محتويات صفحة تفسير الآية

تجد في هذه الصفحة تفسير الآية ١ من سورة التوبة في ١٢٦ كتابًا من كتب التفسير، ومعاني غريب كلماتها، وإعرابها، و٤١ قولًا من التفسير بالمأثور، وما يتصل بها من الموضوعات والوقفات والترجمات.

تفسير الآية ١ من سورة التوبة

١٢٦ كتابًا من كتب التفسير

جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب
﴿بَرَآءَةٌ مّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الّذِينَ عَاهَدْتُمْ مّنَ الْمُشْرِكِينَ * فَسِيحُواْ فِي الأرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوَاْ أَنّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللّهِ وَأَنّ اللّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ﴾.
يعني بقوله جل ثناؤه : بَرَاءَةٌ مِنَ اللّهِ وَرَسولِهِ هذه براءة من الله ورسوله. ف «براءة » مرفوعة بمحذوف، وهو «هذه »، كما في قوله : سُورَةٌ أنْزَلْناها مرفوعة بمحذوف هو «هذه »، ولو قال قائل : براءة مرفوعة بالعائد من ذكرها في قوله : إلى الّذِينَ عاهَدْتُمْ وجعلها كالمعرفة ترفع ما بعدها، إذ كانت قد صارت بصلتها وهي قوله : مِنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ كالمعرفة، وصار معنى الكلام : براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين كان مذهبا غير مدفوعة صحته، وإن كان القول الأول أعجب إليّ، لأن من شأن العرب أن يضمروا لكل معاين نكرة كان أو معرفة ذلك المعاين، هذا وهذه، فيقولون عند معاينتهم الشيء الحسن : حسن والله، والقبيح : قبيح والله، يريدون : هذا حسن والله، وهذا قبيح والله فلذلك اخترت القول الأوّل. وقال : بَرَاءَةٌ مِنَ اللّهِ وَرَسولِهِ إلى الّذِينَ عاهَدْتُمْ والمعنى : إلى الذين عاهد رسول الله ﷺ من المشركين لأن العهود بين المسلمين والمشركين على عهد رسول الله ﷺ لم يكن يتولى عقدها إلا رسول الله ﷺ أو من يعقدها بأمره، ولكنه خاطب المؤمنين بذلك لعلمهم بمعناه، وأن عقود النبيّ ﷺ على أمته كانت عقودهم، لأنهم كانوا لكل أفعاله فيهم راضين، ولعقوده عليهم مسلمين، فصار عقده عليهم كعقودهم على أنفسهم، فلذلك قال : إلى الّذِينَ عاهَدْتُم مِنَ المُشْرِكِينَ لما كان من عقد رسول الله ﷺ وعهده.
وقد اختلف أهل التأويل فيمن بريء الله ورسوله إليه من العهد الذي كان بينه وبين رسول الله من المشركين فأذن له في السياحة في الأرض أربعة أشهر، فقال بعضهم : صنفان من المشركين : أحدهما : كانت مدة العهد بينه وبين رسول الله ﷺ أقلّ من أربعة أشهر، وأمهل بالسياحة أربعة أشهر، والآخر منهما كانت مدة عهده بغير أجل محدود فقصر به على أربعة أشهر ليرتاد لنفسه، ثم هو حرب بعد ذلك لله ولرسوله وللمؤمنين يقتل حيثما أدرك ويؤسر إلا أن يتوب. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال : بعث رسول الله ﷺ أبا بكر الصدّيق رضي الله عنه أميرا على الحاجّ من سنة تسع ليقيم للناس حجهم، والناس من أهل الشرك على منازلهم من حجهم. فخرج أبو بكر ومن معه من المسلمين، ونزلت سورة براءة في نقض ما بين رسول الله ﷺ وبين المشركين من العهد الذي كانوا عليه فيما بينه وبينهم : أن لا يصدّ عن البيت أحد جاءه، وأن لا يخاف أحد في الشهر الحرام. وكان ذلك عهدا عامّا بينه وبين الناس من أهل الشرك، وكانت بين ذلك عهود بين رسول الله ﷺ وبين قبائل من العرب خصائص إلى أجل مسمى، فنزلت فيه وفيمن تخلف عنه من المنافقين في تبوك وفي قول من قال منهم، فكشف الله فيها سرائر أقوام كانوا يستخفون بغير ما يظهرون، منهم من سمي لنا، ومنهم من لم يسمّ لنا، فقال : بَرَاءَةٌ مِنَ اللّهِ وَرَسولِهِ إلى الّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ المُشْرِكِينَ أي لأهل العهد العام من أهل الشرك من العرب، فَسِيحُوا فِي الأرْضِ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ. . . إلى قوله : أنّ اللّهَ بَرِيءٌ مِنَ المُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ أي بعد هذه الحجة.
وقال آخرون : بل كان إمهال الله عزّ وجلّ بسياحة أربعة أشهر من كان من المشركين بينه وبين رسول الله ﷺ عهد، فأما من لم يكن له من رسول الله عهد فإنما كان أجله خمسين ليلة، وذلك عشرون من ذي الحجة والمحرّم كله. قالوا : وإنما كان ذلك كذلك، لأن أجل الذين لا عهد لهم كان إلى انسلاخ الأشهر الحرم، كما قال الله : فإذَا انْسَلَخَ الأشْهُرُ الحُرُمُ فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ. . . الآية، قالوا : والنداء ببراءة كان يوم الحجّ الأكبر، وذلك يوم النحر في قول قوم وفي قول آخرين : يوم عرفة، وذلك خمسون يوما. قالوا : وأما تأجيل الأشهر الأربعة، فإنما كان لأهل العهد بينهم وبين رسول الله ﷺ من يوم نزلت براءة. قالوا : ونزلت في أوّل شوّال، فكان انقضاء مدة أجلهم انسلاخ الأشهر الحرم. وقد كان بعض من يقول هذه المقالة يقول : ابتداء التأجيل كان للفريقين واحدا، أعني الذي له العهد والذي لا عهد له غير أن أجل الذي كان له عهد كان أربعة أشهر، والذي لا عهد له : انسلاخ الأشهر الحرم، وذلك انقضاء المحرّم. ذكر من قال ذلك :
حدثنا المثنى، قال : حدثنا عبد الله بن صالح، قال : ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، في قوله : بَرَاءَةٌ مِنَ اللّهِ وَرَسولِهِ إلى الّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ المُشْرِكِينَ فَسِيحُوا فِي الأرْضِ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ قال : حدّ الله للذين عاهدوا رسوله أربعة أشهر يسيحون فيها حيثما شاءوا، وحدّ أجل من ليس له عهد انسلاخ الأشهر الحرم من يوم النحر إلى انسلاخ المحرم، فذلك خمسون ليلة فإذا انسلخ الأشهر الحرم أمره بأن يضع السيف فيمن عاهد.
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قال : لما نزلت بَرَاءَةٌ مِنَ اللّهِ. . . إلى : وأنّ اللّهَ مُخْزِي الْكافِرِينَ يقول : براءة من المشركين الذين كان لهم عهد، يوم نزلت براءة. فجعل مدة من كان له عهد قبل أن تنزل براءة أربعة أشهر، وأمرهم أن يسيحوا في الأرض أربعة أشهر، وجعل مدة المشركين الذين لم يكن لهم عهد قبل أن ينزل براءة انسلاخ الأشهر الحرم، وانسلاخ الأشهر الحرم من يوم أُذن ببراءة إلى انسلاخ المحرّم وهي خمسون ليلة : عشرون من ذي الحجة، وثلاثون من المحرّم. فإذا انْسَلَخَ الأشْهُرُ الحُرُمُ إلى قوله : وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلّ مَرْصدٍ يقول : لم يبق لأحد من المشركين عهد ولا ذمة منذ نزلت براءة، وانسلخ الأشهر الحرم، ومدة من كان له عهد من المشركين قبل أن تنزل براءة أربعة أشهر من يوم أذن ببراءة إلى عشر من أول ربيع الاَخر، فذلك أربعة أشهر.
حُدثت عن الحسين بن الفرج، قال : سمعت أبا معاذ، قال : حدثنا عبيد بن سليمان، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله : بَرَاءَةٌ مِنَ اللّهِ وَرَسولِهِ إلى الّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ المُشْرِكِينَ قبل أن تنزل براءة عاهد ناسا من المشركين من أهل مكة وغيرهم، فنزلت براءة من الله إلى كل أحد ممن كان عاهدك من المشركين فإني أنقض العهد الذي بينك وبينهم، فأؤجلهم أربعة أشهر يسيحون حيث شاءوا من الأرض آمنين، وأجل من لم يكن بينه وبين النبيّ ﷺ عهد انسلاخ الأشهر الحرم من يوم أذن ببراءة وأذن بها يوم النحر، فكان عشرين من ذي الحجة والمحرّم ثلاثين، فذلك خمسون ليلة. فأمر الله نبيه إذا انسلخ المحرّم أن يضع السيف فيمن لم يكن بينه وبين نبيّ الله ﷺ عهد يقتلهم حتى يدخلوا في الإسلام، وأمر بمن كان له عهد إذا انسلخ أربعة من يوم النحر أن يضع فيهم السيف أيضا يقتلهم حتى يدخلوا في الإسلام. فكانت مدة من لا عهد بينه وبين رسول الله ﷺ خمسين ليلة من يوم النحر، ومدة من كان بينه وبين رسول الله ﷺ عهد أربعة أشهر من يوم النحر إلى عشر يخلون من شهر ربيع الاَخر.
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله : بَرَاءَةٌ مِنَ اللّهِ وَرَسولِهِ. . . إلى قوله : وَبَشّرِ الّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ ألِيمٍ قال : ذكر لنا أن عليّا نادى بالأذان، وأمر على الحاج أبو بكر رضي الله عنهما، وكان العام الذي حجّ فيه المسلمون والمشركون، ولم يحجّ المشركون بعد ذلك العام. قوله : الّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ المُشْرِكِينَ. . . إلى قوله : إلى مُدّتِهِمْ قال : هم مشركو قريش الذين عاهدهم رسول الله ﷺ زمن الحديبية، وكان بقي من مدتهم أربعة أشهر بعد يوم النحر وأمر الله نبيه أن يوفي بعهدهم إلى مدتهم ومن لا عهد له انسلاخ المحرم، ونبذ إلى كل ذي عهد عهده، وأمر بقتالهم حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، ولا يقبل منهم إلا ذلك.
وقال آخرون : كان ابتداء تأخير المشركين أربعة أشهر، وانقضاء ذلك لجميعهم وقتا واحدا. قالوا : وكان ابتداؤه يوم الحجّ الأكبر، وانقضاؤه انقضاء عشر من ربيع الاَخر. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن الحسين، قال : حدثنا أحمد بن المفضل، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ : بَرَاءَةٌ مِنَ اللّهِ وَرَسولِهِ إلى الّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ المُشْرِكِينَ قال : لما نزلت هذه الآية، بريء من عهد كلّ مشرك، ولم يعاهد بعدها إلا من كان عاهد، وأجرى لكل مدتهم. فَسِيحُوا فِي الأرْضِ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ لمن دخل عهده فيها من عشر ذي الحجة والمحرّم، وصفر وشهر ربيع الأوّل، وعشر من ربيع الاَخر.
حدثني الحرث، قال : حدثنا عبد العزيز، قال : حدثنا أبو معشر، قال : حدثنا محمد بن كعب القرظي وغيره، قالوا : بعث رسول الله ﷺ أبا بكر أميرا على الموسم سنة تسع، وبعث عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه بثلاثين أو أربعين آية من براءة، فقرأها على الناس يؤجل المشركين أربعة أشهر يسيحون في الأرض، فقرأ عليهم براءة يوم عرفة أجل المشركين عشرين من ذي الحجة، والمحرّم، وصفر، وشهر ربيع الأوّل، وعشرا من ربيع الاَخر، وقرأها عليهم في منازلهم، وقال : لا يحجن بعد عامنا هذا مشرك ولا يطوفنّ بالبيت عريان.
حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال : حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة : فَسِيحُوا فِي الأرْضِ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ عشرون من ذي الحجة، والمحرم، وصفر، وربيع الأول، وعشر من ربيع الاَخر كان ذلك عهدهم الذي بينهم.
حدثنا محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد : بَرَاءَةٌ مِنَ اللّهِ وَرَسولِهِ إلى أهل العهد : خزاعة، ومدلج، ومن كان له عهد من غيرهم. أقبل رسول الله ﷺ من تبوك حين فرغ، فأراد رسول الله ﷺ الحجّ، ثم قال :«إنه يحضر المشركون فيطوفون عراة، فلا أحبّ أن أحجّ حتى لا يكون ذلك ». فأرسل أبا بكر وعليا رضي الله عنهما، فطافا بالناس بذي المجاز وبأمكنتهم التي كانوا يتبايعون بها وبالمواسم كلها، فآذنوا أصحاب العهد بأن يأمنوا أربعة أشهر، فهي الأشهر المتواليات عشرون من آخر ذي الحجة إلى عشر يخلون من شهر ربيع الاَخر، ثم لا عهد لهم. وآذن الناس كلها بالقتال إلا أن يؤمنوا.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، قوله : بَرَاءَةٌ مِنَ اللّهِ وَرَسولِهِ إلى الّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ ال
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
(القول في تفسير السورة التي يذكر فيها التوبة)
* * *
القول في تأويل قوله: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١) فَسِيحُوا فِي الأرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ (٢)﴾
قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه: (براءة من الله ورسوله)، هذه براءة من الله ورسوله.
فـ "براءة"، مرفوعة بمحذوف، وهو "هذه"، كما قوله: (سُورَةٌ أَنزلْنَاهَا)، [سورة النور: ١]، مرفوعة بمحذوف هو "هذه". ولو قال قائل: "براءة" مرفوعة بالعائد من ذكرها في قوله: (إلى الذين عاهدتم)، وجعلها كالمعرفة ترفع ما بعدها، إذ كانت قد صارت بصلتها وهي قوله: (من الله ورسوله)، كالمعرفة، وصار معنى الكلام: البراءة من الله ورسوله، إلى الذين عاهدتم من المشركين (١) = كان مذهبًا غير مدفوعة صحته، وإن كان القول الأول أعجبَ إليّ، لأن من شأن العرب أن يضمروا لكلِّ معاين نكرةً كان أو معرفةً ذلك المعاين، "هذا" و"هذه"، فيقولون عند معاينتهم الشيء الحسنَ: "حسن والله"، والقبيحَ: "قبيح والله"، يريدون: هذا حسن والله، وهذا قبيح والله، فلذلك اخترت القول الأول.
(١) في المطبوعة والمخطوطة: " براءة " مكان " البراءة "، والسياق يقتضي ما أثبت إن شاء الله.
وقال: (براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم)، والمعنى: إلى الذين عاهد رسول الله ﷺ من المشركين، لأن العهود بين المسلمين والمشركين عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، لم يكن يتولى عقدها إلا رسول الله ﷺ أو من يعقدها بأمره، ولكنه خاطب المؤمنين بذلك لعلمهم بمعناه، وأن عقودَ النبي ﷺ على أمته كانت عقودهم، لأنهم كانوا لكل أفعاله فيهم راضين، ولعقوده عليهم مسلِّمين، فصار عقده عليهم كعقودهم على أنفسهم، فلذلك قال: (إلى الذين عاهدتم من المشركين)، لما كان من عقد رسول الله ﷺ وعهده.
* * *
وقد اختلف أهل التأويل فيمن بَرِئَ الله ورسوله إليه من العهد الذي كان بينه وبين رسول الله من المشركين، فأذن له في السياحة في الأرض أربعة أشهر.
فقال بعضهم: هم صنفان من المشركين: أحدهما كانت مدة العهد بينه وبين رسول الله ﷺ أقلَّ من أربعة أشهر، وأمْهِل بالسياحة أربعة أشهر = والآخر منهما: كانت مدة عهده بغير أجل محدود، فقُصِر به على أربعة أشهر ليرتاد لنفسه، ثم هو حرب بعد ذلك لله ولرسوله وللمؤمنين، يقتل حيثما أدرك ويؤسَرُ، إلا أن يتوب.
* ذكر من قال ذلك:
١٦٣٥٦- حدثنا ابن حميد قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق قال، بعث رسول الله ﷺ أبا بكر الصديق رضى الله عنه أميرًا على الحاجّ من سنة تسع، ليقيم للناس حجهم، والناسُ من أهل الشرك على منازلهم من حجهم. فخرج أبو بكر ومن معه من المسلمين، ونزلت "سورة براءة" في نقض ما بين رسول الله ﷺ وبين المشركين من العهد الذي كانوا عليه فيما بينه وبينهم: أن لا يُصَدَّ عن البيت أحد جاءه، وأن لا يُخَاف أحد في الشهر الحرام. وكان ذلك عهدًا عامًّا بينه وبين الناس من أهل الشرك. وكانت بين
ذلك عهود بين رسول الله ﷺ وبين قبائل من العرب خصائصَ إلى أجل مسمًّى، (١) فنزلت فيه وفيمن تخلف عنه من المنافقين في تبوك، وفي قول من قال منهم، فكشف الله فيها سرائر أقوام كانوا يستخفون بغير ما يظهرون، منهم من سُمِّي لنا، ومنهم من لم يُسَمَّ لنا، فقال: (براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين)، أي: لأهل العهد العام من أهل الشرك من العرب = (فسيحوا في الأرض أربعة أشهر)، إلى قوله: (أن الله بريء من المشركين ورسوله)، أي: بعد هذه الحجة. (٢)
* * *
وقال آخرون: بل كان إمهالُ الله عز وجل بسياحة أربعة أشهر، مَنْ كان من المشركين بينه وبين رسول الله ﷺ عهد، فأما من لم يكن له من رسول الله عهد، فإنما كان أجله خمسين ليلة، وذلك عشرون من ذي الحجة والمحرم كله. قالوا: وإنما كان ذلك كذلك، لأن أجَل الذين لا عهد لهم كان إلى انسلاخ الأشهر الحرم، كما قال الله: (فَإِذَا انْسَلَخَ الأشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ)، الآية [سورة التوبة: ٥]. قالوا: والنداء ببراءة، كان يوم الحج الأكبر، وذلك يوم النحر في قول قوم، وفي قول آخرين يوم عرفة، وذلك خمسون يوما. قالوا: وأما تأجيل الأشهر الأربعة، فإنما كان لأهل العهد بينهم وبين رسول الله ﷺ من يوم نزلت "براءة". قالوا: ونزلت في أول شوّال، فكان انقضاء مدة أجلهم، انسلاخ الأشهر الحرم. وقد كان بعض من يقول هذه المقالة يقول: ابتداء التأجيل كان للفريقين واحدًا = أعني الذي له العهد، والذي لا عهد له = غير أن أجل الذي كان له عهد كان أربعة أشهر، والذي لا عهد له انسلاخ الأشهر الحرم، وذلك انقضاء المحرم.
* ذكر من قال ذلك:
(١) " خصائص " يعني لأنها لهم خاصة دون غيرهم.
(٢) الأثر: ١٦٣٥٦ - سيرة ابن هشام ٤: ١٨٨.
١٦٣٥٧- حدثنا المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس في قوله: (براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين فسيحوا في الأرض أربعة أشهر)، قال: حدّ الله للذين عاهدوا رسوله أربعة أشهر، يسيحون فيها حيثما شاؤوا، وحدّ أجل من ليس له عهد، انسلاخَ الأشهر الحرم من يوم النحر إلى انسلاخ المحرم، فذلك خمسون ليلة. فإذا انسلخ الأشهر الحرم، أمره بأن يضع السيف فيمن عاهد.
١٦٣٥٨- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قال: لما نزلت (براءة من الله)، إلى: (وأن الله مخزي الكافرين)، يقول: براءة من المشركين الذين كان لهم عهد يوم نزلت "براءة"، فجعل مدة من كان له عهد قبل أن تنزل "براءة"، أربعة أشهر، وأمرهم أن يسيحوا في الأرض أربعة أشهر. وجعل مدة المشركين الذين لم يكن لهم عهد قبل أن تنزل "براءة"، انسلاخ الأشهر الحرم، وانسلاخ الأشهر الحرم من يوم أذن ببراءة إلى انسلاخ المحرّم، وهي خمسون ليلة: عشرون من ذي الحجة، وثلاثون من المحرم = (فإذا انسلخ الأشهر الحرم) إلى قوله: (واقعدوا لهم كل مرصد)، يقول: لم يبق لأحد من المشركين عهد ولا ذمة منذ نزلت "براءة" وانسلخ الأشهر الحرم، ومدة من كان له عهد من المشركين قبل أن تنزل "براءة"، أربعة أشهر من يوم أذّن ببراءة، إلى عشر من أول ربيع الآخر، فذلك أربعة أشهر.
١٦٣٥٩- حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ قال، حدثنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: (براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين). قبل أن تنزل "براءة"، عاهد ناسًا من المشركين من أهل مكة وغيرهم، فنزلت: براءة من الله إلى كل أحد ممن كان عاهدك من المشركين، فإني أنقض العهد الذي بينك وبينهم، فأؤجلهم أربعة أشهر يسيحون
حيث شاؤوا من الأرض آمنين. وأجَّل من لم يكن بينه وبين النبي ﷺ عهد انسلاخَ الأشهر الحرم، من يوم أذِّن ببراءة، وأذن بها يوم النحر، فكان عشرين من ذي الحجة والمحرم ثلاثين، فذلك خمسون ليلة. فأمر الله نبيه إذا انسلخ المحرم أن يضع السيف فيمن لم يكن بينه وبين نبي الله ﷺ عهد، يقتلهم حتى يدخلوا في الإسلام. وأمر بمن كان له عهد إذا انسلخ أربعةٌ من يوم النحر، أن يضع فيهم السيف أيضًا، يقتلهم حتى يدخلوا في الإسلام. فكانت مدة من لا عهد بينه وبين رسول الله ﷺ خمسين ليلة من يوم النحر، ومدة من كان بينه وبين رسول الله ﷺ عهد، أربعة أشهر: من يوم النحر، إلى عشر يخلُون من شهر ربيع الآخر.
١٦٣٦٠- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: (براءة من الله ورسوله)، إلى قوله: (وبشر الذين كفروا بعذاب أليم)، قال: ذكر لنا أن عليًّا نادى بالأذان، وأُمِّر على الحاجّ أبو بكر رحمة الله عليهما. وكان العامَ الذي حج فيه المسلمون والمشركون، ولم يحج المشركون بعد ذلك العام = قوله: (الذين عاهدتم من المشركين)، إلى قوله: (إلى مدتهم)، قال: هم مشركو قريش، الذين عاهدهم رسول الله ﷺ زمنَ الحديبية، وكان بقي من مدتهم أربعة أشهر بعد يوم النحر، وأمر الله نبيه أن يوفِّي بعهدهم إلى مدتهم، ومن لا عهد له انسلاخَ المحرّم، ونبذ إلى كل ذي عهد عهده، وأمر بقتالهم حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، ولا يقبل منهم إلا ذلك.
* * *
وقال آخرون: كان ابتداء تأخير المشركين أربعة أشهر وانقضاء ذلك لجميعهم، وقتًا واحدًا. قالوا: وكان ابتداؤه يوم الحج الأكبر، وانقضاؤه انقضاء عشر من ربيع الآخر.
* ذكر من قال ذلك:
١٦٣٦١- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: (براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين)،
قال: لما نزلت هذه الآية. برئ من عهد كل مشرك، ولم يعاهد بعدها إلا من كان عاهد، وأجرى لكلّ مدتهم = (فسيحوا في الأرض أربعة أشهر)، لمن دخل عهده فيها، من عشر ذي الحجة والمحرم، وصفر، وشهر ربيع الأول، وعشر من ربيع الآخر.
١٦٣٦٢- حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا أبو معشر قال، حدثنا محمد بن كعب القرظي وغيره قالوا: بعث رسول الله ﷺ أبا بكر أميرًا على الموسم سنة تسع، وبعث عليّ بن أبي طالب، رضي الله عنهما، بثلاثين أو أربعين آية من "براءة"، فقرأها على الناس، يؤجِّل المشركين أربعة أشهر يسيحون في الأرض، فقرأ عليهم "براءة" يوم عرفة، أجَّل المشركين عشرين من ذي الحجة، والمحرم، وصفر، وشهر ربيع الأول، وعشرًا من ربيع الآخر، وقرأها عليهم في منازلهم، وقال: لا يحجنّ بعد عامنا هذا مشرك، ولا يطوفنّ بالبيت عُريان.
١٦٣٦٣- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: (فسيحوا في الأرض أربعة أشهر)، عشرون من ذي الحجة، والمحرم، وصفر، وربيع الأول، وعشر من ربيع الآخر. كان ذلك عهدَهم الذي بينهم.
١٦٣٦٤- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: (براءة من الله ورسوله)، إلى أهل العهد: خزاعة، ومُدْلج، ومن كان له عهد منهم أو غيرهم. (١) أقبل رسول الله ﷺ من تبوك حين فرغ، فأراد رسول الله ﷺ الحجَّ، ثم قال: إنه يحضر المشركون فيطوفون عُرَاةً، فلا أحب أن أحج حتى لا يكون ذلك. فأرسل أبا بكر وعليًّا رحمة الله عليهما فطافا بالناس بذي المجاز، وبأمكنتهم التي كانوا يتبايعون بها، وبالمواسم كلها، فآذنوا أصحابَ العهد بأن يأمنوا أربعة أشهر، فهي الأشهر المتواليات: عشرون من آخر ذي الحجة إلى عشر يخلون
(١) في المخطوطة: " ومن كان له أو غيرهم "، والذي في المطبوعة: " ومن كان له عهد من غيرهم "، وصححتها كما ترى.
من شهر ربيع الآخر، ثم لا عهد لهم. وآذن الناس كلها بالقتال إلا أن يؤمنوا.
١٦٣٦٥- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد قوله: (براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين)، قال: أهل العهد: مدلج، والعرب الذين عاهدهم، ومن كان له عهد. قال: أقبل رسول الله ﷺ من تبوك حين فرغ منها وأراد الحج، ثم قال: إنه يحضر البيت مشركون يطوفون عراة فلا أحب أن أحج حتى لا يكون ذلك. فأرسل أبا بكر وعليًّا رحمة الله عليهما، فطافا بالناس بذي المجاز، وبأمكنتهم التي كانوا يتبايعون بها، وبالموسم كله، وآذنوا أصحابَ العهد بأن يأمنوا أربعة أشهر، فهي الأشهر الحرم المنسلخات المتواليات: عشرون من آخر ذي الحجة إلى عشر يخلون من شهر ربيع الآخر، ثم لا عهد لهم. وآذن الناس كلهم بالقتال إلا أن يؤمنوا. فآمن الناس أجمعون حينئذ، ولم يَسِحْ أحد. وقال: حين رجع من الطائف، مضى من فوره ذلك، فغزا تبوك، بعد إذ جاء إلى المدينة.
* * *
وقال آخرون ممن قال: "ابتداء الأجل لجميع المشركين وانقضاؤه كان واحدًا". كان ابتداؤه يوم نزلت "براءة"، وانقضاء الأشهر الحرم، وذلك انقضاء المحرم.
* ذكر من قال ذلك:
١٦٣٦٦- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن الزهري: (فسيحوا في الأرض أربعة أشهر)، قال: نزلت في شوال، فهذه الأربعة الأشهر: شوال، وذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم.
* * *
وقال آخرون: إنما كان تأجيلُ الله الأشهرَ الأربعة المشركين في السياحة، لمن كان بينه وبين رسول الله ﷺ عهد مدته أقل من أربعة أشهر. أما من كان له عهد مدته أكثر من أربعة أشهر، فإنه أمر ﷺ أن يُتمّ له عهده إلى مدته.
* ذكر من قال ذلك:
١٦٣٦٧- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر قال: قال الكلبي: إنما كان الأربعة الأشهر لمن كان بينه وبين رسول الله ﷺ عهد دون الأربعة الأشهر، فأتم له الأربعة. ومن كان له عهد أكثر من أربعة أشهر، فهو الذي أمر أن يتم له عهده، وقال: (فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ)، [سورة التوبة: ٤].
* * *
قال أبو جعفر رحمه الله: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب، قولُ من قال: الأجلُ الذي جعله الله لأهل العهد من المشركين، وأذن لهم بالسياحة فيه بقوله: (فسيحوا في الأرض أربعة أشهر)، إنما هو لأهل العهد الذين ظاهروا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونقضوا عهدهم قبل انقضاء مدته. فأما الذين لم ينقضوا عهدهم ولم يظاهروا عليه، فإن الله جل ثناؤه أمر نبيه ﷺ بإتمام العهد بينه وبينهم إلى مدته بقوله: (إِلا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ)، [سورة التوبة: ٤]
فإن ظنّ ظانٌّ أن قول الله تعالى ذكره: (فَإِذَا انْسَلَخَ الأشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ)، [سورة التوبة: ٥]، يدلُّ على خلاف ما قلنا في ذلك، إذ كان ذلك ينبئ على أن الفرض على المؤمنين كان بعد انقضاء الأشهر الحرم، (١) قتْلَ كل مشرك، فإن الأمر في ذلك بخلاف ما ظن، وذلك أن الآية التي تتلو ذلك تبين عن صحة ما قلنا، (٢) وفسادِ ما ظنه من ظنّ أن انسلاخ الأشهر
(١) في المطبوعة: " ينبئ عن أن... "، وقد سلف مرارا أن استعمل أبو جعفر " على " مع " ينبئ "، فأثبتها كما في المخطوطة، وهي جائزة لتضمنها معنى " يدل ".
(٢) في المطبوعة: " تنبئ عن صحة "، وأثبت ما في المخطوطة.
الحرم كان يبيح قتل كل مشرك، كان له عهد من رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو لم يكن له منه عهد، وذلك قوله: (كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ)، [سورة التوبة: ٧]، فهؤلاء مشركون، وقد أمر الله نبيه ﷺ والمؤمنين بالاستقامة لهم في عهدهم، ما استقاموا لهم بترك نقض صلحهم، وترك مظاهرة عدوهم عليهم.
وبعدُ، ففي الأخبار المتظاهرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه حين بعث عليًّا رحمة الله عليه ببراءة إلى أهل العهود بينه وبينهم، أمره فيما أمره أن ينادي به فيهم: "ومن كان بينه وبين رسول الله ﷺ عهد فعهده إلى مدته"، أوضحُ الدليل على صحة ما قلنا. وذلك أن الله لم يأمر نبيه ﷺ بنقض عهد قوم كان عاهدهم إلى أجل فاستقاموا على عهدهم بترك نقضه، وأنه إنما أجل أربعة أشهر من كان قد نقض عهده قبل التأجيل، أو من كان له عهد إلى أجل غير محدود. فأما من كان أجل عهده محدودًا، ولم يجعل بنقضه على نفسه سبيلا فإن رسول الله ﷺ كان بإتمام عهده إلى غاية أجله مأمورًا. وبذلك بعث مناديه ينادي به في أهل الموسم من العرب.
١٦٣٦٨- حدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا قيس، عن مغيرة، عن الشعبي قال، حدثني محرّر بن أبي هريرة، عن أبي هريرة قال: كنت مع علي رحمة الله عليه، حين بعثه النبي ﷺ ينادي. فكان إذا صَحِل صوته ناديتُ، (١) قلت: بأي شيء كنتم تنادون؟ قال: بأربع: لا يطُفْ بالكعبة عُريان، ومن كان له عند رسول الله ﷺ عهدٌ
(١) " صحل صوته "، هو البحح. وله معنى آخر شبيه به في حديث أم معبد، في صفة رسول الله، بأبي هو وأمي، ﷺ قالت: " وفي صوته صحل "، (بفتحتين)، وهو مثل البحة في الصوت. فلا يكون حادا رفيعا.
فعهده إلى مدته، ولا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة، ولا يحج بعد عامنا هذا مشرك. (١)
١٦٣٦٩- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا عفان قال، حدثنا قيس بن الربيع قال، حدثنا الشيباني، عن الشعبي قال: أخبرنا المحرّر بن أبي هريرة، عن أبيه قال: كنت مع علي رضي الله عنه، فذكر نحوه = إلا أنه قال: ومن كان بينه وبين رسول الله ﷺ عهدٌ فعهده إلى أجله. (٢)
* * *
قال أبو جعفر: وقد حدث بهذا الحديث شعبة، فخالف قيسًا في الأجل.
١٦٣٧٠- فحدثني يعقوب بن إبراهيم ومحمد بن المثنى قالا حدثنا عثمان بن عمر قال، حدثنا شعبة، عن المغيرة، عن الشعبي، عن المحرّر بن أبي هريرة، عن أبيه قال: كنت مع علي حين بعثه رسول الله ﷺ ببراءة إلى أهل مكة، فكنت أنادي حتى صَحِل صوتي. فقلت: بأي شيء كنت تنادي؟ قال: أمرنا أن ننادي: أنه لا يدخل الجنة إلا مؤمن، ومن كان بينه وبين رسول
(١) الأثر: ١٦٣٦٨ - رواه أبو جعفر بثلاثة أسانيد، وسيأتي تخريجه فيما بعد. " قيس "، هو: " قيس بن الربيع الأسدي "، لينه أحمد وغيره، وقد سلف مرارا آخرها رقم: ١٢٨٠٢. و"مغيرة" هو: "مغيرة بن مقسم الضبي"، ثقة، روى له الجماعة. سلف مرارا، آخرها رقم: ١١٣٤٠. و " محرر بن أبي هريرة "، تابعي ثقة، قليل الحديث، سلف برقم: ٢٨٦٣. وهذا خبر ضعيف إسناده، لضعف " قيس بن الربيع ".
(٢) الأثر: ١٦٣٦٩ - هذا الإسناد الثاني من حديث المحرر بن أبي هريرة. " عفان "، هو: " عفان بن مسلم بن عبد الله الصفار "، روى له الجماعة، كان يروي عن قيس بن الربيع، ويقع فيه. مضت ترجمته برقم: ٥٣٩٢. و " الشيباني " هو " أبو إسحاق الشيباني "، " سليمان بن أبي سليمان "، الإمام، مضى مرارا، من آخرها رقم: ١٢٤٨٩. وعلة إسناده ضعف " قيس بن الربيع ". ولكن رواه الحاكم في المستدرك ٢: ٣٣١ من طريق شعبة، عن سليمان الشيباني، وقال: " هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه "، ووافقه الذهبي. انظر التعليق التالي.
الله ﷺ عهد فأجله إلى أربعة أشهر، فإذا حلّ الأجل فإن الله بريء من المشركين ورسوله، ولا يطُفْ بالبيت عريان، ولا يحج بعد العام مشرك. (١)
* * *
قال أبو جعفر: وأخشى أن يكون هذا الخبر وهمًا من ناقله في الأجل، لأن الأخبار متظاهرة في الأجل بخلافه، مع خلاف قيس شعبة في نفس هذا الحديث على ما بينته.
١٦٣٧١- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن أبي إسحاق، عن الحارث الأعور، عن علي رحمة الله عليه قال: أمرت بأربع: أمرت أن لا يقرب البيت بعد هذا العام مشرك، ولا يطف رجل بالبيت عريانًا، ولا يدخل الجنة إلا كل نفس مسلمة، وأن يتمّ إلى كل ذي عهد عهده. (٢)
(١) الأثر: ١٦٣٧٠ - هذا هو الإسناد الثالث: " عثمان بن عمر بن فارس العبدي "، ثقة روى له الجماعة، مضى مرارا. منها رقم: ٥٤٥٨، وغيره. وهذا الخبر من طريق شعبة، عن المغيرة، رواه أحمد في مسنده رقم: ٧٩٦٤، ورواه النسائي في سننه ٥: ٢٣٤. ورواه الحاكم في المستدرك ٢: ٣٣١ من طريق أخرى، عن النضر بن شميل، عن شعبة، عن سليمان الشيباني وقال: " هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه "، ووافقه الذهبي. انظر التعليق السالف. واستوفى الكلام فيه ابن كثير في تفسيره ٤: ١١١، وفي التاريخ ٥: ٣٨، وقال في التاريخ: " وهذا إسناد جيد، ولكن فيه نكارة من جهة قول الراوي: إن من كان له عهد فأجله إلى أربعة أشهر. وقد ذهب إلى هذا ذاهبون، ولكن الصحيح: أن من كان له عهد فأجله إلى أمده بالغا ما بلغ، ولو زاد على أربعة أشهر. ومن ليس له أمد بالكلية، فله تأجيل أربعة أشهر. بقى قسم ثالث، وهو: من له أمد يتناهى إلى أقل من أربعة أشهر من يوم التأجيل، وهذا يحتمل أن يلتحق بالأول، فيكون أجله إلى مدته وإن قل. ويحتمل أن يقال إنه يؤجل إلى أربعة أشهر، لأنه أولى ممن ليس له عهد بالكلية ". وانظر شرح الخبر في مسند أحمد.
(٢) الأثر: ١٦٣٧١ - " الحارث الأعور "، هو " الحارث بن عبد الله الهمداني "، ضعيف جدا، سلف مرارا، انظر رقم: ١٧٤. فإسناده ضعيف. وسيأتي بإسناد آخر رقم: ١٦٣٧٤.
١٦٣٧٢- حدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن زيد بن يثيع قال: نزلت "براءة"، فبعث بها رسول الله ﷺ أبا بكر، ثم أرسل عليًّا فأخذها منه. فلما رجع أبو بكر قال: هل نزل فيَّ شيء؟ قال: لا ولكني أمرت أن أبلغها أنا أو رجل من أهل بيتي. فانطلق إلى مكة، (١) فقام فيهم بأربع: أن لا يدخل مكة مشرك بعد عامه هذا، ولا يطف بالكعبة عريان، ولا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة، ومن كان بينه وبين رسول الله عهدٌ فعهده إلى مدته. (٢)
١٦٣٧٣- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو أسامة، عن زكريا، عن أبي إسحاق، عن زيد بن يثيع، عن علي قال: بعثني النبي ﷺ حين أنزلت: "براءة" بأربع: أن لا يطف بالبيت عريان، ولا يقرب المسجد الحرام مشرك بعد عامهم هذا، ومن كان بينه وبين رسول الله ﷺ عهد فهو إلى مدته، ولا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة. (٣)
١٦٣٧٤- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن عبد الأعلى، عن معمر،
(١) قوله: " فانطلق "، يعني عليا رحمه الله.
(٢) الأثران: ١٦٣٧٢، ١٦٣٧٣ - حديث زيد بن يثيع، سيرويه من ثلاث طرق، هذا، والذي يليه، ثم رقم: ١٦٣٧٩. و " زيد بن يثيع "، أو " أثيع " بالتصغير فيهما، تابعي ثقة قليل الحديث، مضى برقم: ١٥٧٣٧. وهذا الخبر رواه أحمد في مسنده رقم: ٥٩٤، من طريق سفيان، عن أبي إسحاق السبيعي، وإسناده صحيح. ورواه الترمذي في كتاب الحج، باب ما جاء في كراهية الطواف عريانا، وقال: " وفي الباب عن أبي هريرة، قال أبو عيسى: حديث على حسن ". ويعني بحديث أبي هريرة ما سلف رقم: ١٦٣٦٨ - ١٦٣٧٠. ثم رواه أيضا في كتاب التفسير وقال: " هذا حديث حسن صحيح ". وروى أحمد في مسند أبي بكر رقم: ٤، نحو هذا الحديث مطولا، من حديث زيد بن يثيع، عن أبي بكر.
(٣) الأثران: ١٦٣٧٢، ١٦٣٧٣ - حديث زيد بن يثيع، سيرويه من ثلاث طرق، هذا، والذي يليه، ثم رقم: ١٦٣٧٩. و " زيد بن يثيع "، أو " أثيع " بالتصغير فيهما، تابعي ثقة قليل الحديث، مضى برقم: ١٥٧٣٧. وهذا الخبر رواه أحمد في مسنده رقم: ٥٩٤، من طريق سفيان، عن أبي إسحاق السبيعي، وإسناده صحيح. ورواه الترمذي في كتاب الحج، باب ما جاء في كراهية الطواف عريانا، وقال: " وفي الباب عن أبي هريرة، قال أبو عيسى: حديث على حسن ". ويعني بحديث أبي هريرة ما سلف رقم: ١٦٣٦٨ - ١٦٣٧٠. ثم رواه أيضا في كتاب التفسير وقال: " هذا حديث حسن صحيح ". وروى أحمد في مسند أبي بكر رقم: ٤، نحو هذا الحديث مطولا، من حديث زيد بن يثيع، عن أبي بكر.
عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي رحمة الله عليه، قال: بعثت إلى أهل مكة بأربع، ثم ذكر الحديث. (١)
١٦٣٧٥- حدثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري قال، حدثنا حسين بن محمد قال، حدثنا سليمان بن قرم، عن الأعمش، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس: أن رسول الله ﷺ بعث أبا بكر ببراءة، ثم أتبعه عليًّا، فأخذها منه، فقال أبو بكر: يا رسول الله حدث فيّ شيء؟ قال: "لا أنت صاحبي في الغار وعلى الحوض، ولا يؤدِّي عني إلا أنا أو عليّ! وكان الذي بعث به عليًّا أربعا: لا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة، ولا يحجّ بعد العام مشرك، ولا يطف بالبيت عريان، ومن كان بينه وبين رسول الله ﷺ عهد فهو إلى مُدَّته. (٢)
١٦٣٧٦- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن ابن أبي خالد، عن عامر قال: بعث النبي ﷺ عليًّا رحمة الله عليه، فنادى: ألا لا يحجنَّ بعد العام مشرك، ولا يطف بالبيت عريان، ولا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة، ومن كان بينه وبين رسول الله ﷺ عهد فأجله إلى مدته، والله بريء من المشركين ورسوله.
١٦٣٧٧- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة قال، حدثنا محمد بن إسحاق، عن حكيم بن حكيم بن عباد بن حنيف، عن أبي جعفر محمد بن علي بن حسين
(١) الأثر: ١٦٣٧٤ - انظر التعليق على الأثر رقم: ١٦٣٧١.
(٢) الأثر: ١٦٣٧٥ - " حسين بن محمد المروزي "، روى له الجماعة، مضى مرارا، آخرها رقم: ١٥٣٣٨. و"سليمان بن قرم بن معاذ التيمي"، ثقة، غمزوه بالغلو في التشيع. مضى برقم: ٩١٦٣. و " الحكم " هو " الحكم بن عتيبة "، مضى مرارا. وهذا الخبر رواه الترمذي في كتاب التفسير، من طريق أخرى، من طريق عباد بن العوام، عن سفيان بن الحسين، عن الحكم بن عتيبة، بنحوه، وقال: " هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه، من حديث ابن عباس ".
بن علي قال: لما نزلت براءة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد كان بعث أبا بكر الصديق رحمة الله عليه ليقيم الحج للناس; قيل له: يا رسول الله، لو بعثت إلى أبي بكر! فقال: لا يؤدِّي عني إلا رجل من أهل بيتي! ثم دعا علي بن أبي طالب رحمة الله عليه، فقال: اخرج بهذه القصة من صدر "براءة"، وأذِّن في الناس يوم النحر إذا اجتمعوا بمنًى: أنه لا يدخل الجنة كافر، ولا يحج بعد العام مشرك، ولا يطف بالبيت عريان، ومن كان له عند رسول الله ﷺ عهد فهو إلى مدته. فخرج علي بن أبي طالب رحمة الله عليه على ناقة رسول الله ﷺ العضباء، حتى أدرك أبا بكر الصديق بالطريق. فلما رآه أبو بكر قال: أميرٌ أو مأمور؟ قال: مأمور، ثم مضيا رحمة الله عليهما، فأقام أبو بكر للناس الحج، والعرب إذ ذاك في تلك السنة على منازلهم من الحجّ التي كانوا عليها في الجاهلية. حتى إذا كان يوم النحر، قام علي بن أبي طالب رحمة الله عليه، فأذن في الناس بالذي أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا أيها الناس، لا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة، ولا يحج بعد العام مشرك، ولا يطف بالبيت عريان، ومن كان له عهد عند رسول الله ﷺ فهو له إلى مدته. فلم يحجّ بعد ذلك العام مشرك، ولم يطف بالبيت عريان. ثم قدما على رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكان هذا من "براءة"، فيمن كان من أهل الشرك من أهل العهد العامّ، وأهل المدة إلى الأجل المسمى. (١)
١٦٣٧٨- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي قال: لما نزلت هذه الآيات إلى رأس أربعين آية، بعث بهن رسول الله ﷺ مع أبي بكر وأمَّره على الحج. فلما سار فبلغ
(١) الأثر: ١٦٣٧٧ - سيرة ابن هشام ٤: ١٩٠، ١٩١. " حكيم بن حكيم بن عباد بن حنيف الأنصاري "، ثقة، تكلموا فيه، حتى قال ابن سعد: " كان قليل الحديث، ولا يحتجون بحديثه "، مضى برقم: ١١٧٤١.
الشجرة من ذي الحليفة، أتبعه بعليّ فأخذها منه. فرجع أبو بكر إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، بأبي أنت وأمي، أنزل في شأني شيء؟ قال: لا ولكن لا يبلِّغ عني غيري، أو رجل مني، أما ترضى يا أبا بكر أنك كنت معي في الغار، وأنك صاحبي على الحوض؟ قال: بلى، يا رسول الله! فسار أبو بكر على الحاجّ، وعلي يؤذن ببراءة، فقام يوم الأضحى فقال: لا يقربنَّ المسجد الحرام مشرك بعد عامه هذا، ولا يطوفنّ بالبيت عريان، ومن كان بينه وبين رسول الله ﷺ عهد فله عهده إلى مدته، وإن هذه أيام أكل وشرب، وإن الله لا يدخل الجنة إلا من كان مسلما. فقالوا: نحن نبرأ من عهدك وعهد ابن عمك إلا من الطعن والضرب! فرجع المشركون، فلام بعضهم بعضًا وقالوا: ما تصنعون، وقد أسلمت قريش؟ فأسلموا.
١٦٣٧٩- حدثنا الحسن بن يحيى قال: أخبرنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر، عن أبي إسحاق، عن زيد بن يثيع، عن علي قال: أمرت بأربع: أن لا يقربَ البيتَ بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، ولا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة، وأن يتم إلى كل ذي عهد عهده = قال معمر: وقاله قتادة. (١)
* * *
قال أبو جعفر: فقد أنبأت هذه الأخبار ونظائرها عن صحة ما قلنا، وأن أجل الأشهر الأربعة إنما كان لمن وصفنا. فأما من كان عهده إلى مدة معلومة، فلم يجعل لرسول الله ﷺ وللمؤمنين لنَقْضِه ومظاهرة أعدائهم عليهم سبيلا فإن رسول الله ﷺ قد وَفَى له بعهده إلى مدته، عن أمر الله إياه بذلك. وعلى ذلك دلّ ظاهرُ التنزيل، وتظاهرت به الأخبار عن الرسول صلى الله عليه وسلم.
وأما الأشهر الأربعة، فإنها كانت أجلَ من ذكرنا. وكان ابتداؤها يوم
(١) الأثر: ١٦٣٧٩ - انظر التعليق على الأثرين رقم: ١٦٣٧٢، ١٦٣٧٣.
الحج الأكبر، وانقضاؤها انقضاء عشر من ربيع الآخر، فذلك أربعة أشهر متتابعة، جُعِل لأهل العهد الذين وصفنا أمرهم، فيها، السياحةُ في الأرض، يذهبون حيث شاؤوا، لا يعرض لهم فيها من المسلمين أحدٌ بحرب ولا قتل ولا سلب.
* * *
فإن قال قائل: فإذا كان الأمر في ذلك كما وصفت، فما وجه قوله: (فَإِذَا انْسَلَخَ الأشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ)، [سورة التوبة: ٥]. وقد علمت أن انسلاخها انسلاخ المحرّم، وقد زعمت أن تأجيل القوم من الله ومن رسوله كان أربعة أشهر، وإنما بين يوم الحجّ الأكبر وانسلاخ الأشهر الحرم خمسون يومًا أكثرُه، فأين الخمسون يومًا من الأشهر الأربعة؟
قيل: إن انسلاخَ الأشهر الحرم، إنما كان أجل من لا عهد له من المشركين من رسول الله صلى الله عليه وسلم، والأشهر الأربعة لمن له عهد، إما إلى أجل غير محدود، وإما إلى أجل محدود قد نقضه، فصار بنقضه إياه بمعنى من خِيف خيانته، فاستحقّ النبذ إليه على سواء، غير أنه جُعل له الاستعداد لنفسه والارتياد لها من الأجل الأربعة الأشهر. ألا ترى الله يقول لأصحاب الأشهر الأربعة، ويصفهم بأنهم أهل عهد: (براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين فسيحوا في الأرض أربعة أشهر واعلموا أنكم غير معجزي الله)، ووصف المجعول لهم انسلاخ الأشهر الحرم أجلا بأنهم أهل شرك لا أهل عهد فقال: (وأذانٌ من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر أن الله بريء من المشركين ورسوله) الآية = (إلا الذين عاهدتم من المشركين) الآية؟ ثم قال: (فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم)، فأمر بقتل المشركين الذين لا عهد لهم بعد انسلاخ الأشهر الحرم، وبإتمام عهد الذين لهم عهد. إذا لم يكونوا نقضوا عهدهم بالمظاهرة على المؤمنين، وإدخال النقص فيه عليهم.
فإن قال قائل: وما الدليل على أن ابتداء التأجيل كان يوم الحج الأكبر،
دون أن يكون كان من شوال على ما قاله قائلو ذلك؟
قيل له: إن قائلي ذلك زعموا أن التأجيل كان من وقت نزول "براءة"، وذلك غير جائز أن يكون صحيحًا، لأن المجعول له أجلُ السياحة إلى وقت محدود. إذا لم يعلم ما جُعل له، ولا سيما مع عهد له قد تقدم قبل ذلك بخلافه، فكمن لم يجعل له ذلك، لأنه إذا لم يعلم ما له في الأجل الذي جُعل له وما عليه بعد انقضائه، فهو كهيئته قبل الذي جُعل له من الأجل. ومعلوم أن القوم لم يعلموا بما جُعل لهم من ذلك، إلا حين نودي فيهم بالموسم. وإذا كان ذلك كذلك. صحَّ أن ابتداءه ما قلنا، وانقضاءه كان ما وصفنا.
وأما قوله: (فسيحوا في الأرض أربعة أشهر)، فإنه يعني: فسيروا فيها مقبلين ومدبرين، آمنين غير خائفين من رسول الله ﷺ وأتباعه.
* * *
يقال منه: "ساح فلان في الأرض يسيح، سياحة. وسُيُوحًا. وسَيَحانًا.
* * *
وأما قوله: (واعلموا أنكم غير معجزي الله)، فإنه يقول لأهل العهد من الذين كان بينهم وبين رسول الله ﷺ عهدٌ قبل نزول هذه الآية: اعلموا، أيها المشركون، أنكم إن سحتم في الأرض، واخترتم ذلك مع كفركم بالله. على الإقرار بتوحيد وتصديق رسوله = (غير معجزي الله)، يقول: غير مُفِيتيه بأنفسكم، لأنكم حيث ذهبتم وأين كنتم من الأرض، ففي قبضته وسلطانه، لا يمنعكم منه وزيرٌ، ولا يحول بينكم وبينه إذا أرادكم بعذاب معقلٌ ولا موئل. (١) إلا الإيمان به وبرسوله. والتوبة من معصيته. يقول: فبادروا عقوبته بتوبة، ودعوا السياحة التي لا تنفعكم.
(١) انظر تفسير " الإعجاز" فيما سلف ١٢: ١٢٨ / ١٣: ٣١.

تفسير القرآن العظيم — ابن كثير

عن الكتاب
فقوله :﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ أي : هذه براءة، أي : تبرؤ من الله ورسوله ﴿إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ فَسِيحُوا فِي الأرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾
اختلف المفسرون ها هنا اختلافا كثيرا، فقال قائلون : هذه الآية لذوي العهود المطلقة غير المؤقتة، أو من له عهد دون أربعة أشهر، فيكمل له أربعة أشهر، فأما من كان له عهد مؤقَّت فأجله إلى مدته، مهما كان ؛ لقوله تعالى :﴿فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة: ٤] ولما سيأتي في الحديث :" ومن كان بينه وبين رسول الله ﷺ عهد فعهده إلى مدته ". وهذا أحسن الأقوال وأقواها، وقد اختاره ابن جرير، رحمه الله، ورُوي عن الكلبي ومحمد بن كعب القُرَظِيّ، وغير واحد.
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله :﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ فَسِيحُوا فِي الأرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾ قال : حد الله للذين عاهدوا رسوله أربعة أشهر، يسيحون في الأرض حيثما شاءوا، وأجل أجل من ليس له عهد، انسلاخَ الأشهر الحرم، [ من يوم النحر إلى انسلاخ المحرم، فذلك خمسون ليلة، فإذا انسلخ الأشهر الحرم ] (١) أمره بأن يضع السيف فيمن لا عهد له.
وكذا رواه العوفي، عن ابن عباس.
وقال [ الضحاك ](٢) بعد قوله : فذلك خمسون ليلة : فأمر الله نبيه إذا انسلخ المحرم أن يضع السيف فيمن لم يكن بينه وبينه عهد، يقتلهم حتى يدخلوا في الإسلام. وأمر ممن كان له عهد إذا انسلخ أربعة أشهر من يوم النحر إلى عشر خلون من ربيع الآخر، أن يضع فيهم السيف(٣) حتى يدخلوا في الإسلام.
وقال أبو معشر المدني : حدثنا محمد بن كعب القرظي وغيره قالوا : بعث رسول الله ﷺ أبا بكر أميرا على الموسم سنة تسع، وبعث علي بن أبي طالب بثلاثين آية أو أربعين آية من " براءة " فقرأها على الناس، يؤجل المشركين أربعة أشهر يسيحون في الأرض، فقرأها عليهم يوم عرفة، أجَّل المشركين عشرين من ذي الحجة، والمحرم، وصفر، وشهر ربيع الأول، وعشرا من ربيع الآخر، وقرأها عليهم في منازلهم، وقال : لا يحجن بعد عامنا هذا مشرك، ولا يطوفن بالبيت عريان.
وقال ابن أبي نَجِيح، عن مجاهد :﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ إلى أهل العهد : خزاعة، ومُدْلِج، ومن كان له عهد أو غيرهم. أقبل(٤) رسول الله ﷺ من تبوك حين فرغ، فأراد رسول الله ﷺ الحج، ثم قال :" إنما يحضر المشركون فيطوفون عُرَاة، فلا أحب أن أحج حتى لا يكون ذلك ". فأرسل أبا بكر وعليًا، رضي الله عنهما، فطافا بالناس في ذي المجَاز وبأمكنتهم التي كانوا يتبايعون بها بالمواسم كلها، فآذنوا أصحاب العهد بأن يأمنوا أربعة أشهر، فهي الأشهر المتواليات : عشرون من ذي الحجة إلى عشر يخلون من ربيع الآخر، ثم لا عهد لهم، وآذن الناس كلَّهم بالقتال إلا أن يؤمنوا.
وهكذا روي عن السدي : وقتادة.
وقال الزهري : كان ابتداء التأجيل من شوال وآخره سلخ المحرم.
وهذا القول غريب، وكيف يحاسبون بمدة لم يبلغهم حكمها، وإنما ظهر لهم أمرها يوم النحر، حين نادى أصحاب رسول الله ﷺ بذلك ولهذا قال تعالى :﴿مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقال عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن الزهري، عن ابن المسيب، عن أبي هريرة، رضي الله عنه، في قوله :﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ قال : لما كان النبي ﷺ زمن حنين، اعتمر من الجِعِرَّانة، ثم أمرَ أبا بكر على تلك الحجة - قال معمر : قال الزهري : وكان أبو هريرة يحدِّث أن أبا بكر أمرَ أبا هريرة أن يؤذن ببراءة في حجة أبي بكر(٧) قال أبو هريرة : ثم أتبعنا النبي ﷺ عليا، وأمره أن يؤذن ببراءة، وأبو بكر على الموسم كما هو، أو قال : على هيئته(٨)
وهذا السياق فيه غرابة، من جهة أن أمير(٩) الحج كان سنة عمرة الجِعرَّانة إنما هو عَتَّاب بن أسيد، فأما أبو بكر إنما كان أميرًا سنة تسع.
وقال أحمد : حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن مغيرة، عن الشعبي، عن مُحرِّر بن أبي هريرة، عن أبيه قال : كنت مع علي بن أبي طالب، حين بعثه رسول الله ﷺ إلى أهل مكة " ببراءة "، فقال : ما كنتم تنادون ؟ قال : كنا ننادي : ألا يدخل الجنة إلا مؤمن، ولا يطوف بالبيت عريان، ومن كان بينه وبين رسول الله ﷺ عهد فإن أجله(١٠) - أو أمَدَه - إلى أربعة أشهر، فإذا مضت الأربعة الأشهر فإن الله بريء من المشركين ورسوله، ولا يحج هذا البيت بعد العام مشرك. قال : فكنت(١١) أنادي حتى صَحل صوتي(١٢) وقال الشعبي : حدثني مُحَرر بن أبي هريرة، عن أبيه قال : كنت مع ابن أبي طالب(١٣) رضي الله عنه، حين بعثه رسول الله ﷺ ينادي، فكان إذا صَحل ناديتُ. قلت : بأي شيء كنتم تنادون ؟ قال : بأربع : لا يطوف(١٤) بالكعبة عريان، ومن كان له عهد مع رسول الله ﷺ فعهده إلى مدته، ولا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة، ولا يحج بعد عامنا مشرك.
رواه ابن جرير من غير ما وجه، عن الشعبي. ورواه شعبة، عن مغيرة، عن الشعبي، به إلا أنه قال : ومن كان بينه وبين رسول الله ﷺ عهد، فعهده إلى أربعة أشهر. وذكر تمام الحديث(١٥) (١٦)
قال ابن جرير : وأخشى أن يكون وهما من بعض نقلته ؛ لأن الأخبار متظاهرة في الأجل بخلافه(١٧)
وقال الإمام أحمد : حدثنا عفان، حدثنا حماد، عن سِماك، عن أنس بن مالك، رضي الله عنه، أن رسول الله ﷺ بعث ب " براءة " مع أبي بكر، فلما بلغ ذا الحليفة قال :" لا يبلغها إلا أنا أو رجل من أهل بيتي ". فبعث بها مع علي بن أبي طالب، رضي الله عنه(١٨)
ورواه الترمذي في التفسير، عن بندار، عن عفان وعبد الصمد، كلاهما عن حماد بن سلمة به(١٩) ثم قال : حسن غريب من حديث أنس، رضي الله عنه.
وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل : حدثنا محمد بن سليمان - لُوَين(٢٠) - حدثنا محمد بن جابر، عن سماك، عن حَنَش، عن علي، رضي الله عنه، قال : لما نزلت عشر آيات من " براءة " على النبي ﷺ، دعا النبي ﷺ أبا بكر، فبعثه بها ليقرأها على أهل مكة، ثم دعاني فقال(٢١) أدرك أبا بكر، فحيثما لحقته فخذ الكتاب منه، فاذهب إلى أهل مكة فاقرأه عليهم ". فلحقته بالجُحْفة، فأخذت الكتاب منه، ورجع أبو بكر إلى النبي ﷺ، فقال : يا رسول الله، نزل في شيء ؟ فقال :" لا ولكن جبريل جاءني فقال : لن يؤدي عنك إلا أنت أو رجل منك " (٢٢)
هذا إسناد فيه ضعف.
وليس المراد أن أبا بكر، رضي الله عنه، رجع من فوره، بل بعد قضائه للمناسك التي أمره عليها رسول الله ﷺ، كما جاء مبينا في الرواية الأخرى.
وقال عبد الله أيضا : حدثني أبو بكر، حدثنا عمرو بن حماد، عن أسباط بن نصر، عن سماك عن حنش، عن علي، رضي الله عنه، أن رسول الله ﷺ حين بعثه ب " براءة " قال : يا نبي الله، إني لست باللسن ولا بالخطيب، قال :" ما بُدُّ لي أن أذهب بها أنا أو تذهب بها أنت ". قال : فإن كان ولا بدَّ فسأذهب أنا. قال :" انطلق(٢٣) فإن الله يثبت لسانك ويهدي قلبك ". قال : ثم وضع يده على فيه(٢٤)
وقال الإمام أحمد : حدثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن زيد بن يُثَيع - رجل من هَمْدان - : سألنا عليا : بأي شيء بعثت ؟ يعني : يوم بعثه النبي ﷺ مع أبي بكر في الحجة، قال : بعثت بأربع : لا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة، ولا يطوف بالبيت عريان، ومن كان بينه وبين النبي ﷺ عهد فعهده(٢٥) إلى مدته، ولا يحج المشركون والمسلمون بعد عامهم هذا.
ورواه الترمذي عن قلابة، عن سفيان بن عيينة، به(٢٦) وقال : حسن صحيح.
كذا قال، ورواه شعبة، عن أبي إسحاق فقال : عن زيد بن يُثَيع(٢٧) وهم فيه. ورواه الثوري، عن أبي إسحاق، عن بعض أصحابه، عن علي، رضي الله عنه.
وقال ابن جرير : حدثنا ابن وكيع، حدثنا أبو أسامة، عن زكريا، عن أبي إسحاق، عن زيد بن يُثَيع، عن علي قال : بعثني رسول الله ﷺ حين أنزلت " براءة " بأربع : ألا يطوف بالبيت عريان، ولا يقرب المسجد الحرام مشرك بعد عامهم هذا، ومن كان بينه وبين رسول الله ﷺ عهد فهو إلى مدته، ولا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة(٢٨)
ثم رواه ابن جرير، عن محمد بن عبد الأعلى، عن ابن ثور، عن معمر، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي قال : أمرت بأربع. فذكره(٢٩)
وقال إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن زيد بن يُثَيع قال : نزلت براءة فبعث رسول الله ﷺ أبا بكر، ثم أرسل عليًا، فأخذها منه، فلما رجع أبو بكر قال : نزل(٣٠) في شيء ؟ قال :" لا ولكن أمرت أن أبلغها أنا أو رجل من أهل بيتي ". فانطلق إلى أهل مكة، فقام فيهم بأربع : لا يدخل مكة مشرك بعد عامه هذا، ولا يطوف بالبيت عريان، ولا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة، ومن كان بينه وبين رسول الله ﷺ عهد، فعهده إلى مدته(٣١) (٣٢)
وقال محمد بن إسحاق، عن حكيم(٣٣) بن حكيم بن عباد بن حُنَيْف، عن أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين بن علي قال : لما نزلت " براءة " على رسول الله ﷺ، وقد كان(٣٤) بعث أبا بكر ليقيم الحج للناس، فقيل : يا رسول الله، لو بعثت إلى أبي بكر. فقال :" لا يؤدي عني إلا رجل من أهل بيتي ". ثم دعا عليا فقال :" اخرج بهذه القصة(٣٥) من صدر براءة، وأذن في الناس يوم النحر إذا اجتمعوا بمنى : أنه لا يدخل الجنة كافر، ولا يحج بعد العام مشرك، ولا يَطُف(٣٦) بالبيت عريان، ومن كان له عند رسول الله ﷺ عهد فعهده إلى مدته ".
فخرج علي(٣٧) رضي الله عنه، على ناقة رسول الله ﷺ العضباء، حتى أدرك أبا بكر في الطريق(٣٨) ما رآه أبو بكر قال : أمير أو مأمور ؟ قال(٣٩) بل مأمور، ثم مضيا(٤٠) فأقام أبو بكر للناس الحج، [ والعرب ](٤١) إذ ذاك في تلك السنة على منازلهم من الحج التي كانوا عليها في الجاهلية حتى إذا كان يوم النحر، قام علي بن أبي طالب فأذن في الناس بالذي أمره رسول الله ﷺ، فقال : يا أيها الناس، إنه لا يدخل الجنة كافر، ولا يحج بعد العام، ولا يطف(٤٢) بالبيت عريان، ومن كان له عهد عند رسول الله ﷺ فهو إلى مدته. فلم يحج بعد ذلك العام مشرك، ولم يطف بالبيت عريان، ثم قدما على رسول الله ﷺ. فكان هذا من " براءة " فيمن كان من أهل الشرك من أهل العهد العام، وأهل المدة إلى الأجل المسمى.
وقال ابن جرير : حدثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، أخبرنا أبو زُرْعة وهب الله بن راشد، أخبرنا حَيْوَة بن شُريح : أخبرنا أبو(٤٣) صخر : أنه سمع أبا معاوية البجلي من أهل الكوفة يقول : سمعت أبا الصهباء البكري وهو يقول : سألت علي بن أبي طالب(٤٤) عن " يوم الحج الأكبر " فقال : إن رسول الله ﷺ بعث أبا بكر بن أبي قُحَافة يقيم للناس الحج، وبعثني معه بأربعين آية من " براءة "، حتى أتى عرفة فخطب الناس يوم عرفة، فلما قضى خطبته التفت إليَّ فقال : قم، يا علي، فأدّ رسالة رسول الله ﷺ، فقمت فقرأت عليهم أربعين آية من " براءة "، ثم صَدَرنا فأتينا منى، فرميت الجمرة ونحرتُ البدنة، ثم حلقت رأسي، وعلمت أن أهل الجمع لم يكونوا حضروا كلهم خطبة أبي بكر يوم عرفة، فطفت أتتبع بها الفساطيط أقرؤها عليهم، فمن ثم إخال حسبتم أنه يوم النحر [ ألا وهو يوم النحر ](٤٥) ألا وهو(٤٦) يوم عرفة(٤٧)
وقال عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن أبي إسحاق : سألت أبا جُحَيفة عن يوم الحج الأكبر، قال :
يوم عرفة. فقلت : أمِنْ عندك أم من أصحاب محمد ﷺ ؟ قال : كل في ذلك(٤٨)
وقال عبد الرزاق أيضا، عن جُرَيْج، عن عطاء قال : يوم الحج الأكبر، يوم عرفة.
وقال عُمَر بن الوليد الشَّنِّي : حدثنا شهاب بن عباد العَصَريّ، عن أبيه قال : سمعت عمر بن الخطاب يقول : هذا يوم عرفة، هذا يوم الحج الأكبر، فلا يصومنه أحد. قال : فحججت بعد أبي فأتيت المدينة، فسألت عن أفضل أهلها، فقالوا : سعيد بن المسيب، فأتيته فقلت : إني سألت عن أفضل أهل المدينة فقالوا : سعيد بن المسيب، فأخبرني عن صوم يوم عرفة ؟ فقال : أخبرك عمن هو أفضل مني مائة ضعف عمر - أو : ابن عمر - كان ينهى عن صومه، ويقول(٤٩) هو يوم الحج الأكبر.
رواه ابن جرير وابن أبي حاتم(٥٠) وهكذا روي عن ابن عباس، وعبد الله بن الزبير، ومجاهد، وعِكْرِمة، وطاوس : أنهم قالوا : يوم عرفة هو يوم الحج الأكبر.
وقد ورد فيه حديث مرسل رواه ابن جُرَيْج : أخبرت عن محمد بن قيس بن مَخْرَمة أن رسول الله ﷺ خطب يوم عرفة، فقال :" هذا يوم الحج الأكبر " (٥١)
وروي من وجه آخر عن ابن جريج، عن محمد بن قيس، عن المِسْوَر بن مخرمة، عن رسول الله ﷺ، أنه خطبهم بعرفات فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال :" أما بعد، فإن هذا يوم الحج الأكبر ".
والقول الثاني : أنه يوم النحر.
قال هُشَيْم، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي، عن علي، رضي الله عنه، قال : يوم الحج الأكبر يوم النحر.
وقال أبو إسحاق السَّبِيعي، عن الحارث الأعور، سألت عليًا، رضي الله عنه، عن يوم الحج الأكبر، فقال :[ هو ](٥٢) يوم النحر.
وقال شعبة، عن الحكم : سمعت يحيى بن الجزار يحدث عن علي، رضي الله عنه، أنه خرج يوم النحر على بغلة بيضاء يريد الجبانة، فجاء رجل فأخذ بلجام دابته، فسأله عن الحج الأكبر، فقال : هو يومك هذا، خَل سبيلها.
وقال عبد الرازق، عن سفيان عن شعبة(٥٣) عن عبد الملك بن عمير، عن عبد الله بن أبي أوفى أنه قال : يوم الحج الأكبر يوم النحر.
وروى شعبة وغيره، عن عبد الملك بن عمير، به نحوه. وهكذا(٥٤) رواه هشيم وغيره، عن الشيباني عن عبد الله بن أبي أوفى.
وقال الأعمش، عن عبد الله بن سنان قال : خطبنا المغيرة بن شعبة يوم الأضحى على بعير فقال : هذا يوم الأضحى، وهذا يوم النحر، وهذا يوم الحج الأكبر.
وقال حماد بن سلمة، عن سِمَاك، عن عِكْرِمة، عن ابن عباس أنه قال : الحج الأكبر، يوم النحر.
وكذا روي عن أبي جُحَيْفة، وسعيد بن جُبَير، وعبد الله بن شداد بن الهاد، ونافع بن جُبَير بن مطعم، والشعبي، وإبراهيم النَّخَعِي، ومجاهد، وعِكْرِمة، وأبي جعفر الباقر، والزهري، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم أنهم قالوا : يوم الحج الأكبر هو يوم النحر. واختاره ابن جرير. وقد تقدم الحديث عن أبي ه


١ - زيادة من ت، م..
٢ - زيادة من ت، م..
٣ - من ت :"السيف أيضا"..
٤ - في ت، ك :"إقبال"، وفي د :"فقدم"..
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
[بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وَبِهِ أَسْتَعِينُ وَهُوَ حَسْبِي وَنِعْمَ الْوَكِيلُ] (١)
تَفْسِيرُ سُورَةِ التَّوْبَةِ (٢)
مَدَنِيَّةٌ (٣)
﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١) فَسِيحُوا فِي الأرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ (٢)﴾
هَذِهِ السُّورَةُ الْكَرِيمَةُ مِنْ أَوَاخِرِ مَا نَزَلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كَمَا قَالَ الْبُخَارِيُّ.
حَدَّثَنَا [أَبُو] (٤) الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ: سَمِعْتُ الْبَرَاءَ يَقُولُ: آخِرُ آيَةٍ نَزَلَتْ: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ﴾ [النَّسَاءِ: ١٧٦] وَآخِرُ سُورَةٍ نَزَلَتْ بَرَاءَةُ (٥).
وَإِنَّمَا لَا يُبَسْمَلُ (٦) فِي أَوَّلِهَا لِأَنَّ الصَّحَابَةَ لَمْ يَكْتُبُوا الْبَسْمَلَةَ فِي أَوَّلِهَا فِي الْمُصْحَفِ الْإِمَامِ، وَالِاقْتِدَاءُ فِي ذَلِكَ بِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ، كَمَا قَالَ التِّرْمِذِيُّ:
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعْدٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ (٧) وَابْنُ أَبِي عَدِيّ، وسَهْل بْنُ يُوسُفَ قَالُوا: حَدَّثَنَا عَوْفُ بْنُ أَبِي جَميلة (٨) أَخْبَرَنِي يَزِيدُ الْفَارِسِيُّ، أَخْبَرَنِي ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قُلْتُ لِعُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ: مَا حَمَلَكُمْ أَنْ عَمَدْتُمْ إِلَى الْأَنْفَالِ، وَهِيَ مِنَ الْمَثَانِي، وَإِلَى بَرَاءَةٌ وَهِيَ مِنَ الْمِئِينَ، فَقَرَنْتُمْ (٩) بَيْنَهُمَا، وَلَمْ تَكْتُبُوا بَيْنَهُمَا سَطْرَ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ وَوَضَعْتُمُوهَا (١٠) فِي السَّبْعِ الطُّوَلِ، مَا حَمَلَكُمْ عَلَى ذَلِكَ؟ فَقَالَ عُثْمَانُ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِمَّا يَأْتِي عَلَيْهِ الزَّمَانُ وَهُوَ يُنزل (١١) عَلَيْهِ السُّوَرُ ذَوَاتُ الْعَدَدِ، فَكَانَ إِذَا نَزَلَ عَلَيْهِ الشيءُ دَعَا بَعْضَ مَنْ كَانَ يَكْتُبُ، فَيَقُولُ: ضَعُوا هَذِهِ الْآيَاتِ فِي السُّورَةِ الَّتِي يُذْكر فِيهَا كَذَا وَكَذَا، فَإِذَا نَزَلَتْ (١٢) عَلَيْهِ الْآيَةُ فَيَقُولُ: "ضَعُوا هَذِهِ (١٣) فِي السُّورَةِ الَّتِي يُذْكَرُ فِيهَا كَذَا وَكَذَا"، وَكَانَتِ الْأَنْفَالُ مِنْ أَوَّلِ مَا نَزَلَ (١٤) بِالْمَدِينَةِ، وَكَانَتْ بَرَاءَةُ مِنْ آخِرِ الْقُرْآنِ، وَكَانَتْ قِصَّتُهَا شَبِيهَةً بِقِصَّتِهَا (١٥) وحَسبْتُ أَنَّهَا مِنْهَا، وَقُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يُبَيِّنْ لَنَا أَنَّهَا مِنْهَا، فَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ قَرَنْتُ بَيْنَهُمَا، وَلَمْ أَكْتُبْ بَيْنَهُمَا سَطْرَ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ فوضعتها في السبع الطول (١٦).
(١) زيادة من ك.
(٢) في ك: "براءة".
(٣) زيادة من ك.
(٤) زيادة من د، ك، والبخاري.
(٥) صحح البخاري برقم (٤٦٤٥).
(٦) في ك: "لا تبسمل".
(٧) في د، ك: "محمد بن أبي جعفر".
(٨) في ت: "حملة".
(٩) في د: "وقرنتم".
(١٠) في د: "ووضعتموهما".
(١١) في ت: "تنزل".
(١٢) في ت: "أنزلت".
(١٣) في ك، أ: "هذه الآية".
(١٤) في ت، أ: "نزلت".
(١٥) في ت: "بعضها".
(١٦) سنن الترمذي برقم (٣٠٨٦).
وَكَذَا رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ حبَّان فِي صَحِيحِهِ، وَالْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ، مِنْ طُرُقٍ أُخَرَ، عَنْ عَوْفٍ الْأَعْرَابِيِّ، بِهِ (١) وَقَالَ الْحَاكِمُ: صَحِيحُ الْإِسْنَادِ وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ.
وَأَوَّلُ هَذِهِ السُّورَةِ الْكَرِيمَةِ نَزَلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لَمَّا رَجَعَ مِنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ وَهَمَّ بِالْحَجِّ، ثُمَّ ذُكر أَنَّ الْمُشْرِكِينَ يَحْضُرُونَ عَامَهُمْ هَذَا الْمَوْسِمَ عَلَى عَادَتِهِمْ فِي ذَلِكَ، وَأَنَّهُمْ يَطُوفُونَ بِالْبَيْتِ عُرَاةً فَكَرِهَ مُخَالَطَتَهُمْ، فَبَعَثَ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَمِيرًا عَلَى الْحَجِّ هَذِهِ السَّنَةَ، لِيُقِيمَ لِلنَّاسِ مَنَاسِكَهُمْ، وَيُعْلِمَ الْمُشْرِكِينَ أَلَّا يَحُجُّوا بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا، وَأَنْ يُنَادِيَ فِي النَّاسِ بِبَرَاءَةَ، فَلَمَّا قَفَلَ أَتْبَعُهُ بِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ لِيَكُونَ مُبَلِّغًا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لِكَوْنِهِ عَصَبَة لَهُ، كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ.
فَقَوْلُهُ: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ أَيْ: هَذِهِ بَرَاءَةٌ، أَيْ: تَبَرُّؤٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ﴿إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ فَسِيحُوا فِي الأرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾
اختلف المفسرون ها هنا اخْتِلَافًا كَثِيرًا، فَقَالَ قَائِلُونَ: هَذِهِ الْآيَةُ لِذَوِي الْعُهُودِ الْمُطْلَقَةِ غَيْرِ الْمُؤَقَّتَةِ، أَوْ مَنْ لَهُ عَهْدٌ دُونَ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، فَيُكْمَلُ لَهُ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ، فَأَمَّا مَنْ كَانَ لَهُ عَهْدٌ مؤقَّت فَأَجَلُهُ إِلَى مُدَّتِهِ، مَهْمَا كَانَ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [التَّوْبَةِ: ٤] وَلِمَا سَيَأْتِي فِي الْحَدِيثِ: "وَمَنْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَهْدٌ فَعَهْدُهُ إِلَى مُدَّتِهِ". وَهَذَا أَحْسَنُ الْأَقْوَالِ وَأَقْوَاهَا، وَقَدِ اخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، رَحِمَهُ اللَّهُ، ورُوي عَنِ الْكَلْبِيِّ وَمُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيّ، وَغَيْرِ وَاحِدٍ.
وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ فَسِيحُوا فِي الأرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾ قَالَ: حَدَّ اللَّهُ لِلَّذِينِ عَاهَدُوا رَسُولَهُ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ، يَسِيحُونَ فِي الْأَرْضِ حَيْثُمَا شَاءُوا، وَأَجَّلَ أَجَلَ مَنْ لَيْسَ لَهُ عَهْدٌ، انسلاخَ الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ، [مِنْ يَوْمِ النَّحْرِ إِلَى انْسِلَاخِ الْمُحَرَّمِ، فَذَلِكَ خَمْسُونَ لَيْلَةً، فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ] (٢) أَمَرَهُ بِأَنْ يَضَعَ السَّيْفَ فَيمَنْ لَا عَهْدَ لَهُ.
وَكَذَا رَوَاهُ الْعَوْفِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.
وَقَالَ [الضَّحَّاكُ] (٣) بَعْدَ قَوْلِهِ: فَذَلِكَ خَمْسُونَ لَيْلَةً: فَأَمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ إِذَا انْسَلَخَ الْمُحَرَّمُ أَنْ يَضَعَ السَّيْفَ فِيمَنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ عَهْدٌ، يَقْتُلُهُمْ حَتَّى يَدْخُلُوا فِي الْإِسْلَامِ. وَأَمَرَ مِمَّنْ كَانَ لَهُ عَهْدٌ إِذَا انْسَلَخَ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ مِنْ يَوْمِ النَّحْرِ إِلَى عَشْرٍ خَلَوْنَ مِنْ رَبِيعٍ الْآخِرِ، أَنْ يَضَعَ فِيهِمُ السَّيْفَ (٤) حَتَّى يَدْخُلُوا فِي الْإِسْلَامِ.
وَقَالَ أَبُو مَعْشَرٍ الْمَدَنِيُّ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ الْقُرَظِيُّ وَغَيْرُهُ قَالُوا: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَبَا بَكْرٍ أَمِيرًا عَلَى الْمَوْسِمِ سَنَةَ تِسْعٍ، وَبَعَثَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ بِثَلَاثِينَ آيَةً أَوْ أَرْبَعِينَ آيَةً مِنْ "بَرَاءَةَ" فقرأها
(١) المسند (١/٥٧) وسنن أبي داود برقم (٧٨٦) والنسائي في السنن الكبرى برقم (٨٠٠٧) والمستدرك (٢/٣٣٠).
(٢) زيادة من ت، م.
(٣) زيادة من ت، م.
(٤) من ت: "السيف أيضا".

تيسير الكريم الرحمن — السعدي

عن الكتاب
{ ١ - ٢ ْ } ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ ْ﴾
أي : هذه براءة من اللّه ومن رسوله إلى جميع المشركين المعاهدين،
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
{١ - ٢} ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * فَسِيحُوا فِي الأرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ﴾.
أي: هذه براءة من الله ومن رسوله إلى جميع المشركين المعاهدين، أن لهم أربعة أشهر يسيحون في الأرض على اختيارهم، آمنين من المؤمنين، وبعد الأربعة الأشهر فلا عهد لهم، ولا ميثاق.
وهذا لمن كان له عهد مطلق غير مقدر، أو مقدر بأربعة أشهر فأقل، أما من كان له عهد مقدر بزيادة على أربعة أشهر، فإن الله يتعين أن يتمم له عهده إذا لم يخف منه خيانة، ولم يبدأ بنقض العهد.
ثم أنذر المعاهدين في مدة عهدهم، أنهم وإن كانوا آمنين، فإنهم لن يعجزوا الله ولن يفوتوه، وأنه من استمر منهم على شركه فإنه لا بد أن يخزيه، فكان هذا مما يجلبهم إلى الدخول في الإسلام، إلا من عاند وأصر ولم يبال بوعيد الله له.
جميع كتب التفسير لهذه الآية (١٢٦ كتابًا)
جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تيسير الكريم الرحمن — السعدي أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — الشنقيطي - أضواء البيان تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير — محمد نسيب الرفاعي أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير — أبو بكر الجزائري التفسير الميسر — مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور — حكمت بشير ياسين المختصر في تفسير القرآن الكريم — مركز تفسير للدراسات القرآنية تفسير مجاهد — مجاهد بن جبر تفسير مقاتل بن سليمان — مقاتل بن سليمان تفسير الإمام مالك — مالك بن أنس تفسير الشافعي — الشافعي معاني القرآن — الفراء معاني القرآن للفراء — الفراء مجاز القرآن — أبو عبيدة معمر بن المثنى مجاز القرآن — أبو عبيدة تفسير القرآن — الصنعاني غريب القرآن — ابن قتيبة الدِّينَوري معاني القرآن وإعرابه للزجاج — الزجاج تفسير ابن أبي حاتم — ابن أبي حاتم الرازي تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي أحكام القرآن — الجصاص بحر العلوم — أبو الليث السمرقندي تفسير القرآن العزيز — ابن أبي زَمَنِين الكشف والبيان عن تفسير القرآن — الثعلبي الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب النكت والعيون — الماوردي النكت والعيون — الماوردي آراء ابن حزم الظاهري في التفسير — ابن حزم تفسير القشيري — القشيري لطائف الإشارات — القشيري التفسير البسيط — الواحدي الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — الواحدي تفسير السمعاني — أبو المظفر السمعاني أحكام القرآن — إلكيا الهراسي معالم التنزيل — البغوي معالم التنزيل — البغوي الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — الزمخشري المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية أحكام القرآن — ابن العربي إيجاز البيان عن معاني القرآن — بيان الحق النيسابوري أحكام القرآن — ابن الفرس تذكرة الاريب في تفسير الغريب — ابن الجوزي زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي تفسير العز بن عبد السلام — عز الدين بن عبد السلام أنوار التنزيل وأسرار التأويل — البيضاوي مدارك التنزيل وحقائق التأويل — أبو البركات النسفي التسهيل لعلوم التنزيل — ابن جُزَيِّ لباب التأويل في معاني التنزيل — الخازن البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي النهر الماد من البحر المحيط — أبو حيان الأندلسي الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني تفسير ابن عرفة — ابن عرفة التبيان في تفسير غريب القرآن — ابن الهائم تنوير المقباس من تفسير ابن عباس — الفيروزآبادي غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري تفسير الجلالين — المَحَلِّي الجواهر الحسان في تفسير القرآن — الثعالبي نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — برهان الدين البقاعي جامع البيان في تفسير القرآن — الإيجي محيي الدين الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم — الكَازَرُوني فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرآن — زكريا الأنصاري فتح الرحمن في تفسير القرآن — مجير الدين العُلَيْمي السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير — الشربيني إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم — أبو السعود روح البيان — إسماعيل حقي التفسير المظهري — المظهري البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة التفسير المظهري — محمد ثناء الله المظهري حاشية الصاوي على تفسير الجلالين — الصاوي فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني فتح البيان في مقاصد القرآن — صديق حسن خان مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد — نووي الجاوي محاسن التأويل — جمال الدين القاسمي روح المعاني — الألوسي تفسير المنار — محمد رشيد رضا تفسير المنار — رشيد رضا تفسير المراغي — أحمد بن مصطفى المراغي تفسير المراغي — المراغي المصحف المفسّر — فريد وجدي التفسير القرآني للقرآن — عبد الكريم يونس الخطيب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير — الشنقيطي - العذب النمير تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد — ابن عاشور زهرة التفاسير — محمد أبو زهرة زهرة التفاسير — أبو زهرة بيان المعاني — ملا حويش أوضح التفاسير — محمد عبد اللطيف الخطيب إعراب القرآن وبيانه — محيي الدين الدرويش التفسير الحديث — محمد عزة دروزة التفسير الحديث — دروزة تيسير التفسير — إبراهيم القطان تيسير التفسير — إبراهيم القطان صفوة البيان لمعاني القرآن — حسنين مخلوف الموسوعة القرآنية — إبراهيم الإبياري التيسير في أحاديث التفسير — المكي الناصري تفسير الشعراوي — الشعراوي تفسير الشعراوي — الشعراوي تفسير القرآن الكريم — عبد الله محمود شحاتة التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي التفسير المنير — وهبة الزحيلي التفسير الوسيط — وهبة الزحيلي حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن — محمد الأمين الهرري فتح الرحمن في تفسير القرآن — تعيلب التفسير الشامل — أمير عبد العزيز الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور — بشير ياسين التفسير الميسر — التفسير الميسر المنتخب في تفسير القرآن الكريم — المنتخب أيسر التفاسير — أسعد حومد التفسير الميسر — مجموعة من المؤلفين التفسير الواضح — محمد محمود حجازي المختصر في تفسير القرآن الكريم — مجموعة من المؤلفين المنتخب في تفسير القرآن الكريم — مجموعة من المؤلفين صفوة التفاسير — محمد علي الصابوني كتاب نزهة القلوب — أبى بكر السجستاني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحدادي اليمني مختصر تفسير ابن كثير — محمد علي الصابوني معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن — محمد الخضيري

غريب الكلمات ومعانيها

معاني الكلمات الغريبة في الآية

التبيان في تفسير غريب القرآن
بَراءَةٌ
خروج من الشيء ومفارقة له.

إعراب الآية ١ من سورة التوبة

من كتاب: إعراب القرآن

٩ شرح إعراب سورة براءة

[سورة التوبة (٩) : آية ١]

بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١)
من ذلك قوله جلّ وعزّ بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ.
رفع بالابتداء، والخبر إِلَى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ. وحسن الابتداء بالنكرة لأنها قد وصلت، ويجوز أن ترفع براءة على أنها خبر ابتداء محذوف. يقال: برئت من العهد والدّين والرجل براءة، وبرأت من المرض أبرأ، ولا يعرف فعلت أفعل مما لامه همزة إلا هذا ويقال: برئت من المرض أبرأ برءا وبرءوا، وبريت القلم وأبريت الناقة جعلت في أنفها برة. وهي حلقة من حديد، فإن كانت من خشب فهي خشاش، وإن كانت من شعر فهي خزامة. والوقف براءه بالهاء. قال سيبويه: أرادوا أن يفرقوا بين هذه التاء والتاء التي هي من نفس الحرف نحو تاء القت. قال: وزعم أبو الخطاب أنّ ناسا من العرب يقولون: طلحت كما فعلوا بتاء الجميع. مِنَ اللَّهِ فتحت النون لالتقاء الساكنين هذه اللغة الفصيحة، وللنحويين فيها أقوال: قال الكسائي: أصل (من) منا حذفوا الألف وأبقوا الفتحة، وقيل: كرهوا الجمع بين كسرتين فحركوها في أكثر المواضع بالفتح.
قال أبو جعفر: وأحسن ما قيل في هذا قول سيبويه «١» قال: لمّا كثر استعمالهم لها ولم يكن فعلا وكان الفتح أخفّ عليهم فتحوا وشبهوها بأين وكيف. قال سيبويه: وناس من العرب يكسرون فيقولون: من الله على القياس. قال أبو حاتم: زعم هارون أن أبا عمرو بن العلاء قرأ براءة من الله إلى الذين عاهدتم «٢» وإن شئت قلت: عاهدتمو على الأصل والحذف لأن الواو ثقيلة.

[سورة التوبة (٩) : آية ٢]

فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكافِرِينَ (٢)
فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ قال الكسائي: المصدر سيوحا وسيحانا وسياحة. قال الفراء:
وساح الماء سيحا. أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ أثبت الهاء فرقا بين المذكر والمؤنث. قال أبو جعفر:
(١) انظر الكتاب ٤/ ٢٦٥.
(٢) انظر مختصر ابن خالويه ٥١.
الإعراب الكامل من جميع الكتب مع تحليل الكلمات ←

الموضوعات القرآنية للآية ١ من سورة التوبة

٣ موضوعات تتناولها هذه الآية

أقوال المفسرين في الآية — التفسير بالمأثور

٤١ قولًا من موسوعة التفسير بالمأثور

نزول الآيات، وتفسيرها

٤١ قولًا
١
قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: نَقَضَ كلَّ عهد كان أكثر من أربعة أشهر، فردَّه إلى الأربعة١٢
التخريج
  1. ١تفسير الثعلبي ٥‏/‏٧.
تعليقات المحققين
  1. ٢أفادت الآثارُ اختلاف المفسرين فيمن أُذِن له بالسياحة في الأرض أربعة أشهر مِمَّن برئ الله ورسوله إليه من العهد الذي كان بينه وبين رسول الله من المشركين على أقوال: الأول: مَن كان له عهد مع النبي ﷺ، فمَن كانت مدة عهده أقل من أربعة أشهر رُفِع إليها، ومَن كانت مدة عهده بغير أجل محدود قُصِر به على أربعة أشهر، ثم هو حرب بعد ذلك لله ولرسوله وللمؤمنين، يقتل حيثما أدرك ويؤسر إلا أن يتوب. الثاني: مَن كان له عهد أُمهِل بالسياحة أربعة أشهر، ومَن لم يكن له عهد فإنّما كان أجله خمسين ليلة؛ عشرون من ذي الحجة والمحرم كله. وهؤلاء انقسموا إلى فريقين في ابتداء مدة الإمهال وانقضائها: الفريق الأول: قالوا: مَن كان له عهد: فابتداء إمهاله يوم نزول براءة أول شوال، ومَن لم يكن له عهد فابتداء إمهاله يوم النداء، وهو يوم الحج الأكبر، وانقضاؤهما: بانسلاخ الأشهر الحرم، وذلك بانقضاء المحرَّم. والفريق الثاني: قالوا: مَن كان له عهد، ومن لم يكن له عهد، فابتداء الإمهال لهما واحد: وهو يوم النداء بالحج، ثم مَن كان له عهد فانقضاء إمهاله إلى العاشر من شهر ربيع الآخر، ومن لم يكن له عهد فانقضاء إمهاله بانسلاخ الأشهر الحرم، وذلك بانقضاء المحرَّم. الثالث: ابتداء الإمهال لِمَن كان له عهدٌ ومَن لم يكن له عهدٌ مِن المشركين وانقضاؤه لجميعهم وقتٌ واحدٌ، قالوا: وكان ابتداؤه يوم الحج الأكبر، وانقضاؤه بانقضاء عشرٍ من ربيعٍ الآخر. الرابع: ابتداء الإمهال لِمَن كان له عهدٌ ومَن لم يكن له عهد من المشركين وانقضاؤه لجميعهم وقتٌ واحدٌ، قالوا: كان ابتداؤه يوم نزلت براءة، وانقضاؤه بانقضاء الأشهر الحرُم، وذلك بانقضاء المحرَّم. الخامس: مَن كان له عهد أقل من أربعة أشهر رُفِع إليها، ومَن كان له عهد أكثر من أربعة أشهر فإنه ﷺ أُمِر أن يُتِمَّ له عهده إلى مدته. ورجَّح ابنُ جرير (١١/٣١١) مستندًا إلى السنة، وظاهر الآية أنّ «الأجل الذي جعله الله لأهل العهد من المشركين، وأَذِن لهم بالسياحة فيه بقوله: ﴿فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ﴾ إنّما هو لأهل العهد الذين ظاهروا على رسول الله ﷺ، ونقضوا عهدهم قبل انقضاء مدته، فأما الذين لم ينقضوا عهدهم ولم يُظاهِروا عليه فإنّ الله -جلَّ ثناؤه- أمَر نبيَّه ﷺ بإتمام العهد بينه وبينهم إلى مدته بقوله: ﴿إلا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ المُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا ولَمْ يُظاهِرُوا عَلَيْكُمْ أحَدًا فَأَتِمُّوا إلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إلى مُدَّتِهِمْ إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُتَّقِينَ﴾ [التوبة:٤]». ثم قال (١١/٣١٨): «وعلى ذلك دلَّ ظاهرُ التنزيل، وتظاهرت به الأخبار عن رسول الله ﷺ». وبيَّن ابنُ جرير أنّ ابتداء الأشهر الأربعة -لِمَن كان له هذا الإمهال- مِن يوم الحج الأكبر، وانقضاؤها بانقضاء عشرٍ من ربيعٍ الآخر، وانتَقَدَ (١١/٣١٩) مستندًا إلى الدلالة العقلية مَن قال بأنّ الإمهال كان في شوال مِن وقت نزول براءة بأنّ ذلك «غيرُ جائزٍ أن يكون صحيحًا؛ لأنّ المجعول له أجلَ السياحة إلى وقتٍ محدود إذا لم يَعْلَم ما جُعِل له -ولا سيَّما مع عَهْدٍ له قد تَقَدَّم قبل ذلك بخلافه- فكمَن لم يُجعَل له ذلك؛ لأنه إذا لم يَعْلَم ما له في الأجل الذي جُعِل له، وما عليه بعد انقضائه، فهو كهيئته قبل الذي جُعِل له من الأجل، ومعلومٌ أنّ القوم لم يعلموا بما جُعِل لهم من ذلك إلا حين نودي فيهم بالموسم». وكذا انتَقَدَ ابنُ عطية (٤/٢٥٤) مَن قال بذلك، فقال: «اعتُرِض هذا بأنّ الأجل لا يلزم إلا مِن يوم سُمِع». إلا أنّه التمس له وجْهًا يمكن أن يُحمَل عليه، فقال: «ويحتمل أنّ البراءة قد كانت سُمِعت من أول شوال، ثم كرر إشهارها مع الأذان يوم الحج الأكبر». وحكى ابنُ كثير (٧/١٣٨) هذا القول عن الزهري، ثم انتَقَدَه بنحو ما ذكر ابنُ جرير، وابنُ عطية. وانتَقَدَ ابنُ جرير (١١/٣١٢) مستندًا إلى القرآن مَن ظنَّ بأنّ قوله تعالى: ﴿فَإذا انْسَلَخَ الأَشْهُرُ الحُرُمُ فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾ يدلُّ على أنّ الفرض على المؤمنين كان بعد انقضاء الأشهر الحُرُم قتلَ كلِّ مُشْرِك، بأنّ الآية التي تتلو ذلك -وهي قوله تعالى: ﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وعِنْدَ رَسُولِهِ إلا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ فَما اسْتَقامُوا لَكُمْ فاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُتَّقِينَ﴾ [التوبة:٧]- تُنبِئُ عن صحة ما قال «فهؤلاء مشركون، وقد أمَر الله نبيَّه ﷺ والمؤمنين بالاستقامة لهم في عهدهم ما استقاموا لهم بتَرْكِ نَقْضِ صُلْحِهم، وتَرْكِ مظاهرة عَدُوِّهم عليهم».
٢
عن عُروة بن الزبير -من طريق أبي الأسود- قال: بعَث رسولُ الله ﷺ أبا بكرٍ أميرًا على الناسِ سنةَ تسعٍ، وكتَب له سُنَنَ الحجِّ، وبعَث معه عليَّ بنَ أبي طالب بآياتٍ من براءة، فأمَره أن يُؤَذِّنَ بمكة، وبمِنًى، وبعرفة، وبالمشاعر كلِّها بأنّه بَرِئت ذمَّةُ لله وذِمَّةُ رسولِه مِن كلِّ مشركٍ حَجَّ بعدَ العام، أو طاف بالبيتِ عُريان، وأجَّل مَن كان بينَه وبينَ رسول الله ﷺ عهدٌ أربعةَ أشهر. وسار عليٌّ على راحلتِه في الناسِ كلِّهم يَقْرَأُ عليهم القرآن: ﴿براءة من الله ورسوله﴾. وقرأ عليهم: ﴿يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد﴾ الآية [الأعراف:٣١]١
التخريج
  1. ١أخرجه البيهقي في الدلائل ٥‏/‏٢٩٨ من مرسل عروة.
٣
عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نجيح- في قوله: ﴿براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين﴾: إلى أهل العهد؛ خُزاعة، ومُدْلِجٍ، ومَن كان له عهدٌ، وغيرِهم، أقبَل رسول الله ﷺ مِن تبوك حينَ فرَغ منها، فأراد الحج، ثم قال: «إنّه يَحْضُرُ البيتَ مشركون يَطُوفون عُراةً، فلا أُحِبُّ أن أحُجَّ حتى لا يكونَ ذلك». فأرسَل أبا بكرٍ وعليًّا، فطافا في الناس بذي المجاز، وبأمكنتِهم التي كانوا يَبِيعون بها، وبالموْسِم كلِّه، فآذَنوا أصحابَ العهد أن يَأمَنوا أربعةَ أشهرٍ، وهي الأشهرُ الحرُمُ المُنسَلِخاتُ المُتَوالِياتُ؛ عشرون من آخِر ذي الحجة إلى عَشْرٍ تَخْلُو من ربيعٍ الآخِر، ثم لا عهدَ لهم، وآذَن الناسَ كلَّهم بالقتال إلى أن يَمُوتوا١
التخريج
  1. ١أخرجه أبو عبيد في كتاب الأموال ص٢١٢-٢١٣ (٤٤٩)، وابن زنجويه في كتاب الأموال ص٤٠٣ (٦٦٣)، ومجاهد في تفسيره ص٣٦٣-٣٦٤، وابن جرير ١١‏/‏٣٠٩-٣١٠، وابن أبي حاتم ٦‏/‏١٧٤٦ (٩٢١٧، ٩٢٢٠). وعلَّقه النحاس ٢‏/‏٤١٠ بلفظ: وأول هذه الأشهر التي هي أشهر السياحة يوم الحج الأكبر إلى عشرٍ يخلون من شهر ربيع الآخر.
٤
عن الضحاك بن مزاحم -من طريق عبيد بن سليمان- قال في قوله: ﴿براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين﴾: قبل أن تنزل براءةُ عاهد ناسًا من المشركين من أهل مكة وغيرهم، فنزلت براءةٌ مِن الله إلى كل أحد مِمَّن كان عاهدك من المشركين، فإنِّي أنقض العهد الذي بينك وبينهم، فأؤجلهم أربعة أشهر يسيحون حيث شاءوا من الأرض آمنين. وأجَّل مَن لم يكن بينه وبين النبي ﷺ عهدٌ انسلاخَ الأشهر الحُرُمِ مِن يوم أذَّن ببراءة، وأذَّن بها يومَ النحر، فكان عشرين من ذي الحجة، والمحرم ثلاثين، فذلك خمسون ليلة. فأمر اللهُ نبيَّه إذا انسلخ المحرم أن يضع السيفَ فيمن لم يكن بينه وبين نبيِّ الله ﷺ عهدٌ يقتلهم حتى يدخلوا في الإسلام، وأمر بمن كان له عهد إذا انسلخ أربعة من يوم النحر أن يضع فيهم السيف أيضًا يقتلهم حتى يدخلوا في الإسلام. فكانت مُدَّةُ مَن لا عهد بينه وبين رسول الله ﷺ خمسين ليلة من يوم النحر، ومُدَّةُ مَن كان بينه وبين رسول الله ﷺ عهدٌ أربعةُ أشهر مِن يوم النحر إلى عشرٍ يخلون من شهر ربيع الآخر١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١١‏/‏٣٠٧. وعلق ابن أبي حاتم ٦‏/‏١٧٤٦ نحوه مختصرًا.
٥
عن عامر الشعبي -من طريق ابن أبي خالد- قال: بعث النبيُّ ﷺ عليًّا رضي الله عنه، فنادى: ألا لا يَحُجَّنَّ بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عُريان، ولا يدخلُ الجنةَ إلا نفسٌ مسلمة، ومَن كان بينه وبين رسول الله ﷺ عهدٌ فأجلُه إلى مُدَّته، واللهُ بريءٌ من المشركين ورسوله١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١١‏/‏٣١٦ من مرسل الشعبي.
٦
قال الحسن البصري: كان النبيُّ قد أمَرَ أبا بكر أن يُؤَذِّن الناس بالبراءة، فلمّا مضى دعاه، فقال: «إنّه لا يُبَلِّغ عَنِّي في هذا الأمرِ إلا مَن هو مِن أهل بيتي»١
التخريج
  1. ١أورده ابن أبي زمنين في تفسيره ٢‏/‏١٩٣ من مرسل الحسن.
٧
قال الحسن البصري: أمر الله عز وجل رسولَه ﷺ بقتالِ مَن قاتله مِن المشركين، فقال: ﴿وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم﴾ [البقرة:١٩٠]. فكان لا يُقاتِل إلا مَن قاتله، ثُمَّ أمره بقتال المشركين والبراءة منهم، وأجَّلهم أربعةَ أشهر، فلم يكن لأحدٍ منهم أجلٌ أكثرَ من أربعة أشهر، لا مَن كان له عهدٌ قبل البراءة، ولا مَن لم يكن له عهد، فكان الأجلُ لجميعهم أربعةَ أشهر، وأحلَّ دماء جميعهم من أهل العهد وغيرهم بعد انقضاء الأجل١
التخريج
  1. ١تفسير الثعلبي ٥‏/‏٧ قريبًا منه، وتفسير البغوي ٤‏/‏٩ وهذا لفظه.
٨
عن أبي جعفر محمد بن علي بن حسين بن علي -من طريق حكيم بن حكيم- قال: لَمّا نزلت براءة على رسول الله ﷺ -وقد كان بعث أبا بكر الصديق رضي الله عنه ليقيم الحج للناس- قيل له: يا رسول الله، لو بعثت إلى أبي بكر. فقال: «لا يُؤَدِّي عَنِّي إلا رجلٌ مِن أهل بيتي». ثُمَّ دعا عليَّ بن أبي طالب رضي الله عنه، فقال: «اخرج بهذه القصة مِن صدر براءة، وأذِّن في الناس يوم النحر إذا اجتمعوا بمنى: أنّه لا يدخل الجنة كافر، ولا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، ومن كان له عند رسول الله ﷺ عهدٌ فهو إلى مُدَّته». فخرج عليُّ بن أبي طالب رضي الله عنه على ناقة رسول الله ﷺ العَضْباء، حتى أدرك أبا بكر الصديق بالطريق، فلمّا رآه أبو بكر قال: أميرٌ، أو مأمور؟ قال: مأمور. ثم مضيا رضي الله عنهما، فأقام أبو بكر للناس الحجَّ، والعربُ إذ ذاك في تلك السنة على منازلهم مِن الحج التي كانوا عليها في الجاهلية، حتى إذا كان يوم النحر قام عليُّ بن أبي طالب رضي الله عنه، فأذَّن في الناس بالذي أمره رسول الله ﷺ، فقال: يا أيها الناس، لا يدخل الجنةَ إلا نفسٌ مسلمة، ولا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، ومَن كان له عهد عند رسول الله ﷺ فهو له إلى مُدَّته. فلم يَحُجَّ بعد ذلك العامَ مشركٌ، ولم يَطُفْ بالبيت عُرْيان. ثم قدما على رسول الله ﷺ، وكان هذا مِن براءة فيمَن كان مِن أهل الشرك مِن أهل العهد العامِّ وأهلِ المُدَّة إلى الأجل المُسَمّى١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن إسحاق -كما في سيرة ابن هشام ٢‏/‏٥٤٥-٥٤٦-، وابن جرير ١١‏/‏٣١٦-٣١٧ واللفظ له. قال ابن كثير في البداية ٧‏/‏٢٢٤: «وهذا مرسلٌ مِن هذا الوجه». وقال ابن حجر في الفتح ٨‏/‏٨٣: «وقد ذكر ابن إسحاق بإسناد مرسل». وقال الألباني في الإرواء ٤‏/‏٣٠٤:«أخرجه ابن إسحاق في السيرة بسند حسن مرسل».
٩
عن محمد بن كعب القرظي، وغيره -من طريق أبي معشر- قالوا: بعث رسولُ الله ﷺ أبا بكر أميرًا على الموسم سنة تسع، وبعث عليَّ بن أبي طالب رضي الله عنه بثلاثين أو أربعين آيةً مِن براءة، فقرأها على الناسِ، يُؤَجِّلُ المشركين أربعةَ أشهر يسيحون في الأرض، فقرأ عليهم براءة يوم عرفة، أجَّل المشركين عشرين من ذي الحجة، والمحرم، وصفر، وشهر ربيع الأول، وعشرًا من ربيع الآخر، وقرأها عليهم في منازلهم، وقال: لا يَحُجَّنَّ بعد عامنا هذا مشركٌ، ولا يَطُوفَنَّ بالبيت عريان١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير في تاريخه ٣‏/‏١٢٣، وفي تفسيره ١١‏/‏٣٠٩ مرسلًا.
تعليقات المحققين
  1. ٢نقل ابنُ عطية (٤/٢٥٨) أقوالًا أخرى في عدد الآيات التي بُعِث بها عليُّ بن أبي طالب ليقرأها على الناس، فقال: «وقيل: عشرين. وفي بعض الروايات: عشر آيات. وفي بعضها: تسع آيات. ذكرها النقاش، وقال سليمان بن موسى الشامي: ذلك ثمان وعشرون آية».
١٠
عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- قوله: ﴿براءة من الله ورسوله﴾ إلى قوله: ﴿وبشر الذين كفروا بعذاب أليم﴾، قال: ذُكِر لنا: أنّ عليًّا نادى بالأذان، وأُمِّر على الحاجِّ أبو بكر، وكان العام الذي حج فيه المسلمون والمشركون، ولم يحج المشركون بعد ذلك العام١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١١‏/‏٣٠٧. وذكره يحيى بن سلام -كما في تفسير ابن أبي زمنين ٢‏/‏١٩٢- بلفظ: إنّ أبا بكر أُمِّرَ على الحاجِّ يومئذ، ونادى عليٌّ فيه بالأذان، وكان عامًا حجَّ فيه المسلمون والمشركون.
١١
عن قتادة بن دعامة -من طريق مَعْمَر- ﴿فسيحوا في الأرض أربعة أشهر﴾: عشرون من ذي الحجة، والمحرم، وصفر، وربيع الأول، وعشر من ربيع الآخر، كان ذلك عهدهم الذي بينهم١
التخريج
  1. ١أخرجه عبد الرزاق ٢‏/‏٢٦٥-٢٦٦، وابن جرير ١١‏/‏٣٠٩.
١٢
عن محمد ابن شهاب الزهري -من طريق معمر- ﴿فسيحوا في الأرض أربعة أشهر﴾، قال: نزَلتْ في شوال، فهي الأربعةُ أشهر؛ شوالٌ، وذو القَعْدة، وذو الحِجة، والمحرَّم١
التخريج
  1. ١أخرجه عبد الرزاق ١‏/‏٢٦٥، وابن جرير ١١‏/‏٣١١، وابن أبي حاتم ٦‏/‏١٧٤٧، والنحاس ص٤٨٧.
١٣
عن إسماعيل السُّدِّي -من طريق أسباط- ﴿براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين﴾ قال: لَمّا نزلت هذه الآيةُ بَرِئ مِن عهدِ كُلِّ مشرك، ولم يُعاهِد بعدها إلا مَن كان عاهد، وأجرى لكُلٍّ مُدَّتَهم، ﴿فسيحوا في الأرض أربعة أشهر﴾ لِمَن دخل عهدُه فيها مِن عشر ذي الحجة، والمحرم، وصفر، وشهر ربيع الأول، وعشر من ربيع الآخر١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١١‏/‏٣٠٨، وابن أبي حاتم ٦‏/‏١٧٤٦. وعلَّقه النحاس ٢‏/‏٤١٦.
١٤
عن إسماعيل السدي -من طريق أسباط- قال: لَمّا نزلت هذه الآياتُ إلى رأس أربعين آيةً؛ بَعَثَ بِهِنَّ رسولُ الله ﷺ مع أبي بكر، وأمَّرَه على الحج، فلمّا سار فبلغ الشجرةَ من ذي الحُلَيْفَةِ أتْبَعَه بعليٍّ، فأخذها منه، فرجع أبو بكر إلى النبي ﷺ، فقال: يا رسول الله، بأبي أنت وأمي، أُنزِل في شأني شيء؟ قال: «لا، ولكن لا يُبَلِّغ عنِّي غيري، أو رجل مِنِّي. أما ترضى -يا أبا بكر- أنّك كنتَ معي في الغار، وأنّك صاحبي على الحوض؟». قال: بلى، يا رسول الله. فسار أبو بكر على الحاجِّ، وعليٌّ يُؤَذِّن ببراءة، فقام يوم الأضحى، فقال: لا يَقْرَبَنَّ المسجدَ الحرامَ مشركٌ بعد عامه هذا، ولا يطوفنَّ بالبيت عُريان، ومَن كان بينه وبين رسول الله ﷺ عهد فله عهده إلى مُدَّته، وإنّ هذه أيام أكل وشرب، وإنّ الله لا يُدخل الجنةَ إلا مَن كان مسلمًا. فقالوا: نحن نبرأُ مِن عهدك وعهدِ ابنِ عمك إلّا مِن الطعن والضرب. فرجع المشركون، فلام بعضهم بعضًا، وقالوا: ما تصنعون وقد أسْلَمَتْ قريش؟ فأسلموا١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير في تاريخه ٣‏/‏١٢٢-١٢٣، وفي تفسيره ١١‏/‏٣١٧ مرسلًا.
١٥
قال محمد بن السائب الكلبي -من طريق معمر-: إنّما كانت الأربعةُ الأشهرُ لِمَن كان بينه وبين رسول الله ﷺ عهدٌ دون الأربعة الأشهر، فأتمَّ له الأربعة. ومَن كان له عهدٌ أكثرَ مِن أربعة أشهر فهو الذي أُمِر أن يُتِمَّ له عهده، وقال: ﴿أتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه عبد الرزاق ٢‏/‏٢٦٦، وابن جرير ١١‏/‏٣١١.
١٦
قال مقاتل بن سليمان: لَمّا نزلت براءةُ بَعَثَ النبيُّ ﷺ أبا بكر الصديق على حَجِّ الناس، وبعث معه ببراءة مِن أول السورة إلى تسع آيات. فنزل جبريل، فقال: يا محمد، إنّه لا يُؤَدِّي عنك إلا رجل منك. ثم أتبعه عليَّ بن أبي طالب، فأدركه بذي الحُلَيْفَة على ناقة رسول الله ﷺ، فأخذها منه، ثم رجع أبو بكر إلى النبي ﷺ، فقال له: بأبي أنت وأمي، هل أنزل الله فِيَّ مِن شيء؟ قال: «لا، ولكن لا يُبَلِّغ عني إلّا رجلٌ مِنِّي، أما ترضى -يا أبا بكر- أنّك صاحبي في الغار، وأنّك أخي في الإسلام، وأنّك تَرِدُ عَلَيَّ الحوض يوم القيامة؟». قال: بلى، يا رسول الله. فمضى أبو بكر على الناس، ومضى عليٌّ ببراءة من أول السورة إلى تسع آيات، فقام عليٌّ يومَ النحر بمنًى فقرأها على الناس. ﴿بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ من العهد غير أربعة أشهر، ﴿إلى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ نزلت في ثلاثة أحياء من العرب، منهم: خزاعة، ومنهم هلال بن عويمر، وفي مدلج منهم سراقة بن مالك بن [جُشْعُم] الكناني، وفي بني خزيمة١ بن عامر، وهما حيّان من كنانة، كان النبي ﷺ عاهدهم بالحديبية سنتين، صالح عليهم المخش بن خويلد بن عمارة بن المخش، فجعل الله عز وجل للذين كانوا في العهد أجلهم أربعة أشهر من يوم النحر إلى عشر من ربيع الآخر، ﴿فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ﴾ يقول: سيروا في الأرض ﴿أرْبَعَةَ أشْهُرٍ﴾ آمِنين حيثُ شِئتُم، ... ثم جعل مَن لا عهد له أجلُه خمسين يومًا من يوم النحر إلى انسلاخ الـمُحَرَّم٢
التخريج
  1. ١كذا في المطبوع، ولعلها تصحَّفَت من: بني جَذِيمةَ.
  2. ٢تفسير مقاتل بن سليمان ٢‏/‏١٥٦.
١٧
عن محمد بن إسحاق -من طريق سلمة- قال: بعث رسولُ الله ﷺ أبا بكر الصديق رضي الله عنه أميرًا على الحاجِّ من سنة تسع ليقيم للناس حجَّهم، والناسُ مِن أهل الشرك على منازلهم مِن حجِّهم. فخرج أبو بكر ومَن معه من المسلمين، ونزلت سورة براءةَ في نَقْضِ ما بين رسول الله ﷺ وبين المشركين من العهد الذي كانوا عليه فيما بينه وبينهم: أن لا يُصَدَّ عن البيت أحدٌ جاءَه، وأن لا يُخاف أحدٌ في الشهر الحرام. وكان ذلك عهدًا عامًّا بينه وبين الناس مِن أهل الشرك، وكانت بين ذلك عهود بين رسول الله ﷺ وبين قبائل مِن العرب خصائص إلى أجل مُسَمًّى، فنزلت فيه وفيمن تخلَّف عنه من المنافقين في تبوك، وفي قول مَن قال منهم، فكشف الله فيها سرائرَ أقوامٍ كانوا يَسْتَخْفُون بغير ما يُظهِرون، منهم مَن سُمِّي لنا، ومنهم مَن لم يُسَمَّ لنا، فقال: ﴿براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين﴾ أي: لأهل العهد العامِّ مِن أهل الشرك من العرب، ﴿فسيحوا في الأرض أربعة أشهر﴾ إلى قوله: ﴿أن الله بريء من المشركين ورسوله﴾ أي: بعد هذه الحجة١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١١‏/‏٣٠٤-٣٠٥ عن ابن إسحاق معضلًا. وعنه في تفسير الثعلبي ٥‏/‏٦: هم صنفان من المشركين: أحدهما: كانت مدة عهده أقل من أربعة أشهر، فأُمْهِل تمام أربعة أشهر. والآخر: كانت مدة عهده بغير أجل محدود، فقصر به على أربعة أشهر؛ ليرتاد لنفسه.
١٨
قال سفيان الثوري، في قوله: ﴿أربعة أشهر﴾: عشرين من ذي الحجة، والمحرم، وصفرًا، وشهر ربيع الأول، وعشرًا من ربيع الآخر١٢
التخريج
  1. ١تفسير سفيان الثوري ص١٢٣.
تعليقات المحققين
  1. ٢ذكر ابنُ تيمية (٣/٣٠١) ثلاثة أقوال في تعيين الأشهر الحرم في هذه الآية: الأول: أنّها الأشهر الحرم: رجب، وذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، المذكورة في قوله تعالى: ﴿منها أربعة حرم﴾. الثاني: أولها يوم النحر، وآخرها العاشر من ربيع الآخر. الثالث: أن آخرها عاشر من ربيع الأول. ورجَّح ابنُ تيمية القول الثاني مستندًا إلى الإجماع، وهو قول مجاهد، والضحاك، وقتادة، ومحمد بن كعب القرظي، وسفيان الثوري. وذكر أنّ القول الثاني يُحكى عن ابن عباس، ثم انتَقَدَه بقوله: «ولا يصِحُّ عنه». وجمع بين القولين الثاني والثالث بقوله: «ولا منافاة بين القولين؛ فإنه باتفاق الناس أنّ الصديق نادى بذلك في الموسم في المشركين: إنّ لكم أربعة أشهر تسيحون فيها، ويوم النحر كان ذلك العام بالاتفاق عاشر ذي القعدة».
١٩
قال معمر: قال قتادة مثله أيضًا١
التخريج
  1. ١أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١‏/‏٢٦٥، وابن جرير ١١‏/‏٣١٧. وعلَّقه النحاس (ت: اللاحم) ٢‏/‏٤١٦ بلفظ: وأن ينبذ إلى كل ذي عهد عهده. وقال محققه: لم أقف عليه مخرجًا من حديث علي بهذا اللفظ.
٢٠
عن سعد بن أبي وقاص: أنّ رسول الله ﷺ بعث أبا بكر ببراءة إلى أهل مكة، ثم بعَث عليًّا على أثَرِه، فأخَذها منه، فكأنّ أبا بكر وجَد في نفسِه، فقال النبيُّ ﷺ: «يا أبا بكر، إنّه لا يُؤَدِّي عنِّي إلا أنا، أو رجلٌ مِنِّي»١
التخريج
  1. ١أخرجه النسائي في السنن الكبرى ٥‏/‏١٢٩ (٨٤٦٢). وعزاه السيوطي إلى ابن مردويه. قال الجوزقاني في الأباطيل والمناكير ١‏/‏١٣١: «هذه الروايات كلها مضطربة، مختلفة، منكرة».
٢١
عن سعد بن أبي وقاص: أنّ رسول الله ﷺ بعَث عليًّا بأربع: لا يَطُوفَنَّ بالبيت عُريان، ولا يَجْتَمِعُ المسلمون والمشركون بعدَ عامِهم، ومَن كان بينَه وبينَ رسول الله ﷺ عهدٌ فهو إلى عهدِه، وأنّ اللهَ ورسولَه بريءٌ من المشركين١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٦‏/‏١٧٤٩ (٩٢٣٣). إسناده ضعيف؛ فيه علي بن عابس الأسدي الكوفي، وشيخه مسلم بن كيسان الملائي، كلاهما ضعيف كما في التقريب (٤٧٥٧، ٦٦٤١).
٢٢
عن أبي هريرة -من طريق ابنه المحرر- قال: كنتُ مع علي حين بعثه رسول الله ﷺ ببراءة إلى أهل مكة، فكنتُ أنادي حتى صَحِلَ١ صوتي. فقلتُ: بأيِّ شيءٍ كنت تنادي؟ قال: أمرنا أن ننادي: أنّه لا يدخل الجنة إلا مؤمن، ومَن كان بينه وبين رسول الله ﷺ عهدٌ فأجله إلى أربعة أشهر، فإذا حلَّ الأجلُ فإنّ الله بريء من المشركين ورسوله، ولا يطُفْ بالبيت عُريان، ولا يحُجَّ بعد العام مشرك٢٣
التخريج
  1. ١صَحِلَ صوته: بَحَّ، والبُحَّة -بالضم-: غِلْظة في الصوت. النهاية واللسان (صحل) و(بحح).
  2. ٢أخرجه أحمد ١٣‏/‏٣٥٦ (٧٩٧٧)، والنسائي ٥‏/‏٢٣٤ (٢٩٥٨)، والحاكم ٤‏/‏١٩٨ (٧٣٥٥)، والدارمي ١‏/‏٣٩٣ (١٤٣٠)، ٢‏/‏٣٠٩ (٢٥٠٦)، وابن جرير ١١‏/‏٣١٣-٣١٤. قال الحاكم: «هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه». ووافقه الذهبي. وصححه الألباني في الإرواء ٤‏/‏٣٠١.
تعليقات المحققين
  1. ٣ذكر ابنُ جرير (١١/٣١٣) هذا الحديث بسنده عن قيس، عن المغيرة، عن الشعبي، عن المحرر بن أبي هريرة، عن أبيه، وفيه: أنّ مَن كان له عند رسول الله ﷺ عهدٌ فعهده إلى مُدَّتِه. ثم قال: «وقد حدَّث بهذا الحديثَ شعبةُ، فخالف قيسًا في الأجل». ثم ذكر هذا الحديث بسنده عن شعبة، عن المغيرة، عن الشعبي، عن المحرر بن أبي هريرة، عن أبيه، وفيه: أنّ مَن كان بينه وبين رسول الله ﷺ عهد فأجله إلى أربعة أشهر. ثم استدرك (١١/٣١٤) بقوله: «وأخشى أن يكون هذا الخبر وهْمًا مِن ناقله في الأجل؛ لأن الأخبار متظاهرة في الأجل بخلافه، مع خلاف قيسٍ شعبة في نفس هذا الحديث على ما بيَّنتَه».
٢٣
عن أبي هريرة: أنّ أبا بكر أمَره أن يُؤَذِّنَ ببراءة في حِجَّة أبي بكر بمكة. قال أبو هريرة: ثم أتْبَعَنا النَّبِيُّ ﷺ عليًّا، أمَره أن يُؤَذِّنَ ببراءة، وأبو بكرٍ على الموسم كما هو. أو قال: على هيئتِه١
التخريج
  1. ١أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢‏/‏١٣١ (١٠٣٧، ١٠٣٨)، ومن طريقه ابن أبي حاتم ٦‏/‏١٧٤٥ (٩٩٤٨). إسناده صحيح على شرط الشيخين.
٢٤
عن أبي هريرة، قال: بعَثَني أبو بكرٍ في تلك الحِجة في مؤذِّنِين بعَثهم يومَ النحر، يُؤَذِّنون بمنًى: ألّا يَحُجَّ بعدَ هذا العامِ مشرك، ولا يَطُوفَ بالبيتِ عُريان. ثم أرْدَف النَّبِيُّ ﷺ بعليِّ بن أبي طالب، فأمَره أن يُؤَذِّنَ ببراءة، فأذَّن معنا عليٌّ في أهل مِنًى يومَ النحر ببراءة: ألّا يَحُجَّ بعدَ العامِ مشرك، ولا يَطُوفَ بالبيتِ عُريان١
التخريج
  1. ١أخرجه البخاري ١‏/‏٨٢-٨٣ (٣٦٩)، ٢‏/‏١٥٣ (١٦٢٢)، ٤‏/‏١٠٢ (٣١٧٧)، ٥‏/‏١٦٧ (٤٣٦٣)، ٦‏/‏٦٤ (٤٦٥٥، ٤٦٥٦، ٤٦٥٧) واللفظ له، ومسلم ٢‏/‏٩٨٢ (١٣٤٧)، وابن جرير ١١‏/‏٣٣١. وأورده الثعلبي ٥‏/‏١٠.
٢٥
عن أبي سعيد الخدري، قال: بعَث رسولُ الله ﷺ أبا بكر يُؤدِّي عنه براءة، فلمّا أرسَله بعَث إلى عليٍّ، فقال: «يا عليُّ، إنّه لا يُؤَدِّي عنِّي إلا أنا أو أنت». فحمَله على ناقتِه العَضْباء، فسار حتى لَحِق أبا بكر، فأخَذ منه براءة، فأتى أبو بكر النبيَّ ﷺ وقد دخَله مِن ذلك؛ مخافةَ أن يكونَ قد أُنزِل فيه شيء، فلمّا أتاه قال: ما لي، يا رسول الله؟ قال: «خيرٌ، أنت أخي وصاحبي في الغار، وأنت معي على الحوض، غيرَ أنه لا يُبَلِّغُ عنِّي غيري، أو رجلٌ مِنِّي»١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن حبان ١٥‏/‏١٦-١٧ (٦٦٤٤). وعزاه السيوطي إلى ابن مردويه. إسناده ضعيف؛ فيه أبو ربيعة، وهو زيد بن عوف، قال الدارقطني: «ضعيف». وكتب عنه أبو حاتم، وقال: «تعرف، وتنكر». وقال الفلاس: «متروك». وذكره أبو زرعة واتَّهمه بسرقة حديثين. ينظر: ميزان الاعتدال ٢‏/‏٥٠٩ (٢٠٤١).
٢٦
عن عبد الله بن عباس: أنّ النبي ﷺ بَعَث أبا بكر بسورةِ التوبة، وبعَث عليًّا على أثَرِه، فقال أبو بكر: يا عليُّ، لعلَّ اللهَ ونبيَّه سَخِطا عَلَيَّ؟ فقال عليٌّ: لا، ولكنَّ نبيَّ الله ﷺ قال: «لا يَنبَغِي أن يُبَلِّغَ عنِّي إلا رجلٌ مِنِّي»١
التخريج
  1. ١أخرجه أحمد ٥‏/‏١٧٨-١٨١ (٣٠٦١)، والطبراني في الكبير ١٢‏/‏٩٧ (١٢٥٩٣) في حديث طويل، ومن طريقه الضياء المقدسي في الأحاديث المختارة ١٣‏/‏٢٨ (٣٤). قال ابن تيمية في منهاج السنة ٥‏/‏٣٤-٣٦: «فيه ألفاظٌ هي كَذِبٌ على رسول الله ﷺ، كقوله: «أما ترضى أن تكون مِنِّي بمنزلة هارون من موسى غير أنك لست بنبِيٍّ، لا ينبغي أن أذهب إلا وأنت خليفتي». فإنّ النبي ﷺ ذهب غير مرَّة وخليفته على المدينة غير علي، كما اعتمر عمرة الحديبية وعلي معه وخليفته غيره، وغزا بعد ذلك خيبر ومعه علي وخليفته بالمدينة غيره، وغزا غزوة الفتح وعلي معه وخليفته في المدينة غيره، وغزا حنينًا والطائفَ وعليٌّ معه وخليفته بالمدينة غيره، وحجَّ حجة الوداع وعلي معه وخليفته بالمدينة غيره، وغزا غزوة بدر ومعه علي وخليفته بالمدينة غيره، وكل هذا معلوم بالأسانيد الصحيحة، وباتفاق أهل العلم بالحديث، وكان علي معه في غالب الغزوات وإن لم يكن فيها قتال... وكذلك قوله: «وسد الأبواب كلها إلا باب علي». فإن هذا مما وضعته الشيعة على طريق المقابلة، فإنّ الذي في الصحيح عن أبي سعيد عن النبي ﷺ أنّه قال في مرضه الذي مات فيه: «إنّ أمَنَّ الناسِ عَلَيَّ في مالِه وصُحْبَتِه أبو بكر، ولو كنتُ مُتَّخِذًا خليلًا غيرَ ربي لاتَّخَذْتُ أبا بكر خليلًا، ولكن أخوة الإسلام ومودته، لا يَبْقَيَنَّ في المسجد خَوْخَةٌ إلا سُدَّتْ إلا خَوْخَة أبي بكر»... ومثل قوله: «أنت ولِيِّي في كُلِّ مؤمن بعدي». فإن هذا موضوع باتِّفاق أهل المعرفة بالحديث».
٢٧
عن عبد الله بن عباس: أنّ رسول الله ﷺ بعَث أبا بكرٍ، وأمَره أن يُنادِيَ بهؤلاء الكلماتِ، ثم أتْبَعَه عليًّا، وأمَره أن ينادِيَ بهولاء الكلمات، فانطَلَقا، فحَجّا، فقام عليٌّ في أيام التشريق، فنادى: إنّ الله بريءٌ من المشركين ورسولُه، فسِيحوا في الأرض أربعةَ أشهر، ولا يَحُجَّن بعدَ العامِ مشرك، ولا يَطُوفَنَّ بالبيتِ عُريان، ولا يَدْخُلُ الجنة إلا مؤمن. فكان عليٌّ ينادي، فإذا أعْيا قام أبو بكر فنادى بها١
التخريج
  1. ١أخرجه الترمذي ٥‏/‏٣٢٣-٣٢٤ (٣٣٤٥)، والحاكم ٣‏/‏٥٣ (٤٣٧٥)، وابن أبي حاتم ٦‏/‏١٧٤٥ (٩٢١٥). قال الترمذي: «حديث حسن غريب من هذا الوجه، عن ابن عباس». وقال الحاكم: «صحيح الإسناد، ولم يخرجاه». ووافقه الذهبي. وقال الألباني في الإرواء عن إسناد الترمذي ٤‏/‏٣٠٣: «ورجاله كلهم ثقات، رجال البخاري، فهو صحيح الإسناد».
٢٨
عن ابن عباس: أنّ رسول الله ﷺ بعث أبا بكر ببراءة، ثم أتبعه عليًّا، فأخذها منه، فقال أبو بكر رضي الله عنه: يا رسول الله، حدث فِيَّ شيءٌ؟ قال: «لا، أنت صاحبي في الغار وعلى الحوض، ولا يُؤَدِّي عَنِّي إلا أنا أو عليٌّ». وكان الذي بعث به عليًّا أربعًا: «لا يدخل الجنةَ إلا نفسٌ مُسْلِمة، ولا يحج بعد العام مشركٌ، ولا يطوف بالبيت عُريان، ومَن كان بينه وبين رسول الله ﷺ عَهْدٌ فهو إلى مُدَّته»١
التخريج
  1. ١أخرجه البزار -كما في كشف الأستار ٣‏/‏١٦٣-١٦٤ (٢٤٨٥)-، والطبراني في الكبير ١١‏/‏٤٠٠ (١٢١٢٧)، وابن جرير ١١‏/‏٣١٥-٣١٦. وفيه سليمان بن قرم. قال ابن عدي في الكامل ٤‏/‏٢٣٩ (٧٣٥) ترجمة سليمان بن قرم الضبي: «وهذه الأحاديث عن الأعمش وغيرها مما لم أذكرها أحاديثُ لا يتابع سليمان عليها». وقال الهيثمي في المجمع ٩‏/‏٥٠ (١٤٣٣٨): «رواه البزار، ورجاله رجال الصحيح». وقال الألباني في الضعيفة ٦‏/‏٥٣١: «الحديث ضعيف».
٢٩
عن عبد الله بن عباس: ﴿براءة من الله ورسوله﴾، قال: بَرِئ إليهم رسولُ الله ﷺ مِن عهودِهم، كما ذكَر الله عز وجل١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى ابن مردويه.
٣٠
عن عبد الله بن عباس -من طريق علي- في قوله: ﴿براءة من الله ورسوله﴾ الآية، قال: حدَّ اللهُ للذين عاهَدوا رسولَ الله ﷺ أربعةَ أشهرٍ يَسِيحُون فيها حيث شاءوا، وحَدَّ أجَلَ مَن ليس له عهدٌ انسلاخَ الأربعةِ الأشهرِ الحُرم؛ مِن يوم النحر إلى انسلاخ المُحَرَّمِ خمسين ليلة، فإذا انسَلَخ الأشهرُ الحُرُمُ أمَره أن يَضَعَ السيفَ في مَن عاهدَ إن لم يَدْخُلوا في الإسلام، ونقَض ما سَمّى لهم مِن العهد والميثاق، وأَذْهَبَ الميثاق، وأَذْهَب الشرطَ الأوَّل، ﴿إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام﴾ يعني: أهل مكة١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١١‏/‏٣٠٦، وابن أبي حاتم ٦‏/‏١٧٤٦، ١٧٥١، ١٧٥٢، ١٧٥٧. وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر.
٣١
عن عبد الله بن عباس -من طريق عطية العوفي- قال: لَمّا نزلت ﴿براءة من الله﴾ إلى ﴿وأن الله مخزي الكافرين﴾، يقول: براءة من المشركين الذين كان لهم عهد يومَ نزلت براءة، فجعل مُدَّةَ مَن كان له عهدٌ قبل أن تنزل براءة أربعةَ أشهر، وأمرهم أن يسيحوا في الأرض أربعة أشهر، وجعل مُدَّة المشركين الذين لم يكن لهم عهد قبل أن تنزل براءة انسلاخ الأشهر الحرم، وانسلاخ الأشهر الحرم من يوم أذَّن ببراءة إلى انسلاخ المُحَرَّم، وهي خمسون ليلة: عشرون من ذي الحجة، وثلاثون من المحرم. ﴿فإذا انسلخ الأشهر الحرم﴾ إلى قوله: ﴿واقعدوا لهم كل مرصد﴾، يقول: لم يبقَ لأحدٍ من المشركين عهدٌ ولا ذِمَّةٌ منذ نزلت براءة وانسلخ الأشهر الحرم، ومُدَّةُ مَن كان له عهدٌ من المشركين قبل أن تنزل براءة أربعةَ أشهر مِن يوم أذَّن ببراءة إلى عشر من أول ربيع الآخر، فذلك أربعة أشهر١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١١‏/‏٣٠٦.
٣٢
عن عبد الله بن عباس -من طريق الضَّحّاك- قال: كان لقومٍ عهودٌ، فأمَر الله النبيَّ ﷺ أن يُؤَجِّلَهم أربعةَ أشهرٍ يَسِيحون فيها، ولا عهدَ لهم بعدَها، وأبطَل ما بعدَها، وكان قومٌ لا عُهُودَ لهم، فأجَّلَهم خمسين يومًا؛ عشرين مِن ذي الحجَّة، والمحرَّمَ كلَّه، فذلك قوله: ﴿فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم﴾. قال: ولم يعاهِدْ رسولُ الله ﷺ بعدَ هذه الآية أحدًا١
التخريج
  1. ١أخرجه النحاس في ناسخه ص٤٨٦.
٣٣
عن عبد الله بن عمر: أنّ رسول الله ﷺ استَعمَل أبا بكر على الحج، ثم أرسَل عليًّا ببراءة على أثَرِه، ثم حَجَّ النبيُّ ﷺ العام المقبل، ثم خرَج فتُوُفِّي، فوَلِي أبو بكر، فاستَعمَل عمرَ على الحج، ثم حجَّ أبو بكر قابِلَ، ثم مات، ثم ولِي عمر فاستَعمَل عبد الرحمن بن عوف على الحج، ثم كان يَحُجُّ بعدَ ذلك هو حتى مات، ثم ولِي عثمان فاستَعمَل عبد الرحمن بن عوف على الحجِّ، ثم كان يَحُجُّ هو حتى قُتِل١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى ابن مردويه.
٣٤
عن جابر: أنّ النبيَّ ﷺ بعَث أبا بكرٍ على الحج، ثم أرسلَ عليًّا ببراءة، فقرَأها على الناسِ في مواقفِ الحجِّ، حتى ختَمها١
التخريج
  1. ١أخرجه النسائي ٥‏/‏٢٤٧ (٢٩٩٣) مُطَوَّلًا، وابن خزيمة ٤‏/‏٥٣٨ (٢٩٧٤)، وابن حبان ١٥‏/‏١٩ (٦٦٤٥). قال الجوزقاني في الأباطيل والمناكير ١‏/‏٢٧٥ (١٢٩): «هذا حديث حسن».
٣٥
عن أنس، قال: بعَث النبيُّ ﷺ ببراءة مع أبي بكر، ثم دعاه، فقال: «لا يَنبِغي لأحدٍ أن يُبَلِّغَ هذا إلا رجلٌ من أهلي». فدعا عليًّا، فأعطاه إيّاه١
التخريج
  1. ١أخرجه أحمد ٢٠‏/‏٤٣٤ (١٣٢١٤)، ٢١‏/‏٤٢٠ (١٤٠١٩)، والترمذي ٥‏/‏٣٢٣ (٣٣٤٤) واللفظ له. قال الترمذي: «حديث حسن غريب، من حديث أنس بن مالك». وقال ابن حجر في الفتح ٨‏/‏٣٢٠: «أخرجه أحمد بسند حسن».
٣٦
عن أبي رافع، قال: بعَث رسولُ الله ﷺ أبا بكر ببراءة إلى المَوْسِم، فأتى جبريلُ، فقال له: إنّه لن يُؤَدِّيَها عنك إلا أنت، أو رجلٌ منك. فبَعث عليًّا في أثَرِه، حتى لَحِقَه بينَ مكةَ والمدينة، فأخَذَها، فقَرَأها على الناسِ في الموْسِم١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى ابن مردويه.
٣٧
عن سعيد بن المسيب -من طريق الزهري- في قوله تعالى: ﴿براءة من الله ورسوله﴾، قال: لَمّا قَفَلَ النبيُّ ﷺ زمان حُنَيْنٍ اعْتَمَرَ مِن الجعرانة، وأمَّر أبا بكر على تلك الحجة١٢
التخريج
  1. ١أخرجه عبد الرزاق ٢‏/‏٢٦٥.
تعليقات المحققين
  1. ٢انتَقَدَ ابنُ كثير (٧/١٣٩) مستندًا إلى التاريخ هذا القول بقوله: «وهذا السياق فيه غرابةٌ مِن جهة أنّ أمير الحج كان سنة عمرة الجعرانة إنما هو عتّاب بن أسيد، فأما أبو بكر إنّما كان أميرًا سنة تسع».
٣٨
عن علي، قال: لَمّا نزَلت عَشْرُ آياتٍ من براءة على النبيِّ ﷺ؛ دعا أبا بكر لِيَقْرَأَها على أهلِ مكة، ثم دعاني، فقال لي: «أدْرِكْ أبا بكر، فحيثما لَقِيتَهُ فخذِ الكتابَ منه، فاقْرأْه على أهل مكة». فلَحِقْتُه، فأخَذتُ الكتابَ منه، ورجَع أبو بكر، فقال: يا رسول الله، نزَل فِيَّ شيءٌ؟ قال: «لا، ولكنَّ جبريلَ جاءني، فقال: لن يُؤدِّيَ عنك إلا أنت، أو رجلٌ منك»١٢
التخريج
  1. ١أخرجه عبد الله بن أحمد في زوائد المسند ٢‏/‏٤٢٧ (١٢٩٧). قال ابن كثير في تفسيره ٧‏/‏١٤١: «هذا إسناد فيه ضعف». وقال الهيثمي في المجمع ٧‏/‏٢٩ (١١٠٣٩): «فيه محمد بن جابر السحيمي، وهو ضعيف، وقد وُثّق».
تعليقات المحققين
  1. ٢قال ابنُ كثير في البداية والنهاية ١١/٩٢: «فيه نكارة من جهة أمره برد الصديق؛ فإن الصديق لم يرجع، بل كان هو أمير الحج في سنة تسع». لكن أجاب عن ذلك وعلَّق عليه في تفسيره (٧/١٤١) بقوله: «وليس المراد أنّ أبا بكر رضي الله عنه رجع من فوره، بل بعد قضائه المناسك التي أمَّره عليها رسول الله ﷺ».
٣٩
عن زيد بن يُثَيْع -من طريق أبي إسحاق- قال: نزلت براءةُ، فبعث بها رسولُ الله ﷺ أبا بكر، ثم أرسل عليًّا، فأخذها منه. فلمّا رجع أبو بكر قال: هل نزل فِيَّ شيءٌ؟ قال: «لا، ولكِنِّي أُمِرْتُ أن أُبَلِّغَها أنا، أو رجل من أهل بيتي». فانطلق إلى مكة، فقام فيهم بأربع: أن لا يدخل مكة مشرك بعد عامه هذا، ولا يطوف بالكعبة عريان، ولا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة، ومَن كان بينه وبين رسول الله عهد فعهده إلى مُدَّته١
التخريج
  1. ١أخرجه أحمد ١‏/‏١٨٣ (٤)، وابن جرير ١١‏/‏٣١٤-٣١٥ واللفظ له. قال ابن حجر في أطراف المسند ٦‏/‏٨٣ (٧٨٠٠): «وهذا منقطع». وقال الجوزقاني في الأباطيل والمناكير ١‏/‏٢٧٠ (١٢٤): «هذا حديث منكر».
٤٠
عن زيد بن يُثَيْعٍ، قال: سألْنا عليًّا: بأيِّ شيءٍ بُعِثتَ مع أبي بكر في الحجِّ؟ قال: بُعِثْتُ بأربع: لا يَدخُلُ الجنةَ إلا نفسٌ مؤمنة، ولا يَطُوفُ بالبيتِ عُريان، ولا يَجْتمِعُ مؤمنٌ وكافرٌ بالمسجد الحرام بعدَ عامِه هذا، ومَن كان بينَه وبينَ رسول الله ﷺ عهدٌ فعهدُه إلى مُدَّتِه، ومَن لم يكنْ له عهدٌ فأجلُه أربعةُ أشهر١
التخريج
  1. ١أخرجه سعيد بن منصور (١٠٠٥ - تفسير)، وابن أبي شيبة ص٣٧٤ (القسم الأول من الجزء الرابع)، وأحمد ٢‏/‏٣٢ (٥٩٤)، والترمذي (٨٧١، ٨٧٢، ٣٠٩٢)، وابن جرير ١١‏/‏٣١٥، والنحاس ص٤٨٨، والحاكم ٣‏/‏٥٢، ٤‏/‏١٧٨، والبيهقي في الدلائل ٥‏/‏٢٩٧. وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر، وابن مردويه. وصححه الترمذي، والحاكم، والألباني في صحيح سنن الترمذي (٦٩١، ٢٤٦٩).
٤١
عن علي بن أبي طالب -من طريق زيد بن يُثَيْعٍ- قال: أمرت بأربع: أن لا يقرب البيتَ بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، ولا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة، وأن يتم إلى كل ذي عهد عهده١
التخريج
  1. ١أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١‏/‏٢٦٥، وابن جرير ١١‏/‏٣١٧.
التفسير بالمأثور لسورة التوبة كاملة ←

وقفات تدبرية في الآية ١ من سورة التوبة

٨ وقفات في هذه الآية

  • براءة دون بسملة : عبر بقوة عن براءتك من الكافر دون مقدمات تحببية وعبارات تلطيفية.

    — #إشراقات براءة

  • كتبت هذه السورة من غير بسملة! *لأنها في نقض العهد الذي كان بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين المشركين ، ولم يكونوا يبسملون في مثله.. *او لأنها نزلت بالسيف ؛ والبسملة أمان .. *او لأنها مع سورة الأنفال سورة واحدة في الأصل..

    — ابو حمزة الكناني

  • اقتضت أن تفتتح السورة بهذا الإعلام العام ببراءة الله ورسوله من المشركين ، وأن يتكرر إعلان البراءة من الله ورسوله بعد آية واحدة بنفس القوة ونفس النغمة العالية ؛ حتى لا يبقى لقلب مؤمن أن يبقى على صلة مع قوم يبرأ الله منهم ويبرأ رسوله .

    — ابو حمزة الكناني

  • سلسلة (ختمة تعارف) سورة التوبة أية 1

    — حازم شومان

  • دورة الطريق إلي براءة (تدبرات في سورة التوبة) آية 1

    — حازم شومان

  • * التسمية - بسم الله الرحمن الرحيم- رحمة وأمان، وهذه السورة نزلت بالسيف والمنافقين وهؤلاء ليس لهم رحمة ولا أمان، وفيها أيضاً براءة من المشركين.

    — مختصر لمسات بيانية

  • برنامج لمسات بيانية * الملاحظ عندما نتصفح القرآن الكريم نقف عند سورة التوبة، ليست هنالك بسملة فلماذا؟وهل هناك لمسة بيانية معينة؟(د. فاضل السامرائي) مسألة أنه لم تذكر البسملة هذا أمر توقيفي ، جبريل لم ينزل بها، لو نزل بها جبريل لأثبتت، يبقى السؤال هل هنالك لمسة بيانية في ذلك؟ قالوا هذه التسمية - بسم الله الرحمن الرحيم- رحمة وأمان وطبعاً الرحمة أمان وهذه السورة نزلت بالسيف والمنافقين وهؤلاء ليس لهم رحمة ولا أمان ، فالمنافقين ليس لهم أمان والسيف أى لا رحمة .وفيها أيضاً براءة من المشركين

    — فاضل السامرائي

  • قوله تعالى: (بَرَاءَةٌ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ إلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ المُشْرِكينَ) . إن قلتَ: لم ترك البسملة فيها دون غيرها؟ قلتُ: لاختلاف الصحابة في أنَّ " براءة " و " الأنفال " سورتان، أو سورةٌ واحدةٌ، نظراً لأن كلاًّ منهما نزل في القتال، فترك بينهما فُرْجة، عملًا بالأول، وتُركتْ البسملة عملًا بالثاني. أو لأنَّ البسملة أمانٌ، وبراءة فيها قتلُ المشركين ومحاربُتهم، فلا مناسبة بينهما. أو لأنَّ الأنفال، لمَّا تضمَّنت طلبَ موالاة المؤمنين، بعضهم بعضاً، وأن ينقطعوا عن الكفار بالكلِّية، وكان قولُه تعالى " براءةٌ منَ اللهِ ورسولِهِ إلى الَّذينَ عاهدتُمْ منَ المشركين " - تقريراً وتأكيداً، لذلك تُركتْ البسملة بينهما.

    — كتاب فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرآن

الناسخ والمنسوخ في الآية ١ من سورة التوبة

من كتاب: الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه

﴿ بَرَآءَةٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى ٱلَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ﴾

قوله تعالى: ﴿بَراءةٌ مِن اللهِ وَرَسُولِه﴾، إلى قوله: ﴿أرْبَعَةَ أَشْهُر﴾:
هذه الآية ناسخةٌ للعهود البعيدة الأجل التي كانت للمشركين.
قال ابنُ عباس: كان لقومٍ من المشركين على النبي - صلى الله عليه وسلم - عهود إلى أوقات، فأمر اللهُ - جلَّ ذكرُه - نبيّه صلى الله عليه وسلم - أن يُؤَجِّلَهُم أربعةَ أَشهُرٍ يتصرفون فيها، وإن كانت عهودُهم إلى أكثر من أربعةِ أشهر، وذلك من بعد يوم النحر إلى عشر من ربيع الثاني؛ لأن عليَّاً رضي الله عنه نادى بسورة براءة في بوم النحر، ونبذ إلى كل ذي عهد عهده. قال: وكان قومٌ لا عهودَ لهم فأجلوا خمسين يوماً - (عشرين) يوماً من ذي الحجة والمحرم -.
وقال مجاهد والسُّدِّي: هم قوم كان لهم عهد إلى أكثر من أربعة أشهر، وقوم (كان عهدُهم) إلى أربعة أشهر، فردَّ الجميعَ إلى أربعة أشهر، ونسخ ما زاد على أربعة أشهرٍ، ونسخَ أمانَهم إلى البيت وطوافهم به عُراة.
وقال الزهري: الأربعةُ أشهر: أولها: شوال. إلى آخر المحرم.
وقيل: إنما نَبْذُ العهد إلى قومٍ نقضوا عهداً كان بينهُم وبين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأُجِّلوا أربعةَ أشهر، فأما من لم ينقض العهدَ، فيبقى على عهدِه بدليل قوله: ﴿فَمَا استَقَامُوا لَكُمْ فاسْتَقِيمُوا لَهُمْ﴾ [التوبة: ٧]. قال: ومن لم يكن له عهدٌ أُجِّلَ خمسينَ يوماً من (يومِ) النَّحر الذي نادي فيه عليٌّ - رضي الله عنه - ببراءة.
قال أبو محمد: وكان حقُّ هذا ألاّ يُدْخَل في الناسخ والمنسوخ لأنه لم ينسخ قرآناً متلوّاً، إنما نسخَ أمراً رآه النبي - عليه السلام - وأشياءَ كانوا اعليها مما لا يرضاه الله. والقرآن كُلُّه ناسخٌ لما كانوا عليه، إلاّ ما أَقرَّهم النبي عليه. لكنا ذكرناه وأشباهَه اتباعاً لمن تقدَّمنا؛ إذ أكثرُهُم ذكرَه ونَبَّهْنا على ما(ذكرنا لتعرفَ) حقيقةَ النسخ الذي قصدنا (إلى بيانِه).

فتاوى متعلقة بالآية ١ من سورة التوبة

٣ فتاوى تتعلق بهذه الآية

ترجمات معاني الآية ١ من سورة التوبة

ترجمة معاني الآية إلى ٥٩ لغةً

(1) [This is a declaration of] disassociation, from Allāh and His Messenger, to those with whom you had made a treaty among the polytheists.[461]
[461]- But who had violated it.
— الترجمة الإنجليزية - صحيح انترناشونال