البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة

عن الكتاب
ثم كمل ما بقي من أوصافه، فقال :
﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنْسَانِ مِن طِينٍ﴾ * ﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلاَلَةٍ مِّن مَّآءٍ مَّهِينٍ﴾ * ﴿ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ﴾ * ﴿وَقَالُواْ أَئذَا ضَلَلْنَا فِي الأَرْضِ أَئنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هُم بِلَقَآءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ﴾
قلت :( الذي ) : صفة للعزيز، أو : خبر عن مضمر. ومن قرأ ﴿خَلَقَهُ﴾ ؛ بالفتح ؛ فصفة لكل، ومن سَكَّنَهُ، فبدل منه، أي : أَحْسَنَ خَلْقَ كل شَيْءٍ.
يقول الحق جل جلاله في وصف ذاته :﴿الذي أحسن كلَّ شيءٍ خلقه﴾ أي : أبدع خلق كل شيء، أتقنه على وفق حكمته. أو : أتقن كل شيء من مخلوقاته، فجعلهم في أحسن صورة. ثم ﴿بدأ خَلْقَ الإنسان﴾ ؛ آدم ﴿من طين ثم جعل نسله﴾ ؛ ذريته ﴿من سلالةٍ﴾ أي : نطفة مسلولة من سائر البدن، ﴿من ماءٍ﴾ أي : مَنِيٍّ، وهو بدل من سلالة، ﴿مِّهِينٍ﴾ ؛ ضعيف حقير.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : كل ما أظهر الحق تعالى : من تجلياته الكونية ؛ فهي في غاية الإبداع والاتفاق في أصل نشأتها، كما قال صاحب العينية :
وَكُلُّ قَبِيح، إنْ نَسَبْتَ لحُسْنِهأَتَتْكَ مَعَانِي الحُسْنِ فِيهِ تُسَارعُ
يُكَمِّلُ نُقْصَانَ القَبِيحِ جَمَالُهُفَمَا ثَمّ نُقْصَانٌ، وَلاَ ثَمَّ بَاشِعُ
وأكملُها وأعظمُها : خلقةُ الإنسان، الذي خُلِقَ على صورة الرحمان، حيث جعل فيه أوصافه ؛ من قدرة، وإرادة، وعلم، وحياة، وسمع، وبصر، وكلام، وهيأه لحضرة القدس ومحل الأنس، وسخّر له جميع الكائنات، وهيأه لحمل الأمانة، إلى غير ذلك مما خص به عبده المؤمن. وأما الكافر فهو في أسفل سافلين. قال الورتجبي : ذكر حسن الأشياء، ولم يذكر هنا حسن الإنسان ؛ غيرةً، لأنه موضع محبته، واختياره الأزلي، كقول القائل :
وكم أبصرتُ مِن حُسْنٍ، ولكنعليك، من الورى، وقع اختياري
قال الواسطي : الجسم يستحسن المستحسنات، والروح واحديةٌ فردانيةٌ، لا تستحسن شيئاً. وقال ابن عطاء في قوله :﴿ثم سواه...﴾ : قوّمه بفنون الآداب، ونفخ فيه من روحه الخاص، الذي، به، فَضَّله على سائر الأرواح، لما كان له عنده من محل التمكين، وما كان فيه من تدبير الخلافة، ومشافهة الخطاب - بعد أن قال الورتجبي - : أخص الخصائص هو ما سقط من حُسْنِ تَجلِّي ذاته في صورته، كما ذكر بقوله :﴿ونفخ فيه من روحه﴾. هـ.


قلت :( الذي ) : صفة للعزيز، أو : خبر عن مضمر. ومن قرأ ﴿خَلَقَهُ﴾ ؛ بالفتح ؛ فصفة لكل، ومن سَكَّنَهُ، فبدل منه، أي : أَحْسَنَ خَلْقَ كل شَيْءٍ.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى