فتح البيان في مقاصد القرآن — صديق حسن خان

عن الكتاب
﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ قرئ بفتح اللام وبإسكانها فعلى الأولى خلقه فعل ماض نعتا لشيء، وعلى الثانية ففي نصبه أوجه :
الأول : أن يكون بدلا من ( كل شيء ) بدل اشتمال، والضمير عائد إلى : كل شيء، وهذا هو الوجه المشهور عند النحاة.
الثاني : أنه بدل كل من كل، والضمير راجع إلى الله سبحانه، ومعنى ( أحسن ) حسن، لأنه ما من شيء إلا وهو مخلوق على ما تقتضيه الحكمة فمن المخلوقات حسنة.
الثالث : أن يكون ( كل شيء ) هو المفعول الأول، وخلقه هو المفعول الثاني، على تضمين معنى أعطى، والمعنى : أعطى كل شيء خلقه الذي خصه به، وقيل : على تضمينه معنى ألهم. قال الفراء : ألهم خلقه كل شيء يحتاجون إليه.
الرابع : أنه منصوب على المصدر المؤكد لمضمون الجملة أي خلقه خلقا كقوله : صنع الله، وهذا قول سيبويه، والضمير يعود إلى الله سبحانه.
والخامس : أنه منصوب بنزع الخافض، والمعنى : أحسن كل شيء في خلقه، ومعنى الآية أنه أتقن وأحكم خلق مخلوقاته، فبعض المخلوقات – وإن لم تكن حسنة في نفسها – فهي متقنة محكمة، فيكون هذه الآية معناها معنى أعطى كل شيء خلقه أي : لم يخلق الإنسان على خلق البهيمة ولا خلق البهيمة على خلق الإنسان. وقيل هو عموم في اللفظ خصوص في المعنى، أي أحسن خلق كل شيء حسن. وقال ابن عباس : أما رأيت القردة ليست بحسنة، ولكنه أحكم خلقها، وعنه في الآية قال : أما آنست القردة ليست بحسنة، ولكنه أحكم خلقها، وقال : خلقه : صورته. قال أحسن كل شيء القبيح والحسن، والعقارب، والحيات، وكل شيء مما خلق، وغيره لا يحسن شيئا من ذلك.
وأخرج الطبراني عن أبي أمامة قال : بينما نحن مع رسول الله ﷺ إذ لقينا عمرو بن زرارة الأنصاري في حلة قد أسبل، فأخذ النبي ﷺ بناحية ثوبه، فقال يا رسول الله إني أحمش الساقين ؛ فقال رسول الله ﷺ ( يا عمرو ابن زرارة إن الله عز وجل قد أحسن كل شيء يا عمرو إن الله لا يحب المسبلين ). أخرج أحمد والطبراني عن الشريد بن سويد قال :( أبصر النبي ﷺ رجلا قد أسبل إزاره فقال ارفع إزارك، فقال : يا رسول الله إني أحنف تصطك ركبتاي، فقال : ارفع إزارك كل خلق الله حسن ).
﴿وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنسَانِ﴾ يعني آدم خلقه ﴿مِن طِينٍ﴾ فصار على صورة بديعة، وشكل بديع حسن

تفسير هذه الآية من كتب أخرى