جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
القول في تأويل قوله تعالى :﴿سَوَآءٌ مّنْكُمْ مّنْ أَسَرّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِالْلّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنّهَارِ﴾.
يقول تعالى ذكره : معتدلٌ عند الله منكم أيها الناس الذي أسر القول، والذي جهر به، والذي هُوَ مُسْتَخْفٍ باللّيْلِ في ظلمته بمعصية الله وَسارِبٌ بالنهارِ يقول : وظاهر بالنهار في ضوئه، لا يخفى عليه شيء من ذلك، سواء عنده سرّ خلقه وعلانيتهم، لأنه لا يستسرّ عنده شيء ولا يخفى يقال منه : سَرَب يَسْرُبُ سُروبا إذا ظهر، كما قال قيس بن الخطيم :
| أنّى سَرَبْتِ وكنتِ غيرَ سَرُوبِ | وتَقُرّبُ الأحلام غيرُ قَرِيبِ |
واختلف أهل العلم بكلام العرب في السرب، فقال بعضهم : هو آمن في سَربه، بفتح السين، وقال بعضهم : هو آمن في سِربه بكسر السين.
وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله : سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أسَر القَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ باللّيْلِ وَسارِبٌ بالنّهارِ يقول : هو صاحب رِيبة مستخف بالليل، وإذا خرج بالنهار أرى الناس أنه بريء من الإثم.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، قال : قال ابن عباس : وَسارِبٌ بالنّهارِ : ظاهر.
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا ابن أبي عديّ، عن عوف، عن أب رجاء، في قوله : سَوَاءٌ مِنكُمْ مَنْ أسَرّ القَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ باللّيْلِ وَسارِبٌ بالنّهارِ قال : إن الله أعلم بهم، سواء من أسرّ القول ومن جهر به، ومن هو مستخف بالليل وسارب بالنهار.
حدثنا الحسن بن محمد، قال : حدثنا عليّ بن عاصم، عن عوف، عن أبي رجاء : سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أسَرّ القَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ باللّيْلِ وَسارِبٌ بالنّهارِ قال : من هو مستخف في بيته، وساربٌ بالنهار : ذاهب على وجهه علمُه فيهم واحد.
حدثني المثنى، قال : حدثنا أبو حذيفة، قال : حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد : سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أسَرّ القَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ يقول : السرّ والجهر عنده سواء. وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ باللّيْلِ وَسارِبٌ بالنّهارِ أما المستخفي ففي بيته، وأما السارب : الخارج بالنهار حيثما كان المستخفي غيبه الذي يغيب فيه والخارج عنده سواء.
قال : حدثنا الحِمّانِيّ، قال : حدثنا شريك، عن خَصِيف، في قوله : مُسْتَخْفٍ باللّيْلِ قال : راكب رأسه في المعاصي. وَسارِبٌ بالنّهارِ قال : ظاهر بالنهار.
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله : سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أسَرّ القَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ كلّ ذلك عنده تبارك وتعالى سواء السرّ عنده علانية. قوله : وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ باللّيْلِ وَسارِبٌ بالنّهارِ : أي في ظلمه الليل، وسارب : أي ظاهر بالنهار.
حدثنا أحمد بن إسحاق، قال : حدثنا أبو أحمد، قال : حدثنا شريك، عن خَصِيف، عن مجاهد وعكرمة : وَسارِبٌ بالنّهارِ قال : ظاهر بالنهار.
و«من » في قوله : مَنْ أسَرّ القَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ باللّيلِ رفع الأولى منهنّ بقوله سواء، والثانية معطوفة على الأولى والثالثة على الثانية.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ (٩)﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: والله عالم ما غاب عنكم وعن أبصاركم فلم تروه، وما شاهدتموه، فعاينتم بأبصاركم، لا يخفى عليه شيء، لأنهم خلقه (١) وتدبيره="الكبير الذي كل شيء دونه"، (٢) ="المتعال" المستعلي على كل شيء بقدرته.
= وهو"المتفاعل" من"العلو" مثل"المتقارب" من القرب و"المتداني" من الدنوّ. (٣)
* * *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ (١٠)﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: معتدلٌ عند الله منكم، (٤) أيها الناس، الذي أسر القول، (٥) والذي جهر به، (٦) والذي هو مستخفٍ بالليل في ظلمته بمعصية الله="وسارب بالنهار"، يقول: وظاهر بالنهار في ضوئه، لا يخفى عليه شيء من ذلك. سواء عنده سِرُّ خلقه وعلانيتهم، لأنه لا يستسرّ عنده شيء ولا يخفى.
* * *
(٢) انظر تفسير" الكبير" فيما سلف ٨: ٣١٨.
(٣) وانظر تفسير" التعالي" فيما سلف ١٥: ٤٧، تعليق: ١، والمراجع هناك.
(٤) انظر تفسير" سواء" فيما سلف من فهارس اللغة (سوى).
(٥) انظر تفسير" الإسرار" فيما سلف ص: ١٩٨، تعليق: ١، والمراجع هناك.
(٦) انظر تفسير" الجهر" فيما سلف ٩: ٣٤٣ - ٣٤٩، ٣٥٨ /١١: ٣٦٨ / ١٣: ٣٥٣، تعليق: ٤، والمراجع هناك.
| أَنَّى سَرَيْتِ وَكُنْتِ غَيْرَ سَرُوبِ | وَتُقَرِّبُ الأحْلامُ غَيْر قَرِيب (١) |
وكان بعضهم يقول: هو السَّالك في سَرْبه: أي في مذهبه ومكانه. (٣)
واختلف أهل العلم بكلام العرب في"السّرب".
فقال بعضهم:"هو آمن في سَرْبه"، بفتح السين.
وقال بعضهم:"هو آمن في سِرْبه" بكسر السين.
* * *
وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
*ذكر من قال ذلك:
٢٠٢٠٢- حدثني محمد بن سعد قال: حدثني أبي قال: حدثني عمي قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: (سواء منكم من أسرّ القول ومن جهر به ومن هو مستخفٍ بالليل وسارب بالنهار)، يقول: هو صاحبُ ريبة مستخف بالليل. وإذا خرج بالنهار أرَى الناس أنه بريء من الإثم.
٢٠٢٠٣- حدثنا القاسم قال: حدثنا الحسين قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج قال: قال ابن عباس: (وسارب بالنهار)، ظاهر.
٢٠٢٠٤- حدثنا ابن بشار قال: حدثنا ابن أبي عدي، عن عوف، عن أبي رجاء، في قوله: (سواء منكم من أسرّ القول ومن جهر به ومن هو مستخفٍ
(٢) الزيادة بين القوسين لا بد منها لتصحيح معنى الكلام.
(٣) أرجح أنه يعني أبا عبيدة في مجاز القرآن ١: ٣٢٣، ولكن لفظه:" سالك في سربه، أي مذاهبه ووجوهه"، وهو أجود مما في التفسير، وأخشى أن يكون من تحريف الناسخ أو سهوه.
٢٠٢٠٥- حدثنا الحسن بن محمد قال: حدثنا علي بن عاصم، عن عوف، عن أبي رجاء: (سواء منكم من أسرّ القول ومن جهر به ومن هو مستخف بالليل وسارب بالنهار) قال: من هو مستخف في بيته= (وسارب بالنهار)، ذاهب على وجهه. علمه فيهم واحدٌ.
٢٠٢٠٦- حدثني المثنى قال: حدثنا أبو حذيفة قال: حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: (سواء منكم من أسرّ القول ومن جهر به)، يقول: السر والجهر عنده سواء= (ومن هو مستخف بالليل وسارب بالنهار) أما"المستخفي" ففي بيته، وأما"السارب": الخارج بالنهار حيثما كان. المستخفي غَيْبَه الذي يغيب فيه والخارجُ، عنده سواء.
٢٠٢٠٧-... قال: حدثنا الحماني قال: حدثنا شريك، عن خصيف، في قوله: (مستخف بالليل) قال: راكب رأسه في المعاصي= (وسارب بالنهار) قال: ظاهر بالنهار.
٢٠٢٠٨- حدثنا بشر قال: حدثنا يزيد قال: حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: (سواء منكم من أسر القول ومن جهر به) كل ذلك عنده تبارك وتعالى سواء، السر عنده علانية= قوله: (ومن هو مستخف بالليل وسارب بالنهار)، أي: في ظلمه الليل، و"سارب": أي: ظاهر بالنهار.
٢٠٢٠٩- حدثنا أحمد بن إسحاق قال: حدثنا أبو أحمد قال: حدثنا شريك، عن خصيف، عن مجاهد وعكرمة: (وسارب بالنهار) قال: ظاهر بالنهار.
* * *
و"مَنْ" في قوله: (من أسرّ القول ومَنْ جهر به ومَنْ هو مستخف بالليل) رفع الأولى منهن بقوله:"سواء". والثانية معطوفة على الأولى، والثالثة على الثانية.
* * *