مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي

عن الكتاب
ثم قال تعالى :﴿وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا﴾ واختلفوا في المراد بالجنة على وجوه الأول : قال مقاتل : أثبتوا نسبا بين الله تعالى وبين الملائكة حين زعموا أنهم بنات الله، وعلى هذا القول فالجنة هم الملائكة سموا جنا لاجتنانهم عن الأبصار أو لأنهم خزان الجنة، وأقول هذا القول عندي مشكل، لأنه تعالى أبطل قولهم الملائكة بنات الله، ثم عطف عليه قوله :﴿وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا﴾ والعطف يقتضي كون المعطوف مغايرا للمعطوف عليه، فوجب أن يكون المراد من هذه الآية غير ما تقدم الثاني : قال : مجاهد قالت كفار قريش الملائكة بنات الله، فقال لهم أبو بكر الصديق : فمن أمهاتهم ؟ قالوا : سروات الجن، وهذا أيضا عندي بعيد لأن المصاهرة لا تسمى نسبا والثالث : روينا في تفسير قوله تعالى :﴿وجعلوا لله شركاء الجن﴾ أن قوما من الزنادقة يقولون : الله وإبليس أخوان فالله الخير الكريم وإبليس هو الأخ الشرير الخسيس، فقوله تعالى :﴿وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا﴾ المراد منه هذا المذهب، وعندي أن هذا القول أقرب الأقاويل. وهو مذهب المجوس القائلين بيزدان واهرمن(١) ثم قال تعالى :﴿وقد علمت الجنة إنهم لمحضرون﴾ أي قد علمت الجنة أن الذين قالوا : هذا القول محضرون النار ويعذبون وقيل المراد ولقد علمت الجنة أنهم سيحضرون في العذاب، فعلى القول الأول : الضمير عائد إلى قائل هذا القول، وعلى القول الثاني عائد إلى الجنة أنفسهم،
١ يزدان واهرمن الشر والخير أو النور والظلمة وهذا المذهب هو المذهب المعروف بمذهب المانوية إلى "ماني"..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى