جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
واختلفت القرّاء في قراءة قوله (اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبَائِكُمُ الأوَّلِينَ) فقرأته عامة قراء مكة والمدينة والبصرة وبعض قراء الكوفة: (الله رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الأوَّلِينَ) رفعا على الاستئناف، وأن الخبر قد تناهى عند قوله (أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ) وقرأ ذلك عامة قرّاء الكوفة: (اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبَائِكُمُ الأوَّلِينَ) نصبا، على الردّ على قوله (وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ) على أن ذلك كله كلام واحد.
والصواب من القول في ذلك عندنا أنهما قراءتان متقاربتا المعنى، مع استفاضة القراءة بهما في القرّاء، فبأي ذلك قرأ القارئ فمصيب. وتأويل الكلام: ذلك معبودكم أيها الناس الذي يستحق عليكم العبادة: ربكم الذي خلقكم، وربّ آبائكم الماضين قبلكم، لا الصنم الذي لا يخلق شيئا، ولا يضرّ ولا ينفع.
وقوله (فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ) يقول: فكَذّب إلياس قَومُهُ، فإنهم لمحضرون: يقول: فإنهم لمحضرون في عذاب الله فيشهدونه.
كما حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة (فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ) في عذاب الله. (إِلا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ) يقول: فإنهم يحضرون في عذاب الله، إلا عباد الله الذين أخلصهم من العذاب (وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخِرِينَ) يقول: وأبقينا عليه الثناء الحسن في الآخرين من الأمم بعده.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿سَلامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ (١٣٠) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٣١) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (١٣٢)﴾
يقول تعالى ذكره: أمنة من الله لآل ياسين.
| يَقُولُ رَبُّ السُّوقِ لَمَّا جِيْنا | هَذَا وَرَبّ البَيْتِ إسْرَائِينا (١) |
فجعل عبد الله بن الزبير أبا خبيب" مصغرا" ومن كان على رأيه عددا ولم يضفهما بالياء" أي لم ينسبهم إليه بياء النسب" فيقول خبيبيون وقال أبو عمر وبن العلاء: نادى مناد يوم الكلاب فقال: هلك اليزيدون. يعني يزيد بن عبد المدان، ويزيد بن هوبر، ويزيد بن مخرمة الحارثيون.
ويقال: جاءك الحارثون والأشعرون.
أنا ابْنُ سَعْدٍ سَيِّدِ السَّعْدِينَا (١)
قال: وهو في الاثنين أن يضمّ أحدهما إلى صاحبه إذا كان أشهر منه اسما كقول الشاعر:
| جَزَانِي الزَّهْدَمَانِ جَزاءَ سَوْءٍ | وكُنتُ المَرْءَ يُجْزَى بالكَرَامَةْ (٢) |
(٢) هذا الشاهد الثالث على قراءة قوله تعالى" سلام على إلياسين". نقله الفراء وأبو عبيدة في كتابيهما. قال الفراء بعد كلامه السابق: وهو في الاثنين أكثر أن يضم أحدهما إلى صاحبه، إذا كان أشهر منه اسما، كقول الشاعر:" جزاني الزهدمان... البيت". واسم أحدهما زهدم. وقال أبو عبيدة: وكذلك يقال في الاثنين. وأنشد البيت، ونسبه إلى قيس بن زهير. ثم قال بعده: وإنما هو زهدم وكردم العبسيان: أخوان. وقيل لعلي بن أبي طالب: نسألك سنة العمرين: يعنون أبا بكر وعمر رضي الله عنهما. ثم ذكر أبو عبيدة بعد ذلك وجها آخر فقال: إن أهل المدينة يقولون:" سلام على آل ياسن" أي على أهل ياسين. فقال سعد بن أبي وقاص وأبو عمرو وأهل الشام: هم قومه ومن كان معه على دينه. وقالت الشيعة: آل محمد: أهل بيته. واحتجوا بأنك تصغر الآل، فتجعله أهيلا. اهـ. وذكر بعد كلامه السابق في الموضوع وجها آخر فقال: وقد قرأ بعضهم:" وإن إلياس" يجعل اسمه" ياسا" أدخل عليه الألف واللام. ثم يقرءون:" سلام على آل ياسين". جاء التفسير في تفسير الكلبي: على آل ياسين: على آل محمد ﷺ والأول أشبه بالصواب والله أعلم، لأن في قراءة عبد الله (يعني ابن مسعود) :" وإن إدريس لمن المرسلين"" سلام على إدراسين". وقد يشهد على صواب هذا قوله:" وشجرة تخرج من طور سيناء". ثم قال في موضع آخر:" وطور سينين". وهو معنى واحد. والله أعلم.
| جَزَى الله فِيها الأعْوَرَيْنِ ذَمَامَةً | وَفَرْوَةَ ثَفْرَ الثَّوْرَةِ المُتَضَاجِمِ (١) |
وقرأ ذلك عامة قرّاء المدينة:"سَلام عَلى آل يَاسِينَ" بقطع آل من ياسين، فكان بعضهم يتأول ذلك بمعنى: سلام على آل محمد. وذُكر عن بعض القرّاء أنه كان يقرأ قوله (وَإِنَّ إِلْيَاسَ) بترك الهمز في إلياس ويجعل الألف واللام داخلتين على"ياس" للتعريف، ويقول: إنما كان اسمه"ياس" أدخلت عليه ألف ولام ثم يقرأ على ذلك:"سلام على إلياسين".
والصواب من القراءة في ذلك عندنا قراءة من قرأه: (سَلامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ) بكسر ألفها على مثال إدراسين، لأن الله تعالى ذكره إنما أخبر عن كل موضع ذكر فيه نبيا من أنبيائه صلوات الله عليهم في هذه السورة بأن عليه سلاما لا على آله، فكذلك السلام في هذا الموضع ينبغي أن يكون على إلياس كسلامه على غيره من أنبيائه، لا على آله، على نحو ما بيَّنا من معنى ذلك.
فإن ظنّ ظانّ أن إلياسين غير إلياس، فإن فيما حكينا من احتجاج من احتج بأن إلياسين هو إلياس غني عن الزيادة فيه.
مع أن فيما حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ (سَلامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ) قال: إلياس.
وفي قراءة عبد الله بن مسعود:"سَلامٌ عَلى إدْرَاسِينَ" دلالة واضحة على خطأ قول من قال: عنى بذلك سلام على آل محمد، وفساد قراءة من قرأ:"وإنَّ إلياسَ" بوصل