زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿ولئن سألتهم﴾ في سبب نزولها ستة أقوال :
أحدها : أن جد بن قيس، ووديعة بن خذام، والجهير بن خمير، كانوا يسيرون بين يدي رسول الله ﷺ مرجعه من تبوك، فجعل رجلان منهم يستهزءان برسول الله ﷺ، والثالث يضحك مما يقولان ولا يتكلم بشيء، فنزل جبريل فأخبره بما يستهزئون به ويضحكون ؛ فقال لعمار بن ياسر " اذهب فسلهم عما كانوا يضحكون منه، وقل لهم : أحرقكم الله " فلما سألهم، وقال : أحرقكم الله ؛ علموا أنه قد نزل فيهم قرآن، فأقبلوا يعتذرون إلى رسول الله ﷺ، وقال الجهير : والله ما تكلمت بشيء، وإنما ضحكت تعجبا من قولهم ؛ فنزل قوله :﴿لاَ تَعْتَذِرُواْ﴾ يعني جد بن قيس، ووديعة ﴿إن يَعْفُ عَن طَائِفَةٍ مّنْكُمْ﴾ يعني الجهير ﴿نُعَذّبْ طَائِفَةً﴾ يعني الجد ووديعة، هذا قول أبي صالح عن ابن عباس.
والثاني : أن رجلا من المنافقين قال : ما رأيت مثل قرائنا هؤلاء، ولا أرغب بطونا، ولا أكذب، ولا أجبن عند اللقاء ؛ يعني رسول الله ﷺ وأصحابه ؛ فقال له عوف بن مالك : كذبت، لكنك منافق، لأخبرن رسول الله ﷺ ؛ فذهب ليخبره، فوجد القرآن قد سبقه ؛ فجاء ذلك الرجل، فقال : يا رسول الله، إنما كنا نخوض ونلعب، هذا قول ابن عمر، وزيد بن أسلم، والقرظي.
والثالث : أن قوما من المنافقين كانوا يسيرون مع رسول الله ﷺ، فقالوا : إن كان ما يقول هذا حقا، لنحن شر من الحمير ؛ فأعلم الله نبيه ما قالوا، ونزلت ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ﴾، قاله سعيد بن جبير.
والرابع : أن رجلا من المنافقين قال : يحدثنا محمد أن ناقة فلان بوادي كذا وكذا، وما يدريه ما الغيب ؟ فنزلت هذه الآية، قاله مجاهد.
والخامس : أن ناسا من المنافقين قالوا : يرجو هذا الرجل أن يفتح قصور الشام وحصونها، هيهات ؛ فأطلع الله نبيه على ذلك، فقال نبي الله ﷺ :( احبسوا علي الركب )، فأتاهم، فقال :( قُلْتُمْ كذا وكذا )، فقالوا : إنما كنا نخوض ونلعب ؛ فنزلت هذه الآية، قاله قتادة.
والسادس : أن عبد الله بن أبي، ورهطا معه، كانوا يقولون في رسول الله وأصحابه ما لا ينبغي، فإذا بلغ رسول الله ﷺ قالوا : إنما كنا نخوض ونلعب، فقال الله تعالى :﴿قُلْ﴾ لهم ﴿أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون﴾، قاله الضحاك. فقوله :﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ﴾ أي ؛ عما كانوا فيه من الاستهزاء ﴿لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾ أي : نلهو بالحديث.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى