التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي
عن الكتاب
وقوله :﴿يَوْمَ يحمى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فتكوى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ..﴾ تفصيل لهذا العذاب الأليم، وبيان لميقاته، حتى يقلع البخلاء عن بخلهم، والأشحاء عن شحهم..
والظرف ﴿يَوْمَ﴾ منصوب بقوله :﴿عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ ؛ أو بفعل محذوف يدل عليه هذا القول.
أى : يعذبون يوم يحمى عليها، أو بفعل مقدر ؛ أى : اذكر يوم يحمى عليها.
وقوله :﴿يحمى﴾ يجوز أن يكون من حميت وأحميت - ثلاثيا ورباعيا - يقال : حميت الحديدة وأحميتها، أى : أوقدت عليها لتحمى.
وقوله :﴿عَلَيْهَا﴾ جار مجرور في موضع رفع لقيامه مقام الفاعل. ويجوز أن يكون القائم مقام الفاعل مضمرا، أى : يحمى الوقود أو الجمر عليها.
قال الآلوسى : وأصله تحمى بالنار من قولك : حميت الميسم وحميته فجعل الإِحماء للنار مبالغة ؛ لأن النار في ذاتها ذات حمى، فإذا وصفت بأنها تحمى دل على شدة توقدها. ثم حذفت النار، وحول الإِسناد إلى الجار والمجرور تنبيها على المقصود بأتم وجه فانتقل من صيغة التأنيث إلى التذكير كما تقول : رفعت القصة إلى الأمير. فإذا طرحت القصة وأنسد الفعل إلى الجار والمجرور وقتل : رفع إلى الأمير، وقرأ ابن عامر ﴿تحمي﴾ بالتاء بإسناده إلى النار كأصله. والمعنى : بشر - يا محمد - أولئك الذين يكنزون الأموال في الدنيا ولا ينفوقنها في سبيل الله، بالعذاب الأليم يوم الحساب يوم تحمى النار المشتعلة على تلك الأموال التي لم يؤدوا حق الله فيها ﴿فتكوى بِهَا جِبَاهُهُمْ﴾ أى : فتحرق بها جباههم التي كانوا يستقبلون بها الناس، والتى طالما ارتفعت غرورا بالمال المكنوز، وتحرق بها - ايضا - " جنوبهم " التي كثيرا ما انتفتحت من شدة الشبع وغيرها جائع، وتحرق بها كذلك " ظهورهم " التي نبذت وراءها حقوق الله بجحود وبطر..
قال صاحب الكشاف : فإن قلت : لم خصت هذه الأعضاء بالكى ؟
قلت : لأنهم لم يطلبوا بأموالهم - حيث لم ينفقوها في سبيل الله - إلا الأغراض الدنيوية من وجاهة عند الناس، وتقدم، وأن يكون ماء وجوههم مصونا عندهم، يتلقون بالجميل ويحيون بالإِكرام، ويجبلون ويحتمشون، ومن أكل طيبات يتضلعون منها وينفخون جنوبهم، ومن لبس عامة من الثياب يطرحونها على ظهورهم، كما ترى أغنياء زمانك، هذا أغراضهم وطلباتهم من أموالهم، لا يخطر ببالهم قول رسول الله - ﷺ - " ذهب أهل الدثور بالأجر كله ".
وقيل : لأنهم كانوا إذا أبصروا الفقير عبسوا، وإذا ضمهم وإياه مجلس ازوروا عنه، وتولوا بأركانهم، وولوه ظهورهم.
وقوله :﴿هذا مَا كَنَزْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُواْ مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ مقول لقول محذوف.
والتفسير : تقول لهم ملائكة العذاب على سبيل التبكيت والتوبيخ، وهى تتولى حرق جباههم وجنوبهم وظهورهم : هذا العذاب الأليم النازل بكم في الآخرة هو جزاء ما كنتم تكنزونه في الدنيا من مال لمنفعة أنفسكم دون أن تؤدوا حق الله فيه.
فذوقوا وحدكم وبال كنزكم. وتجرعوا غصصه، وتحملوا سوء عاقبته فأنتم الذين جنيتم على أنفسكم، لأنكم لم تشكروا الله على هذه الأموال، بل استعملتوها في غير ما خلقت له.
هذا، ومن الأحكام والآداب التي أخذها العلماء من هاتين الآيتين ما يأتى.
١- التحذير من الانقياد لدعاة السوء، ومن تقليدهم في رذائلهم وقبائحهم ووجوب السير على حسب ما جاء به الإِسلام من تعاليم وتشريعات..
ولذا قال ابن كثير عند تفسيره للآية الأولى : والمقصود التحذير من علماء السوء، وعباد الضلال، كما قال سفيان بن عيينه : من فسد من علمائنا كان فيه شبه من أحبار اليهود، ومن فسد من عبادنا كان فيه شبه من رهبان النصارى.
وفى الحديث الصحيح : " لتركبن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة " قالوا : اليهود والنصارى ؟ قال : " فمن " ؟ وفى رواية : فارس والروم ؟ قال : " فمن الناس إلا هؤلاء " والحاصل التحذير من التشبه بهم في أقوالهم وأحوالهم.
هذا، ونص الحديث الصحيح الذي ذكره الإِمام ابن كثير - كما رواه الشيخان - هكذا عن أبى سعيد الخدرى أن النبى - ﷺ - قال : " لتتبعن سنن من قبلكم شبرا يشبر وذارعا بذراع، حتى لو سلكوا جحر ضب لسلكتموه، قلنا : يا رسول الله، اليهود والنصارى ؟ قال : فمن ".
أما الحديث الذي جاء فيه حذو القذة بالقذة، فقد أخرجه الإِمام أحمد عن شداد بن أوس ونصه : " ليحملن شرار هذه الأمة على سنن الذين خلوا من قبلهم. أهل الكتاب، حذو القذة بالقذة ".
٢- يرى جمهور العلماء أن المقصود بالكنز في قوله، تعالى، ﴿والذين يَكْنِزُونَ الذهب والفضة وَلاَ يُنفِقُونَهَا﴾... ألخ المال الذي لم تؤد زكاته، أما إذا أديت زكاته في يسمى كنزا، ولا يدخل صاحبه تحت الوعيد الذي اشتملت عليه الآية.
وقد وضح الإِمام القرطبى هذه المسألة فقال : واختلف العلماء في المال الذي أديت زكاته هل يسمى كنزا أولا ؟.
فقال قوم : نعم. رواه أبو الضحا عن جعدة بين هبيرة عن على قال : أربعة آلاف فما دونها نفقة، وما كثر فهو كنز وإن أديت زكاته.. ولا يصح.
وقال قوم : ما أديت زكاته مئة أو من غيره عنه فليس بكنز، قال ابن عمر : ما أديت زكاته فليس بكنز وإن كانت تحت سبع أرضين، وكل ما لم تؤد زكاته فهو كنز وإن كان فوق الأرض. ومثله عن جابر، وهو الصحيح.
وروى البخارى عن أبى هريرة قال : قال رسول الله - ﷺ - " من آتاه الله ما لا فلم يؤد زكاته، مثل له يوم القيامة شجاعا أقرع له زبيبتان يطوقه يوم القيامة، ثم يأخذ بلهمزميته - يعنى شدقيه - ثم يقول : أنا مالك أنا كنزك.. ".
وفيه أيضا عن أبى ذر قال : انتهيت إلى النبى - ﷺ - قال : " والذى نفسى بيده، ما من رجل تكون له إبل أو بقر أو غنم، لا يؤدى حقها، إلا أتى بها يوم القيامة أعظم ما تكون وأسمنه، تطؤه بأخفافها، وتنطحه بقرونها، كلما جازت أخراها ردت عليه أولاها حتى يقضى بين الناس ".
فدل دليل خطاب هذين الحديثين على صحة ما ذكرنا. وقد بين ابن عمر في صحيح البخارى هذا المعنى. قال له أعرابى : أخبرنى عن قول الله - تعالى - ﴿والذين يَكْنِزُونَ الذهب والفضة..﴾ الآية فقال ابن عمر : من كنزها فلم يؤد زكاتها فويل له، إنما كان هذا قبل أن تنزل الزكاة، فلما أنزلت جعلها الله طهراً للأموال.
وروى أبو داود " عن ابن عباس قال : لما نزلت هذه الآية ﴿والذين يَكْنِزُونَ الذهب والفضة..﴾ كبر ذلك على المسلمين، فقال عمر : أنا أفرج عنكم، فانطلق فقال : يا نبى الله، إنه كبر على أصحابك هذه الآية. فقال - ﷺ - " إن الله لم يفرض الزكاة إلا ليطيب ما بقى من أموالكم، وإنما فرض المواريث لتكون لمن بعدكم " قال : فكبر عمر. ثم قال له رسول الله - ﷺ - : " ألا أخبرك بخير ما يكنز المرء ؟ المرأة الصالحة، إذا نظر إليها سرته، وإذا أمرها أطاعته، وإذا غاب عنها حفظته " ".
٣- أخذ بعض الصحابة من هذه الآية تحريم اكتناز الأموال التي تفيض عن حاجات الإِنسان الضرورية.
قال ابن كثير : كان من مذهب أبى ذر - رضى الله عنه - تحريم إدخار ما زاد على نفقة العيال، وكن يفتى بذلك، ويحثهم عليه ويأمرهم به، ويغلظ في خلافه، فنهاه معاوية فلم ينته، فخشى أن يضر بالناس في هذا، فكتب يشكوه إلى أمير المؤمنين عثمان، وأن يأخذه إليه، فاستقدمه عثمان إلى المدينة وأزله بالربذة - وهى بلدة قريبة من المدينة - وبها مات - رضى الله عنه - في خلافة عثمان.
وروى البخارى في تفسير هذه الآية عن زيد بن وهب قال : مررت بالربذة، فإذا بأبى ذر، فقلت له : ما أنزلك بهذه الأرض ؟ قال : كنا بالشام فقرأت ﴿والذين يَكْنِزُونَ الذهب والفضة وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ الله فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾. فقال معاوية : ما هذه فينا ما هذه إلا في أهل الكتاب. قال : قلت : إنها لفينا وفيهم.
ثم قال ابن كثير : وفى الصحيح " أن رسول الله - ﷺ - قال لأبى ذر : " ما يسرنى أن عندى مثل أحد ذهباً يمر على ثلاثة أيام وعندى منه شئ إلا دينار أرصده لدين " فهذا - والله أعلم - هو الذي حدا أباذر على القول بهذا " ".
وقال الشيخ القاسمى : قال ابن عبد البر : وردت عن أبى ذر آثار كثيرة تدل على أنه كان يذهب إلى أن كل مال مجموع يفضل عن القوت وسداد العيش، فهو كنز يذم فاعله، وأن آية الوعيد نزلت في ذلك.
وخالفه جمهور الصحابة ومن بعدهم، وحملوا الوعيد على ما نعى الزكاة، وأصح ما تمسكوا به حديث طلحة وغيره في قصة الأعرابى حيث قال : هل على غيرها ؟ قال : لا إلا أن تطوع.
وحديث طلحة الذي أشار إليه ابن عبد البر، قد جاء في صحيح البخارى ونصه : " عن طلحة بن عبيد الله قال : جاء رجل إلى رسول الله - ﷺ - من أهل نجد ثائر الرأس يسمع دوى صوته ولا يفقه ما يقول حتى دنا فإذا هو يسأل عن الإِسلام.
فقال رسول الله - ﷺ - " خمس صلوات في اليوم والليلة، فقال : هل على غيرها ؟.
قال : " لا.. إلا أن تطوع، قال رسول الله ﷺ " وصيام رمضان " قال : هل على غيره ؟ قال : " لا إلا أن تطوع "، قال. وذكر له رسول الله - ﷺ - الزكاة، قال. هل على غيرها ؟ قال " لا إلا أن تطوع ".
قال، فأدبر الرجل وهو يقول. والله لا أزيد على ذلك ولا أنقص. فقال، رسول الله - ﷺ - " أفلح إن صدق " ".
هذا ؛ ومما استدل به جمهور الصحابة ومن بعدهم من العلماء، على عدم حرمة اقتناء الأموال التي تفيض عن الحاجة - ما دام قد أدى حق الله فيها - ما يأتى :
( أ ) أن قواعد الشرع لا تحرم ذلك، وإلا لما شرع الله المواريث لأنه لو وجب إنفاق كل ما زاد عن الحاجة، لما كان لمشروعية المواريث فائدة.
( ب ) تثبت في الحديث الصحيح " أن سعد بن أبى وقاص عندما كان مريضاً، وزاره رسول الله - ﷺ - قال له : يا رسول الله : أأوصى بمالى كله ؟ قال : " لا. قال سعد : فالشطر ؟ قال : لا. قال سعد : فالثلث ؟ فقال له - ﷺ - فالثلث والثلثَ كثير. إنك لإن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس.. " ".
ولو كان جمع المال واقتناؤه محرما، لأقر النبى - ﷺ - سعدا على التصدق بجميع ماله، ولأمر المسلمين أن يحذوا حذو سعد، ولكنه ﷺ - لم يفعل ذلك، بل قال لسعد :
" إنك إن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس.. ".
وقد كان في عهده - ﷺ - من الصحابة من يملكون الكثير من الأموال - كعثمان بن عفان، وعبد الرحمن بن عوف وغيرهما - ومع هذا فلم يأمرهم بإنفاق كل ما زاد عن حاجتهم الضرورية.
قال القرطبى : قرر الشرع ضبط الأموال وأداء حقها، ولو كان ضبط المال ممنوعا، لكان حقه أن يخرج كله، وليس في الأمة من يلزم هذا. وحسبك حال الصحابة وأموالهم - رضوان الله عليهم - وأما ما ذكر عن أبى ذر فهو مذهب له.
( ج ) ما ورد من آثام في ذم الكنز و الكانزين كان قبل أن تفرض الزكاة أو هو في حق من امتنع عن أداء حق الله في ماله.
قال صاحب الكشاف. فإن قلت فما تصنع في قوله - ﷺ - " من
والظرف ﴿يَوْمَ﴾ منصوب بقوله :﴿عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ ؛ أو بفعل محذوف يدل عليه هذا القول.
أى : يعذبون يوم يحمى عليها، أو بفعل مقدر ؛ أى : اذكر يوم يحمى عليها.
وقوله :﴿يحمى﴾ يجوز أن يكون من حميت وأحميت - ثلاثيا ورباعيا - يقال : حميت الحديدة وأحميتها، أى : أوقدت عليها لتحمى.
وقوله :﴿عَلَيْهَا﴾ جار مجرور في موضع رفع لقيامه مقام الفاعل. ويجوز أن يكون القائم مقام الفاعل مضمرا، أى : يحمى الوقود أو الجمر عليها.
قال الآلوسى : وأصله تحمى بالنار من قولك : حميت الميسم وحميته فجعل الإِحماء للنار مبالغة ؛ لأن النار في ذاتها ذات حمى، فإذا وصفت بأنها تحمى دل على شدة توقدها. ثم حذفت النار، وحول الإِسناد إلى الجار والمجرور تنبيها على المقصود بأتم وجه فانتقل من صيغة التأنيث إلى التذكير كما تقول : رفعت القصة إلى الأمير. فإذا طرحت القصة وأنسد الفعل إلى الجار والمجرور وقتل : رفع إلى الأمير، وقرأ ابن عامر ﴿تحمي﴾ بالتاء بإسناده إلى النار كأصله. والمعنى : بشر - يا محمد - أولئك الذين يكنزون الأموال في الدنيا ولا ينفوقنها في سبيل الله، بالعذاب الأليم يوم الحساب يوم تحمى النار المشتعلة على تلك الأموال التي لم يؤدوا حق الله فيها ﴿فتكوى بِهَا جِبَاهُهُمْ﴾ أى : فتحرق بها جباههم التي كانوا يستقبلون بها الناس، والتى طالما ارتفعت غرورا بالمال المكنوز، وتحرق بها - ايضا - " جنوبهم " التي كثيرا ما انتفتحت من شدة الشبع وغيرها جائع، وتحرق بها كذلك " ظهورهم " التي نبذت وراءها حقوق الله بجحود وبطر..
قال صاحب الكشاف : فإن قلت : لم خصت هذه الأعضاء بالكى ؟
قلت : لأنهم لم يطلبوا بأموالهم - حيث لم ينفقوها في سبيل الله - إلا الأغراض الدنيوية من وجاهة عند الناس، وتقدم، وأن يكون ماء وجوههم مصونا عندهم، يتلقون بالجميل ويحيون بالإِكرام، ويجبلون ويحتمشون، ومن أكل طيبات يتضلعون منها وينفخون جنوبهم، ومن لبس عامة من الثياب يطرحونها على ظهورهم، كما ترى أغنياء زمانك، هذا أغراضهم وطلباتهم من أموالهم، لا يخطر ببالهم قول رسول الله - ﷺ - " ذهب أهل الدثور بالأجر كله ".
وقيل : لأنهم كانوا إذا أبصروا الفقير عبسوا، وإذا ضمهم وإياه مجلس ازوروا عنه، وتولوا بأركانهم، وولوه ظهورهم.
وقوله :﴿هذا مَا كَنَزْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُواْ مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ مقول لقول محذوف.
والتفسير : تقول لهم ملائكة العذاب على سبيل التبكيت والتوبيخ، وهى تتولى حرق جباههم وجنوبهم وظهورهم : هذا العذاب الأليم النازل بكم في الآخرة هو جزاء ما كنتم تكنزونه في الدنيا من مال لمنفعة أنفسكم دون أن تؤدوا حق الله فيه.
فذوقوا وحدكم وبال كنزكم. وتجرعوا غصصه، وتحملوا سوء عاقبته فأنتم الذين جنيتم على أنفسكم، لأنكم لم تشكروا الله على هذه الأموال، بل استعملتوها في غير ما خلقت له.
هذا، ومن الأحكام والآداب التي أخذها العلماء من هاتين الآيتين ما يأتى.
١- التحذير من الانقياد لدعاة السوء، ومن تقليدهم في رذائلهم وقبائحهم ووجوب السير على حسب ما جاء به الإِسلام من تعاليم وتشريعات..
ولذا قال ابن كثير عند تفسيره للآية الأولى : والمقصود التحذير من علماء السوء، وعباد الضلال، كما قال سفيان بن عيينه : من فسد من علمائنا كان فيه شبه من أحبار اليهود، ومن فسد من عبادنا كان فيه شبه من رهبان النصارى.
وفى الحديث الصحيح : " لتركبن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة " قالوا : اليهود والنصارى ؟ قال : " فمن " ؟ وفى رواية : فارس والروم ؟ قال : " فمن الناس إلا هؤلاء " والحاصل التحذير من التشبه بهم في أقوالهم وأحوالهم.
هذا، ونص الحديث الصحيح الذي ذكره الإِمام ابن كثير - كما رواه الشيخان - هكذا عن أبى سعيد الخدرى أن النبى - ﷺ - قال : " لتتبعن سنن من قبلكم شبرا يشبر وذارعا بذراع، حتى لو سلكوا جحر ضب لسلكتموه، قلنا : يا رسول الله، اليهود والنصارى ؟ قال : فمن ".
أما الحديث الذي جاء فيه حذو القذة بالقذة، فقد أخرجه الإِمام أحمد عن شداد بن أوس ونصه : " ليحملن شرار هذه الأمة على سنن الذين خلوا من قبلهم. أهل الكتاب، حذو القذة بالقذة ".
٢- يرى جمهور العلماء أن المقصود بالكنز في قوله، تعالى، ﴿والذين يَكْنِزُونَ الذهب والفضة وَلاَ يُنفِقُونَهَا﴾... ألخ المال الذي لم تؤد زكاته، أما إذا أديت زكاته في يسمى كنزا، ولا يدخل صاحبه تحت الوعيد الذي اشتملت عليه الآية.
وقد وضح الإِمام القرطبى هذه المسألة فقال : واختلف العلماء في المال الذي أديت زكاته هل يسمى كنزا أولا ؟.
فقال قوم : نعم. رواه أبو الضحا عن جعدة بين هبيرة عن على قال : أربعة آلاف فما دونها نفقة، وما كثر فهو كنز وإن أديت زكاته.. ولا يصح.
وقال قوم : ما أديت زكاته مئة أو من غيره عنه فليس بكنز، قال ابن عمر : ما أديت زكاته فليس بكنز وإن كانت تحت سبع أرضين، وكل ما لم تؤد زكاته فهو كنز وإن كان فوق الأرض. ومثله عن جابر، وهو الصحيح.
وروى البخارى عن أبى هريرة قال : قال رسول الله - ﷺ - " من آتاه الله ما لا فلم يؤد زكاته، مثل له يوم القيامة شجاعا أقرع له زبيبتان يطوقه يوم القيامة، ثم يأخذ بلهمزميته - يعنى شدقيه - ثم يقول : أنا مالك أنا كنزك.. ".
وفيه أيضا عن أبى ذر قال : انتهيت إلى النبى - ﷺ - قال : " والذى نفسى بيده، ما من رجل تكون له إبل أو بقر أو غنم، لا يؤدى حقها، إلا أتى بها يوم القيامة أعظم ما تكون وأسمنه، تطؤه بأخفافها، وتنطحه بقرونها، كلما جازت أخراها ردت عليه أولاها حتى يقضى بين الناس ".
فدل دليل خطاب هذين الحديثين على صحة ما ذكرنا. وقد بين ابن عمر في صحيح البخارى هذا المعنى. قال له أعرابى : أخبرنى عن قول الله - تعالى - ﴿والذين يَكْنِزُونَ الذهب والفضة..﴾ الآية فقال ابن عمر : من كنزها فلم يؤد زكاتها فويل له، إنما كان هذا قبل أن تنزل الزكاة، فلما أنزلت جعلها الله طهراً للأموال.
وروى أبو داود " عن ابن عباس قال : لما نزلت هذه الآية ﴿والذين يَكْنِزُونَ الذهب والفضة..﴾ كبر ذلك على المسلمين، فقال عمر : أنا أفرج عنكم، فانطلق فقال : يا نبى الله، إنه كبر على أصحابك هذه الآية. فقال - ﷺ - " إن الله لم يفرض الزكاة إلا ليطيب ما بقى من أموالكم، وإنما فرض المواريث لتكون لمن بعدكم " قال : فكبر عمر. ثم قال له رسول الله - ﷺ - : " ألا أخبرك بخير ما يكنز المرء ؟ المرأة الصالحة، إذا نظر إليها سرته، وإذا أمرها أطاعته، وإذا غاب عنها حفظته " ".
٣- أخذ بعض الصحابة من هذه الآية تحريم اكتناز الأموال التي تفيض عن حاجات الإِنسان الضرورية.
قال ابن كثير : كان من مذهب أبى ذر - رضى الله عنه - تحريم إدخار ما زاد على نفقة العيال، وكن يفتى بذلك، ويحثهم عليه ويأمرهم به، ويغلظ في خلافه، فنهاه معاوية فلم ينته، فخشى أن يضر بالناس في هذا، فكتب يشكوه إلى أمير المؤمنين عثمان، وأن يأخذه إليه، فاستقدمه عثمان إلى المدينة وأزله بالربذة - وهى بلدة قريبة من المدينة - وبها مات - رضى الله عنه - في خلافة عثمان.
وروى البخارى في تفسير هذه الآية عن زيد بن وهب قال : مررت بالربذة، فإذا بأبى ذر، فقلت له : ما أنزلك بهذه الأرض ؟ قال : كنا بالشام فقرأت ﴿والذين يَكْنِزُونَ الذهب والفضة وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ الله فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾. فقال معاوية : ما هذه فينا ما هذه إلا في أهل الكتاب. قال : قلت : إنها لفينا وفيهم.
ثم قال ابن كثير : وفى الصحيح " أن رسول الله - ﷺ - قال لأبى ذر : " ما يسرنى أن عندى مثل أحد ذهباً يمر على ثلاثة أيام وعندى منه شئ إلا دينار أرصده لدين " فهذا - والله أعلم - هو الذي حدا أباذر على القول بهذا " ".
وقال الشيخ القاسمى : قال ابن عبد البر : وردت عن أبى ذر آثار كثيرة تدل على أنه كان يذهب إلى أن كل مال مجموع يفضل عن القوت وسداد العيش، فهو كنز يذم فاعله، وأن آية الوعيد نزلت في ذلك.
وخالفه جمهور الصحابة ومن بعدهم، وحملوا الوعيد على ما نعى الزكاة، وأصح ما تمسكوا به حديث طلحة وغيره في قصة الأعرابى حيث قال : هل على غيرها ؟ قال : لا إلا أن تطوع.
وحديث طلحة الذي أشار إليه ابن عبد البر، قد جاء في صحيح البخارى ونصه : " عن طلحة بن عبيد الله قال : جاء رجل إلى رسول الله - ﷺ - من أهل نجد ثائر الرأس يسمع دوى صوته ولا يفقه ما يقول حتى دنا فإذا هو يسأل عن الإِسلام.
فقال رسول الله - ﷺ - " خمس صلوات في اليوم والليلة، فقال : هل على غيرها ؟.
قال : " لا.. إلا أن تطوع، قال رسول الله ﷺ " وصيام رمضان " قال : هل على غيره ؟ قال : " لا إلا أن تطوع "، قال. وذكر له رسول الله - ﷺ - الزكاة، قال. هل على غيرها ؟ قال " لا إلا أن تطوع ".
قال، فأدبر الرجل وهو يقول. والله لا أزيد على ذلك ولا أنقص. فقال، رسول الله - ﷺ - " أفلح إن صدق " ".
هذا ؛ ومما استدل به جمهور الصحابة ومن بعدهم من العلماء، على عدم حرمة اقتناء الأموال التي تفيض عن الحاجة - ما دام قد أدى حق الله فيها - ما يأتى :
( أ ) أن قواعد الشرع لا تحرم ذلك، وإلا لما شرع الله المواريث لأنه لو وجب إنفاق كل ما زاد عن الحاجة، لما كان لمشروعية المواريث فائدة.
( ب ) تثبت في الحديث الصحيح " أن سعد بن أبى وقاص عندما كان مريضاً، وزاره رسول الله - ﷺ - قال له : يا رسول الله : أأوصى بمالى كله ؟ قال : " لا. قال سعد : فالشطر ؟ قال : لا. قال سعد : فالثلث ؟ فقال له - ﷺ - فالثلث والثلثَ كثير. إنك لإن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس.. " ".
ولو كان جمع المال واقتناؤه محرما، لأقر النبى - ﷺ - سعدا على التصدق بجميع ماله، ولأمر المسلمين أن يحذوا حذو سعد، ولكنه ﷺ - لم يفعل ذلك، بل قال لسعد :
" إنك إن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس.. ".
وقد كان في عهده - ﷺ - من الصحابة من يملكون الكثير من الأموال - كعثمان بن عفان، وعبد الرحمن بن عوف وغيرهما - ومع هذا فلم يأمرهم بإنفاق كل ما زاد عن حاجتهم الضرورية.
قال القرطبى : قرر الشرع ضبط الأموال وأداء حقها، ولو كان ضبط المال ممنوعا، لكان حقه أن يخرج كله، وليس في الأمة من يلزم هذا. وحسبك حال الصحابة وأموالهم - رضوان الله عليهم - وأما ما ذكر عن أبى ذر فهو مذهب له.
( ج ) ما ورد من آثام في ذم الكنز و الكانزين كان قبل أن تفرض الزكاة أو هو في حق من امتنع عن أداء حق الله في ماله.
قال صاحب الكشاف. فإن قلت فما تصنع في قوله - ﷺ - " من