جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
يقول تعالى جلّ ثناؤه لنبيه محمد ﷺ : ولئن سألت يا محمد هؤلاء المنافقين عما قالوا من الباطل والكذب، ليقولنّ لك : إنما قلنا ذلك لعبا، وكنا نخوض في حديث لعبا وهزوا. يقول الله لمحمد ﷺ : قل يا محمد أبالله وآيات كتابه ورسوله كنتم تستهزئون.
وكان ابن إسحاق يقول : الذي قال هذه المقالة كما :
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال : كان الذي قال هذه المقالة فيما بلغني وديعة بن ثابت، أخو بني أمية بن زيد من بني عمرو بن عوف.
حدثنا عليّ بن داود، قال : حدثنا عبد الله بن صالح، قال : حدثنا الليث، قال : ثني هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم : أن رجلاً من المنافقين قال لعوف بن مالك في غزوة تبوك : ما لقرّائنا هؤلاء أرغبنا بطونا وأكذبنا ألسنةً وأجبننا عند اللقاء فقال له عوف : كذبت، ولكنك منافق، لأخبرنّ رسول الله ﷺ فذهب عوف إلى رسول الله ﷺ ليخبره، فوجد القرآن قد سبقه، فقال زيد : قال عبد الله بن عمر : فنظرت إليه متعلقا بحقب ناقة رسول الله ﷺ، تنكبه الحجارة، يقول : إنّمَا كُنّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ فيقول له النبيّ ﷺ : أبا للّهِ وآياتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِءُونَ ما يزيده.
قال : ثني هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن عبد الله بن عمر، قال : قال رجل في غزوة تبوك في مجلس، ما رأينا مثل قرّائنا هؤلاء أرغب بطونا ولا أكذب ألسنة ولا أجبن عند اللقاء فقال رجل في المجلس : كذبت، ولكنك منافق، لأخبرنّ رسول الله ﷺ فبلغ ذلك النبيّ ﷺ، ونزل القرآن، قال عبد الله بن عمر : فأنا رأيته متعلقا بحقب ناقة رسول الله ﷺ، تنكبه الحجارة، وهو يقول : يا رسول الله إنما كنا نخوض ونلعب، ورسول الله ﷺ يقول : أباللّهِ وآياتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِءُونَ لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إيمَانِكُمْ.
حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال : حدثنا ابن علية، قال : أخبرنا أيوب، عن عكرمة، في قوله : وَلَئِنْ سألْتَهُمْ لَيَقُولُنّ إنّمَا كُنّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ. . . . إلى قوله : بأنّهُمْ كانُوا مُجْرِمِينَ قال : فكان رجل ممن إن شاء الله عفا عنه يقول : اللهمّ إني أسمع آية أنا أُعْنَى بها، تقشعرّ منها الجلود، وتَجِلُ منها القلوب، اللهمّ فاجعل وفاتي قتلاً في سبيلك، لا يقول أحد : أنا غسلت، أنا كفنت، أنا دفنت قال : فأصيب يوم اليمامة، فما من أحد من المسلمين إلا وجد غيره.
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله : وَلَئِنْ سألْتَهُمْ لَيَقُولُنّ إنّمَا كُنّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ. . . . الآية، قال : بينا رسول الله ﷺ يسير في غزوته إلى تبوك، وبين يديه ناس من المنافقين، فقال : أيرجو هذا الرجل أن يفتح قصور الشام وحصونها ؟ هيهات هيهات فأطلع الله نبيه ﷺ على ذلك، فقال نبيّ الله ﷺ :«احْبِسُوا عَليّ هَؤلاءِ الرّكْبَ » فأتاهم فقال :«قُلْتُمْ كَذَا ؟ قُلْتُمْ كَذَا ؟ » قالوا : يا نبيّ الله إنما كنا نخوض ونلعب فأنزل الله تبارك وتعالى فيها ما تسمعون.
حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال : حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة : وَلَئِنْ سألْتَهُمْ لَيَقُولُنّ إنّمَا كُنّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قال : بينما النبيّ ﷺ في غزوة تبوك ورَكْبٌ من المنافقين يسيرون بين يديه، فقالوا : يظنّ هذا أن يفتح قصور الروم وحصونها فأطلع الله نبيه ﷺ على ما قالوا، فقال :«عليّ بِهَؤلاءِ النّفَرِ » فدعاهم فقال :«قُلْتُمْ كَذَا وكَذَا ؟ » فحلفوا : ما كنا إلا نخوض ونلعب.
حدثنا الحرث، قال : حدثنا عبد العزيز، قال : حدثنا أبو معشر، عن محمد بن كعب وغيره، قالوا : قال رجل من المنافقين : ما أرى قرّاءنا هؤلاء إلا أرغبنا بطونا، وأكذبنا ألسنة، وأجبننا عند اللقاء فرفع ذلك إلى رسول الله ﷺ، فجاء إلى رسول الله ﷺ وقد ارتحل وركب ناقته، فقال : يا رسول الله، إنما كنا نخوض ونلعب فقال : أبا للّهِ وآياتِهِ ورَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِءُونَ. . . . إلى قوله : مُجْرِمِينَ وإن رجليه لتسفعان بالحجارة، وما يلتفت إليه رسول الله ﷺ، وهو متعلق بنسعة رسول الله ﷺ.
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد : إنّمَا كُنّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قال : قال رجل من المنافقين : يحدّثنا محمد أن ناقة فلان بوادي كذا وكذا في يوم كذا وكذا، وما يدريه ما الغيب
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، بنحوه.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
* * *
وأما قوله: (إن الله مخرجٌ ما تحذرون)، فإنه يعني به: إن الله مظهر عليكم، أيها المنافقون ما كنتم تحذرون أن تظهروه، فأظهر الله ذلك عليهم وفضحهم، (١) فكانت هذه السورة تدعَى: (الفَاضِحَةَ).
١٦٩٠٩- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قال: كانت تسمَّى هذه السورة: (الفَاضِحَةَ)، فاضحة المنافقين.
* * *
القول في تأويل قوله: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥)﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى جل ثناؤه لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: ولئن سألت، يا محمد، هؤلاء المنافقين عما قالوا من الباطل والكذب، ليقولن لك: إنما قلنا ذلك لعبًا، وكنا نخوض في حديثٍ لعبًا وهزؤًا! (٢) يقول الله لمحمد صلى الله عليه وسلم: قل، يا محمد، أبالله وآيات كتابه ورسوله كنتم تستهزءون؟
وكان ابن إسحاق يقول: الذي قال هذه المقالة: كما:-
١٦٩١٠- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق قال: كان الذي قال هذه المقالة فيما بلغني، وديعة بن ثابت، أخو بني أمية بن زيد، من بني عمرو بن عوف. (٣)
* * *
(٢) انظر تفسير "الخوض" فيما سلف ١١: ٥٢٩، تعليق: ٣، والمراجع هناك.
= وتفسير "اللعب" فيما سلف ١١: ٥٢٩، تعليق: ٤، والمراجع هناك.
= وتفسير "الاستهزاء" فيما سلف ١١: ٢٦٢، تعليق: ٣، والمراجع هناك.
(٣) الأثر: ١٦٩١٠ - سيرة ابن هشام ٤: ١٩٥، وهو تابع الأثر السالف رقم: ١٦٨٩٩.
١٦٩١٢- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، حدثني هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن عبد الله بن عمر قال: قال رجل في غزوة تبوك في مجلس: ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء، أرغبَ بطونًا، ولا أكذبَ ألسنًا، ولا أجبن عند اللقاء! فقال رجل في المجلس: كذبتَ، ولكنك منافق! لأخبرن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبلغ ذلك النبي ﷺ ونزل القرآن. قال عبد الله بن عمر: فأنا رأيته متعلقًا بحَقَب ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم
(٢) "الحقب" (بفتحتين) : حبل يشد به الرحل في بطن البعير مما يلي ثيله، لئلا يؤذيه التصدير، أو يجتذبه التصدير فيقدمه. و "نكبته الحجارة"، لثمت الحجارة رجله وظفره، أي نالته وآذته وأصابته.
(٣) الأثر: ١٦٩١١ - "هشام بن سعد المدني"، ثقة، متكلم في، مضى برقم: ٥٤٩٠، ١١٧٠٤، ١٢٨٢١.
" زيد بن أسلم العدوي" الفقيه، روى عن عبد الله بن عمر، روى له جماعة، مضى مرارًا كثيرة وسيأتي الخبر الذي يليه، من طريق ابن وهب، عنه. وهذا إسناد صحيح.
١٦٩١٣- حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا ابن علية قال، أخبرنا أيوب، عن عكرمة في قوله: (ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب)، إلى قوله: (بأنهم كانوا مجرمين)، قال: فكان رجل ممن إن شاء الله عفا عنه يقول: "اللهم إني أسمع آية أنا أعْنَى بها، تقشعرُّ منها الجلود، وتَجِبُ منها القلوب، (٢) اللهم فاجعل وفاتي قتلا في سبيلك، لا يقول أحدٌ: أنا غسَّلت، أنا كفَّنت، أنا دفنت"، قال: فأصيب يوم اليمامة، فما من أحدٌ من المسلمين إلا وُجد غيره.
١٦٩١٤- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: (ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب)، الآية، قال: بينا رسول الله ﷺ يسير في غزوته إلى تبوك، وبين يديه ناس من المنافقين فقالوا: "يرجو هذا الرجل أن يفتح قصور الشأم وحصونها! هيهات هيهات"! فأطلع الله نبيه ﷺ على ذلك، فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم: "احبسوا عليَّ الرَّكْب! (٣) فأتاهم فقال: قلتم كذا، قلتم كذا. قالوا: "يا نبي الله، إنما كنا نخوض ونلعب"، فأنزل الله تبارك وتعالى فيهم ما تسمعون.
١٦٩١٥- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: (ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب)، قال: بينما النبي ﷺ في غزوة تبوك، ورَكْب من المنافقين يسيرون بين يديه، فقالوا: يظن هذا أن يفتح قصورَ الروم وحصونها! فأطلع الله نبيه صلى الله عليه
(٢) "وجب قلبه يجب وجيبًا"، خفق واضطرب. وكان في المطبوعة: "وتجل" باللام، كأنه يعني من "الوجل"، ولكنه لم يحسن قراءة المخطوطة، لأنها غير منقوطة.
(٣) في المطبوعة: "على هؤلاء الركب"، زاد "هؤلاء" لغير طائل.
١٦٩١٦- حدثنا الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا أبو معشر، عن محمد بن كعب وغيره قالوا: قال رجل من المنافقين: ما أرى قُرَّاءنا هؤلاء إلا أرغبنا بطونًا، وأكذبنا ألسنة، وأجبننا عند اللقاء! فرُفع ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاء إلى رسول الله ﷺ وقد ارتحل وركب ناقته، فقال: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم، إنما كنا نخوض ونلعب! فقال: (أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون)، إلى قوله: (مجرمين)، وإن رجليه لتنسفان الحجارة، (١) وما يلتفت إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو متعلق بنِسْعَةِ رسول الله صلى الله عليه وسلم. (٢)
١٦٩١٧- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: (إنما كنا نخوض ونلعب)، قال: قال رجل من المنافقين: "يحدثنا محمد أن ناقة فلان بوادي كذا وكذا، في يوم كذا وكذا! وما يدريه ما الغيب؟ ".
١٦٩١٨- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، بنحوه.
* * *
(٢) "النسعة" (بكسر فسكون) : سير مضفور يجعل زمامًا للبعير، وقد تنسج عريضة تجعل على صدر البعير. ويقال للبطان والحقب: "النسعان".