المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية

عن الكتاب
وقوله تعالى ﴿يوم يحمى عليها﴾ الآية :﴿يوم﴾ ظرف والعامل فيه ﴿أليم﴾ وقرأ جمهور الناس «يحمى » بالياء بمعنى يحمى الوقود، وقرأ الحسن بن أبي الحسن «تحمى » بالتاء من فوق بمعنى تحمى النار والضمير في عليها عائد على الكنوز أو الأموال حسبما تقدم، وقرأ قوم «جباهم » بالإدغام وأشموها الضم حكاه أبو حاتم، وردت أحاديث كثيرة في معنى هذه الآية من الوعيد لكنها مفسرة في منع الزكاة فقط لا في كسب المال الحلال وحفظه، ويؤيد ذلك حال أصحابه وأموالهم رضي الله عنهم، فمن تلك الأحاديث قوله ﷺ :«من ترك بعده كنزاً لم يؤد زكاته مثل له يوم القيامة شجاعاً أقرع » الحديث(١). وأسند الطبري قال كان نعل سيف أبي هريرة من فضة فنهاه أبو ذر، وقال : قال رسول الله صلة الله عليه وسلم :«من ترك صفراء أو بيضاء كوي بها »(٢)، وأسند إلى أبي أمامة الباهلي قال : مات رجل من أهل الصفة فوجد في برده دينار فقال رسول الله ﷺ :«كية ثم مات آخر فوجد له ديناران فقال رسول الله ﷺ : كيتان »(٣).
قال القاضي أبو محمد : وهذا إما لأنهما كانا يعيشان من الصدقات وعندهما التبر وإما لأن هذا كان في صدر الإسلام، ثم قرر الشرع ضبط المال وأداء حقه، ولو كان ضبط المال ممنوعاً لكان حقه أن يخرج كله لا زكاته فقط، وليس في الأمة من يلزم هذا، وقوله ﴿هذا ما كنزتم﴾ إشارة إلى المال الذي كوي به، ويحتمل أن تكون إلى الفعل النازل بهم، أي هذا جزاء ما كنزتم، وقال ابن مسعود : والله لا يمس دينار ديناراً بل يمد الجلد حتى يكوى بكل دينار وبكل درهم، وقال الأحنف بن قيس : دخلت مسجد المدينة وإذا رجل خشن الهيئة رثها يطوف في الحلق وهو يقول : بشر أصحاب الكنوز بكي في جباهم وجنوبهم وظهورهم، ثم انطلق يتذمر وهو يقول وما عسى تصنع في قريش.
١ - رواه البخاري عن أبي هريرة في كتاب الزكاة –باب إثم مانع الزكاة- ولفظه: (من آتاه الله مالا فلم يؤد زكاته مثّل له يوم القيامة شُجاعا أقرع له زبيبتان يطوقه ثم يأخذ بلهزمته –يعني شدقيه- ثم يقول: أنا مالك، أنا كنزك، ثم تلا ﴿ولا يحسبن الذين يبخلون﴾ الآية..
٢ - أخرجه أحمد، والترمذي، والنسائي، وابن ماجة، وابن حبان، والحاكم، وابن مردويه عن ثوبان رضي الله عنه. (الدر المنثور)..
٣ - أسنده الطبري إلى أبي أمامة، ذكر ذلك القرطبي كما ذكره ابن عطية، وفي ابن كثير أن الإمام أحمد رواه عن يزيد بن الصّرم قال: سمعت عليا رضي الله عنه يقول: مات رجل من أهل الصفة وترك دينارين أو درهمين فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كيّتان"، صلوا على صاحبكم، ورواه قتادة عن شهر بن حوشب عن أبي أمامة صدي بن عجلان بمثل إسناد الطبري إلا أنه قال: "بمئزره" بدلا من "بردته"..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى