مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي
عن الكتاب
فأما قوله :﴿ففررت منكم لما خفتكم﴾ فالمراد أني فعلت ذلك الفعل وأنا ذاهل عن كونه مهلكا وكان مني في حكم السهو، فلم أستحق التخويف الذي يوجب الفرار ومع ذلك فررت منكم عند قولكم :﴿إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك﴾ فبين بذلك أنه لا نعمة له عليه في باب تلك الفعلة، بل بأن يكون مسيئا فيه أقرب من حيث خوف تخويفا أوجب الفرار، ثم بين نعمة الله تعالى عليه بعد الفرار، فكأنه قال أسأتم وأحسن الله إلي بأن وهب لي حكما وجعلني من المرسلين، واختلفوا في الحكم والأقرب أنه غير النبوة لأن المعطوف غير المعطوف عليه، والنبوة مفهومة من قوله :﴿وجعلني من المرسلين﴾ فالمراد بالحكم العلم ويدخل في العلم العقل والرأي والعلم بالدين الذي هو التوحيد، وهذا أقرب لأنه لا يجوز أن يبعثه تعالى إلا مع كماله في العقل والرأي والعلم بالتوحيد وقوله :﴿فوهب لي ربي حكما﴾ كالتنصيص على أن ذلك الحكم من خلق الله تعالى، وقالت المعتزلة : المراد منه الألطاف وهو ضعيف جدا لأن الألطاف مفعولة في حق الكل من غير بخس ولا تقصير، فالتخصيص لابد فيه من فائدة.