كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحدادي اليمني

عن الكتاب
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا﴾ ؛ أي كما أوْحَينَا إلى الرُّسُلِ من قبلِكَ أوحَينا إليك جبريلَ بالقُرآنِ الذي " فيه " حياةُ القلوب من الجهلِ. ومِن هذا سُمِّي القرآنُ رُوحاً ؛ لأنه سببُ حياةِ الدِّّين، كما أنَّ الروحَ سببُ حياةِ الجسد. وقال مقاتلُ :(مَعْنَى قَوْلِهِ ﴿رُوحاً﴾ يَعْنِي الْوَحْيَ) وَهُوَ الْقُرْآنُ ؛ لأَنَّهُ يُهْتَدَى بهِ، فَفِيهِ حَيَاةٌ مِنْ مَوْتِ الْكُفْرِ. وقولهُ ﴿مِّنْ أَمْرِنَا﴾، وَقِيْلَ : إنَّ الروحَ ها هنا جبريلُ.
وقولهُ :﴿مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلاَ الإِيمَانُ﴾ ؛ أي ما كنتَ تدري قبلَ الوحيِ ما الكتابُ ولا ما الإيمانُ ؛ قيل : لأنه كان لا يعرِفُ القرآنَ قبلَ الوحي، ولا كان يعرفُ بشرائعِ الإيمان ومعالِمه، وهي كلُّها إيمانٌ، وهذا اختيارُ الإمامِ محمَّد بن جرير، واحتجَّ بقولهِ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾[البقرة: ١٤٣] يعني الصَّلاةَ سَمَّاها إيْماناً. وَقِيْلَ : معناهُ : ما كُنتَ تدري ما الإيمانُ قبلَ البلوغِ، يعني حين كان طِفْلاً في الْمَهْدِ. وقال الحسينُ بن الفضلِ :(هَذا مِنْ بَاب حَذْفِ الْمُضَافِ ؛ مَعْنَاهُ :" أيْ مَا كُنْتَ تَدْري مَا الْكِتَابُ " ولا أهْلِ الإيْمَانِ " أيْ " مَنِ الَّذِي يُؤْمِنُ وَمَنِ الَّذِي لاَ يُؤْمِنُ)، وَفِي الْجُمْلَةِ لَمْ يَكُنِ النَّبيُّ ﷺ عَلَى الْكُفْرِ قَطُّ، وَإنَّهُ كَانَ عَلَى فِطْرَةِ الإسْلاَمِ حِينَ وُلِدَ، وَكَذلِكَ جَمِيعُ أنْبيَاءِ اللهِ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِمْ قَبْلَ الْوَحْيِ كَانُوا مُؤْمِنِينَ، وَكَانَ مُحَمَّدٌ ﷺ يَعْبُدُ اللهَ قَبْلَ الْوَحْيِ عَلَى دِينِ إبْرَاهِيمَ عليه السلام.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَـاكِن جَعَلْنَاهُ نُوراً﴾ ؛ يعني الوحيَ ودليلاً على الإيمانِ والتوحيد، ﴿نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَآءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ ؛ إلى دينِ الحقِّ، ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ ؛ أي لتَدعُو الخلقَ كلَّهم بوَحينا إليك إلى طريقٍ قائمٍ يرضاهُ اللهُ وهو الإسلامُ. وقولهُ تعالى :﴿صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ ؛ خُفِضَ على البدلِ، وقولهُ تعالى :﴿أَلاَ إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الأُمُورُ﴾ ؛ أي إليه ترجعُ عواقِبُ الأمُور في الآخرةِ.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى