جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال : إنهما قراءتان مشهورتان قد قرأ بكل واحدة منهما علماء من القرّاء صحيحتا المعنى، وذلك أن الله أحكم خلقه، وأحكم كل شيء خلَقه، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب.
واختلف أهل التأويل في معنى ذلك، فقال بعضهم : معناه : أتقن كلّ شيء وأحكمه. ذكر من قال ذلك :
حدثني العباس بن أبي طالب، قال : حدثنا الحسين بن إبراهيم إشكاب، قال : حدثنا شريك، عن خَصيف عن عكرمة، عن ابن عباس، في قوله : الّذِي أحْسَنَ كُلّ شَيْءٍ خَلَقَهُ قال : أما إن است القرد ليست بحسنة، ولكن أحكم خلقها.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا أبو النضر، قال : حدثنا أبو سعيد المؤدّب، عن خصيف، عن عكرمة، عن ابن عباس، أنه كان يقرؤها : الّذِي أحْسَنَ كُلّ شَيْءٍ خَلَقَهُ قال : أما إن است القرد ليست بحسنة، ولكنه أحكمها.
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد أحْسَنَ كُلّ شَيْءٍ خَلَقَهُ قال : أتقن كلّ شيء خلقه.
حدثني محمد بن عمارة، قال : حدثنا عبد الله بن موسى، قال : حدثنا إسرائيل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد أتْقَنَ كُلّ شَيْءٍ : أحصى كلّ شيء.
وقال آخرون : بل معنى ذلك : الذي حسن خلق كل شيء. ذكر من قال ذلك :
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قَتادة، قوله الّذِي أحْسَنَ كُلّ شَيْءٍ خَلَقَهُ حسن على نحو ما خلق.
وذُكر عن الحجاج، عن ابن جُرَيج، عن الأعرج، عن مجاهد قال : هو مثل أعْطَى كُلّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثم هَدَى قال : فلم يجعل خلق البهائم في خلق الناس، ولا خلق الناس في خلق البهائم ولكن خلق كلّ شيء فقدّره تقديرا.
وقال آخرون : بل معنى ذلك : أعلم كل شيء خلقه، كأنهم وجهوا تأويل الكلام إلى أنه ألهم خلقه ما يحتاجون إليه، وأن قوله أحْسَنَ إنما هو من قول القائل : فلان يحسن كذا إذا كان يعلمه. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا أبي، عن شريك، عن خصيف، عن مجاهد أحْسَنَ كُلّ شَيْءٍ خَلَقَهُ قال : أعطى كلّ شيء خلقه، قال : الإنسان إلى الإنسان، والفرس للفرس، والحمار للحمار. وعلى هذا القول، الخَلْق والكلّ منصوبان بوقوع أحسن عليهما.
وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب على قراءة من قرأه الّذِي أحْسَنَ كُلّ شَيْءٍ خَلَقَهُ بفتح اللام قول من قال : معناه أحكم وأتقن، لأنه لا معنى لذلك إذ قرىء كذلك إلاّ أحد وجهين : إما هذا الذي قلنا من معنى الإحكام والإتقان أو معنى التحسين الذي هو في معنى الجمال والحُسن فلما كان في خلقه ما لا يشكّ في قُبحه وسماجته، علم أنه لم يُعن به أنه أحسن كلّ ما خلق، ولكن معناه أنه أحكمه وأتقن صنعته. وأما على القراءة الآخرى التي هي بتسكين اللام، فإن أولى تأويلاته به قول من قال : معنى ذلك أعلم وألهم كلّ شيء خلقه، هو أحسنهم، كما قال الّذِي أعْطَى كُلّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمّ هَدَى لأن ذلك أظهر معانيه. وأما الذي وجه تأويل ذلك إلى أنه بمعنى : الذي أحسن خلق كلّ شيء، فإنه جعل الخلق نصبا بمعنى التفسير، كأنه قال : الذي أحسن كلّ شيء خلقا منه. وقد كان بعضهم يقول : هو من المقدّم الذي معناه التأخير، ويوجهه إلى أنه نظير قول الشاعر :
| وَظَعْنِي إلَيْك اللّيْل حِضْنَيْهِ أنّنِي | لِتِلْكَ إذَا هابَ الهِدَانُ فَعُولُ |
| كأنّ هِنْدا ثَناياها وبَهْجَتَها | يَوْمَ الْتَقَيْنا عَلى أدْحالِ دَبّاب |
وقوله : وَبَدأَ خَلْقَ الإنْسانِ مِنْ طِينٍ يقول تعالى ذكره : وبدأ خلق آدم من طين ثُمّ جَعَلَ نَسْلَهُ يعني ذرّيته من سلالة، يقول : من الماء الذي انسلّ فخرج منه. وإنما يعني من إراقة من مائه، كما قال الشاعر :
| فجاءتْ بهِ غضب الأدِيمِ غَضَنْفَرا | سُلالَةَ فَرْجٍ كانَ غيرَ حَصِينِ |
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قَتادة وَبَدأَ خَلْقَ الإنْسانِ مِنْ طِينٍ وهو خلق آدم، ثم جعل نسله : أي ذرّيته من سلالة من ماء مهين، والسلالة : هي الماء المهين الضعيف.
حدثني أبو السائب، قال : حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن المنهال، عن أبي يحيى الأعرج، عن ابن عباس، في قوله مِنْ سُلالَةِ قال : صفو الماء.
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مِنْ ماءٍ مَهِينٍ قال : ضعيف نطفة الرجل، ومهين : فعيل من قول القائل : مهن فلان، وذلك إذا زلّ وضعف.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن سماك، عن عكرمة أنه قال في هذه الآية: (يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ) قال: ما بين السماء والأرض مسيرة ألف سنة.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: يدبر الأمر من السماء إلى الأرض في يوم كان مقدار ذلك التدبير ألف سنة مما تعدّون من أيام الدنيا، ثم يعرج إليه ذلك التدبير الذي دبره.
* ذكر من قال ذلك:
ذُكر عن حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، أنه قال: يقضي أمر كل شيء ألف سنة إلى الملائكة ثم كذلك حتى تمضي ألف سنة، ثم يقضي أمر كل شيء ألفا، ثم كذلك أبدا، قال: (يوم كان مقداره) قال: اليوم أن يقال لما يقضي إلى الملائكة ألف سنة: كن فيكون، ولكن سماه يومًا، سَمَّاهُ كما بيَّنا كل ذلك عن مجاهد، قال: وقوله: (وإنَّ يَوْما عِنْدَ رَبِّكَ كألْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ) قال: هو هو سواء.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: يدبر الأمر من السماء إلى الأرض، ثم يعرج إلى الله في يوم كان مقداره ألف سنة، مقدار العروج ألف سنة مما تعدّون.
* ذكر من قال ذلك:
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: (ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ) قال بعض أهل العلم: مقدار ما بين الأرض حين يعرج إليه إلى أن يبلغ عروجه ألف سنة، هذا مقدار ذلك المعراج في ذلك اليوم حين يعرج فيه.
وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب قول من قال: معناه: يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه في يوم كان مقدار ذلك اليوم في عروج ذلك الأمر إليه، ونزوله إلى الأرض ألف سنة مما تعدون من أيامكم، خمسمائة في النزول، وخمسمائة في الصعود؛ لأن ذلك أظهر معانيه، وأشبهها بظاهر التنزيل.
القول في تأويل قوله تعالى: {ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ
يقول تعالى ذكره: هذا الذي يفعل ما وصفت لكم في هذه الآيات، هو (عالم الغيب)، يعني عالم ما يغيب عن أبصاركم أيها الناس، فلا تبصرونه مما تكنه الصدور وتخفيه النفوس، وما لم يكن بعد مما هو كائن، (والشهادة) يعني: ما شاهدته الأبصار فأبصرته وعاينته وما هو موجود (العَزِيزُ) يقول: الشديد في انتقامه ممن كفر به، وأشرك معه غيره، وكذّب رسله (الرَّحِيمُ) بمن تاب من ضلالته، ورجع إلى الإيمان به وبرسوله، والعمل بطاعته، أن يعذّبه بعد التوبة.
وقوله: (الَّذِي أحْسَنَ كُلّ شَيْء خَلَقَهُ) اختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأه بعض قراء مكة والمدينة والبصرة (أحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ) بسكون اللام. وقرأه بعض المدنيين وعامة الكوفيين (أحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ) بفتح اللام.
والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال: إنهما قراءتان مشهورتان، قد قرأ بكل واحدة منهما علماء من القرّاء صحيحتا المعنى، وذلك أن الله أحكم خلقه، وأحكم كل شيء خلَقه، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب.
واختلف أهل التأويل في معنى ذلك، فقال بعضهم: معناه: أتقن كلّ شيء وأحكمه.
* ذكر من قال ذلك:
حدثني العباس بن أبي طالب، قال: ثنا الحسين بن إبراهيم إشكاب (١) قال: ثنا شريك، عن خَصيف عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله: (الَّذِي أحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ) قال: أما إن است القرد ليست بحسنة، ولكن أحكم خلقها.
حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبو النضر، قال: ثنا أبو سعيد المؤدّب، عن خصيف، عن عكرمة، عن ابن عباس، أنه كان يقرؤها: (الَّذِي أحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ) قال: أما إن است القرد ليست بحسنة ولكنه أحكمها.
حدثني محمد بن عمارة، قال: ثنا عبد الله بن موسى، قال: ثنا إسرائيل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد (أَحْسَن كُلَّ شَيْءٍ) : أحصى كلّ شيء.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: الذي حسن خلق كل شيء.
* ذكر من قال ذلك:
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة قوله: (الَّذِي أحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ) حسن على نحو ما خلق.
وذُكر عن الحجاج، عن ابن جُرَيج، عن الأعرج، عن مجاهد قال: هو مثل (أعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثم هَدَى) قال: فلم يجعل خلق البهائم في خلق الناس، ولا خلق الناس في خلق البهائم ولكن خلق كلّ شيء فقدّره تقديرا.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: أعلم كل شيء خلقه، كأنهم وجهوا تأويل الكلام إلى أنه ألهم خلقه ما يحتاجون إليه، وأن قوله: (أحْسَنَ) إنما هو من قول القائل: فلان يحسن كذا، إذا كان يعلمه.
* ذكر من قال ذلك:
حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن شريك، عن خصيف، عن مجاهد (أحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ) قال: أعطى كلّ شيء خلقه، قال: الإنسان إلى الإنسان، والفرس للفرس، والحمار للحمار وعلى هذا القول الخَلْق والكلّ منصوبان بوقوع أحسن عليهما.
وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب على قراءة من قرأه: (الَّذِين أحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ) بفتح اللام قول من قال: معناه أحكم وأتقن؛ لأنه لا معنى لذلك إذ قرئ كذلك إلا أحد وجهين: إما هذا الذي قلنا من معنى الإحكام والإتقان، أو معنى التحسين الذي هو في معنى الجمال والحُسن، فلما كان في خلقه ما لا يشكّ في قُبحه وسماجته، علم أنه لم يُعن به أنه أحسن كلّ ما خلق، ولكن معناه أنه أحكمه وأتقن صنعته، وأما على القراءة الأخرى التي هي بتسكين اللام، فإن أولى تأويلاته به قول من قال: معنى ذلك: أعلم وألهم كلّ شيء خلقه، هو أحسنهم، كما قال: (الَّذِي أعْطَى كُلَّ شَيْءٍ
| وَظَعْنِي إلَيْكَ للَّيْل حِضْيَنْةِ أنَّنِي | لِتِلْكَ إذَا هابَ الهِدَانُ فَعُولُ (١) |
| كأنَّ هِنْدًا ثناياها وَبهْجَتَهَا | يَوْمَ الْتَقَيْنا عَلى أدْحالِ دَبَّاب (٢) |
وقوله: (وَبَدأ خَلْقَ الإنْسانِ مِنْ طِين) يقول تعالى ذكره: وبدأ خلق آدم من طين (ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ) يعني: ذريته (من سلالة)، يقول: من الماء الذي انسل فخرج منه. وإنما يعني من إراقة من مائه، كما قال الشاعر:
| فجاءتْ بِه عَضْبَ الأدِيمِ غَضَنْفَرًا | سُلالَةَ فَرْجٍ كانَ غيرَ حَصِينِ (٣) |
وبنحو الذي قلنا في تأويل ذلك قال أهل التأويل.
(٢) البيت في مجاز القرآن لأبي عبيدة، (الورقة ١٩٢ - أ) عند تفسير قوله تعالى: (أحسن كل شيء خلقه). بعد الشاهد السابق: "وظعني إليك... " البيت. ثم قال: كأن ثنايا هند وبهجتها. وهو أيضا في "اللسان: دبب": قال: قال الأزهري: وبالخلصاء رمل يقال له: الدباب، وبحذائه دُحْلان كثيرة (بضم الدال) ومنه قول الشاعر:
| كَأَنَّ هِنْدًا ثَنَايَاهَا وَبَهْجَتَهَا | لَمَّا الْتَقَيْنَا لَدَى أدْحَالِ دَبَّاب |
| مَوْلِيَّةٌ أُنُفٌ جَادَ الرَّبِيعُ بِهَا | عَلَى أبَارِقَ قدْ هَمَّتْ بِأَعْشَابِ |
(٣) البيت: (مجاز القرآن لأبي عبيدة الورقة ١٦٢ - ب) عند قوله تعالى: (ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين) في سورة المؤمنين. (الجزء ١٨: ٨) فراجعه ثمة.