اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾ الآية.
قال الكلبي، ومقاتل، وقتادةُ :" إنَّ النبي ﷺ كان يسير في غزوة تبوك وبين يديه ثلاثة نفر من المنافقين، اثنان يستهزئان بالقرآن والرسول، والآخر يضحك(١).
قيل : كانوا يقولون : إنَّ محمداً يزعم أنه يغلب الروم، ويفتح مدائنهم، هيهات هيهات ما أبعده عن ذلك.
وقيل : كانوا يقولون : إنَّ محمداً يزعمُ أنَّهُ نزل في أصحابنا المقيمين بالمدينة قرآن، وإنما هو قوله وكلامه، فأطلع اللهُ نبيهُ ﷺ على ذلك فقال :" احبسُوا الرَّكبَ عليَّ " فدعاهُم وقال لهُم :" قُلْتُم كذا وكذا " فقالوا : إنَّما كُنَّا نتحدثُ ونخوض في الكلامِ، كما يفعلُ الرَّكبُ لقطع الطريق بالحديث واللعب ".
قال ابن عمر :" رأيتُ عبد الله بن أبيّ يشتد قدام النبي ﷺ والحجارة تنكيه، وهو يقولُ :" إنَّما كُنَّا نخوضُ ونلعبُ ". ورسول الله ﷺ يقول " أباللهِ وآياتهِ ورسولهِ كُنتُم تَسْتهزِئُونَ ". ولا يلتفتُ إليه(٢) ".
وقال أبُو مسلم : قوله :﴿يَحْذَرُ المنافقون أَن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِم﴾ [التوبة: ٦٤] إنَّ القوم أظهروا هذا الخبر استهزاء، فبيَّن تعالى في هذه الآية أنَّهُ إذا قيل لهم : لِمَ فعلتُم ذلك ؟ قالوا : لم نقل ذلك إلاَّ لأجل أنا كنا نخوض ونلعب.

فصل في بيان أصل الخوض


قال الواحديُّ : أصل الخوض الدخول في مائع مثل الماء والطين، ثم كثر حتى صار اسماً لكل دخول فيه تلويث وأذى، والمعنى : إنَّما كُنَّا نخوضُ في الباطل من الكلام كما يخوض الركب لقطع الطريق، فأجابهم الرسولُ بقوله :" أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون ".
قوله :". . . أباللهِ. . . " متعلقٌ بقوله :" تَستهْزئُونَ ". و " تَسْتهْزِئُونَ " خبرُ " كان " وفيه دليلٌ على تقديم خبر " كان " عليها ؛ لأنَّ تقديم المعمول يؤذن بتقديم العامل، وقد تقدَّم معمول الخبر على " كان " فليَجُزْ تقديمه بطريق الأولى.
وفيه بحث، وذلك أنَّ ابن مالك قدح في هذا الدَّليل، بقوله تعالى :﴿فَأَمَّا اليتيم فَلاَ تَقْهَرْ وَأَمَّا السآئل فَلاَ تَنْهَرْ﴾ [الضحى: ٩، ١٠] قال : ف " اليتيم "، والسائل قد تقدما على " لا " الناهية، والعاملُ فيهما ما بعدهما ولا يجوز تقديم ما بعد " لا " الناهية عليها، لكونه مجزوماً بها، فقد تقدَّم المعمولُ، حيث لا يتقدَّم للعامل ذكر، ذكر ذلك عند استدلالهم على جواز تقديم خبر " ليس " بقوله ﴿أَلاَ يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ﴾ [هود: ٨].

فصل


فرق بين قولك : أتستهزىء بالله، وبين قولك : أبالله تستهزىء، فالأوَّلُ يقتضي الإنكار على عمل الاستهزاء، والثاني يقتضي الإنكار على إيقاع الاستهزاء في الله، كأنه يقول : هَبْ أنك تقدم على الاستهزاء إلا أنه كيف أقدمت على إيقاع الاستهزاء في الله كقوله تعالى :﴿لاَ فِيهَا غَوْلٌ﴾ [الصافات: ٤٧] والمقصود : ليس نفي الغول، بل نفي أن يكون خمر الجنَّة محلاًّ للغول. ومعنى الاستهزاء بالله : هو الاستهزاء بتكاليفِ الله، والاستهزاء بذكر الله، فإنَّ أسماء الله قد يستهزىء بها الكافرُ، كما أنَّ المؤمن يعظمها. والمرادُ بالاستهزء ب " آيَاتِهِ " هو القرآن، وسائر ما يدلُّ على الدين، والرسول معلوم.
١ ذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٣/٤٥٦) عن الكلبي وعزاه إلى عبد الرزاق وابن المنذر وأبي الشيخ.
وذكره البغوي في "تفسيره" (٢/٣٠٨)..

٢ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٦/٤٠٩) وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٣/٤٥٥-٤٥٦) وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم وأبي الشيخ وابن مردويه عن ابن عمر.
وذكره البغوي في "تفسيره" (٢/٣٠٨) عن عمر..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى