محاسن التأويل — جمال الدين القاسمي

عن الكتاب
[ ٦٥ ] ﴿ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون ٦٥﴾.
﴿ولئن سألتهم﴾ أي عن إتيانهم بتلك القبائح المتضمنة للاستهزاء بما ذكر ﴿ليقولنّ﴾ أي في الاعتذار إنه لم يكن عن القلب حتى يكون نفاقا وكفرا بل ﴿إنما كنا نخوض﴾ أي ندخل هذا الكلام لترويح النفس ﴿ونلعب﴾ أي نمزح ﴿قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون﴾ أي في ترويحكم ومزاحكم، ولم تجدوا لهما كلاما آخر.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:تنبيه :
روي في صفة استهزاء المنافقين روايات عدة :
قال ابن إسحاق(١) :" كان رهط من المنافقين منهم وديعة بن ثابت، أخو بني عمرو بن / عوف، ومنهم رجل من أشجع حليف لبني سلمة يقال له مخشن بن حمير، ( ويقال مخشيّ ) يشيرون إلى رسول الله ﷺ وهو منطلق إلى تبوك، فقال بعضهم لبعض : أتحسبون جلاد بني الأصفر كقتال العرب بعضهم بعضا. والله ! لكأنا بكم غدا مقرنين في الحبال، إرجافا وترهيبا للمؤمنين، فقال مخشن بن حمير : والله ! لوددت أن أقاضى على أن يضرب كل منا مائة جلدة، وأنا ننقلب أن ينزل فينا قرآن، لمقالتكم هذه. وقد قال رسول الله ﷺ فيما بلغني - لعمار بن ياسر : أدرك القوم، فإنهم قد احترقوا، فسلهم عما قالوا، فإن أنكروا، فقل : بلى ! قلتم : كذا وكذا. فانطلق إليهم عمار، فقال ذلك لهم، فأتوا رسول الله ﷺ يعتذرون إليه، فقال وديعة بن ثابت - ورسول الله ﷺ واقف على ناقته- : يا رسول الله ! إنما كنا نخوض ونلعب، فأنزل الله عز وجل فيهم :﴿ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب﴾ وقال مخشن بن حمير : يا رسول الله ! قعد بي اسمي واسم أبي. وكان الذي عفي عنه في هذه الآية مخشن، فتسمى عبد الرحمن، وسأل الله تعالى أن يقتله شهيدا لا يعلم بمكانه، فقتل يوم اليمامة، فلم يوجد له أثر ". انتهى.
وقال عكرمة :" ممن إن شاء الله تعالى عفا عنه يقول : اللهم إني أسمع آية أنا أعنى بها، تقشعر منها الجلود، وتوجل منها القلوب. اللهم فاجعل وفاتي قتيلا في سبيلك، لا يقول أحد : أنا غسلت، أنا كفنت، أنا دفنت. قال : فأصيب يوم اليمامة، فما من أحد من المسلمين إلا وقد وجد، غيره ".
ومما روي في استهزائهم :" أن رجلا من المنافقين قال : ما رأيت مثل قرائنا هؤلاء، أرغب بطونا، ولا أكذب ألسنا، ولا أجبن عند اللقاء. فرفع ذلك إلى رسول الله ﷺ، فجاء إلى النبي صلوات الله عليه وقد ارتحل وركب ناقته، فقال : يا رسول الله ! إنما كنا نخوض ونلعب، فقال :﴿أبالله ورسوله وآياته كنتم تستهزئون.... الآية﴾ - وهو متعلق بسيف الرسول، وما يلتفت إليه ﷺ ".
قال الزجاج :( الطائفة ) في اللغة أصلها الجماعة، لأنها المقدار الذي يمكنها أن تطيف بالشيء، ثم يجوز أن يسمى الواحد بالطائفة. انتهى.
وإيقاع الجمع على الواحد معروف في كلام العرب.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى