التفسير الشامل — أمير عبد العزيز

عن الكتاب
بيان تفصيلي للسورة
قوه تعالى :﴿براءة من الله ورسوله إلى الذين عهدتم من المشركين ١ فسيحوا في الأرض أربعة أشهر واعلموا أنكم غير معجزي الله وأن الله مخزي الكافرين﴾.
هذه السورة العظيمة من أواخر ما أنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ فقد روي البخاري عن البراءة قال : أخر آية نزلت ﴿يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة﴾ وآخر سورة نزلت براءة. وإنما لم يبسمل في أولها ؛ لأن الصحابة لم يكتبوا البسملة في أولها في المصحف الإمام بل اقتدوا في ذلك بأمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه. وقد روي الترمذي بإسناده عن ابن عباس قال : قلت لعثمان بن عفان : ما حملكم أن عمدتم إلى الأنفال وهي من المثاني، وإلى براءة وهي من المئين وقرنتم بينهما ولم تكتبوا بينهما سطر ﴿بسم الله الرحمان الرحيم﴾ ووضعتموها في السبع الطوال. ما حملكم على ذلك ؟ فقال عثمان : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم كان مما يأتي عليه الزمان وهو ينزل عليه السور ذوات العدد، فكان إذا نزل عليه الشيء دعا بعض من كان يكتب فيقول :( ضعوا هذه الآية في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا ) وكانت الأنفال من أول ما نزل بالمدية وكانت براءة من آخر ما نزل من القرآن وكان قصتها شبيهة بقصتها وخشيت أنها منها، وقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يبين لنا أنها منها ؛ فمن أجل ذلك قرنت بينهما ولم أكتب بينهما سطر ﴿بسم الله الرحمان الرحيم﴾ ووضعتها في السبع الطوال(١).
قوله :﴿براءة من الله ورسوله﴾ ﴿براءة﴾، مرفوع خبر لمبتدأ محذوف. وتقديره : هذه براءة. وقيل : براءة مرفوع على أنه مبتدأ وخبره قوله :﴿إلى الذين عهدتم﴾ (٢) والبراءة تعني انقطاع العصمة. يقال : برئت من فلان أبرأ براءة ؛ أي انقطعت بيننا العصمة.
وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم لما خرج إلى غزوة تبوك وتخلف المنافقون وأرجفوا بالأراجيف، جعل المشركون ينقضون العهد، فنبذ رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم العهد.
وإذا قل : كيف يجوز للنبي أن ينقض العهد ؟ فإنه يجاب عن ذلك بأنه يجوز له نقض العهد مع المشركين على ثلاثة أوجه :
الوجه الأول : أن تظهر منهم الخيانة فيخشى معها غدرهم وضررهم فينبذ لهم العهد حتى يستوي المؤمنون والكافرون مع معرفة نقض العهد. وهو ما بيناه سابقا في النبذ على سواء عند الخوف من خيانة العدو.
الوجه الثاني : أن يكون الإمام قد شرط لهم أو لبعضهم أن يقرهم على العهد فيما ذكر من المدة إلى أمر الله تعالى بقطعه فلما أمر بقطعه قطعه لأجل الشرط.
الوجه الثالث : أن يكون مؤجلا إلى مدة معلومة، فإذا قضي الأجل انقضى العهد. وفيما وراء هذه الأحوال الثلاثة لا يجوز نقض العهد(٣).
١ تفسير ابن كثير جـ ٢ ص ٣٣١ وتفسير الرازي جـ ١٥ ص ٢٢٣..
٢ البيان لابن الأنباري جـ ١ ص ٣٩٣..
٣ تفسير الرازي جـ ١٥ ص ٢٢٦..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى