تفسير السمعاني — أبو المظفر السمعاني

عن الكتاب
قوله تعالى :( وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه ) وفي هذه الآية قولان :
أحدهما : أن إبراهيم - عليه السلام - قال لأبيه : لأستغفرن لك، قال هذا رجاء أن ينقله الله تعالى من الكفر إلى الإسلام ببركة دعائه واستغفاره.
والقول الثاني : أن أبا إبراهيم وعد إبراهيم وقال : لأسلمن، فاستغفر لي، فاستغفر له إبراهيم لهذا المعنى.
( فلما تبين له أنه عدو لله ) بموته على الكفر ( تبرأ منه ) فإن قال قائل : كيف يجوز أن يستغفر إبراهيم للمشرك ؟
الجواب عنه : قال بعض أهل المعاني : يحتمل أن أبا إبراهيم كان أظهر الإسلام وهو يبطن الكفر، فاستغفر له إبراهيم لإظهاره الإسلام ( فلما تبين له أنه عدو لله ) مصر على الكفر في الباطن ( تبرأ منه ) هكذا قاله بعض أهل المعاني.
والذي عليه عامة المفسرين ما بينا من قبل.
وقد قرأ الحسن البصري :" إلا عن موعدة وعدها إياه " وهذا صريح في أن الوعد كان من إبراهيم، والدليل على أن إبراهيم استغفر له وهو مشرك : أن الله تعالى قال في سورة الممتحنة :( قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه. . ) إلى أن قال :( إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك ) (١) فقد صرح أن إبراهيم ليس بقدوة في هذا الاستغفار ؛ وإنما استغفر له وهو مشرك لمكان الوعد ؛ رجاء أن يسلم.
وقوله :( إن إبراهيم لأواه حليم ) اختلفوا في " الأوّاه " على أقاويل.
روي عن عبد الله بن مسعود. وعبد الله بن عباس : أن الأواه : هو الدعاء. وعن ابن مسعود في رواية أخرى : أنه الرحيم، وعن ابن عباس في رواية أخرى : أنه المؤمن التواب، وعن مجاهد أنه الفقيه، وعن كعب الأحبار : أنه الذي يتأوه من الذنوب، فيقول : أوه أوه. وروى أبو ذر «أن رجلا كان يطوف ويقول : أوه أوه، فقلت للنبي ﷺ : إن هذا الرجل ليؤذينا، فقال : لا تقل هذا ؛ فإنه أوّاه »(٢). قال الشاعر :
إذا ما قمتُ أَرْحَلُها بليل تَأَوَّهُ آهةَ الرجلِ الحزينِ
وعن سعيد بن جبير قال الأوّاه : المسبّح. وقيل : إنه الموقف. وقيل : إنه الموقن.
وأما الحليم : فهو : الصفوح عن الذنوب.
١ - الممتحنة: ٤..
٢ - رواه الطبري (١١/٣٧) بمعناه، وعزاه السيوطي في الدر (٣/٣٠٨) لابن أبي حاتم، وابن مردويه..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى