ بنكرة، غَلَطٌ عليه.
قوله :﴿وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ﴾ فيه ثلاثةُ أوجهٍ، أحدُها : أن يكونَ معطوفاً على " مُسْتَخْفٍ "، ويُرادُ ب " مَنْ " حينئذٍ اثنان، وحَمَلَ المبتدأَ الذي هو لفطةُ " هو " على لفظِها فأفرده، والخبرَ على معناها فثَنَّاه. الوجه الثاني : أن يكونَ عطفاً على " ﴿مَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ﴾ لا على مُسْتَخْفٍ وحدَه. ويُرَجِّح هذين الوجهين ما قاله الزمخشري. قال رحمه الله :" فإنْ قلت : كان حقُّ العبارة أن يُقال :" ومَنْ هو مُسْتَخْفٍ بالليل ومَنْ هو ساربٌ بالنهار ؛ حتى يتناولَ معنى الاستواء المستخفي والساربُ، وإلاَّ فقد تناول واحداً هو مُسْتَخْفٍ وساربٌ. قلت : فيه وجهان، أحدٌهما : أنَّ قولَه " وساربٌ " عطفٌ على ﴿مَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ﴾ لا على " مُسْتَخْفٍ ". والثاني : أنه عَطْفٌ على " مُسْتَخْفٍ "، إلا أنَّ " مَنْ " في معنى الاثنين، كقوله :
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . *** نَكُنْ مثلَ مَنْ يا ذئبُ يَصْطَحِبانِ
كأنه قيل : سواءٌ منكم اثنان :﴿مُسْتَخْفٍ بِالْلَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَار﴾. قلت : وفي عبارتِه بقوله " كان حقُّ العبارةِ كذا " سوءُ أدب. وقوله : كقولِه " نَكُنْ مثلَ مَنْ " يشير إلى البيت المشهور في قصة بعضِهم مع ذئبٍ يخاطبه :
وليس في البيت حَمْلٌ على اللفظِ والمعنى، إنما فيه حَمْلٌ على المعنى فقط، وهو مقصودُه. وقوله :" وإلا فقد تناول واحداً هو مُسْتَخْفٍ وسارِبٌ " لو قال بهذا قائلٌ لأصاب الصوابَ، وهو مذهبُ ابنِ عباس ومجاهدٍ، ذهبا إلى أن المتسخفي والسارب شخصٌ واحد، يَسْتخفي بالليل ويَسْرُب بالنهار ليرى تصرُّفَه في الناسِ.
الثالث : أن يكونَ على حذف " مَنْ " الموصولة، أي : ومَنْ هو سارِبٌ، وهذا إنما يَتَمَشَّى عند الكوفيين، فإنهم يُجيزون حَذْفَ الموصول، وقد تقدَّم استدلالُهم ذلك.
والسَّارِب : اسمُ فاعلٍ مِنْ سَرَبَ يَسْرُبُ، أي : تَصَرَّف كيف شاء. قال :
وقال آخر :
أي : متصرِّفٌ كيف تَوَجَّه، لا يدفعه أحدٌ عن مَرْعى، يَصِفُ قومه بالمَنَعَة والقوة.
والثاني : أنه مبتدأ، وجاز الابتداءُ به لوصفِه بقوله " مِنْكم " وأَعْرَبَ سيبويه " سواءٌ عليه الخيرُ والشرُّ " كذلك. وقولُ ابن عطية أن سيبويه ضَعَّفَ ذلك بأنه ابتداءٌ بنكرة، غَلَطٌ عليه.
قوله :﴿وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ﴾ فيه ثلاثةُ أوجهٍ، أحدُها : أن يكونَ معطوفاً على " مُسْتَخْفٍ "، ويُرادُ ب " مَنْ " حينئذٍ اثنان، وحَمَلَ المبتدأَ الذي هو لفطةُ " هو " على لفظِها فأفرده، والخبرَ على معناها فثَنَّاه. الوجه الثاني : أن يكونَ عطفاً على " ﴿مَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ﴾ لا على مُسْتَخْفٍ وحدَه. ويُرَجِّح هذين الوجهين ما قاله الزمخشري. قال رحمه الله :" فإنْ قلت : كان حقُّ العبارة أن يُقال :" ومَنْ هو مُسْتَخْفٍ بالليل ومَنْ هو ساربٌ بالنهار ؛ حتى يتناولَ معنى الاستواء المستخفي والساربُ، وإلاَّ فقد تناول واحداً هو مُسْتَخْفٍ وساربٌ. قلت : فيه وجهان، أحدٌهما : أنَّ قولَه " وساربٌ " عطفٌ على ﴿مَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ﴾ لا على " مُسْتَخْفٍ ". والثاني : أنه عَطْفٌ على " مُسْتَخْفٍ "، إلا أنَّ " مَنْ " في معنى الاثنين، كقوله :
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . *** نَكُنْ مثلَ مَنْ يا ذئبُ يَصْطَحِبانِ
كأنه قيل : سواءٌ منكم اثنان :﴿مُسْتَخْفٍ بِالْلَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَار﴾. قلت : وفي عبارتِه بقوله " كان حقُّ العبارةِ كذا " سوءُ أدب. وقوله : كقولِه " نَكُنْ مثلَ مَنْ " يشير إلى البيت المشهور في قصة بعضِهم مع ذئبٍ يخاطبه :
| تَعَشَّ فإنْ عاهَدْتَني ولا تَخُونُني | نَكُنْ مِثْل مَنْ يا ذئبُ يَصْطَحِبان |
الثالث : أن يكونَ على حذف " مَنْ " الموصولة، أي : ومَنْ هو سارِبٌ، وهذا إنما يَتَمَشَّى عند الكوفيين، فإنهم يُجيزون حَذْفَ الموصول، وقد تقدَّم استدلالُهم ذلك.
والسَّارِب : اسمُ فاعلٍ مِنْ سَرَبَ يَسْرُبُ، أي : تَصَرَّف كيف شاء. قال :
| أنَّى سَرَبْتِ وكنتِ غيرَ سَرُوْبِ | وتُقَرِّبُ الأحلامُ غيرَ قريبِ |
| وكلُّ أُناسٍ قاربوا قَيْدَ فَحْلِهِمْ | ونحنُ خَلَعْنَا قَيْدَهُ فهو سارِبُ |