غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري
عن الكتاب
القراءات :﴿ورسوله﴾ بالنصب : روح وزيد. الباقون : بالرفع. ﴿أئمة﴾ بهمزتين : عاصم وحمزة وعلي وخلف وابن عامر وهشام يدخل بينهما مدة. الباقون ﴿أيمة﴾ بهمز ثم ياء. ﴿لا إيمان﴾ بكسر الهمزة : ابن عامر. الباقون : بالفتح جمع يمين ﴿يعملون﴾ بياء الغيبة : عباس.
الوقوف :﴿من المشركين﴾ ط ﴿معجزي الله﴾ لا للعطف ﴿الكافرين﴾ ه ﴿من المشركين﴾ لا للعطف ﴿ورسوله﴾ ط ﴿لكم﴾ ج لابتداء الشرط مع الواو ﴿معجزي الله﴾ ط ﴿أليم﴾ ه للاستثناء ﴿مدتهم﴾ ط ﴿المتقين﴾ ه ﴿مرصد﴾ ج ﴿سبيلهم﴾ ط ﴿رحيم﴾ ه ﴿مأمنه﴾ ط ﴿لا يعلمون﴾ ه ﴿المسجد الحرام﴾ ج لأن «ما» للجزاء مع اتصالها بالفاء ﴿فاستقيموا لهم﴾ ط ﴿المتقين﴾ ه ﴿ولا ذمة﴾ ط ﴿قلوبهم﴾ ج ﴿فاسقون﴾ ه ج لأن ما بعده يصلح وصفاً واستئنافاً. ﴿يعملون﴾ ه ﴿ولا ذمة﴾ ط ﴿المعتدون﴾ ه ﴿في الدين﴾ ط ﴿يعلمون﴾ ه ﴿أئمة الكفر﴾ لا لتعلق «لعلهم» بقوله ﴿فقاتلوا﴾ وما بينها اعتراض ﴿ينتهون﴾ ه ﴿أوّل مرّة﴾ ط ﴿أتخشونهم﴾ جل لأن ما بعده مبتدأ مع الفاء ﴿مؤمنين﴾ ه لا للعطف ﴿قلوبهم﴾ ط ﴿من يشاء﴾ ط ﴿حكيم﴾ ه ﴿وليجة﴾ ط ﴿تعملون﴾ ه.
ثم شرع في ذكر سائر الأسباب المحرّضة على القتال فقال ﴿ألا تقاتلون﴾ قال أهل المعاني : إذا قلت : ألا تفعل كذا. فإنما يستعمل ذلك في فعل مقدر وجوده. وإذا قلت : ألست تفعل تقول في ذلك في فعل تحقيق وجوده. والفرق أن «لا » ينفي بها المستقبل فإذا دخلت عليه الألف صار تحضيضاً على فعل ما يستقبل و «ليس » مستعمل في نفي الحال فإذا دخلت عليه الألف صار لتحقيق الحال. قال ابن إسحاق والسدي والكلبي : نزلت في كفار مكة نكثوا أيمانهم بعد عهد الحديبية وأعانوا بني بكر على خزاعة وهموا بإخراج الرسول من مكة حتى هاجر أو من المدينة. يريد اليهود هموا بإخراجه منها ونكثوا عهده وظاهروا أبا سفيان عليه ﷺ يوم الأحزاب. وقيل : همت قريش يوم الحديبية بأن يدخلوه ﷺ مكة ثم يخرجوه قبل أن يتم حجه استخفافاً به ﷺ، وعلى هذا أريد بالهم العزم على الفعل وإن لم يوجد ﴿وهم بدؤكم أول مرّة﴾ بالقتال يعني يوم بدر لأنهم حين سلم العير قالوا : لا ننصرف حتى نستأصل محمداً ومن معه. أو المراد أنهم قاتلوا حلفاءه من خزاعه، أو المراد أن الرسول ﷺ جاءهم أولاً بالكتاب المنير وتحداهم به فعدلوا عن المعارضة لعجزهم عنها إلى المقاتلة والبادئ أظلم. والحاصل أن من كان في مثل صفاتهم من نكث العهد وإخراج الرسول والبدء للقتال حقيق بأن لا تترك مقاتلته وأن يوبخ من فرط فيها. ثم زاد في التوبيخ فقال فيه ﴿أتخشونهم﴾ تقريراً للخشية منهم وتقوية لداعية القتال كما إذا قلت للرجل : أتخشى خصمك لأنه يستنكف أن ينسب إلى كونه خائفاً من خصمه. ثم بيّن ما يجب أن يكون الأمر عليه قائلاً ﴿فالله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين﴾ يعني أن قضية الإيمان الصحيح أن لا يخشى المؤمن إلا الله، لأن قدرته أتم وعقابه أشدّ بل لا قدرة إلا له ولا يكون إلا ما يريد. وفي الفاء نوع من تعليل لأن الاستفهام في معنى النهي كأنه قيل : لا تخشوهم لأن الله أحق بالخشية وأحرى بالطاعة، وفيه نوع مجازاة كأنه قيل : إن صح أنكم مؤمنون فلا تخشوا إلا الله.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: التأويل :﴿براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم﴾ من النفوس المشركة التي اتخذت الهوى وصنم الدنيا معبوداً فهادنها الروح والقلب في أوان الطفولية لاستكمال القالب وتربيته ﴿فسيحوا﴾ في أرض البشرية ﴿أربعة أشهر﴾ هي مدة كمال الأوصاف الأربعة : النباتية والحيوانية والشيطانية والإنسانية ﴿وأذان من الله ورسوله﴾ إلى الصفات الناسوتية ﴿يوم الحج الأكبر﴾ يوم الوصول إلى كعبة الجمال والحج الأصغر الوصول إلى كعبة القلب إن زيارة كعبة الوصال حرام على مشركي الصفات الناسوتية ﴿فإن تبتم﴾ عن الناسوتية بإفنائها في اللاهوتية ﴿فهو خير لكم﴾ من قيامكم بالناسوت ﴿وإن توليتم﴾ ركنتم إلى غير الله ﴿فاعلموا أنكم غير معجزي الله﴾ عن التصرف فيكم. أما لأهل السعادة فبالجذبات الأزلية، وأما لأهل الشقاوة فبأليم عذاب القطيعة ﴿إلا الذين عاهدتم﴾ أيها القلوب والأرواح من مشركي النفوس على التوافق في العبودية ﴿ثم لم ينقصوكم﴾ شيئاً من وظائف الشريعة ﴿ولم يظاهروا عليكم أحداً﴾ من الشيطان والدنيا ﴿فأتموا إليهم عهدهم﴾ بالمداراة والرفق إلى أوان طلوع قمر العناية ونجم الجذبة والهداية. ﴿فإذا انسلخ الأشهر الحرم﴾ استكملت مدة التربية تمام الأوصاف الأربعة ﴿فاقتلوا﴾ النفوس المشركة بسيف النهي عن الشهوات ﴿حيث وجدتموهم﴾ في الطاعة بأن تكلفوها إياها وفي المعصية بأن تزجروها عنها ﴿وخذوهم﴾ بآداب الطريقة ﴿واحصروهم﴾ احبسوهم في حصار الحقيقة ﴿واقعدوا لهم كل مرصد﴾ راقبوهم في الأحوال كلها ﴿فإن تابوا﴾ رجعوا إلى طلب الحق ﴿وأقاموا الصلاة﴾ أدّوا حق العبودية ﴿وآتوا الزكاة﴾ تزكت عن الأخلاق الذميمة ﴿فخلوا سبيلهم﴾ اتركوا التشديد عليهم بالرياضات ليعملوا بالشريعة بعد الوصول إلى الحقيقة فإن النهاية هي الرجوع إلى البداية ﴿وإن أحد﴾ من مشركي صفات النفس ﴿استجارك﴾ يا قلب لترك ما هو المخصوص به من الصفات الذميمة ﴿فأجره حتى يسمع كلام الله﴾ حتى يلهم بإلهام ﴿ثم أبلغه مأمنه﴾ وهو وارد الجذبة الإلهية، وإن الجذبة إذا تعلقت بصفة من صفات النفس تنجذب النفس بجميع صفاتها ﴿ذلك بأنهم قوم لا يعلمون﴾ الله وأسراره فلا يميلون إليه ويعلمون الدنيا وشهواتها فيركنون إليها. ﴿كيف يكون﴾ لمشركي النفوس ثبات على العهد وقد جبلت ميالة إلى السفليات وغايتها بعد إصلاح حالها أن تميل إلى نعيم الجنات ﴿إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام﴾ وهو مقام الوصول المحرم على أهل الدنيا وهو مقام أهل الله وخاصته، الذين تنورت نفوسهم بأنوار الجمال والجلال فيثبتها الله على العهد بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ﴿فما استقاموا لكم﴾ على الصراط المستقيم ﴿فاستقيموا لهم﴾ بشرحها في متسع رياض الشريعة ﴿لا يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة﴾ لا يحفظوا حقوق الجنسية فإن الأرواح والقلوب والنفوس مزدوجة في عالمي الأمر والخلق ﴿يرضونكم﴾ بالأعمال الظاهرة ﴿وتأبى قلوبهم وأكثرهم فاسقون﴾ فيما يعملون خارجون عن الصدق والإخلاص ﴿اشتروا﴾ بدلالات توصلهم إلى الله ﴿ثمناً قليلاً﴾ من متاع الدنيا ومصالحها ﴿فصدّوا عن سبيله﴾ قطعوا طريق الحق على الأرواح والقلوب ﴿فإخوانكم في الدين﴾ رفقاؤكم في طلب الحق فارعوا حقوقهم فإن لنفسك عليك حقاً. ﴿لقوم يعلمون﴾ أن السير إلى الله من أعظم المقامات وأهم المهمات ﴿وطعنوا في دينكم﴾ أنكروا مذهب السلوك ﴿أئمة الكفر﴾ النفوس ﴿وهموا بإخراج الرسول﴾ يعني الواردات الغيبية بانسداد روزنة القلب ﴿أول مرّة﴾ في أوان الطفولية. ﴿أتخشونهم﴾ في فوات حظوظهم ﴿فالله أحق أن تخشوه﴾ بفوات حقوقها. ﴿ويذهب غيظ قلوبهم﴾ يعني وحشة الأرواح والقلوب وكدورتها ﴿ويتوب الله على من يشاء﴾ بالرجوع إلى الحق قبل التمادي في الباطل من غير حاجة إلى رياضة شديدة ﴿والله عليم﴾ باستعدادات النفوس ﴿حكيم﴾ فيما يدبر لكل منها. ﴿أم حسبتم﴾ أيها النفوس الأمارة ﴿أن تتركوا﴾ بلا رياضة ﴿وليجة﴾ أولياء من الشيطان والدنيا والهوى.
الوقوف :﴿من المشركين﴾ ط ﴿معجزي الله﴾ لا للعطف ﴿الكافرين﴾ ه ﴿من المشركين﴾ لا للعطف ﴿ورسوله﴾ ط ﴿لكم﴾ ج لابتداء الشرط مع الواو ﴿معجزي الله﴾ ط ﴿أليم﴾ ه للاستثناء ﴿مدتهم﴾ ط ﴿المتقين﴾ ه ﴿مرصد﴾ ج ﴿سبيلهم﴾ ط ﴿رحيم﴾ ه ﴿مأمنه﴾ ط ﴿لا يعلمون﴾ ه ﴿المسجد الحرام﴾ ج لأن «ما» للجزاء مع اتصالها بالفاء ﴿فاستقيموا لهم﴾ ط ﴿المتقين﴾ ه ﴿ولا ذمة﴾ ط ﴿قلوبهم﴾ ج ﴿فاسقون﴾ ه ج لأن ما بعده يصلح وصفاً واستئنافاً. ﴿يعملون﴾ ه ﴿ولا ذمة﴾ ط ﴿المعتدون﴾ ه ﴿في الدين﴾ ط ﴿يعلمون﴾ ه ﴿أئمة الكفر﴾ لا لتعلق «لعلهم» بقوله ﴿فقاتلوا﴾ وما بينها اعتراض ﴿ينتهون﴾ ه ﴿أوّل مرّة﴾ ط ﴿أتخشونهم﴾ جل لأن ما بعده مبتدأ مع الفاء ﴿مؤمنين﴾ ه لا للعطف ﴿قلوبهم﴾ ط ﴿من يشاء﴾ ط ﴿حكيم﴾ ه ﴿وليجة﴾ ط ﴿تعملون﴾ ه.
ثم شرع في ذكر سائر الأسباب المحرّضة على القتال فقال ﴿ألا تقاتلون﴾ قال أهل المعاني : إذا قلت : ألا تفعل كذا. فإنما يستعمل ذلك في فعل مقدر وجوده. وإذا قلت : ألست تفعل تقول في ذلك في فعل تحقيق وجوده. والفرق أن «لا » ينفي بها المستقبل فإذا دخلت عليه الألف صار تحضيضاً على فعل ما يستقبل و «ليس » مستعمل في نفي الحال فإذا دخلت عليه الألف صار لتحقيق الحال. قال ابن إسحاق والسدي والكلبي : نزلت في كفار مكة نكثوا أيمانهم بعد عهد الحديبية وأعانوا بني بكر على خزاعة وهموا بإخراج الرسول من مكة حتى هاجر أو من المدينة. يريد اليهود هموا بإخراجه منها ونكثوا عهده وظاهروا أبا سفيان عليه ﷺ يوم الأحزاب. وقيل : همت قريش يوم الحديبية بأن يدخلوه ﷺ مكة ثم يخرجوه قبل أن يتم حجه استخفافاً به ﷺ، وعلى هذا أريد بالهم العزم على الفعل وإن لم يوجد ﴿وهم بدؤكم أول مرّة﴾ بالقتال يعني يوم بدر لأنهم حين سلم العير قالوا : لا ننصرف حتى نستأصل محمداً ومن معه. أو المراد أنهم قاتلوا حلفاءه من خزاعه، أو المراد أن الرسول ﷺ جاءهم أولاً بالكتاب المنير وتحداهم به فعدلوا عن المعارضة لعجزهم عنها إلى المقاتلة والبادئ أظلم. والحاصل أن من كان في مثل صفاتهم من نكث العهد وإخراج الرسول والبدء للقتال حقيق بأن لا تترك مقاتلته وأن يوبخ من فرط فيها. ثم زاد في التوبيخ فقال فيه ﴿أتخشونهم﴾ تقريراً للخشية منهم وتقوية لداعية القتال كما إذا قلت للرجل : أتخشى خصمك لأنه يستنكف أن ينسب إلى كونه خائفاً من خصمه. ثم بيّن ما يجب أن يكون الأمر عليه قائلاً ﴿فالله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين﴾ يعني أن قضية الإيمان الصحيح أن لا يخشى المؤمن إلا الله، لأن قدرته أتم وعقابه أشدّ بل لا قدرة إلا له ولا يكون إلا ما يريد. وفي الفاء نوع من تعليل لأن الاستفهام في معنى النهي كأنه قيل : لا تخشوهم لأن الله أحق بالخشية وأحرى بالطاعة، وفيه نوع مجازاة كأنه قيل : إن صح أنكم مؤمنون فلا تخشوا إلا الله.