آراء ابن حزم الظاهري في التفسير — ابن حزم

عن الكتاب
قال الله تعالى :
﴿براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين﴾[التوبة: ١].
وفيها مسألة واحدة، وهي :
[ ١ ] إذا نزل أهل الحرب على المسلمين تجارا بأمان، ووجدنا معهم أموالا للمسلمين ؛ فهل ننتزعها منهم ؟
يقول ابن حزم رحمه الله تعالى :
( وكذلك لو نزل أهل الحرب عندنا تجارا بأمان، أو رسلا، أو مستجيرين، أو ملتزمين لأن يكونوا ذمة لنا، فوجدنا بأيديهم أسرى مسلمين، أو أهل ذمة، أو عبيدا، أو إماء للمسلمين، أو مالا لمسلم، أو لذمي، فإنه ينتزع كل ذلك منهم بلا عوض، أحبوا أم كرهوا، ويرد المال إلى أصحابه. ولا يحل لنا الوفاء بكل عهد أعطوه على خلاف هذا لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : " كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل " (١)...
وقال مالك وابن القاسم(٢) : لو نزل حربيون بأمان، وعندهم مسلمات مأسورات لم ينتزعن منهم، ولا يمنعون من الوطء بهن(٣). وقال ابن القاسم : لو تذمم حربيون وبأيديهم أسرى مسلمون أحرار : فهم باقون في أيدي أهل الذمة عبيد لهم كما كانوا. وهذان القولان لا نعلم قولا أعظم فسادا منهما، ونعوذ بالله منهما، وليت شعري ما القول، لو كان بأيديهم شيوخ مسلمون، وهم يستحلون فعل قوم لوط أيتركون وذلك ؟ أو لو أن بأيديهم مصاحف، أيتركون يمسحون بها العذر عن أستاههم ؟ ! نبرأ إلى الله تعالى من هذا القول أتم البراءة، ونعوذ بالله من الخذلان.
قال ابن حزم :( فإن ذكروا حديث أبي جندل، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم رده على المشركين(٤)، فلا حجة لهم فيه لوجوه :
أولها : أنه عليه السلام رده ولم يكن العهد تم بينهم، وهم لا يقولون بهذا.
والثاني : أنه عليه السلام لم يرده حتى أجاره له مكرز بن حفص من أن يؤذى.
والثالث : أنه عليه السلام قد كان الله تعالى أعلمه أنه سيجعل الله له فرجا ومخرجا ونحن لا نعلم ذلك.
والرابع : أنه خبر منسوخ، نسخه قول الله تعالى بعد قصة أبي جندل :﴿يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن الله أعلم بإيمانهن فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن﴾[الممتحنة: ١٠].
فأبطل الله تبارك وتعالى بهذه الآية عهدهم في رد النساء، ثم أنزل الله تعالى :﴿براءة﴾ بعد ذلك فأبطل العهد كله ونسخه بقوله تعالى :﴿براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين فسيحوا في الأرض أربعة أشهر﴾[التوبة: ١-٢].
وبقوله تعالى في ( براءة ) أيضا :﴿كيف يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام﴾[التوبة: ٧] الآية.
فأبطل تعالى كل عهد للمشركين حاشا الذين عاهدوا عند المسجد الحرام.
وبقوله تعالى :﴿فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم﴾[التوبة: ٥].
وقال تعالى :﴿قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون﴾[التوبة: ٢٩].
فأبطل الله تعالى كل عهد ولم يقره، ولم يجعل للمشركين إلا القتل، أو الإسلام، ولأهل الكتاب خاصة إعطاء الجزية وهم صاغرون وأمن المستجير والرسول حتى يؤدي رسالته، ويسمع المستجير كلام الله، ثم يردان إلى بلادهما ولا مزيد، فكل عهد غير هذا فهو باطل مفسوخ لا يحل الوفاء به ؛ لأنه خلاف شرط الله عز وجل وخلاف أمره )(٥).
١ أخرجه البخاري (٢١٦٨) في البيوع: باب إذا اشترط شروطا في البيع لا تحل، ومسلم في (١٥٠٤): (العتق): باب إنما الولاء لمن اعتق؟ من حديث عائشة رضي الله عنها: قالت: دخلت على بريرة، فقالت: إن أهلي كاتبوني على تسع أوراق في تسع سنين، في كل سنة أوقية، فأعييني، فقلت لها: إن شاء أهلك أن أعدها لهم عدة واحدة، وأعتقك، ويكون الولاء لي، فعلت، فذكرت ذلك لأهلها، فأبوا إلا أن يكون الولاء لهم، فأتتني فذكرت ذلك قالت: فانتهرتها، فقالت: لاها الله إذا، قالت: فسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسألني فأخبرته، فقال: "اشتريتها وأعتقيها، واشترطي لهم الولاء، فإن الولاء لمن اعتق"، ففعلت، قالت: ثم خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم عشية، فحمد الله أثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: "أما بعد، فما بال أقوام يشترطون شروطا ليست في كتاب الله؟ ما كان من شرط ليس في كتاب الله عز وجل، فهو باطل، وإن كان مائة شرط" الحديث..
٢ عبد الرحمن بن القاسم أبو عبد الله العتقي مولاهم المصري صاحب مالك الإمام، كان ذا مال ودنيا فأنفقها في العلم، ولد سنة (١٣٢ هـ). انظر ترجمته في سير أعلام النبلاء (٩/١٢٠)..
٣ ذهب مالك وابن القاسم: أنه إذا كان بين المسلمين وبين الكفار عهد، ومن بنود العهد رد من جاء إلينا منهم مسلما، أنه يجب لهم الوفاء أما النساء، فلا، ولو اشترط كان شرطا فاسدا. فهذا يوهي ما نقله عنهم ابن حزم. سيما مع نص الآية الصريح على النساء، وحرمة بقائهن عند الكفار. انظر: (التاج والإكليل) (٣/٣٨٦-٣٨٧)، (جواهر الإكليل) (١/٢٧٠)..
٤ أخرجه البخاري (٢٧٣٢، ٢٧٣١)، كتاب الشروط: باب الشروط في الجهاد، وأخرج مسلم بعضه دون قصة أبي جندل (١٧٨٤) في (كتاب الجهاد والسير): باب صلح الحديبية في الحديبية).
٥ المحلى (٥/٣٦٠-٣٦٢)..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى