اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
قوله :﴿فَفَرَرْتُ مِنكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ﴾. العامة على تشديد ميم(١) «لَمَّا » وهي «لَمَّا » التي هي حرف وجوب عند سيبويه(٢). أو بمعنى «حِينَ » عند الفارسي(٣). وروي عن حمزة بكسر اللام وتخفيف الميم(٤)، أي : لِتَخَوُّفِي مِنْكُمْ، و «ما » مصدرية. وهذه القراءة تشبه قراءته في «آل عمران » :﴿لِمَا آتَيْتُكُم﴾(٥) [آل عمران: ٨١]. وقد تقدمت مستوفاة.
( قال الزمخشري : إنما جمع الضمير في «مِنْكُمْ » و «خِفْتُكُمْ » مع إفراده في «تَمُنُّهَا »(٦) و «عَبَّدْتَ »(٧)، لأن الخوف والفرار لم يكونا منه وحده، ولكن منه ومن ملئه المؤتمرين بقتله لقوله :﴿إِنَّ الملأ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ﴾ [القصص: ٢٠]، وأما الامتنان والتعبد فمنه(٨) وحده )(٩).

فصل :


والمعنى : إني فعلت ذلك الفعل وأنا ذاهل عن كونه مهلكاً، وكان مني في حكم السهو، فلم أستحق التخويف الذي يوجب الفرار، ومع ذلك فررت منكم لما خفتكم عن قولكم :﴿إِنَّ الملأ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ﴾ [القصص: ٢٠] فبين بذلك ألاّ نعمة له عليه في الفعلة، بل بأن يكون مسيئاً فيه أقرب(١٠).

فصل :


وقد ورد لفظ «الفرار » على أربعة :
الأول : بمعنى الهرب، كهذه الآية، ومثله ﴿لَنْ(١١) يَنفَعَكُمُ الفرار إِن فَرَرْتُمْ مِنَ الموت﴾(١٢).
الثاني : بمعنى الكراهية، قال تعالى :﴿قُلْ إِنَّ الموت الذي تَفِرُّونَ(١٣) مِنْهُ﴾ [الجمعة: ٨] أي : تكرهونه.
الثالث : بمعنى اشتغال المرء بنفسه، قال تعالى :﴿يَوْمَ يَفِرُّ المرء مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ﴾ [عبس: ٣٤ - ٣٥] أي : لا يلتفت إليهم، لاشتغاله بنفسه.
الرابع : بمعنى التباعد، قال تعالى :﴿فَلَمْ يَزِدْهُمْ دعائي إِلاَّ فِرَاراً﴾ [نوح: ٦] أي : تباعداً. ثم بين نعم الله عليه بعد الفرار(١٤)، فكأنه قال : أسأتم وأحسن الله إليَّ بأن وهب لي حكماً(١٥). قرأ عيسى :«حُكُماً » بضم الكاف(١٦) إتباعاً. والمراد بالحكم : العلم والفهم، قاله مقاتل : وقيل : النبوة. والأول أقرب، لأن المعطوف غير المعطوف عليه، والنبوة مفهومة من قوله :﴿وَجَعَلَنِي مِنَ المرسلين﴾(١٧).
١ في ب: تشديدهم..
٢ قال سيبويه: (وأما "لما" فهي للأمر الذي وقع لوقوع غيره، وإنما تجيء بمنزلة لو، لما ذكرنا، فإنما هما لابتداء وجواب) الكتاب ٤/٢٣٤..
٣ قال أبو علي الفارسي: (وأما "لما" فمثل (لم) في الجزم، قال تعالى ﴿ولما يعلم الله الذين جاهدوا﴾ [آل عمران: ١٤٢]، [التوبة: ١٦] فجزمت كما جزمت لم، وإنما هي (لم) دخلت عليها (ما) فتغيرت بدخول (ما) عن حال (لم) فوقع بعدها مثال الماضي في قولك: لما جئت جئت، فصار بمنزلة ظرف من الزمان كأنك قلت: حين جئت جئت، فمن ثم جاز أن تقول: جئتك ولما، فلا تتبعها شيئاً ولا يجوز ذلك في (لم)، ولولا دخول (ما) عليها لم يجز ذلك فيها) انظر المقتصد شرح الإيضاح ٢/١٠٩١-١٠٩٢..
٤ المختصر (١٠٦)، البحر المحيط ٧/١١، الإتحاف (٣٣١)..
٥ [أل عمران: ٨١]..
٦ من الآية التي بعدها..
٧ من الآية التي بعدها..
٨ الكشاف ٣/١١١..
٩ ما بين القوسين سقط من الأصل..
١٠ انظر الفخر الرازي ٢٤/١٢٦..
١١ في الأصل: ولن، وفي ب: فلن..
١٢ في ب: ".... من الموت أو القتل"..
١٣ في الأصل: تفكرون. وهو تحريف..
١٤ في ب: إتباعاً بعد الفرار..
١٥ انظر الفخر الرازي ٢٤/١٢٦..
١٦ المختصر (١٠٦)، تفسير ابن عطية ١١/٩٩، البحر المحيط ٧/١١..
١٧ انظر الفخر الرازي ٢٤/١٢٦..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى