فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني

عن الكتاب
أخبر الله سبحانه رسوله ﷺ بأن صدور الاستغفار منه للمنافقين وعدمه سواء، وذلك لأنهم ليسوا بأهل لاستغفاره ﷺ، ولا للمغفرة من الله سبحانه لهم، فهو كقوله تعالى :﴿قُلْ أَنفِقُواْ طَوْعاً أَوْ كَرْهاً لَّن يُتَقَبَّلَ مِنكُمْ﴾، ثم قال :﴿إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ الله لَهُمْ﴾ وفيه بيان لعدم المغفرة من الله سبحانه للمنافقين، وإن أكثر النبي ﷺ من الاستغفار لهم، وليس المراد من هذا أنه لو زاد على السبعين لكان ذلك مقبولاً، كما في سائر مفاهيم الأعداد، بل المراد بهذا المبالغة في عدم القبول. فقد كانت العرب تجري ذلك مجرى المثل في كلامها عند إرادة التكثير، والمعنى : أنه لن يغفر الله لهم وإن استغفرت لهم استغفاراً بالغاً في الكثرة، غاية المبالغ، وقد ذهب بعض الفقهاء إلى أن التقييد بهذا العدد المخصوص يفيد قبول الزيادة عليه، ويدل لذلك ما سيأتي عن النبي ﷺ أنه قال :«لأزيدنّ على السبعين » وذكر بعضهم لتخصيص السبعين وجهاً فقال : إن السبعة عدد شريف ؛ لأنها عدد السموات، والأرضين، والبحار، والأقاليم، والنجوم السيارة، والأعضاء، وأيام الأسبوع، فصير كل واحد من السبعة إلى عشرة ؛ لأن الحسنة بعشر أمثالها. وقيل : خصت السبعون بالذكر لأنه ﷺ كبر على عمه الحمزة سبعين تكبيرة، فكأنه قال : إن تستغفر لهم سبعين مرة بإزاء تكبيراتك على حمزة. وانتصاب سبعين على المصدر كقولهم : ضربته عشرين ضربة. ثم علل عدم المغفرة لهم بقوله :﴿ذلك بِأَنَّهُمْ كَفَرُواْ بالله وَرَسُولِهِ﴾ أي : ذلك الامتناع بسبب كفرهم بالله ورسوله ﴿والله لاَ يَهْدِي القوم الفاسقين﴾ أي : المتمرّدين الخارجين عن الطاعة المتجاوزين لحدودها، والمراد هنا : الهداية الموصلة إلى المطلوب، لا الهداية التي بمعنى الدلالة وإراءة الطريق.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن عروة أن عبد الله بن أبيّ قال : لولا أنكم تنفقون على محمد وأصحابه لانفضوا من حوله، وهو القائل :﴿لَيُخْرِجَنَّ الأعز مِنْهَا الأذل﴾ فأنزل الله :﴿استغفر لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ فقال النبي ﷺ :«لأزيدنّ على السبعين» فأنزل الله :﴿سَوَاء عَلَيْهِمْ اسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَن يَغْفِرَ الله لَهُمْ﴾. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، عن مجاهد نحوه. وأخرج ابن جرير، عن ابن عباس، نحوه. وأخرج أحمد، والبخاري، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وابن أبي حاتم، والنحاس، وابن حبان، وابن مردويه، وأبو نعيم في الحلية، عن ابن عباس قال : سمعت عمر يقول : لما توفي عبد الله بن أبيّ دعي رسول الله ﷺ للصلاة عليه فقام عليه، فلما وقف قلت : أعلى عدوّ الله عبد الله بن أبيّ القائل كذا وكذا، والقائل كذا وكذا ؟ أعدد أيامه، ورسول الله ﷺ يتبسم حتى إذا أكثرت قال : يا عمر أخر عني، إني قد خيرت، قد قيل لي :﴿استغفر لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ الله لَهُمْ﴾ فلو أعلم أني إن زدت على السبعين غفر له، لزدت عليها، ثم صلى عليه رسول الله ﷺ ومشى معه حتى قام على قبره، حتى فرغ منه، فعجبت لي ولجرأتي على رسول الله ﷺ، والله ورسوله أعلم. فوالله ما كان إلا يسيراً حتى نزلت هاتان الآيتان ﴿وَلاَ تُصَلّ على أَحَدٍ مّنْهُم مَّاتَ أَبَداً وَلاَ تَقُمْ على قَبْرِهِ﴾ فما صلى رسول الله ﷺ على منافق بعد حتى قبضه الله عزّ وجلّ. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن قتادة، في قوله :﴿فَرِحَ المخلفون﴾ الآية قال : عن غزوة تبوك. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، عن ابن عباس، أن رسول الله ﷺ أمر الناس أن ينبعثوا معه، وذلك في الصيف، فقال رجال : يا رسول الله الحر شديد، ولا نستطيع الخروج، فلا تنفروا في الحرّ، فقال الله :﴿قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرّا لَّوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ﴾ فأمره بالخروج.
وأخرج ابن مردويه، عن جابر بن عبد الله، نحوه.
وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس، في قوله :﴿فَلْيَضْحَكُواْ قَلِيلاً وَلْيَبْكُواْ كَثِيرًا﴾ قال : هم المنافقون والكفار الذين اتخذوا دينهم هزواً ولعباً، يقول الله : فليضحكوا قليلاً في الدنيا، وليبكوا كثيراً في الآخرة. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن قتادة، في قوله :﴿فَإِن رَّجَعَكَ الله إلى طَائِفَةٍ مّنْهُمْ﴾ قال : ذكر لنا أنهم كانوا اثني عشر رجلاً من المنافقين، وفيهم قيل ما قيل. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس، في قوله :﴿فاقعدوا مَعَ الخالفين﴾ قال : هم الرجال الذين تخلفوا عن الغزو.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى