فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني

عن الكتاب
قوله :﴿وَلَوْ ترى إِذِ المجرمون نَاكِسُواْ رُءوسِهِمْ عِندَ رَبّهِمْ﴾ المراد بالمجرمين هم القائلون ﴿أئذا ضللنا﴾، والخطاب هنا لكل من يصلح له، أو لرسول الله ﷺ، ويجوز أن يراد بالمجرمين كل مجرم، ويدخل فيه أولئك القائلون دخولاً أولياً، ومعنى ﴿نَاكِسُواْ رُءوسِهِمْ﴾ مطأطئوها حياء وندماً على ما فرط منهم في الدنيا من الشرك بالله والعصيان له، ومعنى عند ربهم : عند محاسبته لهم. قال الزجاج : والمخاطبة للنبي ﷺ مخاطبة لأمته، فالمعنى : ولو ترى يا محمد منكري البعث يوم القيامة لرأيت العجب ﴿رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا﴾ أي يقولون : ربنا أبصرنا الآن ما كنا نكذب به وسمعنا ما كنا ننكره. وقيل : أبصرنا صدق وعيدك، وسمعنا تصديق رسلك، فهؤلاء أبصروا حين لم ينفعهم البصر، وسمعوا حين لم ينفعهم السمع ﴿فارجعنا﴾ إلى الدنيا ﴿نَعْمَلْ﴾ عملاً ﴿صالحا﴾ كما أمرتنا ﴿إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ أي مصدقون. وقيل : مصدقون بالذي جاء به محمد ﷺ، وصفوا أنفسهم بالإيقان الآن طمعاً فيما طلبوه من إرجاعهم إلى الدنيا، وأنى لهم ذلك فقد حقت عليهم كلمة الله فإنهم ﴿لَوْ رُدُّواْ لعادوا لِمَا نُهُواْ عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لكاذبون﴾ [الأنعام: ٢٨]. وقيل معنى ﴿إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ أنها قد زالت عنهم الشكوك التي كانت تخالطهم في الدنيا لما رأوا ما رأوا وسمعوا ما سمعوا، ويجوز أن يكون معنى ﴿أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا﴾ صرنا ممن يسمع ويبصر فلا يحتاج إلى تقدير مفعول، ويجوز أن يكون صالحاً مفعولاً ل﴿نعمل﴾ كما يجوز أن يكون نعتاً لمصدر محذوف، وجواب لو محذوف، أي لرأيت أمراً فظيعاً وهولاً هائلاً.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى