التفسير البسيط — الواحدي

عن الكتاب
وقال أبو إسحاق: تدنو منهم حتى يتناولوه بأفواههم أو بأيديهم (١).
قوله تعالى: ﴿فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ﴾، قال مقاتل: يعني في الجنتين اللتين ذكرتا بعد في قوله ﴿وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ﴾ قال: وهي جنة عدن، وجنة النعيم، وجنة الفردوس، وجنة المأوى (٢) فقال أبو إسحاق: قوله (فيهن) وإنما ذكر جنتين يعني في هاتين الجنتين، وما أعد لصاحب هذه القصة غير هاتين الجنتين (٣).
وقال غيره من أهل المعاني (٤): الضمير يعود على الفرش وهي أولى بالعود عليها من الجنان لتقدم ذكرها، قال: ويجوز أن يرجع إلى الجنان لأنها معلومة فصارت كأنها قد ذكرت.
٥٦ - وقوله ﴿قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ﴾ أي حور ونساء قاصرات الطرف، وقد تقدم تفسيرها عند قوله ﴿وَعِندَهُم قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ﴾ (٥).
قال ابن عباس: قصرت طرفها على زوجها فلا ترى أن خلقًا أكرم على الله منه ولا أجمل ولا أحسن (٦)، وقال ابن زيد: إنها لتقول لزوجها: وعزة ربي ما أرى في الجنة شيئًا أحسن منك فالحمد لله الذي جعلني زوجك
(١) انظر: "معاني القرآن" ٥/ ١٠٤.
(٢) انظر: "تفسر مقاتل" ١٣٦ ب.
(٣) انظر: "معاني القرآن" ٥/ ١٠٣، و"الجامع لأحكام القرآن" ١٧/ ١٨.
(٤) قال الزمخشري: ﴿فِيهِنَّ﴾ في هذه الآلاء المعهودة من الجنين والعينين والفاكهة والفرش والجني، أو في الجنتين لاشتمالهما على أماكن وقصور ومجالس. "الكشاف" ٤/ ٥٤.
(٥) انظر: "جامع البيان" ٢٧/ ٨٧، و"الكشف والبيان" ١٢/ ٤٤ ب، و"البغوي" ٤/ ٢٧٥.
(٦) انظر: "مجاز القرآن" ٢/ ٢٤٧.
وجعلك زوجي.
قوله تعالى: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ﴾ قال أبو عبيدة: لم يمسهن، يقال: ما طمث هذا البعير حبل قط أي ما مسه.
ونحو ذلك أخبرني العروضي (١) عن الأزهري قال: أخبرني المنذري، عن ابن فهم، عن محمد بن سلام، أنه سأل يونس عن قوله: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ﴾ فقال: تقول العرب هذا جمل ما طمثه حبل قط أي لم يمسه (٢).
وروى سلمة عن الفراء قال: الطمث الافتضاض، وهو النكاح بالتدمية، والطمث هو الدم، وفيه لغتان: طَمَثَ يَطْمُثُ ويَطْمِثُ (٣). وقال الليث: طمثت الجارية إذا افترعتها، والطامث في اللغة هي الحائض، قال أبو الهيثم: يقال للمرأة طمثت تطمث أي أدميت بالافتضاض، وطَمَثَتْ على فعلت تطمث، إذا حاضت أول ما تحيض وهي طامث، وقال في قول الفرزدق (٤):
خرجن إليّ لم يطمثن قبليوهن أصحُّ من بيض النعامِ
أي: لم يمسسن (٥).
قال المفسرون: لم يطأهن ولم يغشهن ولم يجامعهن، هذه ألفاظهم (٦)، وهم مختلفون في هؤلاء فبعضهم يقول: هن اللواتي أنشئن في الجنة من
(١) هو أحمد بن محمد بن عبد الله العروضي الصفار، تقدمت ترجمته.
(٢) انظر: "اللسان" ٢/ ٦١٢ (طمث) ذكر المعنى ولم يورد الرواية، ولم أقف عيها في "تهذيب اللغة".
(٣) انظر: "معاني القرآن" ٣/ ١١٩، و"اللسان" ٢/ ٦١٢ (طمث).
(٤) انظر: "ديوان الفرزدق".
(٥) انظر: "اللسان" ٢/ ٦١٢ (طمث).
(٦) وهو قول علي بن أبي طالب وابن عباس وعكرمة وابن زيد والكلبي وغيرهم. =
حورها وبعضهم يقول يعني نساء الدنيا أنشئن خلقًا آخر أبكارًا كما وصفن.
قال الشعبي: نساء من نساء الدنيا لم يمسسن منذ أنشئن خلقًا (١).
وقال مقاتل: لأنهن خلقن في الجنة (٢).
وقال عطاء عن ابن عباس: هن الآدميات اللاتي متن أبكارًا (٣).
وقال الكلبي: لم يجامعهن في هذا الخلق الذي أنشئن فيه إنس ولا جان (٤).
قال أبو إسحاق: وفي هذه الآية دليل أن الجني يغشى كما أن الإنسي يغشى (٥)، وهذا مذهب ضمرة بن حبيب (٦) سئل: هل للجن من ثواب؟ فقال: نعم، وقرأ هذه الآية. ثم قال: الإنسيات للإنس، والجنيات للجن (٧).
وقال مجاهد في هذه الآية: إذا جامع الرجل ولم يسم انطوى الجان
= انظر: "جامع البيان" ٢٧/ ٨٧، و"الكشف والبيان" ١٢/ ٤٤ ب، و"معالم التنزيل" ٤/ ٢٧٥، و"زاد المسير" ٨/ ١٢٢.
(١) أخرجه سعيد بن منصور وابن المنذر.
انظر: "الدر" ٦/ ١٤٨، و"معالم التنزيل" ٤/ ٢٧٥.
(٢) قاله مقاتل ومجاهد. انظر: "تفسير مقاتل" ١٣٦ ب، و"الجامع لأحكام القرآن" ١٧/ ١٨١.
(٣) لم أقف عليه.
(٤) انظر: "الوسيط" ٤/ ٢٢٧، و"معالم التنزيل" ٤/ ٢٧٥، و"روح المعاني" ٢٧/ ١١٩.
(٥) انظر: "معاني القرآن" ٥/ ١٠٣.
(٦) هو ضمرة بن حبيب بن صهيب الزُبيدي، أبو عتبة الحمصي، ثقة، مات سنة ثلاثين ومائة، أخرج له الجماعة. انظر: "طبقات ابن سعد" ٧/ ٤٦٤، و"تقريب التهذيب" ١/ ٣٧٤، و"تهذيب التهذيب" ٤/ ٤٥٩.
(٧) انظر: "جامع البيان" ٢٧/ ٨٨، و"الكشف والبيان" ١٢/ ٤٥ أ، و"تفسير القرآن العظيم" ٤/ ٢٧٨، و"الدر" ٦/ ١٤٨.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى