الكشف والبيان عن تفسير القرآن — الثعلبي

عن الكتاب
ثم بين [ لمن ] الصدقات فقال عز من قال ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَآءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ لا للمنافقين، واختلف العلماء في صفة الفقر والمسكين.
وقال ابن عباس والحسن وجابر بن زيد والزهري ومجاهد وابن زيد : الفقير : المتعفف عن المسألة، والمسكين : المحتاج السائل، وقال قتادة : الفقير : المؤمن المحتاج [ الذي به زمانة ] والمسكين :[ الذي لا زمانة به ]، وقال الضحاك وإبراهيم النخعي : الفقراء فقراء المهاجرين، والمساكين من لم يهاجروا من المسلمين المحتاجين، وروى ابن سلمة عن ابن علية عن ابن سيرين عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال : ليس الفقير الذي لا مال له ولكن الفقير الأخلق الكسب قال ابن علية : الأخلق المحارف عندنا، وقال عكرمة : الفقراء فقراء المسلمين، والمساكين من أهل الكتاب.
وقال أبو بكر العبسي : رأى عمر بن الخطاب ذميماً مكفوفاً مطروحاً على باب المدينة فقال له عمر : مالك ؟ قال : استكروني في هذه الجزيرة حتى إذا كف بصري تركوني فليس لي أحد يعود عليّ بشيء، فقال : ما أُنصفت إذاً، فأمر له بقوته وما يصلحه، ثم قال : هذا من الذين قال الله تعالى :﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَآءِ﴾ وهم زمنى أهل الكتاب، وقال ابن عباس : المساكين :( الطوافون )، والفقراء، من المسلمين.
أخبرنا عبد الله بن حامد. أخبرنا محمد بن جعفر. حدّثنا أحمد بن عبد الله بن يزيد المؤدب. حدّثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر عن همام بن منبّه عن أبي هريرة قال : قال رسول الله ﷺ :" ليس المسكين هذا الطوَّاف الذي يطوف على الناس تردّه اللقمة واللقمتان والتمرة والتمرتان، إنما المسكين الذي لا يجد غنى يغنيه ولا يسأل الناس، ولا يفطن له فيتصدق عليه ".
قال الفرّاء : الفقراء أهل الصفة لم يكن لهم عشائر ولا مال، كانوا يلتمسون الفضل ثم يأوون إلى مسجد رسول الله ﷺ والمساكين : الطوّافون على الأبواب، وقال عبد الله بن الحسن : المسكين الذي يخشع ويستكين وإن لم يسأل، والفقير الذي يحتمل ويقبل الشيء سراً ولا يخشع وقال [ ابن السكيت والقتيبي ويونس ] الفقير الذي له البلغة من العيش والمسكين الذي لا شيء له، واحتج بقول الشاعر :
إنّ الفقير الذي كانت حلوبتهوفق العيال فلم يترك له سبد
فجعل له حلوبة وجعلها وقفاً لعياله أي قوتاً لا فضل فيه، يدلّ عليه ماروي عن عبد الرحمن بن أبزي قال : كان ناس من المهاجرين لأحدهم الدار والزوجة والعبد والناقة يحجّ عليها ويغزو فنسبهم الله تعالى إلى أنهم فقراء وجعل لهم سهماً في الزكاة.
وقال محمد بن مسلمة : الفقير الذي له مسكن يسكنه، والخادم إلى [. . . . . . ] لأن ذلك المسكين الذي لا ملك له. قالوا : وكل محتاج إلى شيء فهو مفتقر إليه وإن كان غنياً من غيره، قال الله تعالى :
﴿يأَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَآءُ إِلَى اللَّهِ﴾ [فاطر: ١٥]، والمسكين المحتاج إلى كل شيء، ألا ترى كيف حُضّ على إطعامه وجعل الكفّارة من الاطعمة له، ولا فاقة أعظم من [. . . . . . ] في شدة الجوعة.
أما قوله :
﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ﴾ [الكهف: ٧٩] وإن مسكنتهم هاهنا مساكين على جهه الرحمة والاستعفاف لا بملكهم السفينة كما قيل لمن امتحن بنكبة أو دفع إلى بلية : مسكين، وفي الحديث :" مساكين أهل النار " وقال الشاعر :
مساكين أهل الحبّ حتى قبورهم ( عليها ) تراب الذل بين المقابر
﴿وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾ يعني سقاتها وجباتها الذين يتولّون قبضها من أهلها ووضعها في حقها ويعملون عليها يعطون ذلك بالسعاية، أغنياء كانوا أو فقراء.
واختفلوا في قدر مايعطون، فقال الضحّاك : يعطون : الثمن من الصدقة، وقال مجاهد : يأكل العمال من السهم الثامن، وقال عبد الله بن عمرو بن العاص : يعطون على قدر عمالتهم، وهو قول الشافعي وأبي يعفور قالا : يعطون بقدر أجور أمثالهم، وإن كان أكثر من الثمن، يدلّ عليه قول عبد الرحمن بن زيد قال : لم يكن عمر ولا أُولئك يعطون العامل الثمن إنما يفرضون له بقدر عمله، وقال مالك وأهل العراق : إنّما ذلك إلى الامام وإجتهاده، يعطيهم الامام على قدر مايرى.
﴿وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ﴾، قال قتادة : هم ناس من الأعراب وغيرهم كان النبي ﷺ يألفهم بالعطية كيما يؤمنوا، وقال معقل بن عبد الله : سألت الزهري عن المؤلفة قلوبهم، قال : من أسلم من يهودي أو نصراني، قلت : وإنْ كان غنياً ؟ قال : وإنْ كان غنياً، وقال ابن عباس : هم قوم قد أسلموا، كانوا يأتون رسول الله ﷺ يرضخ لهم من الصدقات، فإذا أعطاهم من الصدقة فأصابوا منها خيراً قالوا : هذا دين صالح، فإن كان غير ذلك عابوه وتركوه. !
وقال ابن كيسان : هم قوم من أهل الحرب كان النبي ﷺ يتألّفهم بالصدقات ليكفّوا عن حربه، وقال الكلبي ويحيى بن أبي كثير وغيرهم : ذوو الشرف من الأحياء، كان رسول الله ﷺ يعطيهم في الإسلام يتألّفهم وهم الذين قسم بينهم يوم حنين الإبل، وهم : من بني مخزوم الحرث ابن هشام، وعبد الرحمن بن يربوع، ومن بني أمية أبو سفيان بن حرب ومنهم من بني جمح صفوان بن أمية، ومن بني عامر بن لؤي سهيل بن عمرو، وحويطب بن عبد العزى، ومن بني أسد بن عبد العزى حكيم بن خزام، ومن بني هاشم أبو سفيان بن الحرث بن عبد المطلب، ومن بني فزارة عيينة بن حصين، وحذيفة بن بدر، ومن بني تميم الاقرع بن حابس، ومن بني النضر مالك بن عوف بن مالك ومن بني سليم العباس بن مرادس، ومن بني ثقيف العلاء بن خارجة، أعطى النبي ﷺ كل رجل منهم مائة ناقة إلا عبد الرحمن بن يربوع وحويطب بن عبد العزى، قال وفي رواية أخرى : مخرمة بن نوفل، وعمير بن وهيب وهشام بن عمرو.
وزاد الكلبي : أبا البعائل بن يعكل وجد بن قيس السهمي وعمرو بن مرداس وهشام بن عمرو. قال : أعطى كل واحد منهم خمسين ناقة، فقال العباس بن مرادس في ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم
فأصبح نهبي ونهب العبيدبين عيينة والأقرع
وما كان حصن ولاحابسيفوقان مرداس في المجمع
وقد كنت في الحرب ذا [ قوّة ] فلم أعط شيئاً ولم أمنع
الا أفائل أعطيتهاعديد قوائمه الأربع
وكانت نهاباً تلافيتهابكري على المهر في الأجرع
وايقاظي القوم أن يرقدواإذا هجع الناس لم أهجع
وما كنت دون أمرئ منهماومن تضع اليوم لا يرفع
فأعطاه النبي ﷺ مائة ناقة، وأعطى حكيم بن حزام سبعين ناقة فقال : يارسول الله ما كنت أدري أن أحداً أحق بعطائك مني فزاده عشرة أبكار، ثم زاده عشرة أبكار حتى أتمها له مائة، فقال حكيم : يارسول الله أعطيتُك التي رغبت عنها خيرٌ أم هذه التي زادت ؟ قال : لا، بل هذه التي رغبت فيها.
قال : لا آخذ غيرها، فأخذ السبعين، فمات حكيم وهو أكثر قريش مالاً.
فقال النبي ﷺ :" أعطي رجلاً وأترك الآخر، والذي أترك أحب إلي من الذي أعطي، ولكني أتألف هذا بالعطية، وأُوكل المؤمن إلى إيمانه ".
وقال صفوان بن أُمية : لقد أعطاني رسول الله ﷺ ما أعطاني وإنه لأبغض الناس اليَّ فما برح يعطيني حتى إنه لأحب الناس إلي.
ثم اختلفوا في وجود المؤلّفة اليوم وهل يُعطون من الصدقة وغيرها أم لا ؟، فقال الحسن : أما المؤلفة قلوبهم فليس اليوم، وقال الشعبي : إنه لم يبقَ في الناس اليوم من المؤلفة قلوبهم، إنما كانوا على عهد رسول الله ﷺ فلمّا ولي أبو بكر انقطعت الرشى، وهذا تأويل أهل القرآن، يدل عليه حديث عمر بن الخطاب حين جاءه عيينة بن حصين، فقال
﴿الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩] إن الإسلام أجلّ من أن يرشى عليه، أي ليس اليوم مؤلّفة.
وروى أبو عوانة عن مهاجر أبي الحسن، قال : أتيت أبا وائل وأبا بردة بالزكاة وهما على بيت المال فأخذاها، ثم جئت مرة أُخرى فوجدت أبا وائل وحده فقال ردّها فضعها في مواضعها، قلت : فما أصنع بنصيب المؤلفة قلوبهم ؟ فقال ردّه على الآخرين. وقال أبو جعفر محمد بن علي :[ في الناس ] اليوم المؤلفة قلوبهم ثابتة، وهو قول أبي ثور قال : لهم سهم يعطيهم الامام قدر مايرى.
وقال الشافعي : المؤلّفة قلوبهم ضربان : ضرب مشركون فلا يعطون، وضرب مسلمون [ إذا اعطاهم الإمام كفّوا شرهم عن المسلمين ]، فأرى أن يعطيهم من سهم النبي وهو خمس الخمس ما يتألّفون به سوى سهمهم مع المسلمين، يدلّ عليه أن النبي ﷺ أعطى المؤلّفة قلوبهم بعد أن فتح الله عليه الفتوح وفشا الإسلام وأعزّ أهله، وأمّا سهمهم من الزكاة فأرى أن يصرف في تقوية الدين وفي سدّ خلة الإسلام ولايعطى مشرك تألّف على الإسلام، ألا إنّ الله تعالى يغني دينه عن ذلك، والله أعلم.
﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ مختصر أي في فك الرقاب من الرق، واختلفوا فيهم، فقال أكثر الفقهاء : هم المكاتبون، وهو قول الشافعي والليث بن سعد، ويروى أنّ مكاتباً قام إلى أبي موسى الاشعري وهو يخطب الناس يوم الجمعة فقال له : أيها الأمير حثّ الناس عليّ، فحث أبو موسى، فألقى الناس ملاءة وعمامة وخاتماً حتى ألقوا عليه سواداً كثيراً، فلمّا رأى أبو موسى ما ألقى الناس، قال أبو موسى : أجمعوه فجُمع، ثم أمر به فبيع فأعطى المكاتب مكاتبته، ثم أعطى الفضل في الرقاب ولم يردّه على الناس، وقال إنما أعطى الناس في الرقاب.
وقال الحسن وابن عباس : يعتق منه الرقاب وهو مذهب مالك وأحمد وإسحاق وأبي عبيد وأبي ثور، وقال سعيد بن جبير والنخعي، لا يعتق من الزكاة رقبة كاملة لكن يعطي منها في ميقات رقبة مكاتب، وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد.
قال الزهري : سهم الرقاب نصفان : نصف لكلّ مكاتب ممن يدّعي الإسلام، والنصف الثاني لمن يشتري به رقاب ممن صلّى وصام وقدّم إسلامه من ذكر وأنثى يعتقون لله.
﴿وَالْغَارِمِينَ﴾ قتادة : هم قوم غرقتهم الديون في غير إملاق ولا تبذير ولا فساد.
وقال مجاهد : من احترق بيته وذهب السيل بماله، وأدان على عياله، وقال أبو جعفر الباقر : الغارمون صنفان : صنف استدانوا في مصلحتهم أو معروف أو غير معصية ثم عجزوا عن أداء ذلك في العرض والنقد فيعطون في غرمهم، وصنف استدانوا في جمالات وصلاح ذات بين ومعروف ولهم عروض إن بيعت أضرّ بهم فيعطى هؤلاء قدر عروضهم.
وذلك إذا كان دينهم في غير فسق ولا تبذير ولا معصية، وأما من ادان في معصية الله فلا أرى أن يعطى، وأصل الغرم الخسران والنقصان، ومنه الحديث في الرحمن له غنمه وعليه غرمه، ومن ذلك قيل للعذاب غرام، قال الله تعالى ﴿إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَاماً﴾ [الفرقان: ٦٥] وفلان مغرم بالنساء أي مهلك بهنّ، وما أشدّ غرامه وإغرامه بالنساء.
﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ فيهم الغزاة والمرابطون والمحتاجون.
فأما إذا كانوا أغنياء فاختلفوا فيه، فقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد : لايعطى الغازي إلا أن يكون منقطعاً مفلساً، وقال مالك والشافعي وإسحاق وأبو عبيد وأبو ثور : يعطى الغازي منها وإن كان غنياً،

تفسير هذه الآية من كتب أخرى